السبت، مارس 23، 2013

هوس القومجية بقطر والسعودية





هوس القومجية بقطر والسعودية
كتبه : سري سمّور
بسبب أزمة إيران،وبعد أن شبعت من ريالاتها التي أغدقتها علي،فبنيت القصور ودرست أبنائي في جامعات خاصة في اليابان،فقد قررت التحوّل والانتقال والقبض من ريالات قطر،وريالات السعودية حتى أفتح معرض سيارات ليموزين خاص بي في البندقية،ومن غيري جدير بالقبض فأقول وبنيتي القبض والتمسح والتملق،والله أعلم بالنوايا وإن زعمنا ما زعمنا:-
لماذا كل المدافعين عن الطغاة حين تحدثهم عن جرائم الأنظمة،لا سيما نظام بشار، ومن قبله المجحوم القذافي،يقولون لك بأن قطر دولة غير ديموقراطية وعميلة لأمريكا وفيها قاعدة السيلية وبان أميرها انقلب على والده...وبأن السعودية تمنع المرأة من قيادة السيارة؟...قل لهم هناك معتقلون من عشرات السنين في سورية قبل (أسطورة قطر) سيرددون نفس الكلمات،قل لهم إن النظام القطري لم تـقم بوجهه ثورة لنحكم عليه ثاروا وأعادوا تشغيل الأسطوانة...قل كل ما بحوزتك من أدلة لن تسمع منهم إلا الأذية....وهناك ملاحظات أوردها طامعا أن أنال على كل منها كمشة ريالات:-
1) أليست قطر أول دولة فتحت عبر الإعلام موضوع مآسي وظلم الحصار الدولي على العراق؟وأثارت حفيظة الكويت وفي قناة الجزيرة على الاتجاه المعاكس قال كويتي :لولا العراق الجزيرة تسكر!! بل تداول بعضهم عبر المنتديات أن الجزيرة استثمار لآل التكريتي في قطر...ثم قيل بأن الجزيرة لليهودي ديفيد كمحي...ويا الله كلو ماشي!
2)  اليساريون والقومجيون ومجموعة الطبل البلدي من كان يسمع بهم قبل أن تستضيفهم قناة الجزيرة، أو يحل مراسلوها ضيوفا على منازلهم أو مكاتبهم؟ومنهم أسعد أبو خليل ونضال نعيسة وأحمد فؤاد نجم، الذي خصته الجزيرة هو والراحل الشيخ إمام بحلقة ضمن برنامج (ممنوعون) في إشارة لحاله...فالجزيرة لم تختص في إشهار وإبراز الإسلاميين دون سواهم كما يروّج هؤلاء، إلا أن القومجيين واليساريين لا يريدون لأحد سواهم أن يتكلم، ولا لمظلمة غير مظلمتهم(إن وجدت) أن يعرفها الناس.
3)  وعن الجزيرة أيضا؟ألم تفرض الجزيرة نمطا إعلاميا جديدا في فضاء العرب مختلف تماما عن الإعلام الذي وصفه الشاعر العراقي أحمد مطر بـ(محقان)؟ما اضطر كل الإعلام العربي الرسمي والخاص إلى محاولة مسايرة أو منافسة الجزيرة في استقبال كل وجهات النظر، وعدم وضع القمامة تحت السجادة...ولا أقول أن الجزيرة قديسة أو يقوم عليها ملائكة أو أناس من أولياء الله الصالحين، ولكنها أحدثت طفرة وثورة في عالم الإعلام ليس العربي فحسب بل غيره، وللعلم محظور على الأسرى الفلسطينيين مشاهدتها منذ 2009.
4) في قطر قاعدة العديد والسيلية وهي لا تخفي ذلك وبثت الجزيرة مؤتمرات صحفية من هناك؛ولكن الكويت جعلت ثلثي أراضيها تحت تصرف الجيش الأمريكي لاحتلال العراق...وعلي عبد الله صالح جعل الطائرات الأمريكية تـقصف من يقال أنهم إرهابيو القاعدة وباعنا عنتريات وكلاما كبيرا وشعارات ضد الاستعمار...أما الإمارات ففيها قواعد أمريكية أهم أو توازي السيلية ولا أحد يتحدث عنها ،ولا انتقاد لقائد شرطة دبي الذي يكتب عبر تويتر..لأنه يكتب ضد الإخوان وإيران...فهل اقتصرت مسألة القواعد والتعامل مع الأمريكان على قطر؟أم أن هذه حجة لإخفاء سبب الغضب الحقيقي من قطر، والتي على الأقل لا تخفي علاقاتها مع أمريكا وغير أمريكا، ولا تبيع الناس كلاما وشعارات؟!
5) القواعد العسكرية الأمريكية موجودة في أماكن شتى من هذا العالم؛ منها كوريا الجنوبية واليابان وألمانيا وغيرها من الدول، فلا تبدو دول الخليج ومنها قطر حالة شاذة ضمن المعيار العسكري والسياسي، ولكن إذا خرج أحدهم ليقول إن الرسول-صلى الله عليه وآله وسلم- قال(أخرجوا المشركين من جزيرة العرب)، والحديث هو شعار تـنظيم القاعدة؛ فهل تـحوّل اليساريون والعلمانيون إلى أنصار لتنظيم القاعدة؟وهو الذين اتهموا قادتها بالعمالة لأمريكا، أو بالتسبب بكوارث حلّت بالعرب...سبحان الله حيرتونا هل أنتم مع القاعدة أم لا؟
6)  هل حالة أمير قطر فريدة من نوعها في بلاد العرب؟أليس من تتباكون عليه(والده خليفة) فعل ذلك قبل ابنه؟ألم يحدث هذا في سلطنة عُمان حتى قبل أن تصبح قطر دولة مستقلة؟ثم ألم يحدد العرب منذ قرون طويلة قاعدة خاصة بالحكم والملك (الملك عقيم) فلم الغمز واللمز حول هذه المسألة والحديث السخيف عما تسمونه(عقوقا)؟الجواب قد يكون له علاقة بنشاط قطر وعدم عزلتها...حسنا عقوق وعزلة شرّ من عقوق ونشاط وحيوية!
