6 أيار يوم يزيد العرب انقساما ويفتح جرحا لا ينقصنا

 






يجد المرء نفسه أحيانا ينساق اضطرارا أو اختيارا أو ما بينهما وينخرط حدّ الغرق فيما دأب على النهي عنه، أعني هنا تحديدا الجدل والحديث عن الماضي القريب أو البعيد وتجاهل الواقع الغني عن الشرح المملوء بالقهر والعجز والفرقة والخذلان وتسلّط وشماتة الأعداء.

بلاد الشام ليست كلها على سوية واحدة في النظر إلى موضوع إعدام حوالي 40 شخصا من المثقفين والنشطاء العرب شنقا في ساحتي البرج والمرجة قبل قرن من الزمان بأمر وإصرار من قائد الجيش الرابع العثماني-ناظر البحرية (أحمد جمال باشا) المعروف بلقب(السفاح).

فسورية الحالية منذ 1920 اعتبرت هذا اليوم 6 أيار سنويا مناسبة وطنية(عيد الشهداء) ويوم عطلة رسمية ولكن مؤخرا وفي كتاب التاريخ للصف الثامن تم تعديل المنهاج ووصف الذين نفذ فيهم الحكم بأنهم من(المتآمرين) وأثار التعديل لغطا وجدلا ليس فقط وسط أيتام وفلول نظام القرداحة، فهؤلاء لن يكفوا عن انتقاد وتعييب كل شيء يخص الحكم الجديد، ولكن من آخرين وقفوا مع الثورة ضد النظام، وهم يدعون اليوم لتدشين هاشتاغات وصولا إلى إحياء هذه الذكرى، متهمين الحكومة السورية بمجاملة مبالغ فيها لتركيا.

وفي لبنان أيضا يفترض أنه (يوم وطني) ولكن تتابع الأحداث الجسام في لبنان وتركيبته الخاصة ربما جعل الأمر باهتا إلى حدّ كبير.

وحتى سقوط نظام الأسد أواخر 2024 كان هناك تقليد ولو رسميا يحيي هذه المناسبة، ورافقته أعمال درامية كثيرة نسبيا تتبنى سردية خاصة:جرائم الأتراك بحق العرب ونسبة كل سيئة حصلت للعرب خلال قرون إلى (الاحتلال العثماني) استنادا إلى 4 سنوات من حكم السفاح.

شاركت (فيروز) في فيلم أبيض وأسود(سفر برلك) وأنتجت الدراما السورية مسلسلات أو أفلام تلفزيونية سواء باللهجة الدارجة المحكية أو اللغة العربية الفصحى تعيد التذكير الممنهج الحامل لرسائل كثيرة، بتلك الأحداث؛ والواضح ان نظام البعث وظّف التاريخ المذكور لإيصال رسالة(قبل 2011) بأنه مهما بلغ من قمع وإجرام فالناس تحت حكمه (بألف خير) مقارنة بالسلطنة العثمانية.

المنهاج في الأردن (وشخصيا درسته لأننا في الضفة الغربية كان منهاجنا أردنيا) والمستوى الرسمي ركز كثيرا على (الثورة العربية الكبرى) أكثر من موضوع عمليات الإعدام(مع أنه يشير أنها سبب الثورة) كمناسبة وطنية يتم الاحتفال بها واعتبارها نقطة انطلاق نهضة عربية، معتبرا تلك الثورة من أهم أحداث التاريخ العربي بطوله وعرضه.

أما في فلسطين فإن هذه الأحداث لم تلق كثيرا من الاهتمام الرسمي والشعبي نظرا لما هو معروف، من تتابع غزو واحتلال الإنجليز وإقامة إسرائيل وما تلاه حتى الآن ولا ندري متى ينتهي الوجع.

والمؤكد أن الذاكرة الفلسطينية خلّدت ذكرى شنق (فؤاد حجازي ومحمد جمجوم وفؤاد حجازي) في سجن عكا في 1930 على إثر ثورة البراق في 1929 ولا تزال الأجيال تردد كلمات أغنية فرقة العاشقين(من سجن عكا وطلعت جنازة...) وحاليا عادت هذه المناسبة بقوة إلى الذاكرة بعد إقرار قانون إسرائيلي يجيز الحكم بإعدام أسرى فلسطينيين.

