الثلاثاء، مارس 24، 2015

قراءة في رواية "رجل لكل الغزاة" للدكتور عماد زكي

كتبها:سري سمّور/جنين
22057133.jpg
ربما من السهل على طبيب أن يتحول إلى إعلامي أو إلى أديب،كما هو حال د.عماد زكي الذي نتحدث عن روايته اليوم، ولكن كتابة رواية تاريخية مهمة محفوفة بشتى أنواع المخاطر؛ ففي الرواية التاريخية يصعب الفصل بين الخيال، والذي هو من أسس كتابة الرواية، وبين والواقع والتاريخ، من حيث التفصيلات والأشخاص والأحداث وترتيبها ودقة وصفها.
ورواية عماد زكي ليست الأولى ولا الأخيرة التي تتناول حياة رجل ما زالت بصماته ظاهرة في تاريخ المنطقة عموما وفلسطين خصوصا؛ فهناك أعمال درامية وبرامج وثائقية ودراسات تناولت حياة هذا الرجل...الشيخ الشهيد عز الدين القسام.
وأرى أن د.عماد زكي كان موفقا في اختيار عنوان روايته «رجل لكل الغزاة» فهذا العنوان الوصفي يعبر عن حياة الرجل وتاريخه،وبالتأكيد عن محتوى الرواية.
فعبر 512 صفحة من القطع المتوسط لهذه الرواية التي صدرت عن دار القلم-دمشق وكانت طبعتها الأولى في 2014، في حين كتب د.عماد زكي أنه أتم كتابتها في خريف 2013 ،نعيش ونتنقل عبر وخلال حياة الشيخ عز الدين القسام، مستكشفين جوانب مهمة من تاريخه الشخصي والجهادي جمعه الكاتب عن هذا الرجل الفريد...وقد غلب الواقع على الخيال بين دفتي الرواية، وتقريبا غابت اللمسات الفنية، لتكون الرواية عموما سردا لحياة حافلة وزاخرة بالأحداث المثيرة، مع أنها في المحصلة سيرة رجل لم يعش في هذه الدنيا سوى حوالي 52 سنة فقط.
قسم د.عماد روايته إلى 148 مشهدا أو قطعة، كل واحدة منها تتوزع على  صفحتين أو ثلاثة فقط، ولم يضع أي عنوان خاص بالقطع(المشاهد) بل اكتفى بالترقيم، وكأنه يترك للقارئ اختيار عنوان كل قطعة/مشهد إذا شاء.
من هم الغزاة الذين تتناولهم الرواية؟ طبعا هم الذين هجموا من القارة الأوروبية لتقاسم تركة الدولة العثمانية(الرجل المريض) بلا وجه حق، بل بمنطق البلطجة والسلب والنهب، ومنهم الإنجليز، ومنهم الفرنسيون، ومنهم الطليان، وكل استعمر منطقة عربية، ويشاء الله أن يكون للشيخ الأزهري، المولود في بلدة جبلة السورية، دور في التصدي لهؤلاء، وكأنه أمة في رجل؛ فالقسام حشد وجمع للتصدي للاحتلال الإيطالي الذي انقض على ليبيا، ولكن موقف العثمانيين آنذاك لم يكن مثل موقف القسام؛ فمنع المجاهدون من أهل الشام من مساعدة إخوانهم في ليبيا، ولكن عز الدين القسام صاحب الهمة العالية، والذي أدرك بوعيه وذكائه وحدسه الفطري الخطر الذي يتهدد البلدان العربية والإسلامية، امتشق سلاحه ونابذ الفرنسيين في سورية، لا سيما في منطقته في ساحل اللاذقية، ليحكم عليه بالإعدام، لينتقل بعدها مع مجموعة من أقاربه وأبناء عمومته ورفاق دربه إلى فلسطين، التي كان الاستعمار الإنجليزي يستعد لتسليمها للمهاجرين اليهود، وتشريد أهلها، فيكون قدر القسام أن يعيش في فلسطين ويعمل فيها في التدريس، ورئاسة جمعية الشبان المسلمين، وإمامة مسجد الاستقلال في مدينة حيفا، وأن يفجر شعلة الجهاد فيكون قدره كما تصدى للطليان والفرنسيين أن يتصدى للإنجليز والصهاينة ليستشهد برصاص إنجليزي غادر في شهر 11 سنة 1935م قبل شهور من اندلاع الثورة الكبرى التي طالما حرّض ودعا إليها باللسان والسنان!
