الثلاثاء، أغسطس 30، 2016

على طريق مكافحة بطالة المتعلمين


بقلم:سري سمّور

لا مراء بأن أزمة البطالة  تجتاح صفوف المتعلمين باطراد وتسارع، وللأزمة أسباب مختلفة، منها على سبيل المثال لا الحصر:-
1) زيادة عدد السكان المطردة، واتجاه وثقافة عامة ترى وجوب تعليم البنين والبنات على حد سواء، وتراجع بل تقريبا تلاشي ثقافة شعبية كانت ترى بأن مكان المرأة هو البيت والمطبخ فقط أو إذا كان لا بد فلتعمل في مجالات محددة لا تتجاوزها، وهذا جعل التنافس للحصول على الوظائف المختلفة محموما لا يقتصر على الذكور.
2) بناء على ذلك صار هناك فرق شاسع بين حاجة سوق العمل وبين عدد الباحثين عن الوظائف في القطاعين العام والخاص؛ ذلك أنه لا يوجد ضبط أو تنسيق، فمثلا من يدرسون بعض التخصصات إذا أرادوا العمل في مجال التخصص الذي يدرسونه، ولنفرض أنه  التدريس، فلا يوجد حساب دقيق لعدد المدرسين الذين ستحتاجهم المدارس بعد أن يصبح هؤلاء الدارسين حملة شهادات، طبعا مع مراعاة أن عددا منهم سيتجه مختارا لا مجبرا إلى العمل خارج مجال اختصاصه، أو سيكمل دراسة الماجستير والدكتوراه أو سيعمل  خارج البلاد.
3) الاختراعات والتقنيات الحديثة؛ وهذه أثرت حتى في الدول الصناعية على الحاجة للعنصر البشري؛ لأن الآلة حلت مكان الإنسان، سواء كانت آلة ضخمة أو دقيقة، ولا يظنن أحد أن الأمر أضر فقط بالعمال اليدويين دون المتعلمين؛ فمثلا أجهزة الكمبيوتر أغنت المصارف عن زيادة عدد الموظفين، فالأمر لا يتعلق فقط بالصناعة والزراعة.
ما سبق ربما هو مشترك بين الدول العربية وغير العربية، ولكن الفلسطيني يضاف لأزمته وجود الاحتلال البغيض؛ فالاحتلال يمنع التطور، ويحصر خيارات الفرد الفلسطيني بإجراءاته المدروسة، وإذا كنا نتحدث ونؤكد على أن المشاريع الكبيرة كفيلة باستيعاب نسبة كبيرة من الباحثين عن عمل، وقد ضربنا مثال السد العالي ومطار دمشق الدولي سابقا، وحاليا المشاريع الكبيرة في الخليج، وخذ مثلا مشروع توسعة الحرم المكي؛ فإننا نرى الاحتلال يعيق إعمار ما دمرته آلته الحربية في قطاع غزة، ونحن نعلم أنه لو سمح بإعادة الإعمار دون تنغيصات الاحتلال، لتم استيعاب نسبة كبيرة من العاطلين عن العمل، ولكن الاحتلال يقف بالمرصاد، ولنتخيل كيف أنه لو كان في كل محافظة في الضفة الغربية مشروعا مثل مشروع مدينة(روابي) في منطقة رام الله الذي يؤكد السيد(شاهر سعد) أمين عام اتحاد نقابات العمال مساهمته في تقليل البطالة.
وعليه فإن الحل الجذري يكمن في التحرر والخلاص من الاحتلال، ولا تقل –حفظك الله- بأن الاحتلال شماعة نعلق عليها فشلنا وعجزنا؛ كلا، فالاحتلال ليس شماعة بل هو واقع سيء يدخل في مسامات حياة شعبنا...ولكن هل نظل نراقب طابور البطالة المتمدد يوميا حتى نتحرر من الاحتلال؟لا بالطبع، فبالإضافة إلى ما قلته حول ضرورة تغيير الثقافة حول التعليم وأهميته وماهيته ورسالته؛ هناك حلول جزئية للحد من البطالة منها:-
1) التنسيق التام بين القطاعين العام والخاص ومؤسسات التعليم العالي، وبالتعاون مع جهاز الإحصاء المركزي، للحد من أعداد الخريجين في تخصصات لا مجال أن ينخرط أصحابها في سوق العمل عند تخرجهم في مجال اختصاصهم، ولو تطلب الأمر إقفال أو تجميد بعض الأقسام في الجامعات إلى حين احتياج سوق العمل لها.
