الأربعاء، سبتمبر 23، 2015

الديموقراطية الكابحة للجماح


بقلم:سري سمّور
 الزعيم البريطاني ونستون تشرشل الذي لعب دورا مهما في انتصار الحلفاء على هتلر زعيم ألمانيا النازية خسر الانتخابات بعيد انتصاره بمدة زمنية قصيرة وكان مما قاله تعليقا على خسارته:هذه هي الديموقراطية؛ فقد شعر الناخبون في بلده أن بطل الحرب لا يصلح أن يكون بطلا للسلام وأن المرحلة تتطلب شخصية أخرى؛ وأنه لو فاز بعد انتصاره فقد يستأثر بمغانم الحكم متذرعا بانتصاره العسكري، وسمح الناخبون لتشرشل أن يعود إلى رئاسة الوزراء بعد بضع سنين حين استقرت الأوضاع.
وشارل ديغول الفرنسي، وهو في نظر شعبه أيضا بطل في مواجهة النازيين، فقد تنحى عن الحكم لأن الشعب لم يمنح خطته المتعلقة بإصلاحات إدارية داخلية نسبة أصوات حددها متعهدا بالتنحي لو لم يحصل عليها.
المثالان أعلاه من بلدين لا أكن لهما إلا بغضا أصيلا؛ فبريطانيا نفذت وعد بلفور وتحولت أنا شخصيا بسببها إلى فرد يحمل بطاقة اللاجئين من الأونروا مثلي مثل ملايين من أبناء شعبي، وأما فرنسا فهي التي ساعدت الكيان العبري في مجال السلاح  النووي ناهيك عن فظائعها وجرائمها في بلاد شقيقة لا سيما الجزائر...ولكن احترام الديموقراطية المتأصلة في البلدين درس نتعلم منه كثيرا من العظات، حول ضرورة التعامل الديموقراطي الكابح لجماح القادة العظام، وعدم تحولهم إلى أيقونات مقدسة  وعدم السماح لهم ببناء نماذج من الاستبداد المقيت.
الديموقراطية اختراع بشري تطور مع الزمن، وهي ليست مثالية مطلقة، ولكنها أفضل أداة للتعامل مع جماح –ولو كان مفترضا- مؤسسات وشخصيات الحكم والإدارة، وهي المنقذة للدول والشعوب من طيش بعض الحكام والزعماء.
فالديموقراطية المترسخة في أمريكا لم تمنح جورج بوش الأول ولاية رئاسية ثانية مع أنه حطم القوة العسكرية العراقية وتحول الاتحاد السوفياتي في عهده إلى كيان تتلوه كلمة (سابقا) وصارت واشنطن قبلة كثير من الحكام والشعوب؛ وقد يفسر بعض المحللين خسارته تلك بأن اللوبي اليهودي عاقبه لتلويحه بخفض المساعدات المقدمة لإسرائيل لو واصلت الاستيطان؛ وسأفترض جدلا صحة التحليل، ولكنه يدل على أن أداة التغيير تكون عبر الانتخابات، وليس بمكنة اللوبي اليهودي أن يوعز لمجموعة من الضباط بمحاصرة مبنى الكونغرس والبيت الأبيض وتلاوة بيان رقم واحد عبر شبكة سي إن إن !
وحينما فاز نجله بولايتين تخللتهما حروب تركزت في العالم الإسلامي تحت شعار (الحرب على الإرهاب) وشعر دافع الضرائب بخسارة كبيرة مست جيبه، لم يعط التفويض مرة أخرى للجمهوريين.
 وكي لا نغرق في الحديث عن دول عمر العملية الديموقراطية فيها طويل، وتعلمت شعوبها بالفطرة وتقادم الزمن كيف تصحح مسارات انحراف قادتها وحكامها؛ لنا في إسبانيا التي ذاقت ويلات حكم الجنرال الدكتاتور فرانكو قبل بضع عشرات من السنين كيف أنها أنقذت نفسها بعد تفجيرات مدريد وأخرجت خوسيه أثنار من الحكم لتجيء بخوسيه ثباتيرو الذي سارع للانسحاب من التحالف مع بوش الصغير في حربه المجنونة في العراق...فحتى لو كان شعب ما حديث عهد بالديموقراطية فإنه لو اتبع مسارها الصحيح فإنه سيقود السفينة إلى بر الأمان.