هذه سيرة القسام باختصار، وما عملت رواية عماد زكي في قالب سردي على محاولة شرحها، ود.عماد زكي قبل البدء في الرواية يسجل كلمات مهمة:-
"في بحر متلاطم من الأحداث،التي شكلت مستقبلنا،على أعتاب قرن مضى،ظهر رجل يقاوم إرادة القوى الغاشمة،التي كانت تحاول أن تغير وجه الأمة وتعبث بحاضرها ومستقبلها...ورغم قلة المعلومات التي وصلتنا عنه إلا أن الوقائع تثبت أنه كان حاضرا على مسرح التحولات،قد يقول البعض أن ثورته كانت يومها صرخة في واد!...ولكن..كيف؟وصداها ما زال يتردد حتى الآن..فكان اسمه عنوانا لأمة لن تموت..وكانت ثورته التي ألهبت روح المقاومة والتحدي علامة حياة أمة عريقة تأبى إلا أن تنبثق من تحت الرماد،لتصنع غدها الذي تريد."
لعل هذه الكلمات تلخص رأيا شخصيا وقراءة سياسية استراتيجية لعماد زكي، وبالتأكيد يحظى بموافقة كبيرة...فثورة القسام لم تكن صرخة في واد، ومع أن 80 سنة مرت على استشهاده، فإنه ما زال حاضرا كأيقونة لرفض القبول بالأمر الواقع المفروض من قوى الاستعمار، وضرورة التصدي له ومقاومته حتى يأذن الله بنصر وتمكين.
ويسلط عماد زكي الضوء على جانب رفض الظلم والحساسية من الظالمين في شخصية القسام، منذ أن كان شابا، أيا كان مصدر الظلم؛ فحينما يتخرج الشاب عز الدين من الأزهر يطلب منه والده أن يذهب لزيارة الآغا، كما جرت العادة في بلدته جبلة، ولكن عز الدين يرفض ويدخل في نقاش مع والده ينتهي بتقبل الوالد-على حذر وخوف- لوجهة نظر الولد، ويتحدث عز الدين القسام عن طريقة تغوّل الطغاة وتجبرهم، فيقول لوالده:"الآغا صار آغا،لأنّا دائما نتحاشى شره، ونسعى إلى رضاه..لنجرب أن نقول له «لا» ولو لمرة واحدة!  "(ص28).
وبهذه النفسية الأبية المتمردة على الظالم الصغير نسبيا سيتحدى الظلمة الكبار من طليان وفرنسيين وإنجليز وحركة صهيونية مدعومة من كل قوى الشر.
حين انتقاله إلى فلسطين وإقامته في حيفا، يدرك أهمية توعية أهلها بالخطر الداهم الذي يهدد وجودهم وكينونتهم، فيقول من على المنبر في حفل افتتاح مسجد الاستقلال في حيفا: "فالله الله في فلسطين،يا أهل فلسطين..أدركوا بلادكم قبل أن نبكي على أندلس جديدة، تضيع فيها قدسكم، ويتهدد مستقبلكم من تعرفون من الطغاة والغزاة" ص278.
وتظهر فلسفة عز الدين القسام لضرورة التصدي للمشروع الصهيوني المدعوم من بريطانيا وغيرها، برغم قلة الإمكانات والسلاح والعتاد، في الحوار الذي يدور بينه وبين زوجته (أمينة نعنوع -أم محمد) وهو يخرج مسدسه ويصوبه إلى السقف، وهي تتحدث بالمنطق السائد عبر العصور، لمن يواجهون قوة غاشمة فتقول له:-
-      لن تستطيع أن توقف وحدك ما تخطط له دول كبيرة وقوية.
