الاثنين، أغسطس 17، 2015

بين جيلين تعب وراحة وبالعكس!


بقلم:سري سمّور


مواقع التواصل الاجتماعي خاصة فيسبوك تظهر في بعض منشوراتها صورا للحياة في الزمن الماضي؛ زمن ما قبل الإنترنت والهواتف المحمولة، بل حتى زمن ما قبل انتشار الهواتف الأرضية، ويتحدث كثير من الناس عن الحنين إلى ماض كانت فيه الحياة سهلة وبسيطة، وكان الناس أصفى نفوسا، وكان الشعور بالأمن والأمان طاغيا، ويستذكرون ألعابهم البسيطة جدا، ولكنهم كانوا سعداء بها، وعن دراستهم في ظروف صعبة مثل بعد المدارس وقلة عددها ما اضطر كثيرا من الطلبة للمشي مسافات طويلة في ظروف جوية قاسية، وقلة الكتب التي اضطرتهم إلى نسخ الكتاب الذي بحوزة المعلم بخط اليد-وهو ما جعل خطوطهم جميلة بالمناسبة- ولكنهم كانوا طلبة مجتهدين، يحترمون معلمهم مع أنه كان يقسو عليهم بعصاه التي لا ترحم، وعن اجتماع الأسرة حول كانون النار، وعن (فزعة) الجيران لمساعدة جار عنده (صبة باطون) لغرفة صغيرة أو ما كنا نسميه (قُصة) وهي فناء أمام البيت مخصص للجلوس والضيافة خاصة بعد العصر وليلا في الصيف، وعن أسعار السلع الغذائية الرخيصة نسبيا، وعن طبيب يعرفه كل الناس يعالج كل الأمراض، دون طلب تحاليل طبية ولا صور أشعة، ويكتب الله للمريض الشفاء على يديه، وعن النسوة اللواتي يجتمعن حول الجاروشة الوحيدة في الحي وكل واحدة معها (مونة) أسرتها من العدس أو غيره، وكيف كان ساندويش الفلافل وخبز السوق -الذي يأكله الجميع يوميا حاليا- وكأنه وجبة محترمة فاخرة في فندق درجة أولى، وعن المياه الغازية التي كانت تسمى (كازوز)، وعن السيارات القليلة والباص القديم الذي يتحرك مبكرا ويعود ظهرا...عن معظم صور الحياة التي عاشها مواليد ستينيات وسبعينيات وثمانينيات القرن العشرين.
ويدخل بعض المتحدثين سواء عبر فيسبوك أو بحديث شفوي مباشر في ما يشبه التقريع واللوم للجيل التالي من الأبناء والأحفاد، من أنه جيل كثير التبرم، في حين حياته سهلة وميسرة بفضل التكنولوجيا، وكثرة المدارس والجامعات وقربها وسهولة المواصلات، وكثرة الملابس والأحذية، في حين لجأ الآباء والأجداد إلى الترقيع، وكان نظام كسوة الشتاء وكسوة الصيف هو السائد، وأن الجيل الحالي لديه وفرة وتنوع في الطعام، ويعقدون مقارنات تثبت-من وجهة نظرهم- أن الجيل الحالي مدلل ومنعم ومترف مقارنة بجيل الآباء والأجداد، ومع ذلك فهو جيل يغلب عليه جحود النعم الكثيرة، وتكثر منه الشكوى والتبرّم.