7) قطر علاقاتها متشعبة ومتشابكة ولا يمكن لأحد مهما ادعى الفهلوية أن يعرف سرّ ذلك،فهناك دوما التفسير الجاهز بأن هذه أوامر أمريكا،فقطر حدث بها تفجير واحد من تفجيرات القاعدة، وقيل أن السبب هو أنها عبر الجزيرة طرحت أفكار وبيانات القاعدة للجمهور العربي والدولي خاصة الأمريكي...صحتين الحياة صفقات غالبا...وقطر فتحت مكتب لطالبان..وقطر عمّرت بنت جبيل والضاحية الجنوبية ....محدش ينسى...وقطر لها علاقات بكل ما يخطر بالبال من أطراف التناقض في عالمنا...هي تسعى لمصلحة أو لدور أو للتميز..عادي هيك الدنيا!
8) قطر تشتري جزرا يونانية ،وهذا يثير بكاء عند القومجية...طيب ان شاء الله تشتري كريت ومش بس هيك أثينا كمان شو مزعلكم؟!
9) هل اشتكى لكم القطريون حكامهم؟وإذا كان حكامهم يقيمون نظاما بوليسيا فهل كل ما مارسه يساوي نقطة في بحر الدماء التي أنتجتها أنظمة القومجية العربية من المحيط إلى الخليج؟
10)     إذا كنتم تـقولون بأن قطر تنفق أموالها لتأجيج الوضع في سورية وغيرها،فهل التربة غير مهيأة لذلك؟أليست أنظمة البؤس خلقت هذا الواقع حتى قبل تأسيس دولة قطر؟
11)     ألم يكن القذافي يمتلك ثروات أضعاف أضعاف ما تملكه قطر وشعبه قليل العدد،فبددها على أمور سخيفة بدل بناء جامعات ومشافي حديثة،وأبقى شعبه تحت السطوة الأمنية بدل الشعور بالرفاهية؟هل قطر قالت له افعل ذلك يا قذافي؟ على كل أمير قطر لم يؤلف كتابا اخضرا يترجم إلى عشرات اللغات وتفتح له مراكز دراسات تكلف ملايين ملايين الدولارات،بل يفتتح مراكز دراسات تستقطب حملة شهادات علمية ومفكرين من كل العالم...ليكن هذا بأمر من أمريكا شو يعني؟وقبل أن يكون هناك دولة اسمها قطر ضاعت فلسطين من نهرها على بحرها بهزائم تسببت بها أفكاركم القومجية، وانتشر الفساد والفقر والبالة في بلاد حكمتموها تنعم بالخير الوافر، فالحمد لله على وجود قطر لتجعلوا منها شماعة تعلقون عليها كل ما سببتموه من قباحات خلال عقود طويلة!
12)     تعيبون على الشيخ د.يوسف القرضاوي إقامته في قطر، وتمتعه بأموالها ونعيمها وقصورها،حسب وصفكم...حسنا أنا انتقدت الشيخ في بعض المسائل من منطلق إسلامي خالص، ولكن أنتم تحقدون على كل العلماء، فما قولكم بالشيخ د.عبد الله عزام الذي عاش متقشفا مجاهدا؟تتهمونه بالعمالة لأمريكا...وما رأيكم بالشيخ وجدي غنيم؟تعتبرونه محرضا وتصفونه بصفات أربأ عن كتابتها هنا، وهذا حالكم مع كثير من العلماء؛ فسواء عاش العالم في قصر يكتب ويؤلف، أو في كهف يمتشق سلاحه، أو مشردا بين أمصار الأرض فأنتم تتهمونه وترمونه بأقذع الأوصاف...فأنتم أعداء العلماء ورثة الأنبياء أيا كان حالهم أو نمط معيشتهم!
13)     على أرض دبي من هو محكوم بقضايا مالية، أو مطلوب للعدالة في بلده لقضايا مشابهة، ومن هو منبوذ بقرار رسمي من حركته؛ أمثال خالد سلام(محمد رشيد) وأحمد شفيق ومحمد دحلان...ومع ذلك لا نرى أوداج القومجيين واليساريين تـنتفـخ وهم يتحدثون عن دبي، ولا نراهم ينبسون ببنت شفة وهم يرونها تـفتح فضائية أركانها اثنين من المذكورين، ولا نراهم يشيرون بإصبع الاتهام لها...حسنا العدالة تقتضي السكوت عن الدوحة أيضا،أليس كذلك؟
14)     فتاة سعودية ردت على هيلاري كلينتون بأن الملكات لا يقدن السيارات بل لهن سواقين،وهكذا هي المرأة السعودية،وعلى كل حال،هل ثمة مقارنة بين منع امرأة من قيادة سيارة وجرائم القتل والاغتصاب والاختطاف؟
15)     ثم إن مسئولين من السعودية هاجموا ويهاجمون الإخوان المسلمين، فلماذا تتهم السعودية بالسعي لتمكين الإخوان؟على أي أساس حكمتم وبأي معيار تنظرون للأمور؟
16)     السبب هو أن بعضكم يتحدث عن البدو ويغمز من قناة أصل العرب، ومهبط الرسالة، وينسى أن أصله قد يكون من جزيرة العرب، وهذا تاج على رأسه وشرف عظيم له، فالعرب الذين تسخرون منهم حملوا مشاعل النور والهداية وحرروكم من ربـقة الفرس والرومان في العراق ومصر والشام، وما تـفاخرون به من حضارة كانت موجودة هي حضارة عبيد، وقد أصبح الناس بعد الفتوح المظفرة أحرارا، ولكن يبدو أن البعض يتوق إلى العبودية والذل باسم الحضارة والرقي، فيبيع نفسه في سوق النخاسة الفكرية والإعلامية شاتما الأرض التي اختصها الله بالقداسة، والناس الذين كان لهم فضل في الحفاظ على إنسانيته!
17)     من قال لكم أن قطار التغيير سيتوقف؟ولماذا الترويج الساذج بأن الجمهوريات فقط أما الملكيات لا؟طارق سويدان قال:الملكيات تنتهج الرشوة والجمهوريات تنتهج القمع،لكن كلاهما سيتغير مع أن عمر من لا ينتهج القمع الشديد عادة أطول...وأبشركم أنه لن ينتهي هذا العقد إلا والتغيير عمّ وطمّ ولن يستثني أحدا...واللي بعيش بذكر الثاني.
وأنا لا أتعامل بالشيكات...ومخافة انهيار الريالات أريد القبض بالليرات الذهبيات J
والسلام على من اتبع الهدى.
     ،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،
السبت11 جمادى الأولى-1434هـ،23/3/2013م
من قلم:سري سمور(أبو نصر الدين)-جنين-أم الشوف/حيفا-فلسطين