لكن زوجها كانت لديه رؤية أخرى وهو يدرك أنه  لا يملك شيئا يذكر من القوة المادية، ولكنه يملك قوة الحق وضرورة التصدي رغم الضعف، فيرد عليها: "قد لا أستطيع، ولكن لن أسكت" (ص288).
ويدرك الشيخ القسام أنه غير قادر على التأثير في علية القوم، ووجهاء البلد، فيبوح لنجيب نصار الذي حدث الشيخ عن الشاعر نوح إبراهيم، وأن نوحا معجب بالشيخ حد الاستعداد للموت لو طلب منه، فيقول القسام لنصار:-
"قد يكون لعالم مثلي تأثير على العامة من الفلاحين والعمال البسطاء، لكن ما يشغلني فعلا أن علية القوم..وجهاء البلد وكبراءها مشغولون بالسفاسف..يراهنون على عطف بريطانيا ووعودها التي لم تصدق يوما..هؤلاء لم تفلح معهم خطبي ودروسي..ينظرون إلينا على أننا دراويش نحرث البحر، ولا نفهم مثلهم بالسياسية" ص359+360.
فالشيخ لم يكن فقط حريصا على استقطاب وحشد العمال والفلاحين كما يفهم-خطأ- بعض دارسي سيرته، بل حاول وبذل كل جهد للتأثير بالطبقة الاجتماعية الغنية والمؤثرة...ولكن بلا جدوى!
وفي موضع آخر من الرواية تعاد الفكرة، أي محاولة الشيخ القسام عبر خطبه ودروسه إقناع القوم ألا فائدة في بريطانيا، وأنها منحازة تماما للصهاينة، ولا يمكن أن تغير موقفها كما يتصور البعض، ولكن هذه المرة عبر نقاش يشارك فيه الشاعر نوح إبراهيم : "من جرّب المجرب عقله مخرّب، خبّرنا عن موقف واحد وقفت فيه بريطانيا إلى جانب العرب.." ص445
وإضافة إلى حالة غياب الوعي السياسي تجاه هذه المسألة الحساسة، أي موقف وحقيقة بريطانيا، تظهر مشكلة العملاء، وكيف أن الإنجليز زرعوا للقسام عميلا اسمه أحمد نايف يراقب كل سكناته وحركاته، والقسام يسأل نفسه باستنكار واستهجان : "كيف يمكن لعربي مسلم أن يتحول إلى حذاء، يدوس به العدو أبناء وطنه؟" ص462.
ولكن العملاء والجواسيس يجب ألا يكونوا مبررا للامتناع عن الجهاد والمقاومة، وحين يحذره رفيق دربه (أبو إبراهيم) منهم بالقول:-
-الجواسيس يا شيخ عز الدين في كل مكان، ولن يتركوك..
فيرد الشيخ بثقة المتوكل على الله:-
-الجواسيس في كل زمان ومكان..لا بد أن يطلق أحد روح الجهاد..(ص475)
وتعالج الرواية مسألة بالغة الحساسية، وهي العلاقة بين المفتي الحاج أمين الحسيني، والشيخ عز الدين القسام، فكلاهما شيخان معممان، ولكن المفتي عموما كان يرى أن الظرف غير ملائم للجهاد، بعكس القسام الذي رأى وجوب حمل السلاح، وكان عذر المفتي أن الأمور لم تنضج في القدس والجنوب، ويبدو د.عماد زكي كمن يحاول عبر السرد، أن يلتمس للمفتي عذرا، ولكنه يظهر عتب القسام على المفتي، بعد أن وجه الأول رسالة للمفتي عن عزمه التحرك، وأنه يحض المفتي-بحكم منصبه وتأثيره- على إعلان الجهاد في عموم فلسطين، ولكن المفتي امتنع عن اتخاذ هذه الخطوة، فيدور حوار بين القسام وبين محمود سالم الذي حمل رسالته إلى المفتي:-
-كنت أتوقع جوابا غير هذا من المفتي.