2) السعي الحثيث للتغلب أو حتى التحايل على الاحتلال لتنفيذ مشروعات كبيرة تستوعب أكبر عدد من العاملين، وهنا أتوجه بنوع من اللوم الممزوج بالأمل في تغيير التفكير، إلى أصحاب الثروات الذين غالبا ما يفضلون الربح السريع والاقتصاد الريعي مثل افتتاح المجمعات التجارية والاستهلاكية، على مشروعات تأخذ في الحسبان استيعابا دائما لأكبر عدد ممكن من الباحثين عن عمل.
3) زيادة نوعية في موازنة التعليم وتخصيص جزء كبير منها لزيادة عدد المدارس؛ وهذا يعني بالضرورة تقليل عبء الحصص الدراسية المكلف بها المعلم بحيث لا تتجاوز 18 حصة في الأسبوع، مما يترتب عليه الحاجة إلى مزيد من المدارس التي ستحتاج معلمين ومعلمات جدد يتم توظيفهم، وأيضا للأمر انعكاس إيجابي على العملية التدريسية برمتها، خاصة إذا تم تحديد العدد الأقصى للصف الدراسي بحيث لا يتجاوز 25 تلميذا/ة.
4) من يذهبون إلى العمل في الخليج كثير منهم عبر علاقات شخصية، أو بجهود ومراسلات ذاتية، ويا حبذا لو صار الأمر-ولو جزئيا- منسقا ورسميا خاصة ما يتعلق بقطاعات التعليم، ولو تم أيضا اللجوء إلى نظام الإعارة في الخارج بحيث يحل معلمين بدلاء مكان المعارين وهذا سيخفف من عدد الخريجين العاطلين عن العمل.
5)  الإعلان مؤخرا عن تأسيس (مركز خالد الحسن لعلاج أمراض السرطان وزراعة النخاع في فلسطين) خطوة نوعية لاستقطاب الأطباء الأكفاء والاستغناء بقدر كبير عن تحويل الحالات المرضية إلى خارج البلاد، وهذا سيسهم في استيعاب عدد لا بأس به من المتخصصين في المهن الطبية(تمريض ومختبرات وأشعة)، وحبذا لو تم توسيع المنهجية لإنشاء مراكز متخصصة بأمراض أخرى مثل أمراض القلب والعظام وغيرها، وتوزيعها جغرافيا لأن النتيجة في مجالي الصحة واستيعاب عدد لا بأس به من الباحثين عن عمل إيجابية بلا شك.
لا أزعم أن الاقتراحات أعلاه ستجتث مشكلة متشابكة ومعقدة ومتراكمة، ولكن أرى أنها ستسهم لو طبقت في الحدّ من تغوّل البطالة وتبعاتها الاقتصادية والنفسية والاجتماعية عندنا، وأعلم أن هناك أفكارا أخرى قد تكون أفضل مما ذكرت، ولكن هذا ما هداني الله إليه.
،،،،،
وبعد فإن العبد الفقير كان يريد في هذه المرحلة الاكتفاء بالحديث عن التعليم والمتعلمين والبطالة في صفوفهم، ولكن قرّاء أشكر تفاعلهم، بأسئلتهم أو بما اختمر في الذهن عند التباحث شفويا معهم ومع من لم يقرأ المقالين السابقين، وغير ذلك من تفاعلات الكتابة المعروفة قادتني إلى وجوب الحديث عن جانب من ثقافتنا الشعبية حول التعليم وماهيته ونوعيته، ولا أدري هل سيكون الأخير أم لا، ولكن لا بد في المرة القادمة من التطرق للأمر في مقال منفصل بمشيئة الله تعالى وتوفيقه.
،،،،،،،،،،
الثلاثاء 27 ذي القعدة 1437هـ ، 30/8/2016م
من قلم:سري عبد الفتاح سمّور(أبو نصر الدين)-جنين-أم الشوف/حيفا-فلسطين

تويتر: https://twitter.com/SariSammour     @SariSammour  
مدونات:-


الثلاثاء، أغسطس 16، 2016

خواطر حول التعليم


بقلم:سري سمّور

(1)