ومع أن بعض من أعدمهم جمال باشا من فلسطين، ولكن هذا الحدث لم يأخذ اهتماما كبيرا من الفلسطينيين، اللهم إلا بعض ذوي التوجهات القومية(وهم قلة) والباحثين المهتمين والذين يتبنون غالبا السردية القومية العربية، بل في المزاج الشعبي الفلسطيني عموما هناك شعور بأن ما أصاب البلاد والعباد ما كان ليحصل لو لم تنهزم جيوش السلطنة العثمانية، ولو لم يضع العرب يدهم في يد الإنجليز ضدها.

هذا حال بلاد الشام الممزقة في الذكرى المائة لمشانق جمال باشا، فلسنا على نسق واحد موضوعيا بله فكريا وسياسيا.

أما بقية العرب فليس لديهم هذا الاهتمام بهذه الأحداث خارج دوائر أكاديمية ضيقة؛ فهم باختصار لم يخضعوا لحكم جمال باشا، والدراما المصرية وهي الأقدم والأوسع والأكبر عربيا حسب علمي لم تتطرق لهذه الأحداث.

فالعرب منقسمون بحكم واقعهم تجاه تلك الأحداث، بل وفي نظرتهم إليها، فوقتها نظمت مظاهرات تأييد(ليس إجبارا) لنصب المشانق، واليوم هناك من العرب من يرى الأمر طبيعيا لحماية دولة في حالة حرب مع الإنجليز والفرنسيين والروس اكتشفت أن هناك من يتعامل معهم.

وهناك من يرى هذه جريمة كبيرة وأن التهم ملفقة كاذبة وأن جمال باشا يكره العرب كونهم عربا من حيث العرق وتعمد قتلهم وإذلالهم وتسبب في موت كثير من الناس جوعا وأنه يجسد الظلم والطغيان بأبشع صوره.

وقد تبين أن الأتراك أنفسهم منقسمون حول شخصية جمال باشا بين اعتباره رجل دولة حازم أراد حماية ما تبقى من سلطنة ينهشها الأعداء من كل حدب وصوب ولو بالعنف الشديد، وبين من يراه سببا في ضياع(هذا الذي تبقى) برعونته وحمقه إضافة إلى إحداث شرخ نفسي بين الأتراك والعرب.

وأنا أسلّم سلفا أنني بهذه المقالة الطويلة لن أقضي على هذا الانقسام والتباين في المواقف، ولكن هناك نقاط أرغب تسليط الضوء عليها نظرا لما يمكن أن نسميه(تحديثات) خاصة على المستوى التركي السياسي والأكاديمي البحثي في السنوات الأخيرة، وما زال مستمرا في قراءة تلك الأحداث.

ولكن دعونا نتفق على أمرين مهمين جدا ولنختلف كما نشاء على غيرهما، الأول:إن حكم العسكر سيء ويجلب الكوارث والانقسامات ويحمل الظلم في طيّاته بقصد أو بغير قصد، واستيلاء العسكر على الحكم بعد الانقلاب على السلطان عبد الحميد الثاني(جمال باشا دخل على السلطان حاملا مسدسه) هو منبع كل المآسي التي قادت إلى تفكك السلطنة وهزيمتها أمام الإنجليز والفرنسيين، وإقامة إسرائيل.

والثاني:الانقلابي ولو كان عنده رؤية إصلاحية وبرامج بناء حقيقية يظل مسكونا بالحفاظ على كرسيه وسلطته كأولوية دونها كل ما سواها، سواء أكان جمال باشا التركي أم فلان العربي.

وفي مقابلة صحفية نادرة مع جمال باشا قال بأن من أسباب عزل السلطان عبد الحميد ضياع واحتلال كثير من الأقطار العثمانية أثناء حكمه؛ وهذا صحيح ولكن السلطان عبد الحميد لا يتحمل المسئولية مباشرة فهو ورث عرش سلطنة ضعفت وشاخت وهو بما أوتي من قدرات لا ينكرها منصف عمل على إبطاء الانهيار على الأقل وحاول جمع شتات الأمة ولكن التيار كان أقوى منه.

