رمضان في زمن الحروب
بقلم:سري سمّور
حيث تفتحت
مداركنا، حينما كان يدخل شهر رمضان المبارك؛ كنا نحن جيل (إكس ) كما يسموننا نسمع
الشيوخ والواعظين على المنابر وفي الدروس المسجدية، إضافة إلى المنشورات المطبوعة
في غير صحيفة أو مجلة حائط، يرددون عبارة : رمضان هو شهر الفتوحات والانتصارات
أيها الإخوة، هكذا عرفه المسلمون، وليس شهر اللهو وكذا وكذا !
رمضان بين الخاص والعام
(كذا وكذا) كانت نقداً
بل هجوما شديداً على المستوى الخاص المتعلق بالأفراد الذين يقضون رمضان في اللهو
والنوم في النهار، والسهر غير المفيد ليلا، ويجعلون رمضان شهر الكسل والطعام
والشراب والحلويات.
ونقدا شديدا للمستوى العام، خاصة الإعلام الذي جعل شهر
رمضان شهر (الفوازير) التي يتخللها ما يخدش روحانية الشهر من رقص وغناء ومسلسلات
مختلفة، بينما يفترض أن الشهر فرصة لتكثيف وتعزيز الالتزام بالفروض و العبادات
والطاعات والنوافل وقراءة القرآن الكريم .
وتعقيبا على ما
كنا نسمعه عندما يهلّ علينا رمضان أقول:أمّا أن رمضان هو شهر الفتوحات والانتصارات
فهي حقيقة لاشك فيها من عهد النبوة وما بعدها، بل حتى آخر معركة للمؤسسة العسكرية
العربية الرسمية المعاصرة تحقق بها انتصار ولو نسبيا على إسرائيل كانت في العاشر
من شهر رمضان سنة ١٣٩٣ ه الموافقة لـ 6 تشرين أول/أكتوبر 1973م.
وأمّا الانشغال عن
الطاعات في رمضان باللهو فهو نسبي عموماً.
وأمّا الإعلام وما
يقدمه فقد سبق وأن كتبت هنا عن هذا الموضوع ولا داعي للتكرار
الآن.
لكننا كنا نترقب (دورة
البرامج الرمضانية) في التلفزيون قبل عصر الفضائيات وما بعده نظراً إلى محدودية بل
قلة المحطات، وعدم وجود فرصة مضمونة لإعادة عرض ما يقدم في رمضان بعده.
رمضان في فلسطين
لكن رمضان في
الأعوام الأخيرة هنا في فلسطين خاصة وفي المنطقة عامة كان-وما زال- مختلفاً جداً
فقد عاشت غزة ظروف الحرب المدمرة القاسية في رمضان (١٤٤٥ هـ ، ٢٠٢٤م ) وفي رمضان
العالم الماضي 2025م / 1446 هـ وتعمدت إسرائيل استئناف الحرب الممزوجة بسياسة التجويع المتعمدة
على غزة بعد فترة تهدئة بعيد أيام من بدء رمضان.
ولم يكن الحال عندنا في الضفة الغربية على ما يرام؛ فعمليات
القتل وهدم البيوت والاعتقالات والانفلات غير المسبوق لقطعان المستوطنين تلخص المشهد
في عموم الضفة الغربية.
أما هذا العام 1447هـ
فقد جاء رمضان مع تراجع (وليس توقف) الهجمات على غزة، وزيادة الظروف الصعبة في
الضفة؛ حيث لم تصرف الرواتب كاملة ويمنع العمال من الدخول إلى داخل الخط الأخضر،
وتستمر العمليات العسكرية ومصادرة الأراضي وهجمات ميليشيات المستوطنين.
وفي ظل هذه الظروف
الصعبة بدأت الحرب الإسرائيلية -الأمريكية – على إيران وهي متواصلة حتى اللحظة،
وما رافقها ونتج عنها من تطورات سائلة دراماتيكية في المنطقة.
ألهذه الدرجة دمنا رخيص؟!
وقد ساءني الشعور
برخص دمنا؛ ففي ظل انشغال العالم، بمن فيه نحن شعب فلسطين في الأراضي المحتلة
بمتابعة مجريات الحرب.
مرّ خبر قيام المستوطنين بقتل شقيقين في قرية (قريوت) جنوب
نابلس، ببساطة!
نعم ، هكذا مرّ
الخبر كأنه شيء عادي، وشاهدنا مقاطع وداع وتشييع الشهيدين المؤلمة، في وقت متابعة
تطورات الحرب مع إيران .