والحالة العربية اللاديموقراطية حتى لو نظمت انتخابات وسمح في بعض الأقطار بتشكيل الأحزاب هي حالة يرثى لها؛ فحتى بعد الهزائم والنكبات لم يحصل تغيير في المسارات التي أدت لتلك الهزائم، وباسم فلسطين وقضيتها والشعار الكاذب بمحاربة الإمبريالية قهرت شعوب عربية وحكمت بالحديد والنار، واقتصر التغيير في الأقطار العربية على القيام بانقلابات عسكرية يجري بعدها (الرجل القوي) استفتاء معروفة نتيجته سلفا( 99.9%) أو انتخابات شكلية، ولا كابح لجماحه، وهو ما يسهل حقيقة فرض الدول الغربية لسياساتها؛ فالغرب يدرك –ومعه إسرائيل- أن الديموقراطية ليست هي الأداة ولا العنوان في البلاد العربية وعليه يتجرؤون على من لا يحترمون خياراتهم أو يقبلون بالدكتاتورية وجموح مؤسسات الحكم بدعوى الاستقرار المزيف...أما النتيجة فنراها رأي العين والمصائب تترى والكوارث تعقبها كوارث أكبر في بلدان العرب التعيسة!
والأمر ليس مقتصرا على العرب في ظل غياب الديموقراطية فالاتحاد السوفياتي كان كيانا استبداديا محكوما بنظام الحزب الواحد ويسوس الناس بقبضة الأمن والجيش، ولهذا لا أصوات ولا تظاهرات أمام نعوش جنود الجيش الأحمر العائدة من أفغانستان، بعكس الوضع في الولايات المتحدة أمام النعوش القادمة من فيتنام، وحتى عند انسحابه لم يعترف بحجم الخسائر في بلاد الأفغان، وجاءت روسيا الاتحادية وريثة طبيعية للامبراطورية السوفياتية التي انهارت وكانت ديموقراطيتها شكلية أتاحت لرجل الأمن السوفياتي السابق فلاديمير بوتين أن يصبح مثل القيصر في روسيا، ولا ندري هل ستخرج مظاهرات بعد عودة نعوش الجنود من سورية أم لا؛ ويبدو أن الروس مثل العرب يتغاضون عن الأخطاء وجموح الحاكم إذا حقق نجاحا في بعض الملفات ويعطونه تفويضا ضمنيا ليتصرف كما يشاء ويفرض سياسته الاقتصادية والعسكرية بعيدا عن أي رقابة أو محاسبة حقيقية، خاصة أن الإعلام لا يكوِّن الرأي بطريقة صائبة بل هو إعلام يتبع أسلوب (حمل المباخر) والدجل والكذب.
فالديموقراطية الحقيقية لا الشكلية تضمن تقليم أظافر الحاكم الجموح لما فيه خير له شخصيا وخير لبلده وشعبه على المدى البعيد، وهي الأداة الأفضل لتصحيح الانحرافات في مسيرة الدول، واستمرار الخلل والانحراف وصفة جاهزة للانهيار الشامل المصحوب بحروب أهلية مدمرة ومن يقولون بأن شعوب العرب ليست جاهزة بعد للديموقراطية، فإنهم يرددون هذه الفرية منذ عقود ولو أنهم وقتها تخلوا عنها  واتبعوا مسارا ديموقراطيا حقيقيا لما وصلنا إلى هذا الحال.
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،
الأربعاء  9 من ذي الحجة   1436هـ ،23/9/2015م
من قلم:سري عبد الفتاح سمّور(أبو نصر الدين)-جنين-أم الشوف/حيفا-فلسطين

