الاثنين، نوفمبر 30، 2015

المثقف العربي يكرر الخطيئة


بقلم:سري سمّور

((إن الحديث عن وضع المثقف العربي في هذه المرحلة مخيف ومؤلم، ولكنه ضروري جدا، وقد قررت أن أبذل جهد المقل في تناول الحالة الثقافية العربية في سلسلة مقالات ألقى بها الله متحللا من عبء ثقيل، ومتأملا أن ينهض ولو قليل من المثقفين العرب لحمل الأمانة، متحررا من تقديم المهم على الأهم، لا سيما في هذه المرحلة المفصلية من التاريخ العربي والإسلامي والإنساني.))


 تنبهوا واستفيقوا أيها العرب***فقد طمى الخطب حتى غاصت الركب
هذا ما نظمه ونشره المثقف العربي أواخر القرن التاسع، مع أن النظم ينسب إلى إبراهيم اليازجي، فإن الأمر أعم من التخصيص في قراءة المزاج العام الذي غلب على المثقف العربي، وهو في حالة تواؤم عجيبة مع جمعية الاتحاد والترقي في تركيا التي نفذت انقلابا على السلطان عبد الحميد الثاني ونصبت أخاه الإمعة مكانه.
ولم ينتفع من تبقى من العرب تحت حكم السلطنة العثمانية ولا المثقف العربي بطبيعة الحال من حكم الاتحاديين الذين يغلب الظن على أنهم ينتسبون إلى الحركة الماسونية التي  غزت عاصمة وحواضر (الرجل المريض)، فقد مارس الاتحاديون الاضطهاد والقمع، سواء ضد الترك المخالفين لهم أو العرب، وليس حصرا ضد العرب كما تم تصوير الحالة، وانتقل المثقف العربي إلى التحريض على السلطنة العثمانية التي لم يبق لها إلا القليل من الأمصار العربية، بعدما حكمت بلاد العرب حوالي 400 عام، وكان في حكمها جوانب الصواب والخطأ، ولكنها-رغم كل أخطائها- كما يؤكد المفكر (علي شريعتي) وهو شيعي إيراني استطاعت لأول مرة جمع المسلمين في وحدة سياسية-عسكرية فريدة من نوعها.
كان المثقف العربي آنذاك قد امتلأ وانبهر بالمشاعر القومية المستوردة أصلا من القارة الأوروبية و نحل منها الشعارات الحالمة، ولم يكن نظيره التركي نظيفا أو بريئا من تلك المشاعر التي كانت قمينة بتمزيق وتفتيت بقايا الجسد المنهك للسلطنة.
وقد نما نبت شيطاني خبيث يروج للاستعمار الغربي، فمثلا نشأ في مصر تيار ثقافي ما زال قائما يعتبر حملة نابليون الإجرامية الاستعمارية فاتحة للنهضة وسببا للتحضر، ولا تستحق الإدانة أو التجريم البتة!
وفي فترة حكم السلطان عبد الحميد الثاني ظهرت ثلة من المثقفين أمثال جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده وعبد الرحمن الكواكبي، والذين وإن كان لهم موقف مناهض لاستبداد وفساد السلطنة العثمانية، فإنهم كانوا قد اتخذوا موقفا حادا و صارما مناهضا للاستعمار والمطامع الغربية، أو الاستبداد الخارجي بتعبير الشيخ عبد الرحمن الكواكبي صاحب (طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد) الذي هو بحق يمثل التشخيص الدقيق لما وصلت له الأمة من ضعف وانحطاط.