الجمعة، مارس 22، 2013

ذكرى استشهاد الياسين وهدم المسجد الأقصى










ذكرى استشهاد الياسين وهدم المسجد الأقصى
بقلم : سري سمّور

الثاني والعشرون من آذار(مارس) في السنة الرابعة بعد الألفين للميلاد كان يوما من أيام فلسطين الحزينة؛ فقد تجرّأ شارون على الشيخ أحمد ياسين، وقصفته الطائرات أمريكية الصنع، وبغطاء سياسي أمريكي كامل ليلقى ربه شهيدا، بعد سنوات طويلة من العمل والجهاد والابتلاء، ولم تكن تلك أول محاولة لتصفية الشيخ لكن الله قدّر له أن يحيا حتى أجله المحتوم رغم أنف شارون.
أما الأعذار فهي واهية؛ فالشيخ الشهيد لم يكن له دور في عمليات المقاومة المسلحة بالمعنى الفيزيائي، وهي الذريعة الصهيونية الدائمة، أما عن زعامته لحركة حماس فكانت معنوية أدبية لا بالمعنى الحرفي التنظيمي، لكن الله أراد أن يتجرّأ أعداء الله على شيخ مقعد مسنّ يعاني العديد من الأمراض، ولا يبصر بعينه اليمنى، وهم لم يترددوا سابقا في سجنه سنوات طويلة...فالله قدّر أن مثله لن يموت على فراشه، بل بصواريخ مروحيات أعدائه، وبعد أدائه صلاة الفجر في المسجد، وفي ذكرى تأسيس حركة الإخوان المسلمين(1928م) التي كان الشيخ زعيم فرعها الفلسطيني...إنه الفلسطيني المهجر عن أرضه(جورة عسقلان) سنة 1948م وهو ليس ابن زعيم أو إقطاعي، ولا ابن عائلة ممتدة ذات نـفوذ؛ ولكنه من رجل آمن بالله، واقتنع بحقوق شعبه، وسمت همّته، وطمح إلى المعالي فأتته راغمة، وأرادوا بقتله محو ذكره وهدم مدرسته وإذلال تلامذته...فخاب بعون الله مسعاهم.
والحديث عن الإمام الشيخ الشهيد أحمد ياسين طويل بلا شك، ولا يمكن لمقالة كهذه تناول كل ما يتعلق بالشيخ وحياته وجهاده ومواقفه ولمن شاء الاستزادة فهناك كتب ودراسات ومواقع على الإنترنت تتناول هذه الجوانب ومنها:-