تويتر: https://twitter.com/SariSammour     @SariSammour  
مدونات:-


السبت، سبتمبر 12، 2015

المجلس الوطني...نحو نقاش مثمر وإيجابي


بقلم:سري سمّور

بعيد مقالي السابق (إلى حماس والجهاد:شاركوا في اجتماعات الوطني) أو تزامنا مع نشره أو قبل النشر بقليل تحركت مياه حالتنا السياسية بتسارع ملحوظ، وحصلت تغيرات وسجلت مواقف؛ فالجبهة الشعبية أعلنت مقاطعتها لجلسات المجلس وطالبت بجلسة توحيدية، وأعلن رسميا عن تأجيل الجلسة التي كان يفترض أن تعقد منتصف أيلول/سبتمبر الجاري، والجهاد الإسلامي طالب بتأجيل الجلسة، وعقد الأستاذ خالد مشعل مؤتمرا صحفيا أعلن فيه أنه طلب في اجتماعه مع د.صائب عريقات تأجيل عقد الجلسة،  واكتملت فصول مأساة عائلة دوابشة بالتحاق ريهام برضيعها علي وزوجها سعيد، يشكون إلى الله إجرام القتلة وظلم المحتلين، والأمريكان طبعا ردوا على الجريمة ليس باعتبار القتلة إرهابيين بل بإدراج قادة وأسرى محررين على قائمة الإرهاب!
وشهدت الساحة الفلسطينية حالة ربما غابت منذ سنين طويلة نسبيا، حيث أن الفصائل الموالية والتابعة للنظام السوري انتقدت عقد جلسات المجلس الوطني، مع كل ما تردد من أخبار عن تحسن أو عودة العلاقات بين منظمة التحرير وحركة فتح والنظام، إضافة إلى موقف الجهاد الإسلامي والجبهة الشعبية، وبدا وكأن مشهد الاصطفاف الذي كان يجمع هؤلاء مع حركة حماس منذ مؤتمر مدريد قد عاد نسبيا بصورة أخرى، وقد اختفى ذاك الاصطفاف سنوات طوال جراء الانقسام، ورغبة أو سلوك الفصائل المذكورة بانتقاد طرفيه ودعوتهما إلى الوحدة وتحميلهما المسئولية المشتركة عن تبعاته، ناهيك عن الخلاف الواضح بين أطراف ذاك الحلف–وإن لم يعلن الجميع عنه- حول  ما جرى ويجري في الدول العربية خاصة سورية ومصر، وظهور تحليلات أو مواقف تتحدث عن محاور إيرانية وتركية وقطرية و(واق واقية) تتقاسم العرب منهم الفلسطينيين بطبيعة الحال.
وقد كتب عدد  من الإخوة ممن هم أهل رأي أو يجمعون بين القلم والسياسة عن موضوع المجلس الوطني، وتناولوا الأمر من زوايا مختلفة منهم(مع حفظ الألقاب) هاني المصري وسفيان أبو زايدة ومصطفى إبراهيم وحنا ناصر وأحمد يوسف وغيرهم، وبغض النظر عن درجة اختلافنا أو اتفاقنا مع ما طرحوه فإن  الحوار الهادئ والنقاش المثمر والاختلاف في الرأي بعيدا عن التشكيك وتبادل الاتهامات، والتنميط المخجل الذي صار علامة مسجلة للأسف في تناول قضايانا ومشكلاتنا السياسية، أمر إيجابي وإن دل على شيء فإنه يدل على شعور بضرورة الخروج من المأزق ومحاولة توحيد الكلمة وعدم البقاء في مربع الانقسامات ودائرة تبادل الاتهامات والتنصل من المسئوليات.
أما وقد تأجل عقد الجلسة رسميا؛ فنحن أمام فرصة جديدة، وكم أضعنا من فرص، ونتمنى ألا نكرر صفة إضاعتها، للوصول إلى حل يعيد للقضية حيويتها، ويتصدى لمخططات الاحتلال بجعل القضية غير ذات شأن في ظل ما يجري حولنا خاصة مأساة سورية، حيث أن الاحتلال مرتاح وهو يرانا منقسمين ولبعضنا متهمين، ويرى الأوروبيين باللاجئين-كذبا أو صدقا- منشغلين، والروس عسكريا في سورية متدخلين، والأمريكان له مساندين داعمين.
