الشريف وقريقع والخبر المغطى بالدم

 









كنتُ أشعر بأنها مسألة وقت منذ حوالي سنة، بل زاد هذا الشعور حتى صار أشبه بالقناعة بعد قصف منزله الذي أدى إلى استشهاد والده أواخر العام الماضي. أنس الشريف، الذي جاءنا خبر اغتياله مساء الأحد 10 أغسطس/آب 2025.

وقد تابعنا ورصدنا حملات التحريض الإسرائيلية ضده، والتي كانت معلنة صريحة، تُظهر نوايا التصفية الغادرة، وما خفي من تهديد ووعيد كان أعظم.

استشهد أنس الشريف الذي لم يبلغ الثلاثين، متعبا حزينا جائعا، مخذولا من أمته ومن عالم طالما تغنت (ديمقراطياته) الكبرى بحرية العمل الصحفي وتوفير الحماية للصحفيين.

تمزق جسده الصغير واحترق بصواريخ المسيرات مع عدد من زملائه، ليصبحوا هم الخبر العاجل بعدما كانوا ينقلون لنا (عواجل) مغطاة بل غارقة بالدم والجوع، من غزة التي تعيش منذ ما يقرب من سنتين أكبر مقتلة في العصر الحديث، بل ربما في تاريخ البشرية جمعاء، قياسا بالمساحة وآلة القتل التي لا تتوقف.

النفس ونبضات الروح خلف أداء أنس

 

تشعر بطعم مختلف إذا طهى لك الطعام شخص ما، ولا تجد ذلك المذاق إن طهى نفس الطعام شخص آخر، مع أن كليهما استخدم المقادير والأدوات نفسها وفي الظروف نفسها.

وأتعمد ضرب مثل عن (الطبيخ) كي نتذكر الجوعى الذين بحّ صوت أنس وهو يبكي حالهم على الهواء مباشرة، من أهله وأبناء شعبه الذين نسوا أصناف المطبوخات والمخبوزات، وأصبح أقصى طموحهم رغيف خبز ملوثا بالدم أو التراب مع علبة فول منتهية الصلاحية. ومن يحصل على ما ذُكر يُعتبر ذا حظ عظيم!

ما سبب شعورك بهذا المذاق؟ إنه ما يسمى عادة (النفَس) الذي يدخل في الأداء أو العمل فيمنحه نكهة خاصة ويشعرك بشيء مميز؛ كما تسمع موعظة من شيخ ربما يحمل شهادات كثيرة فلا تتأثر بها، ثم تسمع الموعظة نفسها من شيخ أقل علما فتتأثر، لأنك تحس بأنها خارجة من قلبه وأعماق روحه.

ومثلما تحرص حين تشعر بأعراض مرض ما أن تذهب إلى طبيب بعينه، ولو قيل لك إن طبيبا آخر أكثر منه خبرة ومهارة، فتجيب: "أنا أرتاح كثيرا لهذا الطبيب وأشعر أنه يعالجني وكأنني ابنه!".

مواقف كثيرة مثل هذه تعرفها، لا تُفسر بشيء مادي تدركه الحواس الخمس، ولكنك تستشعره تماما بقلبك وروحك. وهكذا كان أداء أنس الشريف.

منذ التحاقه بطواقم شبكة الجزيرة وظهوره على شاشتها مغطّيا أخبار قطاع غزة الذي يتعرض للإبادة الجماعية، كان هناك إحساس عام بأنه ليس مجرد مراسل يؤدي عمله بشكل روتيني، بل هو بصوته ونقله للخبر يضفي شعورا بحجم الكارثة، وكأن ما يسمى (لغة الجسد) تعطي بعدا جديدا للخبر كي لا يتحول قتل الأطفال والنساء وهدم البيوت وتجويع الناس إلى حدث عادي بفعل التكرار.

ورأيناه لا يتمالك نفسه وينهار أمام الكاميرا وهو يغطي مشهد امرأة أنهكها الجوع فسقطت تشكو إلى الله ظلم الظالمين وتخاذل المتخاذلين.

لهذا كان أنس صوت غزة النابض بكل ما في قلوب أهلها وأحيائها المهدمة من قهر وحزن وألم. وهو ابن مخيم جباليا الذي دفع ثمنا باهظا، واستمر غير آبه بمصير كان يتوقعه، فكتب وصيته قبل أربعة شهور من اغتياله. وجاءت اللحظة التي أبكت غزة وفلسطين وكل أحرار العالم ومن بقي لديهم ضمير، فقد شعروا أن صلة روحية انقطعت بانقطاع أنفاس أنس.