ولمناقشة الموضوع أنا مضطر للنظر إلى الموضوع من زاوية فلسطينية أكثر منها عربية مع  أن الأمر ليس مقتصرا علينا معشر الفلسطينيين، ولكن لنا خصوصية لا تخفى على أحد، والسؤال الذي يطرح نفسه:هل فعلا الجيل الجديد وأعني به من ولدوا أواخر ثمانينيات و أوائل تسعينيات القرن الماضي ومن بعدهم في نعيم مقيم مقارنة بآبائهم وأجدادهم، أم أن ثمة أحادية في النظرة إلى الأمور؟
مضطر لأضع نفسي حكما وخيارا وسطا بحكم سني(ولدت في 1974م) فأنا ممن شاهد شاشة التلفزيون بالأبيض والأسود ثم الشاشة الملونة وما بعدها، وأنا ممن تعامل مع الهاتف الأرضي المربوط بالبريد أي أن الاتصال يكون بطلب الرقم من الموظف وليس مباشرة، وأنا ممن لعب بطابة مصنوعة من القماش، وكرة مصنوعة من المطاط في ذات الوقت، وأنا ممن ركب الباص العمومي واقتنى سيارة خاصة به لاحقا، وأنا ممن عاش في بيت الكهرباء فيه متوفرة وكان يرى أنها غير موجودة عند أقاربه في بعض المناطق؛ أي أنني لم أعش مرحلة ستينيات وخمسينيات القرن الماضي وما قبلها وما فيها من أدوات وظروف معيشة نعرفها، فلربما حالة (البين بين) التي حييتها تتيح لي النظر بشمولية إلى الموضوع...أو سأزعم ذلك!
وقبل عقدين من الزمان وحينما شاهد طالب خريج وصل الدفع الخاص بي في أول فصل من دراستي في جامعة النجاح الوطنية قال باستنكار وتعجب:هل تعلم بأنني طوال فترة دراستي في الجامعة لم أتكلف هذا المبلغ الذي ستدفعه أنت في البداية؟! ولا شك أنني وهو لم يخطر في بالنا أنه ستأتي مرحلة يكون فيها الطالب الجامعي بمثابة البلاء على أهله وأسرته، بل صار والد الطالب المتفوق-الذي سيدرس الطب أو الهندسة غالبا- يضيق ذرعا نظرا لما يتكلفه من مصاريف التعليم الجامعي للولد أو البنت ما بين أقساط ومصروفات شخصية ترهق كاهله بالديون، خاصة حينما يكون لديه أكثر من طالبة أو طالبة يدرسون في الجامعة.
وقد رأيت موظفا في صيدلية أثناء أدائي لمناسك العمرة، وعرف من لهجتي أنني فلسطيني مثله، وقد لاحظت أن الرجل كبير السن نسبيا يعمل ساعات طويلة جدا لا يطيقها شاب في مقتبل العمر، فقال بأنه بلغ من العمر 65 سنة، وأنه أفنى شبابه في الغربة، فقلت له أنه آن الأوان كي يرتاح ويعود إلى وطنه ويكفيه من الغربة والتعب ما لاقى، فقال بأنه يتمنى ذلك ولكن لا يستطيع الآن لأن لديه ابن وابنة يدرسون في الجامعات الأردنية، وقد تخرج من أولاده من تخرج فحل هذين محلهما في الدراسة والمصروفات، فتذكرت حالات مشابهة في الغربة أو التعب والنصب أو كلاهما.
لقد صار التعليم الجامعي أشبه بالكابوس، خاصة وأن الثقافة الاجتماعية تغيرت، حيث صار الاهتمام بالتحصيل العلمي شاملا لكل العائلات الأرستقراطية والمتوسطة والفقيرة، وأيضا لا يقتصر على الذكور، بل قد تكون الأنثى عند عائلتها أحق من الذكور، نظرا لتفوقها عادة، فكثير من أوائل الثانوية العامة أو الجامعات في مختلف الكليات من الإناث.
والأدهى والأمر أن الخريجين لم يجدوا من فرص العمل ما وجدنا، ولا ما وجده من قبلنا، فكل جيل تضيق الفرص في وجهه عن الجيل الذي سبقه، ولهذا أسباب كثيرة، منها تطور التكنولوجيا الحديثة وكثرة المتعلمين، وامتلاء القطاعين العام والخاص بالموظفين والعاملين، وأيضا عدم وجود تخطيط صارم يربط بين حاجة سوق العمل وبين دراسة التخصصات المختلفة.
أي أن خريج الجامعة لا تنتهي معاناة أهله بتخرجه، كما كان سابقا، بل سيصاب بالإحباط والكآبة، وهو يفتش عن فرصة عمل تضمن له العيش بشيء من الكرامة، وقلة من يوفقون في هذا الأمر كما نعلم.
