الثلاثاء، ديسمبر 29، 2015

أسباب الانهيارات الثقافية


بقلم:سري سمّور

((إن الحديث عن وضع المثقف العربي في هذه المرحلة مخيف ومؤلم، ولكنه ضروري جدا، وقد قررت أن أبذل جهد المقل في تناول الحالة الثقافية العربية في سلسلة مقالات ألقى بها الله متحللا من عبء ثقيل، ومتأملا أن ينهض ولو قليل من المثقفين العرب لحمل الأمانة، متحررا من تقديم المهم على الأهم، لا سيما في هذه المرحلة المفصلية من التاريخ العربي والإسلامي والإنساني.))

لماذا هذا الحال المزري وهذه المخرجات السيئة من عموم المثقفين العرب؟ وقد ينكرون، ويرون أنهم على العكس يذودون بأدواتهم الثقافية عن الأمة، ويحاولون حماية العرب مما يحيق بهم من أخطار؛ تماما كالأخسرين أعمالا الذين ضلّ سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا...إن الإجابة عن السؤال المهم في هذا الوقت متشعبة، ولكن هناك نقاط مركزية مهمة أراها تتلخص بما يلي:-
أ‌-      عقلية الحرب الباردة ما زالت تسيطر على الجسد المتصدر في قيادة الحالة الثقافية العربية، فقد تغيرت الدنيا وبقي أصحاب هذه العقلية في مواقعهم الممسكة والمؤثرة حد التحكم بصياغة وعي الأمة؛ فمثلا النظر إلى روسيا الحالية وكأنها نسخة عن الاتحاد السوفياتي، مع وضوح التوجه الرأسمالي الأرثوذكسي المختلف عن الاشتراكي الماركسي قبل ربع قرن، ينم عن تحكم العقلية القديمة في النظر إلى المرحلة المفصلية والمصيرية الراهنة...طبعا هذا فقط أحد الأمثلة، فهناك تمظهرات أخرى لتحكم عقلية التفكير زمن الحرب الباردة...وأصلا كانت طريقة التفكير في زمن الحرب الباردة يعتريها خلل ووهم كبيرين، فكيف تُستدعى الآن؟! ولو أخذنا الكيان العبري مثالا لوجدناه يجدد حالته وفق المزاج العام؛ فالإعلام الإسرائيلي تولته شخصيات يمينية، واليسار صار يمالئ اليمين، وهذا ما يرصده الباحثون المتابعون للشأن الإعلامي الصهيوني.
ب‌-                       خضوع المثقفين لرغبات الممولين المحليين والخارجيين المناقضة غالبا للرسالة الثقافية التوعوية التي تعمل على متانة الجبهة الداخلية؛ فالغرب أدرك منذ زمن بعيد أنه لا بد من احتواء الحالة الثقافية العربية وجعلها سلاحا فتاكا بيده لا عليه، وساعدته الظروف المختلفة على تحقيق أهدافه، فاستقطب عددا لا يستهان به كما و نوعا من المثقفين، وموّل كثيرا من البرامج والأنشطة التي جعلت المثقف العربي أسيرا لمحدداتها ومعاييرها وشروطها، التي بالضرورة تخدم مصالحه لا مصالح الأمة، فصار المثقف صدى لهذه البرامج، أو نسخة كربونية عن المموّل الذي يدفع المال لاعتبارات غالبا لا تلتقي مع المصلحة العامة.
ت‌-                       تراكم الهزائم المتكررة وضعف الاهتمام بالقضية الفلسطينية التي تجسد أهم تحد للجغرافية والتاريخ في قلب العرب، مما أفقد الجمهور ومن ثم المثقف الثقة بالنفس وبإمكانية تعافي الأمة.
ث‌-                       خضوع عدد -لا نستطيع معرفته بالضبط- للابتزاز جرّاء التورط في أعمال مشينة، وامتلاك بعض الجهات مادة مصورة أو وثائق تجعل الخاضع للابتزاز مجرد صدى لها، ومعبرا عن رغباتها وأهوائها، ومنفذا لأوامرها دون نقاش أو اعتراض؛ وقد رشح عن بعض الإعلاميين أو العاملين في الوسط الفني في مصر شيء من هذا القبيل.
ج‌-  بسبب ارتفاع نسبة الأمية؛ حيث أفادت ألكسو العام الماضي 2014 أن نسبة الأمية في الوطن العربي قد بلغت 19% أي أن هناك أكثر من 96 مليون أمي من أصل حوالي 354 مليون نسمة، وهذا الأمر له تأثير سلبي على تكوين الرأي وصناعة الوعي، وربما زاد من هيمنة الدراما والتلفزة على عقول الجماهير، وطبعا حينما نتحدث عن غير الأميين لا ننسى -كما ذكرنا في مقال سابق- أنه حتى المتعلمين منهم من هو سطحي و يمكن تشكيل وعيه بالاتجاه الذي يريده المعنيون بتخريب وتزييف الحقائق.
ح‌-  وعطفا على النقطة السابقة فإن هناك تدنّ في نوعية القراءة والاطلاع والبحث عند الجماهير، لأسباب تناولتها في مقالي الموسوم بـ(أزمة قراءة أم أزمة كتاب) قبل أكثر من سنتين، وهذا أثر على قدرة المثقف المخلص على التأثير في تطوير الفكر.
خ‌-  سوء الأوضاع الاقتصادية وارتفاع معدلات الفقر والبطالة؛ فكيف ترجو ممن لا يجد قوت يومه، أو من شاب تخرج من الجامعة لا يجد فرصة عمل تضمن له أدنى متطلبات العيش الكريم أن يفكر في حال أمته والأخطار التي تهدد كيانها، ولو صرخ المثقف بأعلى صوته، فإن نداء المعدة يغلب على أي نداء آخر.
د‌-   وجود توجه لا يستهان بنسبته عند المثقفين للعيش في أبراج عاجية وعدم النزول إلى الشارع-بالمعنى المجازي- وتلمّس الهموم اليومية للناس، أو التزام مثقفين الحياد في قضايا مصيرية خوفا أو طمعا، أو انشغال مثقفين بقضايا فلسفية وجدلية ربما تصلح للدراسة المتخصصة والنخبوية، ولكن لا حظ لها في استنهاض الوعي الجمعي، مما خلق جدارا سميكا بين المثقف وبين عامة الناس.
عموما هذه هي أبرز أسباب المحل والتصحر والتخبط والوهن والانهيار الذي نراه يعتري مجمل الحالة الثقافية العربية الراهنة، وهناك أسباب أخرى قد تكون ناتجة عما سبق أو نتيجة تلقائية له، اجتمعت وتراكمت وترسبت فأخرجت لنا هذا المشهد الذي لا نختلف على أنه قبيح!