-لعله خائف من اندفاعة لا تحقق النصر.
-ليست هذه المرة الأولى التي أخوض فيها تجربة الجهاد..أعرف أن حركتنا لن تهزم جيشا عاتيا كجيش بريطانيا، لكنها ستطلق ثورة لا بد منها في فلسطين لوقف هذا العدوان، وأنا متأكد بأن الألوف سوف يلتحقون بهذه الثورة عاجلا أم آجلا.. (ص468)
وهذا الحوار ربما يلخص فلسفة حركة القسام ورؤيته للعمل الجهادي، وإدراكه موازين القوى...ويبقى هناك سؤال:هل كان القسام حقا يتوقع جوابا آخر من المفتي، أم أنه أراد إقامة الحجة، وقد توقع جواب المفتي؟سيظل الأمر محل نقاش وتوقعات وأخذ ورد!
والرواية لم يغب عنها الحديث عن الجانب الإنساني في شخصية الشيخ القسام؛ فهو العصامي الذي باع الهريسة الشامية إبان دراسته في الأزهر في مصر، وهو الحنون على بناته وزوجته وابنه الوحيد، وهو الذي تكفل بنفقة أقاربه ورفاقه القادمين من سورية إلى فلسطين حتى يجدوا عملا، وهو حين عمل مدرسا حرص على رسم القدوة الصالحة للبنات اللواتي درسهن، وهو حريص على إصلاح ذات البين بين الناس، ومن الداعين إلى تيسير سبل الزواج للشباب...فلم تقتصر الرواية على جانب التضحية والجهاد في شخصية القسام.
ولكن  الرواية لم تخل من بعض الأخطاء التاريخية بالقول  أن قائد جيش المسلمين لفتح الهند كان أسامة بن زيد(ص438)، جاءت هذه الفكرة كخاطر للشاب عربي البدوي، وقد يكون المبرر أن هذا حد علم هذا الشاب البسيط؛ ولكن حبذا لو قام د.عماد في الطبعة أو الطبعات التالية باستبدال "محمد بن القاسم" بأسامة بن زيد، أو بلاد الشام بالهند...كما أن الشيخ القسام لم يخدم في الجهادية العثمانية في الشام أو غيرها، والتي أصلا كان يعفى منها من يدرس العلم الشرعي، حيث أورد د.عماد أنه تعرف على الشهيد فرحان السعدي إبان خدمتهما سويا فيها!
إجمالا فإن رواية  "رجل لكل الغزاة " محاولة جيدة من د.عماد زكي لربط التاريخ بالواقع، وشرح معيقات الجهاد قديما وحديثا ومحاولة رسم القدوة عبر سبر أغوار سيرة الشيخ عز الدين القسام، بعيدا عن النمنمة الفنية المرتبطة عموما بالرواية...ويصلح نص د.عماد للتحول إلى مسلسل تلفزيوني أو فيلم سينمائي...فهل من مبادر لهذه الخطوة؟! أرجو ذلك.

،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،
الثلاثاء 4 جمادى الآخرة 1436هـ ،24/3/2015م
من قلم:سري عبد الفتاح سمّور(أبو نصر الدين)-جنين-أم الشوف/حيفا-فلسطين


الثلاثاء، مارس 03، 2015

فلسطين والسعودية

 بقلم:سري سمّور


أقيمت الدولة السعودية الأولى سنة 1756م والدولة الحالية التي أسسها الملك عبد العزيز أكبر من الدولة الأولى وأهم ولكن أشير إلى ذلك لإدراك مدى خبرة الأسرة المالكة ومعايشتها عبر أجيال للتغيرات والعواصف والأنواء التي شهدتها المنطقة.
والعلاقة بين فلسطين والسعودية قديمة، وهي سابقة لقيام الدولة السعودية، والتقسيمات الإقليمية الحالية، فقد أسري بالرسول-صلى الله عليه وآله وسلم- من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، وهو أولى القبلتين و ثالث المسجدين.