أما جمعية (الاتحاد والترقي) والتي كان من أبرز قادتها جمال باشا فقد عجلت بانهيار السلطنة وضياع ما بقي منها وصولا إلى احتلال أجزاء من الأناضول لولا تصدي الشعب التركي لاستمر، وتسببت سياسته بكراهية مزدوجة بين قطاعات عربية وتركية.

وكما قيل:حكم جمال باشا 4 سنوات خرّب علاقة عمرها 4 قرون.

وقد فشلت محاولة القيادة في إسطنبول إصلاح و ترميم ما تم تخريبه بتعيين(جمال المرسيني-المعروف بجمال الصغير) والذي نال محبة وتقديرا من العرب الشوام ولكن للأسف لم يدم حكمه سوى سنة واحدة لأن البلاد سقطت بيد الحلفاء..إضافة إلى إرسال مندوبين مدنيين لتقييم الوضع ومحاولة إصلاح العلاقة مع العرب واسترضائهم.

والنقاط التي أريد تسليط الضوء عليها هي:-

1)   هناك حالة غريبة تجمع بين الدفاع عن السلطان عبد الحميد الثاني وتمجيده من قبل بعض العرب، وفي نفس الوقت تبرير ما قام به جمال باشا وصولا إلى الدفاع عنه، علما بأنه كما ذكرنا كان الباشا قائدا بارزا ممن انقلبوا على السلطان؛ ولكن هذا ليس فصاما أو تناقضا بقدر ما هو آلية دفاعية-هجومية؛ فالتيار القومي العربي(البعثي أو القومي السوري أو غيره) ليس ضد جمال باشا تحديدا وفترة حكمه فهو أيضا ضد عبد الحميد بل تعاون قوميون عرب مع الاتحاديين علنا، فهؤلاء يعتبرون العثمانيين شرا مطلقا من أولهم إلى آخرهم سواء بوجود جمال باشا أو بوجود جمال المرسيني أو من قبلهما وصولا إلى ما قبل 400 عام وما مشانق جمال باشا إلا حجة أو شماعة يعلقون عليها حقدهم على السلطنة العثمانية، بل عندهم خطة ممنهجة تقول صراحة أن عليهم الطعن في الخلافة الإسلامية من بوابة ممارسات السلطنة العثمانية نهاية عهدها، فما يقوم به بعض الإسلاميين هو ردة فعل على هذا التوجه الخبيث.

2)   مذكرات جمال باشا تناولت هذه الأحداث وبالطبع دافع عن نفسه وحاول تبريرها؛ ويجب التنبيه هنا أن التعامل مع المذكرات لا يكون فقط بتدقيق المعلومات الواردة فيها بل بالنظر إلى البعد النفسي وأيضا أن نضع في الاعتبار أن كل من يكتب مذكراته قلّما يدين نفسه بأية جريمة ارتكبها، ولو أن (هولاكو) تعرض للأسر وأتيح له إملاء أو كتابة مذكراته لأظهر نفسه بريئا وحملا وديعا لم يفهمه الناس، و(آل كابوني) عندما حاصرت الشرطة منزل عشيقته الذي كان يختبئ فيه كتب أن(بين جوانحي قلبا رحيما ولكن..) وهو الذي يقول عنه دايل كارنيجي:كان يقتل الرجل لو قذفه بريشة طائر، وقد قرأنا ترجمات لمذكرات (بيغن) و(شارون) وغيرهما تحمل نفس الفكرة، وجمال باشا ليس خارج هذا التصنيف ولكن بالفحص العام لما جاء في المذكرات يمكن أن نقول أن جمال باشا الذي لم يبدي ندما بل دفاعا عن إعدام النشطاء العرب، هو نادم فعلا على ذلك، وما كتبه هو في إطار الحيل النفسية المعروفة، وهو يؤكد أنه لا يحمل حقدا وكراهية للعرق العربي، وقد يكون صادقا في هذه الجزئية، ولكنه كان مسكونا بمنع أي تكتل عربي ولو تحت ناظريه وإشرافه.