،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،
الثلاثاء  18 ربيع الأول  1437هـ ،29/12/2015م
من قلم:سري عبد الفتاح سمّور(أبو نصر الدين)-جنين-أم الشوف/حيفا-فلسطين

تويتر: https://twitter.com/SariSammour     @SariSammour  
مدونات:-


الاثنين، ديسمبر 21، 2015

من معالم التشوهات الثقافية



بقلم:سري سمّور

((إن الحديث عن وضع المثقف العربي في هذه المرحلة مخيف ومؤلم، ولكنه ضروري جدا، وقد قررت أن أبذل جهد المقل في تناول الحالة الثقافية العربية في سلسلة مقالات ألقى بها الله متحللا من عبء ثقيل، ومتأملا أن ينهض ولو قليل من المثقفين العرب لحمل الأمانة، متحررا من تقديم المهم على الأهم، لا سيما في هذه المرحلة المفصلية من التاريخ العربي والإسلامي والإنساني.))

قد تهوّن بعض القراءات من خطر خذلان وانحدار وتيه بوصلة المثقفين معللة ذلك بثورة الاتصالات، وانتهاء احتكار كهنة الثقافة والفكر لساحات التنظير؛ لأن بإمكان أي فرد أن يبث رؤيته وأفكاره، ما صلح منها وما فسد، عبر فضاء الإنترنت، فقد تراجع تأثير الصحف المقروءة التي كانت وما زالت حكرا على ثلة من الكتبة، بغض النظر عن الغث أو السمين مما كتبوا ويكتبون، وحتى الفضائيات التي لا تخلو من احتكار كهنوتي بطريقة أو بأخرى، لم تعد تستأثر بالصوت والصورة في ظل وجود قنوات اليوتيوب...وهذه قراءة مستعجلة، فالحال أشبه بموزع بضائع من مخزن ضخم على محلات كبيرة وصغيرة، نظرا للمشهد المشوّه الذي لا نرى فيه تمايزا يشفي القلب بين ترّهات وشطحات وتيه المثقف العربي التقليدي، وبين مخرجات الإعلام الجديد من  الكوارث الثقافية التي تطفو على السطح وتزيد من التضليل حدّ الإسكار!
فحين تجد من يصدق أن برنار هنري ليفي، هو صانع ومفجر الثورات العربية؛ فالمثقف شريك إن لم يكن مسؤولا عن هذا التسطيح أو الهراء قبل أجهزة المخابرات ودهاقنة السياسة والمال الماكرين.
وحين تجد تلميعا سخيفا ودفاعا عن نظام استبدادي بوليسي، وبائن ارتباطه وتنسيقه مع الأعداء من صهاينة وأمريكان وغيرهم، ثم يأتي من يقول بأن هذا النظام (شوكة) في حلق الأعداء؛ فالمثقف شريك فاعل في هذا الجرم.
وحين يكرر المثقف بيع البضاعة الفاسدة ويختزل كل المشهد بوجود مؤامرة على نظام معين، وبناء عليه فإن كل من لا يقف مع هذا النظام هو مجرد خائن عميل أو مشبوه، بينما من يمالئ هذا النظام ويؤيده فقط هو الوطني والشريف وصاحب الرسالة الإنسانية؛ فإن المثقف هنا بحاجة إلى تثقيف بالمعنى المادي لا المعنوي أو الاصطلاحي.