وعليه فإن الجيل السابق من الآباء والأجداد وإن كانوا قد عانوا في معيشتهم في بيوت متواضعة وضيقة، أو في دراستهم، إلا أن الفرص كانت متاحة أمامهم، سواء في الوطن أو خارجه، بل سواء كانوا متعلمين أو شبه أميين؛ فقبل حوالي 50 عاما كانت أبواب ما كان يعرف بألمانيا الغربية مفتوحة أمامهم، وقد سافر كثير منهم هناك وعملوا وجمعوا من المال ما ضمن لهم هنا مشروعا صغيرا أو كبيرا يضمن لهم عيشا كريما، واشترى بعضهم أراض أو سيارات وبنوا بيوتا أو وسعوا وحسنوا وأضافوا على بيوتهم، وآخرون وجدوا دول الخليج تفتح لهم أبوابها، فذهبوا هناك، وكم نعرف ممن عمل هناك معلما وهو لم يحصل على أكثر من شهادة الإعدادية أو التوجيهي، ومن كان يحمل الدبلوم كانت فرصته أكبر.
ثم أقفلت ألمانيا أبوابها، وصار الخريجون من أبناء الخليج نفسه يبحثون عن فرص عمل ووظائف، ومع أن ثمة فرص عمل هناك، ولكن العروض حاليا غالبيتها ليست مغرية، وتحتاج إلى خبرات وشهادات علمية متقدمة ومتميزة عما كان سابقا، وبسبب غلاء المعيشة وتقلص فرق العملات، بفعل العولمة فإن الحالة التي كان فيها المغترب في السعودية أو الكويت يتزوج ويزوج إخوته ويبني بيتا جديدا ويضخ لأهله مالا يضمن لهم نوعا من رغد العيش لم تعد موجودة اليوم.
بل لعل الغربة كانت محل انتقاد أحيانا نظرا لأن من يجتهد قد يجد في بلده فرصة ما؛ بعكس الوضع الحالي الذي يضطر بعض الناس إلى الهجرة وطلب اللجوء في دول غربية أو حتى عربية، ويقال والعهدة على الرواي أنه حينما غنت نادية مصطفى أغنية(سلامات سلامات سلامات يا حبيبنا يا بلديات...ده إن لقيت في الغربة المال فين حتلقى راحة البال...إلخ) وسمعها مغتربون مصريون في العراق عاد عدد منهم على وجه السرعة إلى مصر وطنهم...وفي مصر كنا نرى في المسلسلات ما كان يعرف بنظام (القوى العاملة) وهو نظام حكومي يتيح للخريجين التقدم لوظيفة حكومية، ولا يحتاج إلى واسطة، ولكن قد تأتي الموافقة بعد سنتين فيعين من درس فيزياء نووية من سكان القاهرة موظفا في وزارة الأوقاف مثلا في المنيا، ولكن يكون قد ضمن دخلا ووظيفة حكومية، ولكن حتى هذا النظام على عواره قد ألغي قبل حوالي ربع قرن، وكان للأمر تداعياته المعروفة في مصر.
ولنبق في فلسطين فثمة مقارنات كثيرة؛ فحوالي 850 ألف فلسطيني في الضفة والقطاع تعرضوا للاعتقال في سجون الاحتلال الصهيوني، وكثير منهم قضوا سنوات وشهور؛ وكان المعتقل ربما يدخل السجن أميا فيخرج يقرأ ويكتب ويحاور في الشأن السياسي والفكري، ومنذ سنين قد يدخل المعتقل السجن ويخرج بعد سنين دون أن يتم قراءة ولو كتاب واحد، وكانت نفسية المفرج عنه عادة تتمتع بقوة وتشعر بأنه صقلت شخصيته، والآن نظرة سريعة تعطيك تصورا عن حالة الأسرى والمحررين عموما، ولك أن تقارنها بالفترات السابقة.
وكان سعر الدخان، ولنكن واقعيين فالتدخين عادة منتشرة عندنا، زهيدا جدا، والآن يضطر المدخنون إلى تدخين سجائر العربي الملفوفة يدويا، وصار من يدخن السجائر العادية يحسب من الطبقة الثرية، أو من المستهترين أو المسرفين والمبذرين!