وأمام هذا المشهد على الجميع أن يتعامل وفق مقتضيات اللحظة التاريخية، والنظر إلى الأمام، والاتعاظ مما كان، لا البقاء في بوتقة الماضي وما فيها، وليكن الأمل بالله كبيرا، وليعلم القاصي والداني أن قضية فلسطين، هي أم قضايا العالم، مهما انشغل أو تشاغل عنها الساسة والإعلاميون وغيرهم، وأثبت شعبنا عبر مفاصل تاريخية كثيرة أنه قادر على قلب المعادلات واجتراح المعجزات وصناعة المفاجآت، التي تقلب التحليلات والقراءات التكتيكية والاستراتيجية رأسا على عقب؛ فشعب خاض انتفاضتين قويتين خلال 13 سنة في ظروف دولية وإقليمية معقدة وبائسة، وخاض جزء منه يعيشون في شريط ساحلي ضيق مكتظ ثلاثة حروب طاحنة، وما زال الجليل والنقب والساحل ودرة التاج(القدس) في قلوب لاجئيه في أصقاع الأرض، هو شعب يستحق أن يراهن عليه قادته ونخبه الثقافية، حتى ولو في غمرة الضغط الحاصل انفلتت من الألسن عبارات اليأس والإحباط، أو انتاب القلب شعور عابر بالقنوط.
أما المجلس الوطني الفلسطيني ومنظمة التحرير؛ فيجب أن ينتقل التأكيد المستمر الذي لا يغادر أفواه الجميع عن وجوب أن يكون ممثلا حقيقيا لكافة ألوان الطيف الفلسطيني إلى فعل مرئي، وعلى الجميع تقديم التنازلات في هذا الاتجاه، وعدم الاكتفاء بالأمنيات والدعوات عبر الإعلام.
وهناك عوائق عدة وبعضها بل أهمها الاحتلال؛ فحتى لو قبل نواب حماس المشاركة استجابة لدعوات الحضور مستقبلا كما ناشدنا في المقال السابق؛ فإن الاحتلال لن يسمح لنواب غزة بالوصول إلى الضفة، ولا يسمح لنواب الضفة بالخروج نحو أي دولة عربية، وعليه يجب إيجاد آلية تتيح لحماس المشاركة وأخذ إجراءات الاحتلال المعيقة بالحسبان.
أما الجهاد الإسلامي فليس ممثلا في المجلس الوطني كونه لم يشارك في انتخابات المجلس التشريعي، ولهذا يطالب الجهاد باجتماع الإطار القيادي المؤقت؛ وعليه فإنه مطلوب آلية قانونية أو اتفاق يحل هذه المشكلات الإجرائية.
أعلم أن اتفاقيات كثيرة جرى توقيعها، وتفاهمات عديدة جرى التوصل إليها، ولكنها ظلت متواضعة التطبيق، أو حتى لا تطبيق لها على أرض الواقع، وأعلم أنه لو فتح باب النقاش حول عدم التطبيق لدخلنا في دائرة الاتهامات، ومحاولات رمي الكرة في ملاعب الآخرين، والوقت لا يسمح والشعب كلّ وملّ من هذه اللعبة التي طال أمدها...وإذا كنا إزاء برامج متوازية أو حتى متناقضة، فلا يجوز أن يغيب عن أذهاننا أننا أمام احتلال يستهدف إخضاعنا جميعا، وابتلاع ما تبقى من أرض، وتهويد القدس وقد شرع مؤخرا بمحاولة تقسيم المسجد الأقصى زمانيا.
وإذا كان موعد عقد الجلسة جرى تأجيله لثلاثة أشهر، وآمل أن تكون المدة كافية للتحضير لعقد جلسة لا يغيبن عنها أحد، فإن مكان عقدها يفترض أن يراعي الظروف النفسية والموضوعية، وان تعقد في دولة عربية ولتكن الجزائر مثلا، وللمكان رمزيته واعتباراته التي  يجب ألا نقلل من شأنها.
وكذلك يجب وضع نصوص واضحة صارمة لعلاقة المنظمة بالسلطة وطبيعة دور الأخيرة،  وتجنب الخلط بين عمل المؤسستين، وضرورة تحرر المنظمة ومؤسساتها ماليا، كي لا تتعرض لأي ابتزاز من أي كان، ومع أن الأمور صعبة في ظل تراكمات المسار السياسي والإضافات البيروقراطية، إلا أن ثمة إمكانية لتغيير هذا الواقع.
وإذا نجحنا في هذا الاختبار وأخرجنا من جديد مؤسسات فلسطينية ذات تمثيل حقيقي للجميع، يمكننا تحقيق انطلاقة تعيد الأمل وروح التفاعل الإيجابي لعموم شعبنا...أما الاحتمال الآخر المعاكس فلا أريد حتى مجرد التفكير به، لأنه يجب أن يستبعد تماما.
نسأل الله التوفيق والسداد لشعبنا وقادته وقواه وفصائله ومؤسساته، ونرجو الله تعالى أن يلهمهم ويمنحهم التسديد والمقاربة.
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،
السبت 28 من ذي القعدة  1436هـ ،12/9/2015م
من قلم:سري عبد الفتاح سمّور(أبو نصر الدين)-جنين-أم الشوف/حيفا-فلسطين

