الشيخ حمد آل ثاني...اجتياز الألغام الجيوسياسية
بقلم:سري سمّور
ملاحظة: لم ينشر هذا المقال إلا هنا في
مدونتي الشخصية.
منذ وفاة الشيخ حمد بن خليفة آل
ثاني(الأمير الوالد)، وتشييعه ودفنه في مقبرة لوسيل في الدوحة يومه الأحد 27 محرّم
1448 هـ ، 12 تموز(يوليو) 2026م استذكر العالم سيرته ومواقفه كإنسان وكمسؤول، وقد
اطلعت على مجموعة كبيرة من التقارير والمقالات التي تستعرض سيرته وإنجازاته وأبرز
مواقفه السياسية القوية المميزة، ومسارعة مختلف الفعاليات والقوى-ناهيك عن الدول
طبعا- والشخصيات الاعتبارية إلى نعيه بحنين حزين.
فماذا عساي أن أضيف؟الشيء الذي أرى أن يكون عنوانا بارزا ونحن نتحدث عن
الأمير الراحل هو نجاحه -الذي لا ينكره من يتحلّى بالإنصاف-باجتياز الألغام
الجيوسياسية التي أحاطت به كأمير لدولة صغيرة في موقع حسّاس وفي ظروف دقيقة،
وتمكنه من التسديد والمقاربة بين المبادئ والمعتقدات والمصالح والضرورات، وتطبيقه
بامتياز المعادلة التي لطالما نادى بها وازنون مخلصون من أهل الرأي والحكمة، ألا
وهي الفصل بين ضرورات الحكومات وخيارات الأمة، وعدم جعل الأخيرة محكومة وخاضعة
للأولى.
عسكري ناصري وأمير مدني
في مقال منشور على صفحته في فيسبوك أفاد الأستاذ (ياسر أبو هلالة) مدير
شبكة الجزيرة السابق، أن الأمير الراحل أثناء دراسته في ساندهيرست(الأكاديمية
العسكرية الملكية البريطانية) كان ناصريا، ولا غرابة في ذلك عند جيل الشباب آنذاك.
لم يتوقف الأمير الراحل عند الناصرية كمنهج أو فكر، ولا عند تكوينه العسكري
كضابط؛ بل كان مدني العقل والإدارة، وظهر هذا منذ توليه مقاليد حكم دولة قطر في
1995 مع أنه مع هذا المنصب أي أمير وحاكم البلاد، هو القائد الأعلى للقوات
المسلحة، وقد تولّى سابقا وزارة الدفاع.
ولكن توجهاته (التمدينية) ظهرت جلية في مجالات الإدارة والإعلام والصحة
والثقافة وما يخص المرأة والمجتمع.
إدارة الثروات..مقارنة اضطرارية
قد يقول قائل إن إنجازات الأمير الراحل خلقتها ظروف تمتع بلاده بثروة كبيرة
من الغاز المسال المطلوب في الأسواق العالمية إضافة إلى احتياطات نفطية لا بأس
بها، مع صغر مساحة الدولة(أقل من 12 ألف كم مربع) وقلة عدد السكان خاصة من
القطريين حملة الجنسية الذين يبلغ عددهم بضع مئات الآلاف أي ما نسبته ما بين
11-14% من إجمالي سكان البلاد وفق إحصائيات مختلفة، ناهيك عن تمتع قطر بعلاقات
دولية جيدة مع الدول العظمى وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية.
وللرد على هذا أجد نفسي مضطرا لعقد مقارنة مع دولة عربية أخرى، للاختصار
لأننا لا يمكن أن نعقد مقارنة مع كل دولة على حدة، ولن أذكر اسمها صراحة مع أن
القارئ سيستنتجه بسهولة غالبا، تمتاز بموقع جغرافي مميز جدا وليست شبه جزيرة مثل
قطر، ومساحة شاسعة جدا، وبالنسبة والتناسب عدد السكان يشبه حالة قطر.