إلا أنني سأتناول سريعا بعضا من ملامح حياة ودعوة الشيخ ياسين، وما تحقق وما هو بالانتظار، وأيضا ما يخص عنوان المقال:-
1) كان الشيخ احمد ياسين صاحب بصيرة حينما أدرك أن دور إخوان فلسطين لا يـقتصر على الجوانب الوعظية والأعمال الخيرية والنشاطات الدعوية التقليدية، على أهميتها، بل يتعداه إلى الجهاد بالسنان مع اللسان، فحرص على اقتناء وتخزين السلاح في النصف الأول من ثمانينيات القرن المنصرم.
2) حين اندلعت انتفاضة الحجارة كان الشيخ يثبت من جديد أنه صاحب بصيرة ورؤية بعيدة حينما أسس حركة المقاومة الإسلامية(حماس) مخالفا بذلك رأي إخوة آخرين، ومحتملا انتقاد بعض من الإخوان المسلمين في الدول العربية، الذين تهيّبوا من تلك الخطوة، بحجة عدم قدرتهم على توفير الدعم الكافي واللازم، فكان رده ذكيا جامعا لا مفرّقا بأنه يتقبل منهم الدعم الذي يقدرون عليه ولو اقتصر على الدعاء؛ واليوم يدرك كل إخوان العالم أهمية حماس في دعوة الإخوان، وأنها الفرع الوحيد ربما الذي حتى خصوم الإخوان العقائديون أو السياسيون أو غيرهم يحترمونه ويستثنونه من حملاتهم، ويتوارون خجلا من تضحيات قادته.
3) كان الشيخ أحمد ياسين حريصا على حشد الجميع لمسيرة تحرير الأرض الفلسطينية، لا سيما بعيد الإفراج عنه من سجون الاحتلال؛ فقد حرص قدر الإمكان على تخفيف التوتر مع فتح والسلطة، بل إنه حضر اجتماعا للمجلس المركزي، في خطوة لافتة آنذاك، وحين زار سورية والتقى حافظ الأسد حاول إبرام مصالحة بين النظام السوري والإخوان المسلمين، مع ما يعرفه بل درّسه لتلامذته من عداء بين الطرفين، ولكنه كان يريد أن ينهي الجميع خلافاتهم أو أن يجمّدوها حتى تحرير فلسطين، وزار الشيخ الكويت وإيران، وفي حلّه وترحاله كان يوجه البوصلة نحو الحق الفلسطيني المغتصب من الكيان الصهيوني، بصوته الواهن ومع مرضه، لكن إرادته وعزيمته ورمزيته جعلت الكل يستمع له وينصت بمهابة وإجلال، وأقام –رحمه الله- الحجة على الأمة بأسرها بحثّها على إنقاذ فلسطين واستعادة المسجد الأقصى...وليس جديدا على الشيخ حرصه على وأد الفتنة ومحاصرتها؛ فحتى على الصعيد الشخصي، أخفى الشيخ أنه كان يتصارع مع أحد زملائه(عبد الله الخطيب) مما سبب له الحادث الذي كان من تبعاته الشلل الذي لازمه والذي بدأت أعراضه بعد أسابيع من الحادث حين  كان فتى في الخامسة عشرة من عمره، وكشف عن هذا السرّ بعد عشرات السنين وعلى نطاق ضيق، مخافة وقوع مشكلات بين عائلته وعائلة الخطيب.  
4) رحل الشيخ قبل أن يرى أي جزء من فلسطين قد تحرر، أو اندحر الاحتلال عنه، بل إن شارون أراد ألا يكون الشيخ حاضرا  حين تتفكك نيتساريم التي وصفها بأن مصيرها مثل مصير «تل أبيب» وما درى أن الشيخ في العلياء ينظر لاندحاره، ولكن مسيرة التحرير توقفت عند اندحار الاحتلال عن قطاع غزة، وتحويله إلى سجن كبير، وتسمين المستوطنات في الضفة وتهويد القدس، فما لهذا جاهد الشيخ ولا سجن ولا قضى شهيدا هو ومن خلفه ومن قبله، ووجب على السائرين على درب الياسين أن يستأنفوا مسيرة التحرير.
5) أما الأسرى فقد أكد الشيخ أنه لا يجوز أن يمكث أي أسير في السجون الصهيونية أكثر من خمس سنوات، كحد أقصى، وهذا ما لم يتحقق، حتى مع صفقة وفاء الأحرار، وملف الأسرى في هذه الأيام في غاية الحساسية والدقة، فوجب الرجوع إلى وصية الشيخ، ومفهوم أنه قصد الاستمرار في عمليات أسر الجنود ومبادلتهم بالأسرى الفلسطينيين.
أما ما عنونت به مقالتي هذه عن ارتباط هدم المسجد الأقصى بذكرى استشهاد الشيخ؛ فإننا نلحظ أنه وبعد تسع سنين على تلك الجريمة النكراء تتسارع الهجمات على المسجد الأقصى، ولا يمر يوم دون اقتحامه وتدنيسه من جيش الاحتلال ومستوطنيه، ولكن كل تلك الاعتداءات وكثير منها مصورة لم تـفجّر غضب الأمة، ولا غضب الشعب الفلسطيني، الذي فجّر انتفاضة دامت سنوات بسبب محاولة شارون اقتحام المسجد، ولا يخفى على أحد أن ما يجري هذه الأيام للمسجد الأقصى ومدينة القدس أكبر بل أخطر بكثير من تلك المحاولة، وهذا ما قد يجعلهم يتجرؤون على هدم المسجد الأقصى.
وقد قرأت مقالا (أورد نصه كاملا في آخر مقالي) كتبه الشهيد د.عبد العزيز الرنتيسي  بعيد اغتيال شيخه الياسين، وقبيل لحاقه به شهيدا، فهما رفيقان في الحياة والجهاد والسجون، ورفيقان في الشهادة، بفارق أسابيع قليلة، وبرحمة الله هما رفيقان في جنات عدن، وفي ذلك المقال تحدث الرنتيسي عن ترجيحه أن اليهود سيهدمون المسجد الأقصى بوقت ربما ليس بعيدا.
ويبدو أن الأمة تبلّدت أحاسيسها تجاه فلسطين والأقصى، فلا يحركها عدوان الاحتلال على نسوة مصاطب العلم، أو التدنيس والاستفزاز اليومي المتواصل، فأصبح ارتكاب الاحتلال  حماقة بحق المسجد الأقصى قاب قوسين أو أدنى، خاصة في ظل الحكومة الصهيونية الجديدة، والمراهنة على انشغال الأمة بالمسائل والتحديات الداخلية، والله تعالى أعلم.
وفي ذكرى الشيخ القَعيد(بفتح القاف) المُقعِد(بضم الميم وكسر العين) ندعو لأنـفسنا بالرحمة، قبل أن ندعو له، فهو صاحب همة عالية فاقت الأصحاء، وصاحب رؤية شاملة وبصيرة ثاقبة، وهو لا يحمل إجازات علمية، فهو فقط حاصل على التوجيهي، ومدرسته تعلم الأجيال من الشعب الفلسطيني والأمة الإسلامية، بل جميع أحرار العالم،  وحتى أولئك المهتمين بموضوع التنمية البشرية وبناء الشخصية، فإن أمامهم أنموذجا رائعا ومثاليا يمثله الشيخ الشهيد أحمد ياسين...ولكن الواجب أن يفرح الشيخ وهو في دار الآخرة بتحرير فلسطين ووحدة أبناء شعبه واجتماع كلمة الأمة وتوجيه بوصلتها نحو القدس، لا نحو الخلافات المذهبية والطائـفية والسياسية التي تستنزف الأمة وتطيل عمر الاحتلال.
  فيما يلي نص مقال الشهيد الدكتور عبد العزيز الرنتيسي حول اغتيال الشيخ أحمد ياسين:-
لماذا اغتال الصهاينةُ الشيخَ ؟!
  بقلم : الدكتور عبد العزيز الرنتيسي