المستوطنون هاجموا
القرية وأطلقوا الرصاص الحيّ فأصيب محمد طه معمر (٥٢) عاماً ) برصاصة في رأسه ،
وأصيب شقيقه (فهيم) برصاصة في الحوض ليدفنا
سويا، ويتجرع أهلهما مرارة الفقد ولوعة الفراق والشعور بالعجز والقهر أمام قتلة لا
وازع لديهم ولا رادع يردعهم... ثم ماذا؟ نواصل الحياة ومتابعة الحرب .
برنامجك الرمضاني في الظروف الراهنة
ومتابعة مجريات
وتطورات الحرب يكون على حساب برنامجك التعبُّدي والعملي وحالتك النفسية. وفور
اندلاع الحرب حصلت أزمة محروقات ويلزمك الوقوف في طابور طويل كي تعبئ خزان الوقود
في سيارتك كله أو جزء منه..ليس لديك سيارة، حسنا، ماذا عن أنبوبة غاز الطهي في
منزلك ؟
فمنذ مدة، وتحديدا
منذ بدء الحديث عن ضربة أمريكية -إسرائيلية قريبة تستهدف إيران
تعاني الضفة من نقص
حاد في غاز الطهي، فكما يبدو لا تقوم
إسرائيل بتوريد كل الكميات المعتادة إلى الضفة الغربية، إضافة إلى خوف
الناس من القادم المجهول فيخزنون أكثر مما اعتادوا عليه.
رمضان زارنا سنوات وهذا حالنا!
حين أنظر إلى ابني
الصغير(7 أعوام ) وهو يصوم رمضان - بحمد الله وتوفيقه - أتذكر كم من شهور رمضان مرّت
دون تنغيصات الاحتلال، مع العلم أن وجود الاحتلال بحد ذاته منغص ونكد، فلا أكاد
أجد في حياتي.
أتذكر رمضان 1408
هـ وبدأ يوم 17 نيسان / أبريل 1988م حيث فرضت علينا سلطات الاحتلال، نحن أهالي مخيم
جنين منع التجول لمدة 8 أيام متواصلة، وذلك بعد اغتيال خليل الوزير (
أبو جهاد) في تونس ووقوع مواجهات أسفرت عن شهداء وجرحى وصولا إلى هذه الأيام وما
بينهما من أحداث.
وهذا هو ثاني
رمضان يمر ومخيم جنين فارغ من أهله المجبرين على تركه وتنتشر فيه قوات الاحتلال.
ينظر صغيري من
النافذة فيرى دوريات جيش الاحتلال
الإسرائيلي الراجلة أو المحمولة في المنطقة ويصرخ ببراءة لهو الأطفال : في جيش بابا!
فأتذكر نفسي
في موقف المراقبة والترقب والتوجس قبل حوالي أربعة عقود، ويمضي العمر سريعاً ونحن
تحت الاحتلال.
حتى أشهر رمضان التي كان فيها نوع من الهدوء
النسبي في النصف الثاني من تسعينيات القرن الماضي كانت تتزامن مع الامتحانات
الجامعية النهائية، فما كنا نقوم بما فى النفس من همة ورغبة من من القيام والقراءة
والذكر، ولا كنا نحصل على نتائج مرضية في الامتحانات؟
هكذا هي حياتنا
هنا في الأراضي المحتلة وأكرر للمرة كذا:كل ما نكابده في الضفة الغربية وأقساه هنا
في جنين هو شيء بسيط مقارنة بمعاناة أهل غزة.
ومازحت صاحبا غادر
فلسطين ولا يأتيها إلا زائرا منذ ثلاثين سنة، ويعمل في دولة عربية فيها رفاهية،
وعمله في مجال يحبه ويهواه(وهذا شيء نادر في زمننا) بأنه ارتاح من هذه التفصيلات
الصعبة، فأجابني ولست بصدد الحكم على النوايا:ربما كره الله انبعاثنا نحن الذين
خرجوا، واصطفاكم كي تنالوا أجر الرباط، فيجب أن نرثي حالنا في غربتنا وراحتنا
المتوهمة، ونغبطكم على ما سخركم الله من أجله.
قلت:إن كان كذلك،
فيا ربنا لك الحمد ونسألك عظيم الأجر.
،،،،،،
من قلم:سري عبد
الفتاح سمّور(أبو نصر الدين)-جنين-أم الشوف/حيفا-فلسطين
تم النشر ،الثلاثاء 28 رمضان 1447هـــ، 17-3-2026م

تعليقات
إرسال تعليق