وتلكم الدولة نفطها غدران، ولها من حقول الغاز ما لها، وفيها ثروات أخرى
كثيرة سمكية وحيوانية وزراعية، ويفترض أن يعيش شعبها حياة رفاهية، أو لنقل من
الطبيعي في وضعهم المشار إليه أن يتمتعوا بخدمات تعليمية مميزة بأفضل المدارس
والجامعات، وخدمات رعاية صحية فائقة، وبنى تحتية تضاهي نظيرتها في أكثر دول العالم
تطورا وحداثة.
ولكن هذا الشعب لم ينل من ثرواته التي أنعم الله على أرضه بها شيئا مما يجب
أن يكون؛ وإذا قيل أن السبب هو عقوبات أمريكا والوضع السياسي، فإن واشنطن فتحت
صفحة جديدة معها واعتبرتها نموذج تحوّل سياسي(إيجابي) ولكن هذا لم ينعكس على أحوال
الرعية مع الأسف.
فالمشكلة ليست فقط في الثروات بل كيفية استغلالها وإدارتها وتوظيفها؛
فالأمير حمد تجاوز بمسافات شاسعة كون قطر واحة نفط أو حقل غاز، كما يحاول بعضهم أن
يقول ساخرا، بل تحولت إلى نموذج فريد في التطور والرفاهية حتى صار معدل دخل الفرد
فيها في بعض الأحيان وفق مقاييس عالمية هو الأعلى في العالم، مع خدمات تعليمية
وصحية عالية الجودة، وعمليات بناء وتطوير واسعة جدا، واهتمام بمختلف المجالات
الحياتية المعاصرة، مما أهلها مثلا لاستضافة كأس العالم، وإدارة هذه الفعالية
الدولية بنجاح تام في 2022 متغلبة على الظروف المناخية وغيرها من التعقيدات
اللوجستية.
إضافة إلى لعب دور سياسي نشط ومميز عربيا وإقليميا ودوليا.
حسبنا الله ونعم الوكيل
ربما كان يفترض كوني فلسطينيا أن أبدأ بموقف الأمير الراحل من قضية فلسطين
والعدوان الإسرائيلي على غزة، ولكن ما كان لهذا الموقف أن يتبلور لولا وجود
الأرضية والإعداد.
لا زلنا نذكر كيف (حسبل) الأمير على الهواء مباشرة في اجتماع قمة مصغر لم
يكتمل نصابه أوائل سنة 2009 عندما شنت إسرائيل حربا على قطاع غزة واستهدفت كعادتها
المدنيين وخلّفت المجازر الدامية، ولأن الأمير أدرك ضرورة إشراك دول إسلامية كبيرة
في الاجتماع فقد دعا إيران وتركيا وحضرتا وغاب كثير من العرب.
ولا ننسى زيارته التاريخية إلى قطاع غزة كاسرا حصارها، مع حرمه الشيخة موزا
المسند، في تشرين أول أكتوبر 2012 وتدشينه العديد من المشاريع السكنية والخدماتية
هناك، وقد خلّدت غزة ذكرى تلك المشاريع والزيارة بمدينة سكنية حملت اسمه(مدينة
حمد) والتي دمرتها آلة الحرب الإسرائيلية خلال السنتين الماضيتين.
الهامش وذكاء استخدامه
بنظرة واقعية فإن قطر ليست دولة لها جيش جرّار يمكن أن يتصدى للعدوان
الإسرائيلي على غزة وليست قطر ولا أميرها من صمم وهندس النظام الدولي القائم، ولا
دور لها في صناعة الواقع العربي المعقد، ما بعد سقوط السلطنة العثمانية، الذي أبرز
سماته التشرذم والخلاف وانقلاب الأولويات؛ فلها هامش محدد، ولكن الأمير حمد لعب ببراعة
داخل هذا الهامش، بل استطاع أحيانا توسعته، وساعد فيما يمكنه المساعدة فيه وهو
الدعم المالي والإغاثة، واستخدام وتوظيف العلاقات الدبلوماسية مع مختلف الأطراف،
ومحاولة إيجاد موقف عربي وإسلامي أكثر حزما في مواجهة العدوان والغطرسة
الإسرائيلية.