أمسك رجل كبير السن كتابا باللغة الإنجليزية وأخذ يقرأ ويترجم، قد يبدو الأمر طبيعيا، ولكنه ليس كذلك حين نعلم أن القارئ لم يكمل تعليمه، وأنه ما زال يتذكر لغة أجنبية لم يمارس النطق بمفرداتها في حياته العملية، حيث أنه ليس مغتربا ولا احتكاك له بالناطقين بها، وأيضا ليس في محيطه الأسري من هو من أهل الاختصاص بها، وأن قدرته على قراءتها وفهم معاني مفرداتها تعود إلى أيام دراسته في المدرسة قبل عقود طويلة من الزمن، وأزعم أن قدرة جيلنا الذي كان يبدأ دراسة اللغة الإنجليزية في الخامس الابتدائي، في استخدام اللغة قراءة وكتابة ومحادثة، أفضل من الجيل الذي بدأ بها في الأول الأساسي...طبعا مع تحفظي على فكرة تدريس اللغة الإنجليزية كمادة تعليم أساسية، قبل الصف السابع الأساسي، لأسباب لا مجال لذكرها.

(2)

أوضح الشيخ الدكتور العراقي( أحمد الكبيسي) أنه حفظ ألفية ابن مالك وعمره 12 عاما، وكان هذا دارجا عند أبناء جيله، وأتحدى أن تجد من يحمل درجة بروفسور يحفظ منها إلا أبياتا قليلة، إلا من شذّ، والشاذ لا يقاس عليه، وتجد (ختيارية) يحفظون  أشعارا عربية من عيون الشعر العربي، وغالبهم يسمع مجرد سماع بشيء اسمه جامعة وتعليم عالي، فيما تجد اللحن منتشرا عند من يحملون شهادات جامعية، وهو لحن لا يقبل الصفح؛ فكيف أقبل أن أسمع خطيب جمعة جامعي يقول(إن المسلمون) أو (كان المسلمين) وأراه لحنا قابلا للتجاوز؟!

(3)

موظف سابق في الأونروا قال بأنهم كانوا يعلنون عن وظيفة فيتقدم اثنان لها، واليوم تجد طوابير من حملة الشهادات يتقدمون لشغل الشاغر، وكان حملة الدبلوم من خريجي معهد المعلمين فرصهم في الحصول على وظائف أعلى من نظرائهم حملة البكالوريوس هذه الأيام...وأستاذ متقاعد قال بأنه حصل على منحة للدراسة الجامعية مع أن معدله في التوجيهي 75% ويستدرك أنها كانت علامة عالية في الضفتين(وقتها كان التوجيهي موحدا في بين الضفة الشرقية والغربية) وأنه توظف فور تخرجه...نقول هذا كبير، ولكن من هو أصغر منه وهو أخي الكبير قال بأنه فور تخرجه في ثمانينيات القرن الماضي تقدم بطلبين للحصول على وظيفة معلم؛ واحد للحكومة وواحد لوكالة الغوث (الأونروا) فتم قبول الطلبين معا فاختار ما يناسب محل إقامته، ليتقدم بعدها باستقالته من أحد البنوك الذي عمل به  أثناء دراسته الجامعية، فمن يجرؤ على الاستقالة اليوم من هكذا وظيفة؟ ومن أصلا يحصل على وظيفة قبل التخرج؟وشقيقتي التي تخرجت في التسعينيات قبلت في الوكالة والحكومة بالتزامن للعمل في التدريس...أتذكر هذا وأذكره وأنا أرى تكدس من يتقدمون للعمل في التدريس ويتقدمون بالطلبات ويجرون الاختبار، وأقرأ عن القائمة الأساسية والاحتياطية، حيث أن نسبة قليلة منهم ستجد طريقها إلى الوظيفة.
بل كانت المملكة الأردنية الهاشمية تلزم خريجي بعض التخصصات العلمية بعدم السفر إلى خارج المملكة للعمل قبل الخدمة لمدة معينة في مؤسسات المملكة، أي توظيف إجباري لا يحتاج اختبارا ولا مقابلة ولا استثناء ولا وساطة ولا غير ذلك.