وحينما يُـرَحَّب بالاستعمار والتدخل الخارجي من أي دولة كبرى بحجة أنها أفضل من غيرها من الدول الاستعمارية التوسعية الأخرى، في إيحاء مقصود أو غير مقصود-لا يهم- بأن شعوبنا يجب أن تكون مركوبة دائما؛ فالمثقف تحوّل إلى جندي مرتزق في صفوف الغزاة.
وحينما ينظّر المثقف الذي لطالما أشبع الناس كلاما منمقا عن الحرية والديموقراطية وحقوق الإنسان ومبدأ تداول السلطة وضرورة الفصل بين السلطات، لصالح انقلاب عسكري تحت أي حجة كانت، وهو مسكون بالحقد الأيديولوجي أو الطمع أو حتى الخوف من الابتزاز فقد تحوّل إلى (بسطار) عسكري ولا أجد له في قاموسي وصفا أفضل من ذلك.
وحين يتجاهل المثقف القتل والقمع وانتهاك الأعراض، بل يعمد إلى التكذيب والنفي لوقائع مرئية، أو ينتهج التبرير المقزز؛ فلا فرق بينه وبين الجلاوزة إلا بالاسم أو الوظيفة المباشرة.
وحينما يتغزّل المثقف بحزب الشعب الجمهوري في تركيا، وهو يعلم تاريخ حقد الحزب المذكور على العرق العربي والحرف العربي والثقافة العربية، فقط نكاية بخصم سياسي أو أيديولوجي وردة فعل صبيانية موتورة على موقف أردوغان من سورية أو مصر، فإن هذا المثقف في حالة سكر فكري شديدة.
وحين يروّج مثقف عربي لرواية توراتية عن ماهية وأهمية المسجد الأقصى عند المسلمين، ولا يتراجع عن تفوهاته ويصرّ عليها، ولا يجد من يضرب على يده كي يرعوي عن غيه المنتحل لصفة الثقافة والعلم بالتاريخ، فإن ثمة خلل في جهاز المناعة انتقل من النخبة إلى مفاصل الأمة، مع بالغ الأسف.
وحين تجد شبانا تخرجوا من الجامعات لا يعلمون شيئا عن الكيان العبري واحتلال فلسطين، وانتهاك المقدسات، ولا يرون في المشروع الصهيوني خطرا على كينونـتهم، وفي ذات الوقت ترى كثيرا من هذه الفئة أشبه بموسوعة شاملة فيما يخص أدق تفصيلات حياة المطربين والمطربات والراقصات ولاعبي كرة القدم وكأنهم من أفراد أسرته الصغيرة؛ فالحال يستحق البكاء والعويل.
وحينما تجد أن الإعلام الجديد قد فضح حقيقة مرّة مفادها أنه حتى المتعلمين في الجامعات يجهلون أساس الإملاء، ولا يميزون بين المرفوع والمنصوب في لغة العرب؛ فإن السوس قد نخر العظم ناهيك عن تشوّهات ظاهر الجسد!
وما سبق غيض من فيض ما تطفح به الساحة الثقافية العربية بكافة مستوياتها وطبقاتها من تيه وضياع وضلال وتضليل، وطمس للحقيقة، وبدل أن يكون المثقفون حفظة لكينونة الأمة في حال الغزو العسكري، كما حصل إبان غزو التتار فقد صاروا بمثابة الركن القوي لتدمير الأمة من داخلها، كي تكون جاهزة للهضم بسلاسة من الغزاة.