تويتر: https://twitter.com/SariSammour     @SariSammour  
مدونات:-

الأحد، سبتمبر 06، 2015

إلى حماس والجهاد:شاركوا في اجتماعات الوطني


بقلم:سري سمّور
 أعلنت وسائل الإعلام الخميس 3/9/2015م  في خبر مقتضب قصير عن اجتماع د.صائب عريقات بالأستاذ خالد مشعل في الدوحة لبحث المستجدات على الساحة الفلسطينية وخاصة موضوع جلسات المجلس الوطني الفلسطيني، ولا نقول إلا ما يقوله كل محب لاجتماع كلمة هذا الشعب المنكوب:ربنا يجيب الخير.
وبناء على قراءة بعيدة عن التشنج أدعو وبكل شفافية الإخوة في حركة المقاومة الإسلامية(حماس) وحركة الجهاد الإسلامي إلى المشاركة في انتخابات اللجنة التنفيذية ضمن اجتماعات المجلس الوطني الفلسطيني المزمع عقده في رام الله منتصف أيلول الجاري.
إن الشيخ الشهيد عز الدين القسام الغني عن التعريف، كان وما زال وسيظل رمزا كبيرا للفداء والتضحية ومع ذلك لم يتمكن الشيخ الأزهري المعمم الذي جاهد باللسان والسنان من حيازة القرار الوطني، والسبب أنه لم يكن ضمن القيادة التي كانت وقتها و كان على رأسها الحاج أمين الحسيني، فالتضحية والجهاد والتأييد والتعاطف الشعبي يضعف كله إذا لم يكن صاحبه ممثلا في الجسم القيادي، ولو بأقل مما يطمح، أو أقل من حضوره الفعلي على الساحة السياسية والشعبية، وأرى أن حركة فتح، قد تعلمت الدرس جيدا من تجربة القسام، خاصة أن رجالها المؤسسين الأوائل وبعضهم من خلفية إسلامية إخوانية، لهم اطلاع على تاريخ القضية بتفصيلاته وما هو غير مخطوط في الكتب منه، ناهيك عن اطلاعهم على الوضع العربي ولذا حرصت فتح على دخول منظمة التحرير.
فحركة فتح تأسست نواتها الأولى في 1959م وأسس العرب منظمة التحرير، لأسباب لا مجال لذكرها، ولا تهمنا الآن، في 1964م وبعد بضعة شهور أعلنت فتح عن انطلاقتها في 1/1/1965م ولكنها برغم نضالاتها وشهرتها كحركة مقاتلة أوجعت العدو، ما كان لها تسلّم زمام القرار الفلسطيني لو لم تدخل منظمة التحرير،  بعد معركة الكرامة في آذار 1968 ، فلولا دخول فتح إلى المنظمة والحضور الفاعل في مؤسساتها سنة 1969م لما كان لها هذا النفوذ؛ مع أن فتح كانت وما تزال أقوى أو أكبر من المنظمة، ولكن امتلاك القرار أو حتى المشاركة بصناعته يستوجب دخول المنظمة!
وقد سعت حركة حماس إلى دخول منظمة التحرير الفلسطينية قبل حوالي 24 سنة حينما كانت حركة جديدة نسبيا وكان الخلاف وقتها على الحصص وتوزيع المهام في مؤسسات المنظمة، واجتماع العاصمة السودانية الخرطوم أظن محاضره موجودة في الأرشيف.