وعودة إلى الدراسة والتحصيل العلمي، وعلى هامش موضوع أزمة الأونروا فقد كانوا يوزعون علينا قرطاسية من دفاتر وأقلام في مدارس الوكالة تكفينا وتزيد للعام الدراسي التالي، وحدثني موظف سابق في الأونروا أنهم حينما كانوا يعلنون عن وظيفة ما يتقدم لها واحد أو إثنين بينما حاليا مئات الخريجين يهرعون لتقديم طلبات التوظيف.
وفي سياق الحديث عن كثرة حملة الشهادات والدرجات العلمية، لاحظنا أن من لم يكمل سوى المرحلة الإعدادية، أو حتى من تلقى تعلميه عند شيخ الكتّاب يكتب بطريقة أفضل من العديد من حملة الماجستير أو الدكتوراه فبعض هؤلاء لا يحسنون الإملاء ويكتبون كلمات شائع استخدامها خطأ، أي أن الكم نما وتضخم على حساب النوع!
وكان هناك انتشار للدراسة شبه المجانية في الداخل والخارج، والعمل مضمون، بل أحد المتقاعدين حدثنا بأنه كان هناك بعض التخصصات خاصة مواد العلوم يشترط فيمن يدرسها أن يعمل مدة معينة في الأردن قبل السماح له بالتوجه إلى الخليج أو غيره، أي كان المطلوب من الطالب فقط الجد والاجتهاد، والحصول على الشهادة، والوظيفة مضمونة ومتوفرة في الأونروا أو الحكومة أو في الخليج، بل حتى من لم يعمل بشهادته كان بمقدوره فتح بيت والعيش بكرامة إذا عمل عتالا أو بائعا على بسطة خضار.
وكان بعض من يتقدم للزواج من موظفة أو متعلمة يشترط عليها ألا تعمل وتتفرغ لتكون فقط ربة بيت، وجاء زمان صار الباحث عن زوجة يشترط أن تكون موظفة نظرا لصعوبة وتعقيدات الحياة وغلاء المعيشة المطرد.
كانت حياة السابقين أقسى في بدايتها، ولكنها كانت أسهل وأرخص، حاليا كل شيء يحتاج مالا، ولا يمكن الطلب من الجيل الجديد أن يحيا بدون وسائل العصر، أو كما عشنا أو عاش من قبلنا، والأدهى والأمر أن الأبواب تقريبا موصدة في وجه أبناء وبنات الجيل الجديد.
فعلام نحسد أبناء وبنات اليوم؟على تورطهم في أمور صارت متطلبات حياة ضرورية وكنا نعدها كماليات وهم غير قادرين على توفيرها؟أما على طابور البطالة الذي ينتظرهم؟
وكان الناس –كما هي طبيعة المجتمعات-يختلفون ويتشاجرون ويتضاربون، وكان من يحمل أو يستعمل ما كان يعرف بـ(الموس الكباس ثلاث نجوم) يعتبر وكأنه يحمل سلاحا فتاكا، فجاءنا زمن تستخدم فيه المسدسات والرشاشات الروسية والبنادق الأمريكية في الشجارات التي تقع بين بعض الأشخاص أو العائلات؛ ولعل هذا ما يعتبره الجيل القديم مثلبة ومأخذا على الجيل الجديد من حيث أن الكبار يعتبرون أنفسهم أكثر تسامحا وأنفسهم أكثر خلقا، ولكن سؤالا يطرح نفسه بقوة مع ما فيه من حرج وملح في الجرح:هل التسامح والخلق الحسن مترسخ في النفوس، أم أن القدماء لم يجدوا سوى العصي والحجارة وبعض الآلات الحادة ليتقاتلوا بها، ولو كان في زمانهم أسلحة نارية لما كانوا كما يزعمون؟!