لم أرد في هذا المقال أن أغوص في التحليل السياسي بحثا عن الأسباب التي دفعت اليهود الصهاينة لارتكاب هذه الجريمة النكراء، فهذا أمر قيل فيه الكثير ويمكن أن يقال فيه ما هو أكثر، وأهم ما قيل فيه وما يمكن أن يقال عن دوافع الصهاينة لارتكاب هذه الجريمة النكراء أن القتلة هم من اليهود الذين جُبلوا على سفك الدماء، فقتل المسلمين الذين يأمرون بالقسط جزء لا يتجزأ من شريعتهم التلمودية، بل ومن طقوسهم الدينية (وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الِّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ)، ولكني أردت في مقالي هذا أن أقلب النظر بحثا عن الحكمة الإلهية من وراء تمكينه سبحانه للصهاينة من دماء الشيخ رحمه الله رحمة واسعة. 
فانطلاقا من إيماننا الراسخ أنه لا يجري في ملك الله إلا ما يريد (إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ)، وأن خيرة الله لعباده المؤمنين خير من خيرتهم لأنفسهم، وأن الأمور قد يظهر في نهايتها من الخير ما يناقض ما بدا في مطالعها من شر (فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا)، فإنني على ثقة أن هناك حكمة إلهية من وراء ما حدث تنحصر – والله أعلم - في مكر الله بيهود (قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ) ونصر الله لعباده المؤمنين(وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ)، وفي إطار ما نؤمن به من حكمة ربانية فيما جرى يبرز السؤال الذي نحاول الإجابة عليه: لماذا مكَّن الله سبحانه اليهود من مرادهم في النيل من حياة الشيخ رغم أنه أفشلهم في محاولتهم السابقة؟ أنا واثق أن الحكمة من وراء ذلك لا يعلمها إلا الله جل في علاه، ولكننا نجتهد عل وعسى أن يفتح الله علينا، فينير عقولنا لبلوغ بعض من حكمته فيما حدث، فالأمر أولا وأخيرا بيده وحده (وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ). 
ومن أجل ذلك وضعت بعض النقاط التي شرح الله صدري إليها آملا أن أكون قد اقتربت من الصواب، والسؤال الأول لماذا قدر الله للصهاينة في هذه المرة أن ينالوا من حياة الشيخ بينما أفشلهم في المحاولة السابقة؟
- ما من شك أن أجل الشيخ قد انقضى )فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ(، فلم يشأ الله لهذا الشيخ المجاهد إلا أن تتوج حياته التي قضاها في سبيل الله بوسام الشهادة فاتخذه شهيدا )وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء(، وأعظم الشهادة أن تأتي بغدر من قتلة الأنبياء عليهم السلام، ولقد كنت أرى كطبيب أن صحة الشيخ في الأيام الأخيرة كانت في تدهور مستمر، لدرجة أنني كنت أشعر في قرارة نفسي بقلق شديد على حياة الشيخ وقد أسررت إلى بعض الإخوة بقلقي هذا، وهذا الشعور كان قد انتاب العديد من الإخوة القريبين من الشيخ أيضا، وشاركني في ذلك الدكتور محمود الزهار الذي راعه ما رأى من ضيق في التنفس كان يعاني منها الشيخ، بينما لم تكن صحة الشيخ في أي وقت سابق على هذه الدرجة من الخطورة وإن كان المرض دوما ملازما له، ولذلك كان لابد أن يكون الفشل نصيب المحاولة الأولى لأنه كان لازال في عمر الشيخ بقية.  
- لقد كان مع الشيخ في المرة السابقة بعض الإخوة من القيادة، مما شكل فرصة للعدو أن يغتال الشيخ ثم يختبئ وراء الأباطيل زاعما أن الشيخ لم يكن مستهدفا ولكن وجوده مع المستهدفين قد أدى إلى استشهاده، وهذا من شأنه أن يؤدي إلى امتصاص ردة الفعل المحلية والإقليمية والدولية وتخفيفها خاصة في ظل التغطية الأمريكية على الجرائم الصهيونية، ومن شأنه أيضا أن يساعد الصهاينة على الإفلات من عار استهداف رجل على كرسيه المتحرك، وإن كان هذا الصنف من البشر لا يكترث كثيرا بأي عار يمكن أن يلحق به، إلا أنهم يحاولون دائما تغليف جرائمهم بثوب التبرير للتدليس على الناس، فكان فشل المحاولة السابقة ضروريا إذن حتى لا يتحقق لهم ما يريدون، وأما نجاحهم في هذه المرة فقد فوت عليهم الفرصة لإخفاء حقيقتهم، فنزعت منهم هوية الانتماء للصنف البشري، فجريمة من هذا النوع لا يمكن لبشر أن يقترفوها، وهذا مما لا شك فيه سيؤدي إلى إساءة وجوههم على المستوى الدولي، وقد بدا ذلك واضحا بردة الفعل غير المسبوقة على مستوى العالم.
 وأقول مجيبا على السؤال الثاني: لماذا مكنهم الله من الشيخ إذن؟
- علينا ألا ننسى أنه لابد من القضاء على نفوذ هذا الصنف من الوحوش البشرية، وذلك حماية للعالم مما قد ينشر هذا العفن البشري فيه من فساد، وقد بين سبحانه أن فساد اليهود يعم الأرض )لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ(، ولذلك جعل الله إذلالهم والتسليط عليهم إحدى سننه التي لا تتبدل )وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَن يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ(، والتسليط عليهم لابد أن يسبقه تحريض المسلَّطين حتى لا يبقى في قلوبهم شيء من الرحمة وهم يقومون بواجبهم المقدس في تطهير العالم من دنس هؤلاء الأشرار، ومن هنا وقع الصهاينة في فخ مكر الله بهم إذ تمت الجريمة بدرجة عالية من البشاعة أثارت غضبا عارما على مستوى الكرة الأرضية )فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا(، وعلى ما يبدو أن الذي سيسوم هؤلاء القتلة سوء العذاب في هذه المرة هم المسلمون، فجاءت الجريمة مستفزة للمسلمين بقوة، ومستنهضة لهممهم، وهذا ما يجعلني أرجح أن هؤلاء الصهاينة سيمكنهم الله من هدم المسجد الأقصى في المستقبل - ربما غير البعيد - وذلك زيادة في تحريض الأمة واستنهاضها ضدهم.
- لم يعد سرا أن هناك مخططات تصفوية للقضية الفلسطينية والوجود الفلسطيني، وهناك للأسف الشديد من يسيل لعابه كي يعطى دورا في التصفية أملا في تحقيق حضورا لنفسه في بيئة ترفضه، وهذا الصنف من أبناء الأمة موجود على طول وعرض الخارطة الفلسطينية والعربية والإسلامية، وإن أحداثا من هذا الحجم كفيلة بالفعل التراكمي أن تزيد من عزلة وإقصاء هؤلاء المنافقين، وبالتالي تقليص مخاطرهم، وإضعاف قدرتهم على التصدي للنهوض المتسارع على مستوى الأمة، وهؤلاء المنافقون كانوا دائما يدا على أمتهم لصالح الصهاينة الأعداء، وجرائم من هذا الوزن كفيلة أن تضعهم في دائرة الاتهام والتهميش، مما يضعف دورهم الهدام فينعكس ذلك سلبا على قدرة العدو على المواجهة وبالتالي على تنفيذ مخططاته.