وزملاء أنس الآخرون أيضا لهم تلك الحالة الروحانية المخالطة للأداء الصحفي، لكن معظم الناس شعروا أنها عند أنس كانت تفيض وتشع أكثر. وربما كانت وراء تلك الديناميكية والطاقة التي ميزته وهو يتنقل متحديا الخطر لينقل الحقيقة من قطاع غزة الذي ما تزال إسرائيل تمنع الصحفيين من دخوله.

فكانت شاشة الجزيرة ومراسلوها، وخاصة أنس الشريف، نافذة الحقيقة التي أرادت إسرائيل أن تغلقها. ولهذا كان الحزن بفقدان أنس كبيرا في غزة، التي قبل أنس ومعه وبعده لا تتوقف عن توديع الشهداء، لكنها هذه المرة ودعت صوت أنينها وآلامها وآمالها.

ولم تحاول إسرائيل التنصل من جريمتها أو إلصاقها بغيرها كما فعلت مع (شيرين أبو عاقلة)، بل أعلنتها وتبجحت بها، لأنها كانت تخاف صوت أنس وهيئته وصرخاته وما يبثه مع زملائه من مشاهد مذابحها. فقررت إسكات هذا الصوت؛ ظنا منها أنها تُسكت صوت الحقيقة؛ أما تبجحها فمرده شعورها بأنها آمنة من العقوبة، وألا أحد سيحاسبها!

محمد قريقع الصحفي اليتيم  

 

أنا وحيد أمي ويتيم، فلا شك أن لدي شعورا بمن نشأ في مثل حالتي. وهذا هو مراسل الجزيرة الذي قضى مع أنس، الثلاثيني محمد قريقع، الذي تعرّف على جثمان أمه قبل شهور من أظافرها وشعرها الأبيض بعد تحلل جثتها التي قُتلت عند اقتحام مشفى الشفاء. ولعل من حكمة الله أن تسبقه إلى رحمته ولا تشرب كأس الحسرة، وأن يُستشهد ابنها في المكان نفسه بعد شهور.

محمد قريقع، مثل وائل الدحدوح وأنس الشريف، اكتوى بلوعة فراق أهله وأحبابه على يد الجيش الإسرائيلي.

شق محمد طريقه في قلب القطاع المحاصر منذ أن كان فتى يافعا حتى صار مراسلا للجزيرة، ينقل معاناة شعبه. واستشهد مع أنس الشريف وزملائهما: إبراهيم ظاهر، مؤمن عليوة، ومحمد نوفل في قصف خيمتهم بمجمع الشفاء الطبي، ليرتفع عدد شهداء طواقم الجزيرة في غزة إلى 11 منذ بدء الحرب، من إجمالي 238 صحفيا حتى الآن.

تغطية متواصلة...ولكن

نرجو الله أن تتوقف المقتلة في غزة فورا، ولكن سواء استمرت -للأسف هذا الظاهر- أو توقفت، فإن غزة بحاجة إلى صوت كصوت أنس ورفاقه، وإلى كاميرات زملائه توثق ما جرى ويجري.

والرسالة من رفاق دربه: (مستمرون.. وسنواصل). وهذا حسن ومطلوب، لكن أقول بصراحة: أمامكم تحدٍ كبير ومسؤولية عظيمة؛ فقد أتعب أنس من بعده، فيجب أن تكون التغطية، وخاصة في جانبها المعنوي الروحاني الذي تحدثنا عنه، على مستواه أو أعلى. وإلا فإن رهان إسرائيل، ولو جزئيا، بارتكاب هذه الجريمة سينجح لا سمح الله.

فكونوا على قدر التحدي، فلا خيار إلا هذا، وأنتم أهل له كما برهنتم في أكثر من حدث مفصلي.

 

،،،،،

من قلم:سري عبد الفتاح سمّور(أبو نصر الدين)-جنين-أم الشوف/حيفا-فلسطين

تم النشر ،الأحد، 23 صفر  1447هـــ، 17-8-2025م

https://www.aljazeera.net/blogs/2025/8/17/%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%B1%D9%8A%D9%81-%D9%88%D9%82%D8%B1%D9%8A%D9%82%D8%B9-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AE%D8%A8%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%BA%D8%B7%D9%89-%D8%A8%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%85

 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

لماذا نجح اليمين الصهيوني المتطرف في تطبيع العرب؟!

تقرير من إعدادي عن الشيخ/محمد سعيد ملحس-نابلس

التلفزيون خرّب بيتنا!!