الأمر الذي يمكن أن يفاخر فيه الكبار هو حالة التماسك والتعاضد الوطني؛ فنحن نترحم على زمان كانت رفح تعلن الإضراب على شهداء جنين، وكان ابن جنين حين يلتقي بابن الخليل يذكر له أسماء شهداء الخليل كاملة مع قصص استشهادهم وكأنه يعرفهم عن قرب، وكانت إشاعة عن استشهاد أسير كفيلة بإشعال الشارع، وهو ما كان يضطر أجهزة الأمن الإسرائيلية أن توصي مصلحة السجون بالتخفيف عن الأسرى، في حين لا تجد اليوم بضع عشرات غالبيتهم من ذوي الأسرى المضربين عن الطعام يقفون وقفة تضامنية، وصار خبر ارتقاء الشهيد يمر كأنه خبر عادي، بل صار أكثر ما يتابعه الشباب بتفاعل وحماسة تثير الدهشة بل التقزز هو مباريات كرة القدم، وبرامج المسابقات الغنائية...ذاك وأمثاله حال يمكن أن يقال أن زمن الكبار فيه مقارنة مع الزمن الحالي(زمن جميل) أما تطور أدوات الحياة والتعليم فقد كان في كثير من جوانبه ابتلاء وحِملا زائدا ليس إلا...كان الله في عون أبناء الجيل الجديد، فإن حياتهم أصعب وأكثر تعقيدا وإن بدت في عيننا عكس ذلك.

،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،
الإثنين  2 ذو القعدة 1436هـ ،17/8/2015م
من قلم:سري عبد الفتاح سمّور(أبو نصر الدين)-جنين-أم الشوف/حيفا-فلسطين

تويتر: https://twitter.com/SariSammour     @SariSammour  
مدونات:-

الخميس، أغسطس 06، 2015

العقائد والإنجازات العلمية


بقلم:سري سمّور


لاحظت في السنوات الأخيرة ضجة وجدلا يحمل السخرية والانتقاص يقوم عليه بعض أبناء جلدتنا، فكرته العامة النفور من وصف أصحاب الإنجازات العلمية بالكفار، وهم الذين اخترعوا  الكمبيوتر والإنترنت والهواتف الذكية والتيار الكهربائي، وهم الذين أنتجوا اللقاحات والأدوية التي تقينا أو تعالجنا من الأمراض الخطرة القاتلة، وهم الذين ابتكروا وسائل النقل التي جعلت قارات العالم الست أشبه بقرية صغيرة حيث ينتقل الإنسان باستخدام الطائرة في يوم واحد مسافة ما كان له أن يقطعها إلا في شهر وبشق الأنفس، وهم الذين تنعم بلادهم بالنظام والأمن والرفاهية مما يدفع كثيرا من (المؤمنين) للهجرة بطرق شرعية أو غير شرعية لبلاد هؤلاء(الكفرة)، وبالتالي نحن نعيش-حسب وجهة نظر هؤلاء- في تناقض مع ذاتنا، وعلينا التوقف عن وصف عقيدة أهل العلوم والتقدم بما تستحق من وصف، نظرا لأننا نستخدم مخترعاتهم ولا نستطيع العيش بدونها، وتعتبر بلادهم مثلا أعلى لمن شاء العيش برفاهية وأمن واستقرار، وهي أمور تفتقدها معظم بلادنا.
وقد انضم لهذه الجوقة –مع الأسف-مؤخرا بعض المحسوبين على التيار الإسلامي، والذين أسهبوا في إجراء مقارنة مبتورة بين حالة التخلف عندنا وحالة الرقي عند الآخرين، وأنه يجب أن (نتواضع) أمام هذه الحالة وأن ننحني لهم شكرا وعرفانا، بل ذهب بعض المندفعين بعيدا حينما قالوا أننا أهل الكفر وهم أهل الإيمان!