بيد أن هذا النمط من المثقفين الذين يجمعون بين ضرورة الحفاظ على الأصالة وخصوصية الأمة ووحدتها بكل ما تحمل الكلمة من مفاهيم ومعان، وينظرون بريبة معادية للأطماع الغربية، قد قمعوا من أجهزة السلطنة في حياتهم، وبعد مماتهم وحتى الآن جرى التعامل مع فكرهم بانتقائية سياسية سيئة، أو بالاتهام والتشكيك، وأحيانا بالتجاهل، وفي المقابل جرى تلميع وإبراز التيارات الثقافية التي بعضها يتوافق مع الاستعمار تماما، وبعضها الآخر يرفض الاستعمار العسكري ولكنه مغرم بالاستعمار الثقافي ولا مانع لديه من التخلي حد التنكر عن تراث الأمة الديني والثقافي كله أو جزء منه واستيراد بضائع غربية بديلة ولو كانت فاسدة، وفتحت لهم أبواب المشاركة الفاعلة في صناعة الرأي وإعادة صياغة وعي الأمة وفق خلفياتهم الذهنية المذكورة!
وإن كانت ممارسات الاتحاديين القمعية قد استفزت المثقفين العرب، فإنهم عموما لم يسعوا إلى مقاربة تقي الأمة من الخطر الاستعماري الوحشي المتربص، بل أعلنوا قبولهم التحالف مع الاستعمار الغربي إلى حد الثقة بوعوده الكاذبة في سبيل الخلاص من ظلم الاتحاديين.
وقد كانت هناك أصوات مثقفة حذرت ونبهت العامة والخاصة وحددت معالم المصير المرعب الذي ينتظر المنطقة؛ مثل الأمير شكيب أرسلان الذي استشرف القادم المفزع:استيلاء اليهود على فلسطين، واحتلال الإنجليز والفرنسيين للشام والعراق؛ هذا مع تنافر أرسلان مع سياسات جمال باشا الذي حكم بلاد الشام في ذلك الوقت، وحينما كانت السلطنة قد شاخت وهرمت بل صارت في حالة احتضار، ولكن الصبغة الغالبة لم تكن أرسلان بل المرحبين بالغزو الأوروبي.
أجيال المثقفين العرب خلال قرن من المآسي والنكبات والهزائم والخيبات لم تتعلم الدرس، وضاعفت أخطاء وخطايا السابقين، بحيث يبدو السابقون أكثر وطنية ونزاهة من اللاحقين، وأيضا أكثر حرصا على مصلحة الأمة ووحدة شعوبها وأقطارها...فالمثقف العربي المعاصر ارتكب ويرتكب جنايات بحق نفسه وحق شعبه وأمته.
ففي الوقت الذي نرى فيه الأمريكان والروس والفرنسيين والبريطانيين وغيرهم يتداعون على بلادنا كما تتداعى الأكلة على قصعتها، يهيم المثقف العربي في وديان شتى، ويمارس دورا يضيف إلى نكباتنا نكبة جديدة عنوانها المثقف الذي إما انعزل واختار الحياد السلبي، أو صار ما يسيره الأهواء والرغبات، أو صار انعكاسا للغزاة، أو للمولين وما أكثرهم وما أبعدهم عن مصالح الأوطان الحيوية، أو صار بهلوانا يلعب لعبة (ما يطلبه الجمهور) أو غير ذلك من كل ما ليس له علاقة بالدور الطليعي المفترض في تصحيح المسار أو محاولة إنقاذ السفينة من الغرق،  بل إن بعضا من المثقفين يساهمون في إغراق الأمة من حيث يدورن أو لا يدرون، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا!
وإذا كان المثقفون العرب لم يستوعبوا خطر المشروع الصهيوني وضرورة تفكيكه، وانقسموا على أنفسهم حياله، ورأت فئة منهم أن تتاجر بعداوته أو صداقته(لا فرق) فإن النتيجة التلقائية هي هذه المأساة الثقافية في ظل الهجمة الاستعمارية الجديدة من القوى الكبرى، فمن لم يستفزه المشروع الصهيوني فلن يصحو لمواجهة المشاريع الأمريكية أو الروسية أو الفرنسية.
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،
الإثنين  18 صفر  1437هـ ،30/11/2015م
من قلم:سري عبد الفتاح سمّور(أبو نصر الدين)-جنين-أم الشوف/حيفا-فلسطين