3)   الباشوات الثلاثة الذين حكموا ما بقي من السلطنة العثمانية فعليا بحكم نفوذهم، بعد عزل السلطان عبد الحميد (إسماعيل أنور باشا ومحمد طلعت باشا وأحمد جمال باشا) سرّعوا في انهيار الدولة ودخولها في الحرب العالمية الأولى إلى جانب ألمانيا ضد الحلفاء، ولكن أنور وطلعت بلا شك لم يكونا راضيين عن طريقة حكم جمال باشا لبلاد الشام خاصة موضوع المشانق، وقد توسط كلاهما لاستصدار عفو عن بعضهم دون جدوى، فأنور وطلعت أدركا أن عمليات الإعدام في ذلك الظرف الحساس لها تبعات وخيمة، وقد أبدى أنور باشا عجزا وأسفا أمام الأمير(شكيب أرسلان) والأخير كان من أكثر العرب المناصرين قولا وفعلا للدولة العثمانية ولكنه شعر بخطورة وتبعات تنفيذ أحكام الإعدام فطلب من أنور باشا التدخل لوقفها عندما التقاه في القدس بأن جمال باشا له صلاحيات مطلقة في بلاد الشام، ويقال أن طلعت باشا مع أنه كان صديقا لزميله جمال قال له في لحظة مصارحة: لو أنفقنا كل القروض التي أخذناها لِسَتر شرورك وآثامك لما كفتنا!

ومع أن أحمد داود أوغلو في كتابه(العمق الاستراتيجي) يصف أنور باشا بالمغامر أو المتهور ولكنه وطلعت لم يكونا راضيين عن سياسة جمال وطريقته في حكم وإدارة بلاد الشام، وفي المقابل كان لدى جمال باشا عقدة من زميليه لأنه بحكم إقامته في الشام كان بعيدا عن دائرة صنع القرار في الآستانة، مع أن دوره بارز في عزل السلطان عبد الحميد وبناء الدولة الجديدة، وهذا خلق عنده نوعا من العقدة أو لنقل الغيرة كان يحاول تعويضها بحيازة الألقاب والرتب منها رتبة (سردار) أو ما يعادل فريق أول.

وليس في تركيا تمثال أو ضريح مميز أو معلم بارز خاص بجمال باشا عكس أنور باشا مثلا؛ وهو ما يضعه في خانة موظف تنفيذي عادي، وأيضا لأنه شخصية جدلية كونه لم يحقق إنجازا عسكريا مهما بل هزائم متلاحقة أمام الإنجليز خاصة حملته على مصر، أو إنجازا مميزا في مجالات الإدارة والسياسة.

4)   القوميون العرب المعاصرون دوما يبثون أشياء وتصورات لا صلة لها بأفكار من يعتبرون أنفسهم امتدادا لهم فقد رأوا في (الشيخ ظاهر العمر الزيداني) مثلا شخصية قومية عربية انفصالية وهذا ليس صحيحا، وليس صحيحا أيضا أن النشطاء العرب زمن السلطان عبد الحميد وما بعده ،كانوا يريدون بناء دولة عربية موحدة في (الهلال الخصيب والحجاز) مستقلة عن الباب العالي؛ ولكنهم كانوا يريدون نوعا من الحكم الذاتي وشيئا من الخصوصية واللامركزية كحد أقصى، أما الانفصال عن السلطنة فهي تهمة وصفة تشاركوا فيها(للمفارقة) مع جمال باشا.

5)   الأستاذ ناجي صبحة(أبو أسامة) عليه رحمات الله وهو إضافة لكونه من أقطاب الحركة الإسلامية المعاصرة في فلسطين درس التاريخ وغاص في أعماقه يرى في محاضرة له تم تفريغها نصيا في كتيب(أضواء على الدولة العثمانية) أن الدولة تعرضت لهجومين قاسيين متعارضين الأول يرى أنه لم يكن لها أية حسنة والثاني يرى أنه لم يكن لها أية سيئة قط؛ وكلاهما على خطأ، ولو اعتمدنا هذا المنهج بعدم النظرة (الصفرية) والأبيض والأسود لكنا في غنى عن هذا الجدل العبثي.

