التاريخ الشعبي للولايات المتحدة(2-2)

 

التاريخ الشعبي للولايات المتحدة(2)

-الجزء الثاني-

 

بقلم:سري سمّور



 

 

نواصل رحلتنا السريعة مع كتاب «التاريخ الشعبي للولايات المتحدة» للكاتب والناشط الأمريكي الراحل هوارد زن، ونحن الآن في الجزء الثاني.

 

بداية الإنجازات النقابية والمدنية

 

شهدت البلاد اضطرابات وإضرابات عمالية واسعة، ووجهت بالقمع كالعادة، لكن النقابات والاتحادات المطالبة بالحقوق انتعشت، وحصلت النساء على حق التصويت في عام 1920.

شهدت الفترة بين عامي 1920 و1929 انتعاشا اقتصاديا وتراجعا في الحركات المطالبة بحقوق العمال، لكن الاضطرابات عادت من جديد منذ عام 1930، وتخللتها أعمال عنف وقتل.

وتميزت تلك الاحتجاجات بنوع من الوحدة بين العمال البيض والسود ضد الطبقة الغنية.

شهدت الفترة بين عامي 1920 و1929 انتعاشا اقتصاديا وتراجعا في الحركات المطالبة بحقوق العمال، لكن الاضطرابات عادت من جديد منذ عام 1930، وتخللتها أعمال عنف وقتل.

وتميزت تلك الاحتجاجات بنوع من الوحدة بين العمال البيض والسود ضد الطبقة الغنية.

 

اقتصاد حربي

 

اعتمدت الولايات المتحدة اقتصاد الحرب الدائمة أثناء الحرب العالمية الثانية وبعدها، ومولت حركات تمرد ضد أي نظام لا يتوافق مع سياساتها، مثل نظام فيدل كاسترو في كوبا، ناهيك عن ملاحقة كل من يشك في ولائه بدعوى الشيوعية داخل الولايات المتحدة.

ويؤكد المؤلف أنه لم يكن هناك مبرر لقصف اليابان بالسلاح النووي؛ لأنها كانت تنوي الاستسلام، وهو ما كان الأمريكيون يعلمونه.

 

وضع السود

طالت معاناة السود، التي بدأت أصلا منذ جلبوا بالقوة إلى أمريكا، وقد ناضلوا كثيرا للحصول على حقوقهم.

وفي الفصل 17، يخلص المؤلف إلى أن حركة الحقوق المدنية واحتجاجات السود ونشوء طبقة وسطى في أوساطهم لم تؤد إلى تحسن أحوالهم كثيرا، وظل الفقر والبطالة ينتشران في مجتمعاتهم.

 

حرب فيتنام

 

أما حرب فيتنام، التي يتحدث عنها في الفصل الثامن عشر، والتي امتدت من عام 1964 حتى عام 1972، فقد واجهت حركة معارضة قوية تساءلت عن جدواها، واعترضت على ما تخللها من جرائم حرب ضد المدنيين. وعرض الكاتب شهادات تضمنت حرق قرى بمن فيها من السكان الفقراء.

ويستشهد هوارد زن بـ«أوراق البنتاغون»، ويتناول إصرار الرئيس ليندون جونسون على استمرار الحرب، ومن بعده الرئيس نيكسون.

وكان ذلك في وقت تنامت فيه حركة شعبية داخلية تعارض الحرب، خاصة في أوساط الفقراء والسود، ومنهم الملاكم المشهور محمد علي كلاي.

 

الستينيات: الهنود والانفتاح

 

شهدت الستينيات حركة نشطة للحقوق المدنية، ونشاطات نسوية، وحركات تمرد داخل السجون أسفرت عن سقوط قتلى.

لكن المفاجأة كانت من الهنود الذين حسب «الرجل الأبيض» أنهم انتهوا بعد مجازر ومذابح استمرت حتى القرن التاسع عشر، وبعد نقض الولايات المتحدة 400 معاهدة وقعتها معهم؛ ففي الستينيات، استأنف الهنود نضالهم، وكان منظما هذه المرة بهدف المطالبة بحقوقهم.

وفي الفترة نفسها، صار الحديث عن العلاقات الجنسية أمرا عاديا، ولم تعد العلاقات خارج الزواج تجري سرا أو يتكتم عليها، وانعكس كل هذا على الأدب ووسائل الإعلام.

واهتزت الثقة بالقوى الكبرى، بل ضاعت، وهي، حسب المؤلف: قطاع الأعمال والحكومة والدين.

 

السبعينيات والثمانينيات

 

أما في حقبة السبعينيات، فقد انعدمت ثقة الجمهور بالحكومة، وعزز ذلك فضيحة «ووترغيت» (Watergate)، التي أدت تطوراتها إلى استقالة الرئيس ريتشارد نيكسون.

ومع ذلك، لم تتغير السياسة الخارجية، وظل هنري كيسنجر في منصبه.

وعندما وصل جيمي كارتر إلى الرئاسة، دعم الأنظمة القمعية. وداخليا، رغم أن السود دعموا فوزه، وأنه عين وزيرة سوداء، فإن وضعهم لم يتحسن، وبقيت البطالة في أوساطهم، وكانت سياساته الداخلية والاقتصادية كلها لخدمة الأغنياء.

أما إدارة رونالد ريغان، فقد حققت انتصارا للأغنياء، تمثل في السيطرة السياسية وتعاظم رأس المال والسوق الحرة.