وبدل العتب على قطر ومطالبتها بما ليس في مُكنتها عسكريا أو سياسيا، يقع
اللوم والعتب على من لم يستغلوا هوامشهم بل ضيقوها، ولم يستغلوا الإمكانيات
المتاحة، بل بعضهم أخذته الغيرة من قطر فشرع في مهاجمتها وتوجيه الاتهامات لها.
قناة الجزيرة
من أبرز ما ميز عهد حكم الشيخ حمد افتتاح قناة الجزيرة في 1996 ومهما اختلف
الناس حول القناة وخطها التحريري، فإن الحقيقة المؤكدة أن قناة الجزيرة(ثم شبكتها)
أحدثت ثورة في الإعلام العربي بل العالمي، ووضعت قطر كأيقونة في عالم الإعلام.
مما دفع حتى المنتقدين وغير الراضين عن الجزيرة إلى محاولة تقليدها، وكسر
ما كان يعتبر من التابوهات في العديد من الدول، وهذا لولا قطر والجزيرة ما كان،
وهو ما ولّد عند بعض المتوجسين اختراع سيناريوهات تدور حول نظرية المؤامرة، وكأن
حال العرب كان أفضل وأروع، لولا أن جاءت قناة الجزيرة فأفسدت عليهم عزّهم
ومكانتهم!
وامتازت الجزيرة بجرعة حرية غير مسبوقة عربيا، ذلك أنها عرضت الرأي والرأي
الآخر، وأتاحت لمن لم يسمع الجمهور روايتهم لأنهم قمعوا، بالإدلاء برأيهم علنا،
وليحكم المشاهد على الروايات المختلفة وليناقشها.
وقد يقول قائل إن الجزيرة لها سقف حرية محدد ومحكوم بضوابط معينة؛ ولن أرد
بأن هذا ينطبق على كل الإعلام في العالم، بل أقول:سقف حرية أو جرعة حرية أفضل ألف
مرة من (صفر) حرية واحتكار السردية.
التنازل عن الحكم
من النادر جدا في المنظومة العالمثالثية عموما والعربية خصوصا تنازل حاكم
عن منصبه، ولكن الأمير حمد فعلها وتنازل لابنه الأمير تميم في 2013 بهدوء وبقي
محتفظا بدور (الحكيم) بعد الحاكم وأتاح له هذا الأمر الراحة بعد تقدمه في السن مع
ظروفه الصحية، من شؤون الإدارة اليومية ومتطلباتها وبيروقراطيتها.
مما وفر له وقتا للراحة والاستجمام ومتابعة الفعاليات الثقافية والبعد عن
الأضواء للتفرغ للأسرة والعائلة، مع الاحتفاظ بالرمزية والدور الاستشاري.
وكم نتمنى أن يكون قدوة لغيره في هذا الأمر.
الربيع العربي وسورية
بعد حرب 2006 على لبنان سارع الأمير حمد إلى المساهمة بنسبة ربما هي الأكبر
في إعادة إعمار جنوب لبنان خاصة مدينة (بنت جبيل) وقد وصل الحال لوصفه بأمير
المقاومة، وقد أثارت علاقته بسورية(تحت حكم الأسد) وحزب الله وحركة حماس وإيران
وتركيا غضبا من بعض الأطراف العربية، التي سخّرت أدواتها الإعلامية لمهاجمته شخصيا
ومهاجمة قطر وطبعا قناة الجزيرة.