فوجدت لزاما عليّ أن أتناول الأمر بنوع من الشمولية لتفنيد هذا الفكر الأشبه بفايروس، وأرى أنه فكر أخطر علينا مما نحن فيه من دمار وفوضى وتخلف، وذلك عبر الإضاءات التالية:-
أولا: التقدم في مجالات الحياة المادية إذا لم يقترن بعقيدة سليمة، وإيمان صحيح يكون حجة على أصحابه، وفي القرآن الكريم أمثلة على ذلك منها قوم نبي الله هود-عليه السلام- وهم عاد التي لم يخلق مثلها في البلاد، وخاطبهم نبيهم محذرا (أتبنون بكل ريع آية تعبثون، وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون، وإذا بطشتم بطشتم جبارين، فاتقوا الله وأطيعون، واتقوا الذي أمدكم بما تعلمون، أمدكم بأنعام وبنين، وجنات وعيون،إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم/الشعراء 128-135) فهؤلاء قوم كان لديهم تقدم علمي ما تزال آثاره ظاهرة في منطقة الأحقاف بين عُمان وحضرموت؛ تقدم في مجال البناء والعمران، وقوة عسكرية باطشة، وغنى ورفاهية، فهل أغنى ذلك كله عنهم من الله شيئا؟وهل كان تقدمهم المادي الكبير سببا للنجاة من عذاب الله الذي جاءهم على شكل ريح صرصر عاتية استمرت سبع ليال وثمانية أيام حسوما؟ وهل نعتبرهم قدوة ومثالا حسنا؟كلا بالطبع، والقرآن الكريم ساق لنا خبر هؤلاء لنتعظ ونعظ غيرنا، فالمعيار ليس البناء الفخم والغنى والتقدم العلمي والقوة العسكرية، بل الإيمان والتقوى.
ثانيا: التقدم والإنجاز العلمي الذي يفيد الإنسان حينما يقترن مع الإيمان  فهو أمر ممدوح في القرآن الكريم؛ فنبي الله داود-عليه السلام- كان عابدا تقيا كثير التسبيح، يصوم يوما ويفطر يوما، وفي ذات الوقت اخترع دروعا ذات حلقات والتي قللت عدد ضحايا الحروب(وعلمناه صنعة لبوس لكم لتحصنكم من بأسكم فهل أنتم شاكرون/الأنبياء 80) أي أن هذا الاختراع المهم يستوجب الشكر لله، وليس الطغيان والتكبر والغطرسة، وهو ما نراه فيمن يتحدثون عن المخترعات والإنجازات العلمية كمبرر للغرور والتكبر، ونبذ الذات، والسخرية من الإيمان، ومثل داود كان سليمان-عليه السلام- الذي بلغ من الملك ما بلغ، ومن الإتقان العمراني ما جعل ملكة سبأ تحسب أن الصرح لجة من الماء فتكشف عن ساقيها...فالإنتاج العلمي والجمال والإتقان في البنيان والعمران أمر مدحه وأشاد به الإسلام إذا كان مقترنا بالإيمان والتقوى والصلاح والتواضع لله، والعكس صحيح.
ثالثا: حض الإسلام على العلم واستكشاف أسرار الكون ولم يحرّم على الإنسان الإبداع واختراع ما يجلب له ما يسهل حياته على الأرض، والحالة التي يعيشها المسلمون من حيث التأخر والتخلف مردها إلى عوامل عدة، منها أنهم لم يفهموا دينهم كما يجب، بحيث يتعلمون ويخترعون ولا يعيشوا عالة و كلاّ على غيرهم.
رابعا: الاستفادة من علوم ومعارف غير المسلمين أمر لا ينتقص من قيمة المسلم، وفي ذات الوقت لا يستوجب مدح عقائد من يجيد هذه العلوم؛ ولنا في رسول الله-صلى الله عليه وآله وسلم- أسوة حسنة في هذا، حيث أن الحارث بن كلدة طبيب العرب المشهور بحذاقته في زمانه، لم يكن مسلما حينما طلب أن يعالج سعد بن أبي وقاص-رضي الله عنه- من مرض أصابه، فهل نمدح عقيدة الحارث الطبيب، وننتقص من سعد الصحابي الجليل لأنه تداوى عند الأول بأمر النبي؟كما أن عرب الحجاز لم يكونوا في حروبهم يستخدمون الدبابة، وهي آلة حربية مصنوعة من الخشب ومغلفة بالجلد يختبئ المقاتل فيها فيكون محميا من الضربات والسهام وغيرها؛ ولعل اسم الدبابة في عصرنا مأخوذ من فكرتها، وأرسل سيدنا رسول الله-صلى الله عليه وآله وسلم- اثنين من صحابته هما عروة بن مسعود وغيلان بن سلمة-رضي الله عنهما- إلى جرش ليتعلما صناعتها، فالتعلم والاستفادة لا بأس بهما، ولكن للأسف بقي المسلمون في هذا العصر مستهلكين أكثر منهم منتجين لمخترعات غيرهم، ومع ذلك لا يجوز التشكيك بعقيدة المسلم لأنه لم يخترع ما اخترعه غيره ويستخدمه ويبتاعه.