- إن اغتيال الشيخ وفر جوا مناسبا لتصعيد المقاومة دون أن ينهار التماسك الفلسطيني الذي يشكل أهم مقومات النصر في معركة الوجود التي يخوضها شعبنا ببسالة نادرة.

- بل أستطيع القول أن دماء الشيخ الطاهرة قد وحدت الصف الفلسطيني على اختلاف شيعه السياسية على خيار المقاومة، ليصبح الخيار الوحيد لكل الفصائل الفلسطينية بإذن الله تعالى.

رحم الله شيخنا كانت حياته بفضل الله خيرا للمسلمين، وكذلك كان استشهاده.

(انتهى نص مقال الرنتيسي رحمه الله)
     ،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،
الجمعة10 جمادى الأولى-1434هـ،22/3/2013م
من قلم:سري سمور(أبو نصر الدين)-جنين-أم الشوف/حيفا-فلسطين

السبت، مارس 02، 2013

أوباما...آخر وداع




أوباما...آخر وداع
كتبه : سري سمّور


رئيس الولايات المتحدة الأمريكية قادم إلى المنطقة بعد حوالي شهر، هذا في حال تمكن نتنياهو أو غيره من تشكيل حكومة، وإلا ستؤجل الزيارة؛ فماذا خلال وبعد زيارته؟هناك من يعطي الأمر أكبر من حجمه ويوحي بأن هذه الزيارة ستغير وجه تاريخ المنطقة والعالم، وهناك من يرى أن علينا المرور على الأمر مرور الكرام وألا نعيره أي اهتمام، وهناك المتفائل والمتشائم والمتشائل من هذه الزيارة...في هذا المقال أحاول وضع الزيارة في ميزان بعيد عن المبالغات في الأهمية أو تـقليل الشأن.

(1)ثعلب الصحراء! 

لا أدري لماذا حضرت من الذاكرة وبـقوة عملية ثعلب الصحراء التي نـفذتها أمريكا وبريطانيا ضد العراق حين تم الإعلان عن مجيء أوباما؛ هل ثمة مقارنة، أم أنه بعد زيارة باراك أوباما، سيكون هناك ثعلب صحراء جديدة ضد هدف جديد؟
وللتذكير فإن عملية ثعلب الصحراء التي استمرت بضعة أيام وشملت قصف أهداف عراقية مختلفة كانت مباشرة بعد زيارة الرئيس بيل كلينتون إلى غزة، وتزامنا مع فضيحة كلينتون مع مونيكا لوينسكي...كلينتون من الحزب الديموقراطي وكذلك أوباما، والظرف السياسي والأمني والعسكري والاقتصادي الآن مختلف، ومع ذلك علينا توقع كل شيء!

