مسلسلات رمضان : خدش الروحانية وغياب المؤرخين


 

 بدأت صيام شهر رمضان المبارك في أواخر أيامه عندما كنت في الصف الثالث الابتدائي (الأساسي) ثم شاء الله أن يعود علينا شهر رمضان أزمنة عديدة متنقلة بين الفصول الأربعة و ساعات صوم قليلة لا تتجاوز التسع ساعات إلى ما يزيد عن 16 ساعة من الصوم، وأيا كان الفصل الذي يحلّ فيه الشهر الفضيل فقد كان ما يشهد تغيرا واضحا في برامج التلفزيون وأوقات بثها.

 

الأبيض والأسود ..عصر الهوائيات

 

دخل أول جهاز تلفزيون إلى بيتنا في مخيم جنين أواخر عام 1982، وكان باللونين الأبيض والأسود؛ فوقتها كان اقتناء تلفزيون ملوّن يتطلب مبلغًا كبيرًا لم يكن معظم الناس قادرين على دفعه.

 

وكان التلفزيون في منطقتنا لا يلتقط -إضافة إلى المحطة الإسرائيلية- سوى محطتين عربيتين (الأردن وسوريا)، بجودة تزداد وتنقص حسب الأحوال الجوية التي تؤدي إلى انحراف الهوائي القابع على سطح المنزل (كنا نسميه الأنتين)، وهو ما يستدعي تعاون أفراد الأسرة وربما الاستعانة بالجيران لتوجيهه.

 

وكانت أوقات البث غالبًا تبدأ عصرًا وتنتهي قبل منتصف الليل، إلا عندما تكون هناك عاصفة ثلجية (وهذا نادر الحدوث)، أو خلال شهر رمضان المبارك، حيث تبدأ باكرًا وتنتهي في وقت متأخر، أو تكون على مدار الساعة.

رمضان وغزارة العروض التلفزيونية

 

كنا نستبشر ونفرح في شهر رمضان المبارك بزيادة أوقات البث التلفزيوني، وتنوع المواد التي تُعرض في هذا الشهر؛ فهناك طبعًا زيادة في البرامج الدينية والمسابقات و"الفوازير"، ومجموعة من المسلسلات المختلفة (تاريخية وكوميدية واجتماعية.. إلخ)، التي تتوزع على نهار وليل الشهر الفضيل.

كان التلفزيون الذي يلتقط المحطات العربية القريبة هو أهم وسيلة إعلامية وترفيهية، وحتى تثقيفية تعليمية، وكان له تأثير كبير على المشاهد.

استمر التلفزيون الأبيض والأسود في منزلنا حتى صيف 1992، عندما اشترينا جهاز تلفزيون ملوّن (صناعة ألمانية)، ولكنه كان مستعملًا، فالموازنة لا تسمح بشراء جديد.

الموسم الرمضاني لماذا؟

 

كبرنا وكثرت انشغالاتنا، وتطور عالم التلفاز وجاء عصر الفضائيات الرقمية (الديجيتال)، الذي جعل المشاهد أمام شاشة صافية ملونة، يمكنه اختيار ما يشاء؛ فالعروض بالمئات.

ولكن ظل هناك شيء ثابت لم يتغير، وهو ما يسمى "الموسم الرمضاني" للمسلسلات، التي تتسابق شركات الإنتاج العربية على عرضها في الشهر الكريم، سواء عبر القنوات الفضائية، أو المنصات التي دخلت خط التلفزة مع تطور خدمات الإنترنت وسرعتها.

وصار هناك سؤال مشروع منطقي: ما هو الرابط بين شهر رمضان المبارك وزيادة وتنويع عرض المسلسلات العربية؟ وما الداعي لهذا؟ وقد رأينا بعض البرامج وبعض الـ"يوتيوبرز" -ولا أريد أن أذكر اسمًا محددًا هنا- يختارون أن يكون رمضان إجازة لهم من تقديم حلقاتهم التي تبث طوال السنة.

فإذا كانت ساعات الدوام تُقلّص في رمضان، وكثير من الأنشطة تُختصر في شهر الصوم، فلماذا تزداد عروض المسلسلات، بل بعضها يؤجل عرضه بعد تصويره إلى حين قدوم الشهر الفضيل؟

يضاف إلى ذلك أن أحوال كثير من العرب والمسلمين -خاصة في فلسطين، وبشكل أخص في غزة- تتطلب زهدًا في الترفيه حتى في غير رمضان.

خدش روحانية رمضان

 

غالبية المسلسلات فيها ما يخدش روحانية وخصوصية شهر رمضان؛ فهذا الشهر اختصه الله تعالى بالصيام والقيام وقراءة القرآن. وبداهة، يجدر ألا يختلط المسار الروحاني التعبدي للشهر بمشهد هنا أو هناك، فيكفي ما يعانيه الناس من مشكلات مختلفة، تشوّش عليهم التجليات الروحية لهذا الشهر.