 وبعد قيام الدولة السعودية فإن العلاقات قد صارت أكثر كثافة ومتانة، وفي حرب 1948 شارك الجيش السعودي بكتيبتين ضمن القوات العربية الأخرى التي انهزمت أمام العصابات الصهيونية...كما أن مئات الآلاف من الفلسطينيين ما زالوا يعملون في السعودية.
ولولا موقف الملك فيصل بن عبد العزيز-وله شعبية واسعة في فلسطين- سنة 1973 بوقف تصدير النفط لما كان هناك تفكير بالحرب لدى سورية ومصر لاستعادة شيء من ماء الوجه بعد هزيمة 1967...وحتى جمال عبد الناصر أدرك بعد هزيمة حزيران/يونيو 1967 ألا فائدة من سياسته السابقة بمعاداة الحكم في السعودية، وألا غنى له عن الدعم السعودي بالمال والموقف السياسي.
وشهدت العلاقات السعودية-الفلسطينية توترا بعد دخول صدام إلى الكويت، وما تبعه من إعلانه العداء للسعودية وعموم أنظمة الخليج، واعتبار الموقف الفلسطيني مؤيدا للموقف العراقي آنذاك؛ علما بأن القضية الفلسطينية كانت الخاسر الأكبر من تلك الأزمة وتبعاتها، ووقوف الفلسطينيين مع العراق لم يكن كرها أو بغضا في الكويت أو السعودية بقدر ما هو موقف تلقائي يؤيد أي قائد أو دولة ضد إسرائيل وسياسات الأمريكان، ولأن العراق قدم لفلسطين مثلما قدمت السعودية... ومع ذلك لم تقطع السعودية علاقاتها تماما مع منظمة التحرير وأبقت على شعرة معاوية، وكان عدد المتضررين من العاملين في السعودية من الفلسطينيين قليلا نسبيا.
والسعودية لها علاقة خاصة واستراتيجية ومعلنة في كثير من جوانبها مع الولايات المتحدة الأمريكية سياسيا واقتصاديا وعسكريا وأمنيا، وهذه العلاقة لا يمكن إغفالها، وإدراك أن هامش الحركة لدى المملكة محكوم بسقف هذه العلاقة، ولهذا أعلنت السعودية تأييدها لحقوق الشعب الفلسطيني، والتزامها بـ«السلام العادل» ومبدأ الأرض مقابل السلام وفق القرارات الدولية.
 ويسجل للسعودية أنها لم تتصرف مثل نظام حسني مبارك عبر فلسفة ملخصها أن الطريق إلى واشنطن يمر عبر «تل أبيب» حيث أن طريق الرياض مباشر إلى واشنطن، ولم تسع لإرضاء الأمريكان بالتقرب من الإسرائيليين بطريقة الاستخذاء التي انتهجها مبارك.
وامتازت السعودية بسياسة هادئة لا تقوم على الشعارات الكبيرة، والتصرف بانفعال وتسرع، وانتهجت التؤدة في خطواتها، في معظم الأوقات، ولهذا كانت دوما وسيطا ماهرا، وحسبنا أن نتذكر اتفاق الطائف بين أقطاب  لبنان.
إلا أن أحداث 11 أيلول/سبتمبر2001 في نيويورك وواشنطن جعلت السعودية في مرمى الاستهداف وتحت المجهر؛ نظرا لأن أسامة بن لادن سعودي ومن عائلة لها وزنها المعنوي والاقتصادي في السعودية، ولأن 15 من أصل 19 متهما بتنفيذ الهجمات في ذلك اليوم من السعوديين، وحتى فيلم فهرنهايت 9/11 اتهم الحكومة السعودية ضمنا بأنها مسؤولة عن الهجمات، وكان هذا الحادث في ذروة انتفاضة الأقصى، وانتهاج شارون سياسة دموية ضد الشعب الفلسطيني.