 (2)بين زمنين

أيام بيل كلينتون وتحديدا في الفترة (1996م-1999م) كان نتنياهو هو رئيس وزراء الكيان، وكانت سياسة كلينتون، وهي سياسة الحزب الديموقراطي عموما، قائمة على ضمان أمن إسرائيل وتـفوقها العسكري والاقتصادي والتقني، وضمان تدفق النفط بأسعار مريحة للعم سام وبلا  مشاغبات، والاحتواء المزدوج لكل من العراق وإيران، ولهذا كان استخدام كلينتون للقوة العسكرية مدروسا ومحدودا؛ فعملية ثعلب الصحراء المذكورة أعلاه استمرت بضعة أيام من القصف الجوي، ولكن الحصار والعزل بـقيا سياسة أمريكية ثابتة ضد العراق، ومع كل المرونة التي أبداها الرئيس الإيراني السابق محمد خاتمي تجاه أمريكا والغرب فقد بـقيت إيران خاضعة للعقوبات الأمريكية، وعلى اللائحة السوداء ضمن الدول التي تدعم ما يسمى بالإرهاب، وقد قام كلينتون بـقصف أفغانستان بالصواريخ مرة واحدة تزامنا مع قصف مصنع أدوية في السودان، بذريعة تـفجير سفارتي أمريكا في كينيا وتنزانيا.
وقد كان الاقتصاد الأمريكي في وضع جيد ومريح، واستخدام القوة بطريقة منضبطة ساهم في تحسن ونمو هذا الاقتصاد، واستطاع كلينتون إدارة الصراع في المنطقة، وقد نجحت ضغوطاته في وقف التدهور وانـفلات الأمور بعيد انتفاضة النفق، وإثر أزمة مستوطنة جبل أبو غنيم(هارحوماه) وغيرها من المنعطفات السياسة والأمنية التي ظلّت تحت السيطرة، ولكن كلينتون كان طامعا في جائزة نوبل للسلام عبر بوابة حل القضية الفلسطينية وتوقيع اتـفاق دائم بين الطرفين، وهو أمر لن يلجأ له أي رئيس أمريكي، لقناعة باستحالة حل الصراع سلميا، وقد دعا كلينتون إلى قمة كامب ديفيد الثانية والتي نعلم أنها انتهت بغير ما انتهت به الأولى!
أما باراك أوباما فقد أخذ جائزة نوبل للسلام سلفا بعيد فوزه بفترة الرئاسة الأولى، وواضح بأنه يميل إلى تـقنين استخدام القوة العسكرية، فسلفه بوش الصغير تسبب هو ومجموعة ما عرف بالمحافظين الجدد بكوارث على الاقتصاد الأمريكي جرّاء الحروب واستخدام القوة العسكرية الأمريكية بإفراط خاصة في أفغانستان والعراق، وقد انحصرت فوائد هذه الحروب المالية في عائلة بوش، وطاقم المحافظين الجدد، فيما أرهق الاقتصاد الأمريكي، ودخل أزمة أواخر ولاية بوش لم يتعافى بعد منها.
وجاء أوباما وواضح أن المهمة التي يرى أنها ملقاة على عاتـقه ليست نشر القيم الأميركية، ولا التساوق مع خزعبلات كان يؤمن بها بوش، بل إنقاذ الاقتصاد الأمريكي، وأول خطوة في عملية الإنقاذ الصعبة هي وقف وضبط استخدام القوة العسكرية، وقد بشّر بانتهاء عقد من الحروب بعيد فوزه بالولاية الثانية.
ويأتي أوباما كذلك في وقت يصعد فيه التنين الصيني اقتصاديا، وفي ظل تهديدات كوريا الشمالية واستفزازاتها، مما يجبر واشنطن على زيادة الجهد في البحر الأصفر، وارتفاع صوت روسيا بعد تبعية مخزية أيام غورباتشوف ويلتسين، ويدرك أوباما أن الإمبراطورية الأمريكية لم يعد بمقدورها التحكم بالعالم كما سبق بعيد انهيار الاتحاد السوفياتي.
طبعا لا يفوتنا أن الولايات المتحدة ليست مثل دول أخرى أي فقط رئيس أو زعيم  يـقرر وحوله طاقم من المصفقين الذين يبصمون، فأمريكا فيها مؤسسات ومجموعات ضغط(لوبيات) وتكتلات اقتصادية وصناعية...ولكن سياسة الرئيس في الغالب هي ترجمة أو انعكاس لتفاهمات أو تحالفات أو حتى خلافات  كل هذه الحلقات والتكتلات والمؤسسات.

    (3)اللعب من بعيد

السياسة الأمريكية تـقوم اليوم على اللعب من بعيد بأدوات المخابرات، أو المؤسسات المصطنعة والممولة أمريكيا والعاملة تحت أغطية مختلفة، أو بشخصيات وأحزاب تابعة، وأمريكا لن تتخلى عن إسرائيل حاليا، ولكنها ليست على استعداد لخوض حرب مباشرة نيابة عنها، أو السماح لها بذلك لا سيما ضد إيران، ومعالم سياسة الفتنة الأمريكية غير القائمة على اللجوء للمارينز في المنطقة والهادفة لضمان أمن إسرائيل وإشغال الأمة عن فلسطين تتجلى  فيما يلي:-
-   محاولة إيجاد فتنة في إيران باستغلال عوامل إثنية أو اقتصادية أو تذمر بعض القطاعات الشعبية الإيرانية من سياسات معينة، عوضا عن عمليات سرية في الداخل الإيراني.
-   زيادة منسوب الشحن الطائـفي والمذهبي، وتشجيع هذه الظاهرة، وهناك من يعمل بغباء على إنجاح هذه السياسة من السنة والشيعة على حد سواء، بحيث تصبح فلسطين المحتلة قضية هامشية في التفكير لدى جموع العرب والمسلمين، ويصبح الشيعة وإيران هم الأعداء عند السنة، والوهابيون وقطر والسعودية هم الأعداء عند الشيعة، وللأسف هذه سياسة تلاقي نجاحا، لدرجة أن فلسطينيين نسوا قضيتهم وانغمسوا بهذا الجدل.
-   إطالة أمد الصراع في سورية أطول فترة ممكنة، وبهذا يـضمنون زيادة مطردة في كره المحيط لإيران وحزب الله، وكلاهما-للأسف- لم يتمكنا من اجتراح موقف أو سياسة تطمئن الغالبية السنية، ولم يسارعا إلى تحويل الصراع وقلب الطاولة عبر حرب إقليمية ضد الكيان، كما أن إطالة أمد الصراع ضمان لتدمير الدولة السورية وخرابها، وتخويف كل العرب من التغيير والثورات وحضهم على التمسك بالاستبداد.
-   زعزعة الاستقرار في دول الثورات العربية مثل مصر وتونس، عبر الوكلاء والفلول وخلق أزمات متتالية أمنية واقتصادية وجهوية؛ فقد توقعنا أن تستمر الهدنة بين الحركة الإسلامية والغرب فترة أطول، ولكن ها هي أمريكا توعز لأدواتها بالتخريب والفوضى، وهذا يشغل العرب بأنفسهم، ويحول دون النهضة، ويزيد الانـقسام الوطني في دول الثورات ومحيطها.
-   الإيعاز لإعلام الفلول في مصر بمهاجمة الفلسطينيين عموما وحماس خصوصا، ببث الأكاذيب والإشاعات، وإبقاء الوضع الفلسطيني خاضعا للقبضة الأمنية مثل أيام المخلوع، مثل إغلاق الأنفاق بلا إيجاد بديل، وإبقاء قوائم المنع الأمني لمسافرين من قطاع غزة، وسوء معاملة للمسافر الفلسطيني، وغيرها من الأمور التي تجعل الفلسطيني يشعر ألا شيء تغير بالنسبة له.
-   الإيحاء بل التلويح بتدبير انـقلاب عسكري في مصر بمعاونة بعض الأحزاب الفلولية، أو التي تعادي الإسلاميين أيديولوجيا، مما يجعل الشعوب يائسة من التغيير، وإبقاء الجميع تحت هوس تحكم أمريكا بالعالم.