خامسا: إن الاختراعات والإنجازات العلمية والعلاجات الطبية أمور تراكمية في حياة الإنسان على الأرض كان لكل حضارة إسهاماتها فيها قبل الإسلام وبعده، ولم يبخل العرب والمسلمون على الإنسانية بما ينفعها عندما كانوا رواد الحضارة وقد سبقهم غيرهم وجاء بعدهم من أبدع وابتكر واخترع، ولست من محبي كثرة التغني بالأمجاد ولكن العالم كله يشهد للعرب وقد صنّف غربيون كتبا ودراسات ضخمة تشيد بحضارة العرب في المشرق العربي كبغداد أو في المغرب والأندلس، ولكن في القرون الأخيرة دب الكسل والتخلف في صفوف المسلمين فتخلفوا عن ركب الإنجازات العلمية وهذا وإن كان أمرا يستحق النقد الشديد، واللوم والعتب، ولكنه لا يعني أن الآخرين من غير المسلمين على صواب في معتقداتهم، وأنه يتوجب علينا اتباعهم شبرا بشبر وذراعا بذراع!
سادسا: تخلف المسلمين والعرب لا يعود فقط لعوامل ذاتية بل بسبب الغزو والاستعمار الغربي وإصرار الغرب بقوة السلاح على إبقائهم في دائرة المستهلكين لا المنتجين، والحرص على دعم الاستبداد في بلدانهم وتقسيمها المرة بعد الأخرى، وإقامة إسرائيل ومدها بكل وسائل القوة والمال والتقدم العلمي والتقني في قلب العالم العربي والإسلامي، وما جاء به وجود إسرائيل من مشكلات وأزمات متوالية متراكمة ساهمت بلا شك في زيادة الفقر والتخلف في مجتمعاتهم.
سابعا: المخترعون وأصحاب الإنجازات العلمية هم أشخاص ومؤسسات في دول غالبا تكن لنا العداء الصريح أو المبطن، فهل مطلوب منا بسبب علومهم واختراعاتهم وأدويتهم أن نقابلهم بالترحاب؟إن المسلمين غير مؤاخذين وفق عقيدتهم وبنص قرآني صريح بإحسان التعامل مع كل من لم يعاديهم  من أصحاب العقائد الأخرى، حتى لو لم يكن مخترعا ولا طبيبا حاذقا(لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبرّوهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين/الممتحنة 8) أما من قاتلنا وأخرجنا من ديارنا ويمكر مكر السوء ليخرب ديارنا فحاله مختلف، ولو كان صاحب إنجازات علمية.