وهنا جاءت مبادرة ولي العهد السعودي آنذاك عبد الله بن عبد العزيز التي أعلن عنها في قمة بيروت في أواخر آذار/مارس 2002 والتي تتضمن الاستعداد لسلام تام وتطبيع للعلاقات بين الدول العربية جميعا و الكيان العبري مقابل الانسحاب من الأراضي المحتلة سنة 1967، ولم تعترض أي دولة عربية، ولو من قبيل المزايدة على المبادرة، مما يدل على أهمية السعودية في المنظومة العربية الرسمية.
لكن الرد الإسرائيلي على المبادرة كان الاستعلاء والغرور ومواصلة العدوان، ومع أن الرئيس عرفات أعلن عبر خطابه من المقاطعة، حيث لم يحضر قمة بيروت لأن شارون هدد بعدم السماح له بالعودة، أنه يؤيد ويرحب بالمبادرة التي وصفها بالشجاعة، فكان الرد هدم معظم أجزاء المقاطعة في رام الله، ومحاصرته في مبنى صغير داخلها، وشن عدوان بأكثر من ألف جندي على مخيم جنين وهدم بيوت المخيم وقتل وجرح واعتقال الآلاف من سكانه، ضمن ما عرف بعملية السور الواقي، وعمليا كان مصير مبادرة الأمير عبد الله، مثل مصير مبادرة أخيه الملك فهد في فاس سنة 1982 أي أن  الرد عليهما عدوان عسكري إسرائيلي شامل سواء في لبنان أو فلسطين!
وبقيت المبادرة وما زالت على الطاولة، ويشهد للسعودية أنها وإن لم يرق لها اعتراض بعض الفصائل الفلسطينية خاصة حركة حماس على المبادرة، إلا أنها لم تتعامل بعدائية مع من يرفض ويعترض من الجانب الفلسطيني.
إلا أن دور وسياسة السعودية منذ المبادرة سواء فيما يخص القضية الفلسطينية أو غيرها، شهدت تراجعا، وظهرت مواقف يفترض أن المملكة بحكم حجمها وأوراق قوتها يجب ألا تقع فيها من قبيل:-
1) ظهر على السطح إعلاميون سعوديون يتبنون مواقف متصهينة تهاجم المقاومة الفلسطينية بل عموم الشعب الفلسطيني، وتبرر لشارون ومن بعده عدوانهم، ناهيك عن إعلاميين يعملون في مؤسسات إعلامية سعودية ينتهجون ذات النهج، وفضائيات ومواقع إلكترونية تحس أنها عبرية ليكودية بلغة عربية، لدرجة أن وزارة الخارجية الإسرائيلية رحبت بمقالاتهم وأعادت نشرها على موقعها في سابقة فريدة من نوعها...ولم تتخذ الدولة السعودية أي إجراء للجمهم!
2) انكماش دور المملكة –خاصةالإعلامي- قوى أطرافا أخرى، وسمح لدول خليجية أخرى بلعب دور أكبر من حجمها الجغرافي والتاريخي.
3) غابت المملكة عن أدوار كثيرة في الوساطات وحل الأزمات ورأينا الدوحة تشهد لقاءات بين اللبنانيين، وتجمع أطراف أزمة دارفور، وتلعب دور وسيط مع طالبان، فيم المملكة كأنها تريد الانشغال بذاتها أو بقضايا أخرى، وغابت عن قضايا المنطقة!
4) رعت السعودية اتفاق مكة بين فتح وحماس؛ ومن طيبة القلب الزائدة أن نظن أن عمر سليمان أحب أن يشاركه أحد ملفا يعتبره حكرا عليه، ولكن المملكة لم تضع ثقلها المادي والمعنوي لمتابعة تنفيذ الاتفاق الذي لم يعمّر طويلا، ولكن السعودية حافظت على سياستها المعهودة بعد انهيار الاتفاق بإبقاء التواصل مع كل الأطراف وعدم معاداة أي طرف فلسطيني.
5) ضمنا معروف رؤية وتحالفات وأصدقاء السعودية، وما كان يعرف بمحور الاعتدال، ولكن اندلاع الثورات العربية في 2011 أظهر السعودية بمظهر خارج عما عرف عنها من اتزان في المواقف، والحفاظ على شعرة معاوية مع الجميع، وعدم المبالغة في العداء لأي جهة، ولا داعي للخوض في تفصيلات هذه المسألة فهي معروفة...وكان من النتائج المؤسفة أن الإمارات بات لها نفوذ في القاهرة مثلا  يفوق أو يوازي دور المملكة!