6)   من الواضح أن جمال باشا شخصية مركبة متوجسة معقدة؛ فالضابط التركي الذي كتب(الرجل الصنم...كمال أتاتورك) يقول بأن جمال باشا أهدى مصطفى كمال أتاتورك 40 رأسا من الخيل وهو ما يمكن أن نراه 40 أو لنقل 20 جيب عسكري بمقياس الزمن، ومع ذلك يؤكد حفيد جمال باشا (حسن) أن جده كتب لوالده:ليس لدي سوى اسمي أورثك إياه ،وأن العائلة عاشت على قطع ألماس لجدته  في ألمانيا كمورد وحيد، والواضح فعلا أن جمال باشا مع حرصه على سلطته ومكانته لم يقم بتكديس الأموال والذهب ومن في موقعه كان يمكنه فعل ذلك بسهولة.

7)   يقال أن (سارة آرنسون) اليهودية المتعاونة مع الإنجليز كانت عشيقة لجمال باشا وأنه كان حين يأوي إليها يبوح لها بأسرار الدولة والجيش العثماني؛ ومثل هذه المرويات تحتاج تدقيقا، لا أعني هنا عدم وقوع جمال باشا في حبائل (سارة) ولكن جزئية وصولها إلى أسرار يكشفها لها في الفراش تحتاج تدقيقا وتأكيدا بعيدا عن الدخول في روايات أدب الجاسوسية والمخابرات وما انبثق عنها من أعمال درامية!

8)   أقوى القنابل فجرها الرئيس التركي السابق الراحل(تورغوت أوزال) الذي أجرى حوارا صحفيا ساخنا قال فيه أن جمال باشا كان عميلا للإنجليز وتعمد إذكاء نار الفتنة بين العرب والأتراك وأنه كان يتلقى راتبا منهم، وأنه بناء على طلب إنجليزي جمع بنات علماء الشام وأجبرهن على احتساء الخمور وتعرضن للتحرش!

وهذه الاتهامات الخطيرة من رجل بهذا المنصب الرفيع والتي نشرت بعد سنوات طويلة نسبيا من موته يراها بعض المهتمين دليلا على استمرار الجدل حول جمال باشا شخصا وحكما، وهنا أود السؤال:هل هذه التصريحات والاتهامات الخطرة من أوزال جاءت في إطار السعي لبناء علاقة جديدة مع العرب من الجمهورية التركية الحديثة، كما في حالة قيام صدام حسين بالترحم علنا على الخميني وإصدار تعليمات صارمة بعدم التشفي بموته، لأنه كان يضمر النية لغزو الكويت ويريد تحييد إيران أو حتى بناء علاقة معينة معها، أم أن أوزال المشكوك بطريقة موته أراد القيام بمراجعة جريئة لتركيا الحديثة؟ربما كلاهما.

9)مجلة (الفراتس) أواخر العام 2025 نشرت تحقيقا مطولا للباحث في الشأن العثماني (سمير العبد الله) تحت عنوان: بين صورة السفاح ورجل الدولة.. جمال باشا في الرواية التركية..يحضر الجدل حول جمال باشا في المذكرات التركية وكتب المؤرخين.

ويمكن للمهتم مراجعة التقرير الذي يتناول بشيء من التفصيل ما كتب عن جمال باشا خاصة في الوسط التركي، وهذا يؤكد ما قلناه أن هناك انقساما يشمل العرب والترك حول هذه الشخصية.