ولكن الأمير لم يكترث لهذه الهجمات ولم يقم بحملة إعلامية مضادة؛ فقد كان
على قناعة أن الأفعال على الأرض أهم من الانشغال في مناكفات إعلامية، مع أن لقطر
قدرات عالية لتسخير طواقم إعلامية ظاهرة أو إلكترونية للدفاع عن نفسها وسياساتها
ومهاجمة منتقديها.
ولكن هذه العلاقة مع ما عرف بمحور المقاومة والممانعة لم تستمر بسبب اندلاع
ثورات الربيع العربي أواخر 2011 والتي ما زال العرب يعيشون آثارها وارتداداتها
وتداعياتها، حيث وقف الأمير حمد وقطر مع الثورات، وعبّرت قناة الجزيرة عن هذا
التوجه، بنقلها أصوات الثوّار وما يتعرضون له من قمع وتنكيل.
وكان من أبرز ما سبب انقساما هو وقوف قطر مع الثورة السورية، فرغم العلاقة
الدافئة مع نظام بشار الأسد انحازت قطر إلى الشعب السوري الذي خرج مطالبا بالحرية،
وعملت الدبلوماسية القطرية لا سيما قبل تفاقم الأوضاع على محاولة إيجاد حل سلمي
للأزمة يعطي الشعب السوري شيئا من الحريات بدل القبضة البوليسية الفولاذية مع بقاء
الأسد في السلطة.
لكن بشار حوّل الصراع إلى معركة صفرية ستطيح بنظامه بعد 14 سنة من حرب دفعت
فيها سورية ثمنا باهظا من دماء أبنائها ودمرت مدنها وقراها وانهار اقتصادها وهجّر
ملايين من أبنائها.
هذا الأمر انعكس على العلاقات مع حزب الله وإيران اللتان رأتا أن دعم بشار
للمقاومة يكفي للوقوف مع نظامه ودعمه عسكريا.
ومع ذلك لم تنقطع العلاقات بين قطر وإيران رغم التوتر والفتور وشبه تفكك أو
لنقل إعادة صياغة لمفهوم محور المقاومة.
وما كان بإمكان الأمير حمد ولا نجله تميم دعم نظام يقصف شعبه بالكيماوي
والبراميل المتفجرة، وهنا نأتي لمسألة الموازنة بين المبادئ والأخلاق والمصالح
السياسية.
وفي المجمل فإن وضع سورية كان أكثر ملف أحدث انقسامات واصطفافات عربية
وإقليمية ودولية، ولم يقتصر على قطر وحدها، مع أنه وصل الحال بأبواق النظام إلى
الزعم بأن المظاهرات التي يشاهدها العالم يجري فبركتها في استوديوهات
الجزيرة...ونأمل الآن بسورية جديدة وأن تطوى تلك الصفحة بكل ما فيها.
المصالح أم المبادئ
لقد قلت في البداية أن الأمير حمد اجتاز حقول الألغام الجيوسياسية؛ فهو رجل
عرف وقدّر إمكانيات بلاده وظروفها وما يمكن أن تفعله كليا أوجزئيا، وما يمكن ألا
تفعله، وما لا يمكن حتى أن تفكر فيه، ومع ذلك فإن الأمير حمد قدّم المواقف
الأخلاقية والمبادئ العربية والإسلامية على المصالح السياسية متحملا بعض الخسائر
أو حتى خسائر كبيرة في أكثر من محطة وموقف.
دولة غير بوليسية
لم يبن الأمير حمد جمهورية خوف ولا دولة بوليسية، بل يعلم كثير من الناس أن
هناك من يعمل في قطر وينتقد سياساتها بشدة، دون أن تستدعيه أجهزة الأمن ولو من باب
التذكير بأنها توفر له فرصة عمل ومصدر رزق، ودون إلغاء إقامة وترحيل أو سجن
وتعذيب، مثلما هو حاصل في دول كثيرة.
رحم الله الأمير حمد وغفر له
وإنا لله وإنا إليه راجعون

تعليقات
إرسال تعليق