،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،
الإثنين  10 ربيع الأول  1437هـ ،21/12/2015م
من قلم:سري عبد الفتاح سمّور(أبو نصر الدين)-جنين-أم الشوف/حيفا-فلسطين

تويتر: https://twitter.com/SariSammour     @SariSammour  
مدونات:-


السبت، ديسمبر 12، 2015

مثقفون خذلوا أمتهم


بقلم:سري سمّور

((إن الحديث عن وضع المثقف العربي في هذه المرحلة مخيف ومؤلم، ولكنه ضروري جدا، وقد قررت أن أبذل جهد المقل في تناول الحالة الثقافية العربية في سلسلة مقالات ألقى بها الله متحللا من عبء ثقيل، ومتأملا أن ينهض ولو قليل من المثقفين العرب لحمل الأمانة، متحررا من تقديم المهم على الأهم، لا سيما في هذه المرحلة المفصلية من التاريخ العربي والإسلامي والإنساني.))


أما وقد اعتمدنا تعريفا أو مفهوما عاما للمثقف، فإن هناك مسئولية كبيرة على عاتق فئة المثقفين العرب أصحاب المنابر الأكثر تأثيرا، ولهم شهرة واسعة في مختلف الأوساط الشعبية والنخبوية، والذين لهم نوع من المصداقية-بغض النظر عن أهليتهم لها-  وكلماتهم تصل إلى عدد كبير من الناس، وغالبا تتجاوز أقطارهم، وعموما هم في حالة تفرّغ مهني لنشر الأفكار والرؤى حول ما يجري...هؤلاء وزرهم أكبر ومسئوليتهم أعظم، فهل كانوا أهلا لحمل الأمانة؟دعونا نستعرض وضعهم.
لقد أعلنت الولايات المتحدة الحرب على ما يسمى(الإرهاب) بعد أحداث 11/9/2001م في نيويورك وواشنطن، فكان المثقف العربي إما مهرّجا مبشرا بانتصارات وهمية على الغزو الأمريكي القادم إلينا بما يحمل من صلافة ووقاحة وإجرام، وبائعا للشعارات وانتحل دغدغة العواطف، أو كان صدى لرؤية النظام السياسي في الأقطار العربية المختلفة، يعيد كلام الساسة بألفاظ منمقة أو فجة، بل أحيانا لا تفرق بينه وبين الناطق الرسمي الحكومي.
وصار المثقف العربي نصيرا للجلاد على الضحية أحيانا؛ عبر الدعوة إلى تنقيح التراث، وإعادة النظر في التعليم الديني، بحجة التطوير والمراجعة والتسامح وتجفيف البؤر الفكرية للعنف...إلخ من الدعاوى التي لا يخفى الهدف الحقيقي لها...كلام حق يراد به باطل، فلماذا لا يطلب هذا (التنقيح)من مؤسسات الكيان العبري التي تؤسس الطفل الصغير على مبادئ العنصرية، واستخدام العنف بل تقديس القوة والتحريض على قتل العرب وانتهاك مقدسات المسلمين؟!
والجانب الثقافي الذي هو ربما الأكثر تأثيرا على عامة الناس وأعني به الإنتاج الدرامي فقد تبنى فيما أنتجه الرواية الأمريكية على علاّتها واعتنق فكر المحافظين الجدد بلهجة عربية حول مفهوم الإرهاب والإرهابيين، وصار قلعة متقدمة للغزو الثقافي المرافق لقطاعات المارينز الغازية، وتجرأ على السخرية من شعائر ومعتقدات الإسلام بلا ذرة من ورع أو خجل أو احترام للمشاعر...فبئست الدراما من كتبة السيناريو إلى المخرجين إلى الممثلين وحتى الكومبارس!