ولهذا أرى أن الفضائيات والإنترنت قد أقامت علينا الحجة في هذا الشهر؛ ففي الماضي لم نكن نملك كثيرًا من الخيارات، ولا ضمانة أن المسلسلات سيعاد بثها، ولكنْ حاليًا يمكن للمشاهد الصائم القائم أن يمتنع عن مشاهدة أي مسلسل -جيدًا كان أو رديئًا- طيلة شهر رمضان، لأنه يمكنه ببساطة مشاهدته بعد الشهر الكريم.

ويبقى اللوم والعتب والاستغراب للحالة المتكررة كل عام، أي زيادة وتكثيف عرض المسلسلات خلال شهر رمضان!. فلماذا لا يكون الشهر إجازة من العروض؟ ولماذا لا يكون موسم العرض الأكبر موسمًا آخر غير شهر رمضان؟

وحفاظًا على روحانية الشهر، واحترامًا لخصوصيته، يجب أن ندعو كل القائمين على الإنتاج الفني إلى ترك هذه العادة؛ فشهر رمضان وصفه الله تعالى بأنه {أيامًا معدودات}، ونحن نشعر أنه ضيف خفيف سريع، فلماذا تُستهدف هذه الأيام بالمسلسلات التي نعلم أن كثيرًا منها يتناقض مع روحانية الشهر؟

بل من الغرائب أن بعض القنوات الفضائية تبث برامج دينية، يتكلم فيها واعظ يحذّر من متابعة المسلسلات في رمضان ومساوئ ذلك، وقبل الموعظة وبعدها تجد القناة ذاتها تبث المسلسلات!

 

غياب المؤرخين العرب عن الدراما

 

وشهر رمضان في كل عام لا يكاد يخلو من مسلسلات تاريخية، تتناول سيرة شخصية إسلامية أو عربية كان لها دور بارز وبصمات في حياة الأمة؛ فهناك مسلسلات تناولت سير الخلفاء والأمراء، والحكام والقادة العسكريين، والأئمة والمحدثين وغيرهم. وعند كل عرض تخرج أصوات ناقدة لبعض أو لمعظم الأعمال، لأن فيها مغالطات وأخطاء تاريخية وفنية لا يمكن السكوت عنها.

 

حسنًا.. ما دام هذا يتكرر، وما دامت هذه المسلسلات يُنفق عليها مبالغ طائلة؛ فلماذا لا يكون هناك بند في النفقات مخصص للمراجعة التاريخية، وأيضًا للتدقيق اللغوي بطبيعة الحال؟

لدينا من المحيط إلى الخليج مؤرخون أفنوا أعمارهم في دراسة التاريخ، والتصنيف فيه وتدريسه، وآن الأوان أن يكون لهؤلاء دور محوري في مراجعة وتدقيق الأعمال الفنية والمسلسلات التاريخية؛ فهناك حقيقة نعلمها جميعًا، وهي أن معظم الناس يفضلون المعلومة السهلة التي يتلقفونها من شاشة ملونة بخفة وأسلوب درامي لا تعليمي مباشر، وليس لديهم استعداد للعودة إلى كتب التاريخ ومراجعه، بل غالبيتهم إذا شاهدوا مجلدات هذه الكتب على رف مكتبة ولّوا منها مدبرين!

وعليه، فإن هناك مسؤولية دينية وأخلاقية وتعليمية، تقع على عاتق كل من يتصدر لتقديم مسلسل تاريخي، سواء بتقديم الفكرة أو كتابة السيناريو، أو بالأدوار الموكلة إلى الممثلين، أو عرض الأحداث وغير ذلك.

والمسؤولية تقتضي بالضرورة الاستعانة بالمؤرخين العرب ذوي الكفاءة والإخلاص والمنهج العلمي، فكل الأمم تحرص على تقديم تاريخها للأجيال بأفضل صورة، فما بالنا نحن؟!

 

،،،،،

من قلم:سري عبد الفتاح سمّور(أبو نصر الدين)-جنين-أم الشوف/حيفا-فلسطين

تم النشر ،الأحد، 16 رمضان   1446هـــ، 16-3-2025م

 

https://www.aljazeera.net/blogs/2025/3/16/%D9%85%D8%B3%D9%84%D8%B3%D9%84%D8%A7%D8%AA-%D8%B1%D9%85%D8%B6%D8%A7%D9%86-%D8%AE%D8%AF%D8%B4-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D9%88%D8%AD%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A9-%D9%88%D8%BA%D9%8A%D8%A7%D8%A8

 

 

 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

تقرير من إعدادي عن الشيخ/محمد سعيد ملحس-نابلس

لماذا نجح اليمين الصهيوني المتطرف في تطبيع العرب؟!

التلفزيون خرّب بيتنا!!