10)هناك من يرى أن وثائق القنصلية الفرنسية، التي أخذها جمال باشا ذريعة وحجة لإعدام النشطاء العرب تعود إلى فترة ما قبل الحرب العالمية الأولى ولكن لنذهب بعيدا ولنفترض أن هؤلاء فعلا (خونة متآمرين) فقد كانت الحكمة تقتضي عدم إعدام هذا العدد منهم، واللجوء إلى العفو أو الإقامة الجبرية أو السجن أو الإبعاد لا نصب المشانق، ولكن طبيعة العسكر تقوم على البطش والعنف المبالغ فيه، ويبدو أن هذه ثقافة لها حضور في التفكير التركي عموما، أعني عدم العفو، فمثلا نرى في مسلسل(قيامة أرطغرل) وهو بنظري أفضل مسلسل حتى الآن في الألفية الحالية من مختلف الجوانب، يجسّد بكثافة فكرة الامتناع عن العفو وضرورة قطع رأس الخائن أو الخصم، وإظهار أن العفو عنه سيجلب مصائب كثيرة وندما، وبالتالي يجب قتله؛ وهذا عكس الثقافة العربية، وهي وإن كانت لا تخلو من القتل والدم، ولكن كان هناك انتهاج سياسة العفو لدرجة تقريب العدو السابق الذي يظل تحت النظر شاعرا بالفضل والامتنان، ولنا في قصة(معن بن زائدة) مع المنصور مثل على ذلك، وهي غيض من فيض أخبار انتهاج العفو عن الأعداء والخصوم وحتى الخونة، وإعادة تأهيلهم، بل في الثقافة العربية العفو والصفح والتسامح، هو الأصل وما سواه هو الشذوذ، ولهذا اشتهر الحجاج بسفك الدماء لأنه لم يكن مثل معاصريه وسابقيه، والذين كانوا يعملون السيوف في الرقاب تارة ويمنحون العفو والكرم تارة أخرى، بل يقال أن (حلم معاوية) وهو للمفارقة حكم الشام وكانت عاصمته هو أحد اهم أسباب تثبيت أركان ملكه؛ ولو أن جمال باشا بعد الحكم على النشطاء استعرض عفوا عنهم، لنال تقديرا بل محبة عند الناس، ولمنع جرحا عميقا حُفر في قلوب قطاع كبير من العرب من جهة، واستغله أعداء الأمة من جهة أخرى، وظل القومجيون العرب حتى الآن يستغلون تلك الأحداث لتبرير جرائم أحزابهم ضمنيا ولوضع الملح في الجرح.

11) بخصوص ما يسمى(مذابح الأرمن) وهي قضية لا تزال مفتوحة وهي ورقة ضغط يستخدمها الغرب لابتزاز تركيا دائما، فإن جمال باشا دفع حياته ثمنا لها باغتياله في جورجيا برصاص رجل أرمني أراد الانتقام في 1922، ولكن هناك من يؤكد أن جمال باشا لا علاقة له بموضوع الأرمن من قريب أو بعيد، وهذا أمر يضاف للجدل حول جمال باشا، فكل رواية(له علاقة أم ليس له) سيظل لها من يؤكدها ويدلل عليها، ولكن لو فرضنا براءة جمال باشا من ملف الأرمن(القابل للنقاش لتعقيداته والمبالغات فيه ومحاولة إظهار الأرمن كضحية بريئة دائما) فإنه ليس بريئا من زرع الكراهية أو النفور تجاه الأتراك في نفوس عدد من العرب بسبب سياساته ورعونته وعقده النفسية.

وأخيرا فإن النقاش سيظل مفتوحا حتى يتم بناء سردية جديدة عربية-تركية أو بالأدق شامية-تركية والمؤكد أن تحكم العسكر بمفاصل الدول وإعطائهم صلاحيات واسعة خطر وشرّ كبير، والعرب والترك إخوة مهما حصل، وكلاهما تأذى من سياسات الحكم العلماني العسكري، وعليهم التعلم من الماضي دون النظريات والأحكام الصفرية الجاهزة(عرب خيانات...الأتراك قتلة).

أما جعل اليوم 6 أيار يوما للاحتفال فلا أرى فيه وجاهة سواء أكان الذين شنقوا أبرياء أو متآمرين فلدينا ما نجتمع حوله من المآسي والكوارث أو البطولات أكثر مما نفترق وننقسم حوله من الجروح والفتن والعصبيات.

وكتبه العبد الفقير إلى ربه:سري عبد الفتاح سمور

الأربعاء 6 أيار مايو 2026م

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

تقرير من إعدادي عن الشيخ/محمد سعيد ملحس-نابلس

لماذا نجح اليمين الصهيوني المتطرف في تطبيع العرب؟!

التلفزيون خرّب بيتنا!!