تويتر: https://twitter.com/SariSammour     @SariSammour  
مدونات:-

الثلاثاء، نوفمبر 03، 2015

البعد النفسي لكراهية الفلسطيني للاحتلال


بقلم:سري سمّور

 كتبت سابقا وأكتب الآن وكثيرا ما حدثت القصة، ولا أجد حرجا في إعادتها؛ فحينما كنت في نهاية المرحلة الثانوية توجهت إلى مقر الإدارة المدنية للحصول على تصريح سفر إلى الأردن، كما كانت قوانين الاحتلال الجائرة تفرض على من هم في سني، وعلى البوابة كان هناك جندي من الفلاشا لم أفهم ما يقول، فدخلت من جهة غير الجهة التي طلب مني الدخول منها، وكانت ردة فعله أن شتم عرض أمي، ويبدو أنه لا يفهم من العربية إلا السباب المقذع، وفي عودة أخرى إلى ذات المبنى كان هناك مجموعة من الجنود يصرخون ويشتمون، وكان نصيبي السخرية من وزني الزائد مع ضحك خليع...طبعا لم أملك أمام الشتيمة من الفلاشا والسخرية من (الجولاني) إلا الصمت، أو المداراة، وهذا صبر العاجز في حالة قهر الرجال!
لعل هذا الموقف يعتبر بسيطا جدا أمام يوميات حياة الفلسطيني تحت حراب الاحتلال وبالتأكيد هناك مواقف أكثر قسوة حدثت مع غيري أو معي شخصيا، ولكن أوردت هذه القصة تحديدا لدلالاتها الرمزية، ولأن ذات المبنى بعد حوالي سنتين صار مقرا للداخلية الفلسطينية، وصار الدخول لإتمام المعاملات واستخراج الوثائق المختلفة يتم بلا أي نوع من التفتيش، وفي الداخل موظفون تعرفهم شخصيا وتشعر أنك في بيتك أو في ضيافة صديق أو قريب، ويمكنك إذا غضبت من إجراء روتيني، أو تعامل ترى أنه غير لائق، أن تحتج وتصرخ وتشتكي دون أن تخاف أن تطلق عليك النار  أو أن تعتقل وتضرب وتهان وستحل مشكلتك عاجلا أم آجلا، شتان ما بين الزمنين في المعاملة والمشاعر والحالة النفسية.
فأي فلسطيني لا يحب التخلص من الاحتلال ولو من أجل مثل هذا الموقف المذكور؟ربما العميل الخائن الذي خسر الدنيا والآخرة، ولكنه بعمالته لم يعد فلسطينيا، بل حتى هذه الفئة المنبوذة، لم يعاملها الاحتلال إلا باحتقار شديد كما نعلم.
وبالطبع كنت وما زلت معارضا ومنتقدا لاتفاق أوسلو، وفي ذات الوقت كنت مرتاحا للتخلص جزئيا من سطوة الاحتلال على يوميات حياتي، و كنت أدرك البعد النفسي الخاص بمن أيدوا الاتفاق واحتفلوا به من عامة الناس الذين لم يقرؤوا سطرا واحدا منه، ولم يحضروا أي جلسة حوارية لمناقشته؛ وكنت أتذكر وأذكر قصتي مع جندي الفلاشا...كان الناس وما زالوا يريدون التخلص من الاحتلال وتفصيلات قهره وتحكمه بمسار حياتهم؛ لقد سئم الناس الحواجز العسكرية التي يعاملهم فيها الجنود حسب مزاجهم وحسب الظرف؛ فأحيانا يمزحون معهم ويبتسمون وأحايين أخرى يعمدون إلى إهانتهم وقد يطلبون منهم رشوة كالسجائر أو النقود فقط كي يسمحوا لهم بالعبور والسير في طرقات لعل أديم ترابها مجبول بأجساد أجدادهم.
الناس ببساطة ملوا من الاحتلال ويريدون التخلص منه، ويريدون أن يسافروا بحرية دون الخضوع للشروط والمعايير الأمنية النهمة التي يفرضها ضابط يحتسي مشروبا ساخنا أو باردا وهو خلف شاشة جهاز الكمبيوتر الذي يتعامل معهم كأرقام، ويفتش في تفصيلات التفصيلات الصغيرة لحياتهم كي يسمح لهم بأبسط حق ينعم به البيض والسود والحمر والصفر عبر هذا العالم الواسع.