    (4)لاعبون جدد...وداعا

ومع ذلك فإن أوباما يؤمن أن هناك قوى إقليمية غير إسرائيل في المنطقة تصعد وتتقدم متحدية كل المصاعب مثل إيران وتركيا، وخاصة بعد أن وضعت 16 مؤسسة استخبارية على مكتبه تـقريرا يفيد صراحة بألا وجود لإسرائيل بعد عشر سنوات،  وأن الحياة والتفكير لدى شعوبنا اليوم ليست مثله قبل عشرين سنة، والتفكير التبعي يكاد يحزم أمتعته مغادرا المنطقة لصالح التفكير النّدي، وأوباما وإن كانت زيارته للمنطقة تـبث مشاعر ليست بـقدر النديّة والتحدي التي لاقها في شرق آسيا، إلا أنها ليست ذات المشاعر عند زيارة كلينتون أو حتى  بوش، وأن العالم المتعدد الأقطاب يتبلور، وأن حركة التاريخ تصدع بأن زمان هيمنة أمريكا  المطلقة يتلاشى بتسارع...وعليه فإن زيارته هذه هي وداع من نوع آخر، فيه مزيج من التسليم بالقوى الصاعدة، وتكليف للأدوات والقوى الخفية، مع يـقين بأن كل ما يفعله هو محاولة وقف وعرقلة التقدم لا قتله في مهده مثلما فعل أسلافه من رؤساء أمريكا، فهي زيارة وداع للمنطقة من حيث كونها منطقة خاضعة تماما للبيت الأبيض، ووداع منطق السيد والعبد، أو المدير والموظف، تجاه موقف الند للند خلال سنوات قليلة.

    (5)وماذا أيضا...؟!

هناك أسئلة كثيرة حول ما يتعلق بـفلسطين، ونلاحظ أن الزيارة ستشمل عمان ورام الله و«تل أبيب» فقط ولن تشمل القاهرة أو الرياض أو أنـقرة أو الدوحة أو أبو ظبي، لماذا؟ الأسابيع والشهور القادمة ستجيب عن هذا السؤال.
هل ستستأنف المفاوضات؟ إن أوباما معني بهذا الأمر، فهو يريد مفاوضات من أجل المفاوضات شأنه شأن قادة الكيان، وقد يتوصل أوباما لاتـفاق مع الكيان يتضمن تجميدا إعلانيا  للاستيطان، وإطلاق سراح بعض الأسرى، خاصة ممن اعتقلوا قبل أوسلو، وتجميد أو وقف الابتزاز المالي، مقابل استئناف المفاوضات، بل قد يطلق وعدا  بأن دولة فلسطينية سيادية قابلة للحياة ستقوم قبل أن يغادر البيت الأبيض، والكلام بلا جمارك، كما علمتنا التجربة.
هل ستسير المصالحة المعلّقة؟أوباما ضد المصالحة، إلا إذا اعترفت حماس بشروط الرباعية، ولكن ربما يكون هذا الأمر مما لا يهتم به بحيث يكون لسان حاله: أحبذ ألا تسير المصالحة، ولكن لن أعترض لو سارت، ولن أمنع إسرائيل من تعطيلها إذا أرادت!
هل ستقع انتفاضة ثالثة؟هناك محللون صهاينة اعتبروا أن فشل زيارة أوباما يعني انتفاضة ثالثة، وهذا خداع ومكر سيء؛ فأوباما كما هو معلن بوضوح ليس قادما وفي حقيبته مشروع لحل الصراع بل لإدارته، فما المقصود بالفشل هنا؟المواجهات الحالية ستتدحرج ولو ببطء لتتحول إلى انتفاضة بغض النظر عن أوباما وزيارته وما في جعبته.
على كل قد تؤجل الزيارة أو قد تلغى، ولكن علينا أن ننظر إليها بواقعية بعيدا عن التفاؤل أو التشاؤم بل مناقشة المعطيات بهدوء، والأهم ألا نجعل أنفسنا رهينة لما يرغب به أو يقرره الأمريكان بحجة أنهم الأقوى والأكثر تأثيرا، فهذه هزيمة نفسية تقود نحو التهلكة.

     ،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،
السبت 20 ربيع الآخر-1434هـ،2/3/2013م
من قلم:سري سمور(أبو نصر الدين)-جنين-أم الشوف/حيفا-فلسطين

مع مذكرات أخطر سفير إسرائيلي في مصر (1)

لدي قناعة أن ذهاب أنور السادات إلى خيار التسوية مع إسرائيل؛ و زيارته المشؤومة إلى القدس في 1977 وصولا إلى توقيع اتفاقات كامب ديفيد في 1979 ه...