والأدهى والأنكى ما وصل إليه حال المثقفين العرب من الخزي والعار بتجميل صورة الكيان الصهيوني، وتوجيههم سهاما مسمومة إلى الشعب الفلسطيني ومقاومته، باسم الحرص على فلسطين والدفاع عن قضيتها، وباسم الواقعية والتعايش والسلام، وصار هذا النمط المقرف من الثقافة والمثقفين له منابر مفتوحة، بدعوى زائفة اسمها حرية التعبير عن الرأي...وبهذا انهار الحد الفاصل الذي ظنناه منيعا ومتينا بين سياسة الأنظمة والحكومات وخياراتها أو ضروراتها المفترضة، وبين من يفترض بل ينبغي أنهم يعبرون عن ضمير الأمة ووعيها الجمعي...لقد أتيت الأمة من قبل مثقفيها!
نعم، لقد كان الرهان يقوم على أن حفاظ المثقفين على هذا الحد الفاصل وتوحدهم واصطفافهم باتجاه طموحات الأمة، وانحيازهم الحقيقي إلى عشق الأمة للعزة والكرامة، كفيل بخلق حالة توازن ولو معنوية تحول دون انتقال الانهيار السياسي إلى الساحة الثقافية والشعبية، إلى أن تتغير الأحوال القائمة، وتتبدل الظروف البائسة، فخسرنا الرهان، وانتقل المرض إلى مختلف الأوساط الشعبية...وا أسفاه!
اندلاع الثورات العربية في مطلع 2011م كان يفترض أن يستنهض المثقف العربي، ويسترد على أكتاف الثائرين توازنه الذي ربما التمسنا له عذرا حين اختل في المراحل السابقة، وأن يعيد هذا المثقف الذي لم يلعب دور الفيلسوف والملهم للثورات-كما يفترض- صياغة خياراته في المشاركة في التوعية وتوجيه البوصلة وقيادة السفينة نحو بر الأمان، ولكن هيهات هيهات، فقد صار المثقف عنصرا مركزيا في الثورات المضادة، بدعوى الحفاظ على الدولة القطرية من الانهيار، أو التصدي للمخططات الأجنبية، وصار يحدثنا عن المؤامرات وكأنه خلع ثوب الثقافة وصار حديثه مثل أحاديث التسالي في المقاهي الشعبية، أو مجالس النميمية!
لقد خذل المثقف العربي الأمة من جديد خذلانا يضاف إلى ما سبق في سلسلة الخذلان عبر عقود طويلة، ولم يهتبل المثقف الفرصة الذهبية للتوبة والإنابة، بل ازداد كبرا واتباعا للهوى وإصرارا على التضليل والكذب والانتقائية المسيسة، وقدّم إفرازات الأحقاد الأيديولوجية، وتصفية الحسابات الحزبية أو حتى الشخصية على مصير أوطان وشعوب عانت طويلا من الاستبداد والجهل والفقر، وفي قلبها كيان إحلالي اقتلاعي لا يزيد عدد سكانه عن سكان مدينة عربية كبيرة ومع ذلك يعربد ويضرب في كل اتجاه...والمثقف كان عنوانا بارزا للخذلان!