ثامنا: محاولة رسم صورة وردية انطلاقا من نظرة أحادية خطأ؛ صحيح أن لدى الغرب نظام جيد لتداول السلطة، ونظام محاسبة وشفافية للحكومات، ونظام يضمن توفير الغذاء والدواء والتعليم للجميع، وهناك تكافؤ فرص يغبطون عليه، ولكن في المقابل عقيدتهم سواء اللادينية التي يفاخر بعضهم بها، مثل أوروبا التي رفضت مجرد الإشارة إلى الجذور المسيحية في دستورها، أو الديانات التي ينتسبون إليها، وهذا أمر عقدي لا مجال للمجاملة والمحاباة فيه، ناهيك عن المنظومة القيمية والأخلاقية التي وصل بها الأمر إلى تشريع زواج الشواذ بنصوص قانونية، وكون أكثر من 50% من المواليد في أوروبا نتاج علاقة خارج العلاقة الزوجية؛ وللأسف بعض من أبناء جلدتنا يدافع ويقلل من خطورة وبشاعة هذه الأمور بالقول بأنهم وإن كانوا يشرعون الشذوذ ويبيحون العلاقات المحرمة، ولكنهم يتسمون بالصدق والنظام الدقيق وتنعدم الفوضى في شوارعهم ومؤسساتهم ويحاسبون الفاسد ولو كان على سدة الحكم، ويزيدون بأن منا من يرتكب المحرمات في الإسلام وإن كان لا يظهر هذا علنا، صحيح من حيث الوصف ولكن خطأ من حيث الاستنتاج، فمن انتكست فطرته لا يصلح أن نتخذه أنموذجا وقدوة ومثلا أعلى؛ ووفق هذا المعيار فإن مشركي قريش كانوا ينصرون المظلوم ويكرمون الضيف ولا يغدرون حتى بعدوهم وعندهم نخوة وشجاعة، فهل كانوا على خير حال؟!
تاسعا: يجب ألا ننسى أن العلم والمخترعات في ظل الهيمنة الرأسمالية قائمة على قيمة الأرباح والمكاسب أكثر منها على خدمة الإنسانية ، بل إن كثيرا من المخترعات استخدمت بداية من المؤسسات العسكرية والأمنية قبل أن تنتقل إلى الجامعات والمؤسسات التعليمية وعامة الناس، مثل شبكة الإنترنت التي كانت خاصة بوزارة الدفاع الأمريكية(البنتاغون) وليس مسموحا في ظل النظام الرأسمالي الممسك بتلابيب العلوم والاقتصاد اختراع شيء يؤثر على أرباح ومكتسبات الشركات العملاقة، فمثلا هل اختراع سيارة تسير بسرعة معقولة بالطاقة الشمسية سيلقى تسويقا تجاريا؟هذا يعني أن مصانع السيارات التي تعمل بالوقود وتجني أرباحا بمئات مليارات الدولارات ستخسر، وينطبق الأمر على إنتاج اللقاحات والعقاقير، فكل شيء مضبوط بآلة الرأسمالية ذات الأنياب الجشعة، وليس بالحرص على الإنسان وسعادته مثلما يخيل لبعض منا!
 الحديث ربما يحتاج إلى توسع أكثر، ولكن أكتفي بهذه الإضاءات والملاحظات، وبالتأكيد لا أقصد بها مدح حالتنا المزرية، ولكن لنتذكر أن حالتنا تسبب الغرب في كثير منها، فهو الذي يقيم جمعيات للرفق بالحيوان، لم يتورع عن قتل الإنسان في بلادنا ولو كان طفلا أو شيخا، سواء بطريقة مباشرة أو عبر تأسيس إسرائيل وتزويدها بالقنابل والطائرات والبنادق، وهو الراعي والحارس والداعم لمنظومة الاستبداد والفساد في بلاد العرب والمسلمين...والأهم أن عقيدتنا ليست محل نقاش ومقارنة لنستبدلها بمخترع علمي ندفع ثمنه من عرقنا وقوتنا ودمنا وثرواتنا المنهوبة، ومحاولات بعض الكتبة والمنظرين، والذين انساق وراءهم بعض العامة في هذا الاتجاه خطيئة وخطأ، وفكر يجب التصدي له وتبيان خطره على المدى القريب والبعيد.
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،
الخميس 21 شوال 1436هـ ،6/8/2015م
من قلم:سري عبد الفتاح سمّور(أبو نصر الدين)-جنين-أم الشوف/حيفا-فلسطين

تويتر: https://twitter.com/SariSammour     @SariSammour  
مدونات:-

مع مذكرات أخطر سفير إسرائيلي في مصر (1)

لدي قناعة أن ذهاب أنور السادات إلى خيار التسوية مع إسرائيل؛ و زيارته المشؤومة إلى القدس في 1977 وصولا إلى توقيع اتفاقات كامب ديفيد في 1979 ه...