و قبلت حماس أن تشارك ولو بحصة رأت فتح آنذاك أنها أكبر من حجمها، والحقيقة أن فتح لم تستغل تلك اللحظة التاريخية لضم حركة حماس ولو بتقديم بعض التنازلات في موضوع الحصص، معتمدة على أن حماس حجمها أقل مما تطلب، واليوم حماس قد تضيع اللحظة التاريخية في دخول منظمة التحرير، والتي أحب من أحب وكره من كره، تملك القرار الفلسطيني وتتحكم بمفرداته مع كل ما أصابها من خلل بحكم الزمن والتغيرات السياسية المتلاحقة، ولكن المنظمة هي الممثل الشرعي الوحيد المعترف به للشعب الفلسطيني.
والجهاد الإسلامي رفض المشاركة في السلطة بناء على اعتبارات سياسية وأيديولوجية ولكنه أعلن عن رغبته في دخول منظمة التحرير، ومثله مثل حماس يرى أن الباب والمدخل هو اتفاقيات القاهرة في 2005 ولكن لأي سبب كان هذا الباب ليس مفتوحا وها هو باب آخر يفتح أمامهم اليوم، فلم الوقوف أمام الباب المغلق والاستمرار في طرقه وباب آخر مفتوح و أمامه من يقول لكم:تفضلوا بالدخول؟!
يبدو أن هواية مقاتلة الناطور وتفضيلها على جني العنب معضلة فلسطينية، وذلك لأننا نرى أن الخلاف يتمحور حول أمور إجرائية، أكثر منها مبدئية، ولعل حركة حماس تدرك أن تصدرها أو قيادتها لمنظمة التحرير لن يكون في صالحها ولا صالح القضية الفلسطينية، وقد جربت قيادة الحكومة فكان ما كان؛ فنحن أمام وضع عربي ودولي معقّد لا يخفي على أي فرد فلسطيني.
ولقد رضيت حركة حماس الذهاب إلى مفاوضات وقف إطلاق النار في حرب غزة  قبل عام ضمن وفد يرؤسه قيادي في حركة فتح (عزام الأحمد) علما بأنه عمليا كانت مفاتيح التوصل لاتفاق بيد حماس ثم الجهاد، ولكن لاعتبارات عربية وتحديدا مصرية وافقت حماس ومعها الجهاد على تركيبة هذا الوفد، وبناء عليه فإن هذا الأمر يمكن البناء عليه للتوصل إلى صيغة توحد القوى والفصائل الفلسطينية ولو بالحد الأدنى.
إن حماس والجهاد الإسلامي، لم تحسنا استثمار الإنجاز العسكري الواضح في الحرب، بتحويله إلى إنجاز سياسي يفيدهما ويفيد القضية، وأرى أن الفرصة أمامهما كبيرة الآن كونهما مدعوتان للمشاركة في الاجتماعات، وإن الإصرار على الرفض بأي ذريعة لن يفيدهما، ولات حين مندم!
وإذا كان أوسلو هو المانع والمعضلة والعقبة الكأداء فإن حركة حماس قبلت المشاركة في الانتخابات التشريعية للسلطة الفلسطينية وفازت بأغلبية المقاعد، وصار نوابها تلقائيا أعضاء في المجلس الوطني الفلسطيني، وشكلت الحكومة العاشرة للسلطة، وترأست حكومة الوحدة التي لم تعمر طويلا؛ أليس المجلس التشريعي من إفرازات أوسلو؟صحيح أن أوسلو لم يتضمن تأسيس مجلس تشريعي مثل الذي ولد بعد انتخابات 20/1/1996م ولكن لولا أوسلو لما كان هناك لا تشريعي ولا حكومة ولا كل ما عشناه خلال عقدين من أعمارنا.