،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،
السبت  1 ربيع الأول  1437هـ ،12/12/2015م
من قلم:سري عبد الفتاح سمّور(أبو نصر الدين)-جنين-أم الشوف/حيفا-فلسطين

تويتر: https://twitter.com/SariSammour     @SariSammour  
مدونات:-


الاثنين، ديسمبر 07، 2015

ماهية المثقف وحجم الوزر




بقلم:سري سمّور

((إن الحديث عن وضع المثقف العربي في هذه المرحلة مخيف ومؤلم، ولكنه ضروري جدا، وقد قررت أن أبذل جهد المقل في تناول الحالة الثقافية العربية في سلسلة مقالات ألقى بها الله متحللا من عبء ثقيل، ومتأملا أن ينهض ولو قليل من المثقفين العرب لحمل الأمانة، متحررا من تقديم المهم على الأهم، لا سيما في هذه المرحلة المفصلية من التاريخ العربي والإسلامي والإنساني.))


في المقال السابق تعمدت ألا أحدد مفهوم المثقف العربي، ولن أدخل في الجدل التاريخي حول تعريف الثقافة والمثقف، وأرى أن الدخول في هكذا جدل غير مجد الآن؛ وعادة ما يخطر في بال العامة والخاصة أن المثقف هو غالبا قارئ لعدد كبير من الكتب، ويحمل درجة علمية، ويمارس التنظير عبر الصالونات الأدبية، أو الندوات الفكرية والسياسية، أو الفضائيات، وحاليا الإنترنت، وله كتب أو دراسات أو مقالات منشورة ومتداولة، وطبعا أنا لا أتبنى هذا التعريف الاختزالي، وأشدد أنني أتحدث عن المفهوم والتعريف، وليس عن قوة التأثير وحجم المشاركة في صياغة الوعي الجمعي.
وأنا مضطر لاستدعاء تعريف غرامشي للمثقف العضوي بعيدا عن ظروف إيطاليا (غرامشي إيطالي ونحت تعريفه في عشرينيات القرن الماضي) ولا الأيديولوجيا التي تلقي بظلالها على ذاك التعريف، ومحاولة للوصول إلى تعريف مناسب أقول:المثقف العربي هو كل من امتلك أدوات فكرية أو إعلامية أو تعليمية مهما كان حجم تأثيرها لصياغة وعي وتفكير الجمهور الذي يعيش في داخله أو يرغب في التأثير فيه حتى لو عاش بعيدا عنه؛ سواء حرّض الناس على فهم ما يجري حولهم، أو دعاهم إلى التعلق بفكر سياسي أو نمط اجتماعي معين؛ وعليه فإن المثقف قد يكون كاتبا سياسيا أو أديبا أو شاعرا وروائيا أو فنانا تشكيليا أو رسام كاريكاتير أو كاتب سيناريو للمسلسلات والأفلام والمسرحيات أو معلما في مدرسة أو محاضرا في جامعة له قدرة على التأثير، أو إماما وخطيبا في مسجد أو نجما من نجوم (التوك شو) أو مغردا نشطا له جمهور من المتابعين في مواقع التواصل الاجتماعي؛ وبهذا لا أختزل المثقف في مصر مثلا بنجيب محفوظ وأضرابه، بل إن الشيخ عبد الحميد كشك هو مثقف، وكل يستخدم أدواته الثقافية وكل له تأثير في صياغة الوعي والتأثير في المجتمع، والخلاف ليس حول الأداة وفاعليتها، فهذا شيء نسبي يختلف باختلاف الزمان والمكان.
وتوضيحا للفكرة عندنا في مدينة جنين رجل يأتي أحيانا من إحدى البلدات المجاورة، وهو إنسان بسيط لا يحمل شهادة جامعية وعمره حوالي 70 سنة، وهو معروف لدى معظم أهل المدينة ومن يزورون أسواقها، لأنه يحمل مكبر صوت يدوي أحيانا ويلقي مواعظ للناس تحضهم على التقوى وعمل الخير واجتناب المنكر؛ هذا الرجل ضمن النسيج الثقافي ويدخل ضمن تعريف المثقف، فليس مهما ما يحمل من مؤهلات علمية أو كم قرأ من الكتب أو تلقى من دروس علماء الشرع، ولكنه يمارس دورا واضحا ومشهودا في محاولة التأثير في سلوك الناس ونظرتهم إلى الحياة؛ ويسمع كلامه حامل الشهادة العلمية العليا، ومتوسط التعليم والأمي وغيرهم، وأيضا هنا لا أتحدث عن حجم ومدى تأثيره عليهم ونجاحه في تحقق ما يدعو إليه، فقد يؤثر في عدد قليل، بل قد لا يؤثر -مقارنة بأصحاب الأدوات الإعلامية المعروفة- وقد يتجاهله بعض الناس...