لا شك أن أوسلو خلصنا جزئيا من الاحتلال، ومن دوريات حرس الحدود السمجين الذين كانوا يتحرشون بالمارة، ويقتحمون المنازل والمدارس وينكلون بنا، وكانت المناطق المصنفة (أ) تحظى بأمان نسبي، ولعل حماسة وفورة من يعيش خارج فلسطين بمعارضة قاسية في مفردات التعبير عن الرفض،  لربما كانت أقل في حدتها، لو عاش تفصيلات حياتنا ويومياتها الصغيرة تحت  الاحتلال.
لكن الاحتلال بقي يتحكم بحياتنا ومصيرنا، وازداد النهم الاستيطاني، وتكاثرت المشاريع التهويدية في القدس وكأنها سرطان خبيث ينهش جسدا منهكا، وأدرك الناس بوعيهم الفطري الجمعي أن جندي (الفلاشا/الروسي/المروكي/...إلخ) ليس بعيدا عن بيوتهم، ويعترضهم في ذهابهم وإيابهم، وأن قيادته تتحكم بمائهم تحت أقدامهم وسمائهم فوق رؤوسهم، ولغته مفروضة على بطاقاتهم الشخصية في جيوبهم، وأن قلب جسدهم المعنوي المقدس يدنّس ويهوّد بكل صلافة ووقاحة، وأن العالم صار يعتبر أن قضية فلسطين صارت تاريخا!
وكان للأمر بعدا نفسيا سلبيا على شعب يخضع فعليا لمزاج الاحتلال وهوسه الأمني، فيما هناك رواية دولية وأحيانا(عربية) بأن الاحتلال قد زال، وكان من تجليات الرواية طرد القذافي للفلسطينيين العاملين في ليبيا؛ فكانت انتفاضة الأقصى في لحظة تاريخية حاسمة لوضع النقاط على الحروف:نحن شعب تحت الاحتلال ونريد الخلاص منه، ولو بفاتورة دماء ودمار باهظة الأكلاف.
أعاد الاحتلال سيطرته الأمنية على مناطق (أ) مما سبب إحباطا وحالة نفسية سيئة لمن عاشوا الأمان النسبي، واندحر الاحتلال بمستوطنيه وجنوده من داخل قطاع غزة، ولكنه حوّل القطاع إلى (كيس ملاكمة) وسجن كبير لا تواصل بينه وبين الضفة الغربية إلا عبر الشروط الأمنية اللعينة الممزوجة بالابتزاز والإذلال.
أما الضفة الغربية الحاضنة للقدس والمسجد الأقصى فتفرغ لها الاحتلال استيطانا وتهويدا وتنكيلا؛ ونشأ جيل جديد مطلع بحكم الواقع التكنولوجي على حياة شعوب الأرض الأخرى التي يتنقل أفرادها آلاف الكيلومترات بدون اشتراطات أجهزة أمن قوم آخرين، ولهم ما تيسر من الماء والكهرباء والأرض دون خضوع هذه الأشياء الحياتية العادية لتحكم الغرباء الصلفين السمجين.
نعم قد يتقاتل أبناء شعب ما وقد يختلفون كثيرا، وقد يفقدون أمورا كثيرة ربما نجدها متوفرة تحت الاحتلال، ولكن حالتهم النفسية مختلفة عن نظيرتها لشعب يريد الغازي الغريب إخضاعه، وأن يحوله إلى أفراد معزولين بلا هوية وطنية جامعة...ولهذا فإن محاولات مقارنة الحياة تحت الاحتلال بحياة شعب منكوب بحرب أهلية أو طائفية، أو فساد أو غير ذلك هي مقارنة بائسة لن تجدي في تغيير الحالة النفسية الرافضة للاحتلال، أقله من جيل هو في الحقيقة أغلبية الشعب الواقع تحت الاحتلال.
النفوس لم تعد تطيق الاحتلال وبناء على التجربة تدرك أن الخلاص النسبي من الاحتلال لا يكفي، وخاضع لظروف سريعة التغير وقد يكون مؤقتا، ولا بد من الخلاص، لا سيما أن هذا الاحتلال ربما هو الوحيد في العالم الذي يقوم على الاقتلاع والإحلال، والرواية التاريخية المزورة.

  ،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،
الثلاثاء  21 محرم  1437هـ ،3/11/2015م
من قلم:سري عبد الفتاح سمّور(أبو نصر الدين)-جنين-أم الشوف/حيفا-فلسطين

تويتر: https://twitter.com/SariSammour     @SariSammour  
مدونات:-

مع مذكرات أخطر سفير إسرائيلي في مصر (1)

لدي قناعة أن ذهاب أنور السادات إلى خيار التسوية مع إسرائيل؛ و زيارته المشؤومة إلى القدس في 1977 وصولا إلى توقيع اتفاقات كامب ديفيد في 1979 ه...