وتوافق ريغان مع الديمقراطيين على تقليص الضرائب المفروضة على الأغنياء بنسبة 50%. وفي عام 1986، تحالف الجمهوريون والديمقراطيون وتبنوا مشروع «الإصلاح الضريبي»، الذي يقلل المعدل الأقصى إلى 28%.

أما الإنفاق العسكري، فقد دفع المواطن الأمريكي ثمنه تريليونات الدولارات، بحجة التصدي للاتحاد السوفياتي. لكن الإنفاق على الترسانة العسكرية الضخمة استمر حتى بعد انهياره.

ويؤكد المؤلف، في الصفحة 362 من الجزء الثاني، أن البلاد منقسمة بين طبقتين من الثراء الفاحش والفقر المدقع، تفصل بينهما طبقة متوسطة معرضة للخطر ولا تشعر بالأمان!

 

الخيبة من سياسات كلينتون

 

لم يأت بيل كلينتون بالتغيير الذي وعد به، ولم يترك بصمة تاريخية.

لقد كان كلينتون يتحدث عن مارتن لوثر كينغ، لكنهما ينتميان إلى مدرستين مختلفتين تماما. فعند اغتياله في عام 1968، كان كينغ على قناعة بأن النظام الاقتصادي ظالم وبحاجة إلى تغيير جذري، كما طالب بإعادة توزيع جذرية للقوانين الاقتصادية والسياسية.

أما كلينتون، فقد استحضر حلم كينغ بالمساواة، لكنه أصر على انتشار القوات الأمريكية في العالم رغم انهيار الاتحاد السوفياتي.

وزاد كلينتون من التدخلات العسكرية، من قصف بغداد ومجازر في الصومال إلى قصف السودان وأفغانستان لاحقا.

وقامت سياسته على المتفق عليه بين الديمقراطيين والجمهوريين، أي الحفاظ على مصالح الشركات الكبرى على حساب مصالح عامة الناس والفقراء، وتقليص المعونات الاجتماعية.

وبعد كلينتون، جاء جورج دبليو بوش، الذي سارع إلى تبني سياسة ما عرف بـ«الحرب على الإرهاب»، التي يؤكد المؤلف أنها تجلب تاريخيا نتائج عكسية وتزيد التوتر.

 

نظام لمصلحة الأقلية

 

يكرر المؤلف الحديث عن الظلم في توزيع الثروة في غير موضع وبأكثر من أسلوب؛ ففي الفصل الرابع والعشرين، يشير إلى أن 1% من السكان يملكون ثلث الثروة، وفي تذييل الكتاب يؤكد أن 1% يملكون 40% من ثروة البلاد.

وهذا الأمر، كما يقول هوارد زن في الفصل نفسه، أدى إلى خلق كراهية من يملك لمن لا يملك، والبيض للسود، والعمال المهرة والحرفيين للأميين، والسكان الأصليين للوافدين، وهكذا تتصل سلاسل الكراهية والأحقاد.

وتشعر الطبقة المتوسطة بالقلق، فيما تتزايد معدلات الجريمة، والحل الذي تقدمه الدولة هو زيادة عدد السجون بدلا من توفير فرص عمل للجميع.

وقد شهدت التسعينيات حالة من فقدان السيطرة على الأسعار والضرائب والبطالة، وازدياد التفكك الأسري وتآكل المدن، ناهيك عن الجرائم ومرضي السرطان والإيدز.

وفي الفصل 25، وهو الأخير، يخلص المؤلف إلى أنه لا توجد خطط لرعاية صحية مجانية أو تخفيض أجور المساكن، ولا اهتمام بالبيئة، بل بناء سجون جديدة وتعزيز القوة العسكرية وزيادة حصار العراق وكوبا. وقد مات المؤلف قبل أن يرى ما وصلت إليه الأمور حاليا.

ويؤكد فكرته الدائمة بأنه لا فرق بين الجمهوريين والديمقراطيين في هذا الشأن، ويضرب بجورج دبليو بوش وآل غور مثلا على ذلك، شأنهما شأن من سبق من الرؤساء؛ لأن بنية النظام وتركيبته تقومان على حماية مصالح الأقلية الغنية ورعايتها وتعزيزها بوصفها أولوية.

في نهاية رحلتنا مع كتاب هوارد زن، ربما نكون قد بلورنا فكرة عامة تؤسس لمزيد من فهم النظام الأمريكي وتعامله مع قضايا الداخل والخارج، بعيدا عن الأحكام المسبقة والرغبوية، وعن السردية الثابتة التي قدمتها المؤسسة الأمريكية لجمهورها وللعالم عن ذاتها.

،،،،،

من قلم:سري عبد الفتاح سمّور(أبو نصر الدين)-جنين-أم الشوف/حيفا-فلسطين

تم النشر ،الثلاثاء، 16  جمادى الأولى  1448هــــ  ، 27-10-2026م

https://www.aljazeera.net/blogs/2026/10/27/%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D8%AE-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%B9%D8%A8%D9%8A-%D9%84%D9%84%D9%88%D9%84%D8%A7%D9%8A%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AA%D8%AD%D8%AF%D8%A9-2

 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

6 أيار يوم يزيد العرب انقساما ويفتح جرحا لا ينقصنا

تقرير من إعدادي عن الشيخ/محمد سعيد ملحس-نابلس

مخيم جنين...جغرافية خاصة في تاريخ ملتهب