ولكن قدر الدول الكبيرة والمهمة أن انسحابها أو ابتعادها أو خطأها في التعامل مع ملف أو قضية تظل مرحلة عابرة في تاريخها؛ وحينما نتحدث عن السعودية فنحن نتحدث عن الدولة التي تشرف على الحرمين الشريفين، مهوى أفئدة المسلمين ومحجهم ومزارهم، والدولة التي تنتج ما يقارب 10 مليون برميل نفط يوميا، أي أنها قادرة على التأثير على اقتصاد العالم كله، ناهيك عن تمتع أرضها بخام الذهب، والمساحة الشاسعة، وهي حاليا الدولة العربية الوحيدة التي تختلف عن غيرها لأن بيدها كثير من أوراق وأسباب القوة، مع ما يتهددها من أخطار على حدودها مع اليمن والعراق، فقد أثبتت عبر تاريخها قدرة على تجاوز الأزمات، خاصة أنها لا تشهد انقساما سياسيا ولا طائفيا أدى إلى نزاع دموي مثل دول أخرى كمصر وسورية.
فدولة بحجم وأهمية ومكانة السعودية وفي الظرف الحالي لا يمكن إلا أن ينتظر الفلسطينيون منها دورا أكثر فاعلية وتأثيرا...وكما نرى هناك مؤشرات على عودة الرياض لحيويتها ودورها، وهناك إشارات واضحة من الملك سلمان أن المرحلة السابقة كانت كبوة عابرة، ولكن ما الذي يريده الفلسطينيون من السعودية؟حقيقة هناك أمور كثيرة؛ وبالحد الأدنى، وبمنتهى الواقعية السياسية بعيدا عن الأوهام، فقد أشرت سلفا إلى خصوصية العلاقات بين المملكة وأمريكا، ولكن هامش المملكة يظل واسعا ومرنا نسبيا وعليه يجب الإعلان عن سحب المبادرة العربية نظرا لعدم استجابة إسرائيل لها وقد مضى عليها 13 سنة، ويريد الفلسطينيون عودة دور السعودية في المصالحة، وتقديم ما يلزم لإنجاحها، كما أن هناك أمل كبير بتدخل سعودي فاعل من أجل ترتيب العلاقة بين مصر وحركة حماس، التي وصلت حدا غير مسبوق من التوتر والعداء، لأن المملكة قاسم مشترك أكبر وكلمتها مسموعة، ومساعدة الفلسطينيين في إنجاز ملفات عدة مثل التوجه إلى محكمة الجنايات الدولية، وإعمار غزة، والضغط على الجانب الإسرائيلي عبر العلاقات الدافئة مع الأمريكان، ولعب دور في صفقة تبادل أسرى محتملة عبر علاقات المملكة الكبيرة، وكذلك رفع الحظر عن د.رمضان شلح ليتمكن من تأدية فريضة الحج.
وحينما يرى الفلسطينيون أن ثمة تقدما في هذه الملفات فيمكن القول أن الرياض غادرت الحالة التي أحزنت كثيرا من العرب والمسلمين، نحو حالة تسرّها وتسرهم.
وعموما فإنني بمشيئة الله سيكون لي حديث آخر أكثر تفصيلا عن السعودية ودورها لاحقا.
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،
الثلاثاء 12 جمادى الأولى 1436هـ ،3/3/2015م

من قلم:سري عبد الفتاح سمّور(أبو نصر الدين)-جنين-أم الشوف/حيفا-فلسطين

مع مذكرات أخطر سفير إسرائيلي في مصر (1)

لدي قناعة أن ذهاب أنور السادات إلى خيار التسوية مع إسرائيل؛ و زيارته المشؤومة إلى القدس في 1977 وصولا إلى توقيع اتفاقات كامب ديفيد في 1979 ه...