ثم من الذي طلب من حماس أن تؤيد أوسلو، وهو اتفاق مهشم لم يتبق منه إلا قليلا من المظاهر، ولماذا لا تستغل حماس ومعها الجهاد الإسلامي الفرصة لمحاولة تصحيح المسار بحضور اجتماعات المجلس الوطني؟ وليصدح ممثلو الحركتين في الاجتماعات بما شاؤوا وليطرحوا وجهة نظرهم بصراحة، وليحاولوا الحصول على تمثيل معقول ولو كان أقل من طموحاتهما، أو حتى حجمهما في الشارع الفلسطيني، ومن خلاله يمكنهما النضال السياسي ضد أوسلو وضد مدريد وضد كل عملية التسوية؟بل قد ينجحان في توحيد الساحة خاصة أن إسرائيل قد تعلن رسميا أنها لن تتعامل مع منظمة التحرير لأنها تحوي (منظمات إرهابية)..أليس هذا أفضل من الصراخ عبر الإعلام وإطلاق الشعارات، مع خطاب إعلامي يهاجم أو يسخر، فيما ستسير السفينة ركبوها أم لم يركبوها؟
فمعلوم أن حماس والجهاد الإسلامي ليستا كحزب التحرير الذي يرفض حتى المشاركة في انتخابات محلية أو طلابية بانتظار إقامة الخلافة على يد ضباط يقلبون الحكم في دولة عربية ما، متذرعا بآراء فقهية معروفة، وليستا مثل تنظيم الدولة(داعش) الذي يتصرف وفق نظرية تفكيك كل ما هو قائم وبنائه بالطريقة التي يؤمن بها ضمن (إدارة التوحش)، وليستا مثل حزب الله الذي دخل بقوة في حرب سورية بتعليمات إيرانية متجاوزا انتماءه الوطني لصالح رؤية الولي الفقيه، وما تبع ويتبع ذلك من انعكاسات على الحزب والدولة اللبنانية، إنهما حركتان فلسطينيتان تتبنيان الفكر الإسلامي بمفهوم يختلف تماما عن المذكورين، وبالتالي لا مناص من استغلال الفرصة والهامش المتاح وقبول التنازل الذي وإن افترضنا أنه قد يمس شكليا بالحركتين، ولكنه سيفيد القضية ويفيدهما...فهلموا ولا تتغيبوا عن الاجتماعات وإذا كان الأمر يتعلق بالمكان والتوقيت، فهذه مسائل يمكن حلها في حال قبول المبدأ،وفي مقالي القادم بعون الله سأناقش مسائل أخرى حول ذات الموضوع...والله ولي التوفيق.
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،
الأحد 22 من ذي القعدة  1436هـ ،6/9/2015م
من قلم:سري عبد الفتاح سمّور(أبو نصر الدين)-جنين-أم الشوف/حيفا-فلسطين

تويتر: https://twitter.com/SariSammour     @SariSammour  
مدونات:-


مع مذكرات أخطر سفير إسرائيلي في مصر (1)

لدي قناعة أن ذهاب أنور السادات إلى خيار التسوية مع إسرائيل؛ و زيارته المشؤومة إلى القدس في 1977 وصولا إلى توقيع اتفاقات كامب ديفيد في 1979 ه...