إلخ ولكنه في النهاية يؤدي دورا ثقافيا حسب التعريف الذي أوضحته، وكم من حامل لشهادات علمية ويقرأ كثيرا، ولكن وجوده يظل محصورا في نطاق ضيق، ونتاجه المطبوع يظل أسير رف بعض الباحثين فقط...فهذا برأيي ليس مثقفا.
وبعيدا أو قريبا عن تعريف المثقف تبقى المسألة المهمة هي بالمخرجات والنتائج، وهل تشكل بمجموعها جهاز مناعة يقي الأوطان من الغزو الخارجي أو يعزز صمودها، وبقاء قلاع حصينة في  بنيتها الاجتماعية غير قابلة للاختراق في ظل الوهن والتخاذل الذي أصاب ويصيب البنية السياسية والعسكرية للأوطان؟
ولهذا فإن المثقف  يتحمل وزرا كبيرا لأن الحجة القائلة بأنه لا يجوز أن يتحمل المثقف إثما كون أدواته الثقافية ضعيفة أو غير كافية مقارنة بأدوات النظم السياسية التي يمكن أن تنجز أكثر في مواجهة الغزو والعدوان، هي حجة ضعيفة غير مقبولة؛ فالمثقف آثم إذا لم يحذر من وقوع الكارثة بشرحها وتبيان النتائج المترتبة على عدم التصدي لمن يصنعها، المثقف يرتكب جريمة إذا عمد إلى التضليل والكذب وبيع الأوهام والمداراة، وصار ديدنه هو الحديث الانتقائي المبتور الموجه.
والإثم بلا ريب أكبر وأعظم حينما يكون المثقف العربي عرّابا للكارثة وأحد ركائزها فلا خير في المخزون الثقافي والإبداع ما دام يخدم هدم كيان الأمة، ولو تغطّى بكل الشعارات القومية أو الوطنية أو حتى الدينية، فالعبرة بما جرى ويجري وسيجري على الأرض وأهلها.
وهنا قد تبرز مسألة الفرز بين المثقفين والدعوة إلى عدم التعميم والتخصيص والتحديد؛ ويفترض أنه يمكن الاختلاف في أوساط المثقفين على قضايا جزئية؛ بينما يجب أن تكون الكتلة الثقافية موحدة في القضايا المصيرية والخطر الخارجي، لا أن تنقسم حوله كما نرى، بل  النسق العام لدينا يمهد الطريق لنجاح الانتصار الكلي للغزو الخارجي، أو يتغافل عن هذا الخطر ويتعامل معه بلا مبالاة، فيما تخوض ثلة مثقفة معركتين صعبتين؛ الأولى في التصدي للخطر الخارجي، ومحاولة إيجاد المناعة من أهواله، والثانية مع كتلة ثقافية أخرى تؤازر عن قصد أو غير قصد هذا الخطر، وهذا هو المشهد القائم ولهذا لجأت إلى استخدام ما يشبه التعميم لأن القاعدة العريضة هي ما ذكرت وسأذكر.
فالمثقف العربي في السنوات الأخيرة ازداد انحدارا نحو الهاوية وأمعن في اتباع الهوى، وتقديم المصالح الشخصية على الوطنية، وإلباس التضليل والتجهيل ثوبا مزيفا يسميه تنويرا وتعليما وإرشادا.


،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،
الإثنين  25 صفر  1437هـ ،7/12/2015م
من قلم:سري عبد الفتاح سمّور(أبو نصر الدين)-جنين-أم الشوف/حيفا-فلسطين

تويتر: https://twitter.com/SariSammour     @SariSammour  
مدونات:-

مع مذكرات أخطر سفير إسرائيلي في مصر (1)

لدي قناعة أن ذهاب أنور السادات إلى خيار التسوية مع إسرائيل؛ و زيارته المشؤومة إلى القدس في 1977 وصولا إلى توقيع اتفاقات كامب ديفيد في 1979 ه...