(4)

كان معلم الفيزياء للمرحلة الثانوية للبنين هو نفسه معلم المادة للبنات في ذات المرحلة، حيث أن خريجات الفيزياء عددهن قليل بل لا وجود يذكر لهن آنذاك.
وقبل سنوات كتب الإعلامي المشهور فيصل القاسم عن فترة عمله في مطار دمشق حينما كان المشروع يستوعب كافة المهندسين-وهم قلة طبعا- وكثيرا من الأيدي العاملة، حيث كان القاسم يدرس الأدب الإنجليزي ويعمل، فحصل قبل تخرجه على وظيفة معلم في مدرسة (معتبرة)،  ونتذكر كيف أن السد العالي في مصر عند بنائه استوعب المهندسين والحرفيين وقلل من نسبة البطالة.
(5)

أحد الطلبة الخريجين رأى وصل دفع الرسوم الذي بيدي وأنا في أول فصل من دراستي الجامعية، فحوقل وقال:أنا تخرجت ولم أدفع هذا المبلغ الذي دفعته أنت في أول الطريق...وربما جيلي أوفر حظا من الأجيال التالية؛ وأتذكر عند تسلم أوراق التخرج قبل عقدين من الزمن تقريبا أن موظفا إداريا كبير السن-رحمه الله حيا أو ميتا- قال ناصحا لنا: (الحقوا حالكم من هاللحظة،الآن هناك شواغر وفرص في المرحلة المقبلة ما رح يظل...الوظائف انشغلت ولم يبق إلا قليل).
،،،،،،،

المقال السابق(إعادة النظر في التعليم) وهذه الخواطر التي هي عينات يعرف أغلب الناس رديفا لها في محيطهم الاجتماعي، هي في سياق الحديث عن التعليم كمّا ونوعا، وإن كان هناك فكرة مكررة مع تغيير المفردات فقد تعمدت ذلك، وحيث أن ثمة أمل بالمنهاج الجديد لتحسين وضع العملية التعليمية، فلنترك أو لنؤجل أمر النقاش في هذه المسألة، مع أني تحدثت عنها، ولنتحدث عن استيعاب الخريجين، ومن المؤكد أن عوامل عدة لعبت دورا في بطالة المتعلمين، وتقلص فرص العمل؛ وهي ما سآتي عليها بمشيئة الله في المقال القادم، مع تقديم بعض الأفكار والاقتراحات القابلة للتطبيق والتنفيذ.
 ،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،
الثلاثاء 13 ذي القعدة 1437هـ ، 16/8/2016م
من قلم:سري عبد الفتاح سمّور(أبو نصر الدين)-جنين-أم الشوف/حيفا-فلسطين

تويتر: https://twitter.com/SariSammour     @SariSammour  
مدونات:-

الأحد، أغسطس 14، 2016

أنا أملك الحقيقة المطلقة



بقلم:سري سمّور

منذ سنين ونحن نسمع عبارة(لا أحد يملك الحقيقة المطلقة) أو (لا أحد يحتكر الحقيقة) والتي ترددها ألسنة وأقلام (نخب) ثقافية واجتماعية عربية، وازداد استخدام هذه العبارات مع بدء الهجوم الأمريكي الشرس على المسلمين والعرب بعد أحداث نيويورك وواشنطن قبل 15 عاما وصارت هذه العبارة أو المقولة أشبه بالفزاعة أو الخط الأحمر الذي يمنع تجاوزه، وصار حتى مخالف من يرددها فكريا أو سياسيا يقرّ بها وكأنها مسلّمة لا نقاش فيها البتة.
وتحت هذا العنوان(عدم امتلاك الحقيقة) صار جائزا ومقبولا تجاوز كل الخطوط الحمراء، وتقبل كل فكر شاذ، وكل عمل مشين، فإذا حاججت أو اعترضت خرجوا لك بهذه العبارة التي صارت ديباجة لتبرير كل جريمة، وتجميل أي قبح، والدفاع عن أي خطيئة، وصارت نقطة انطلاق أي حوار أو نقاش، وكأنها صارت أشبه بمادة أولى وأساسية من دستور مقدس غير قابلة للتعديل أو التبديل.
وزاد بعض من يشهرون سيف هذه المقولة في وجه من يخالف أفكارهم أو يحتج على أخطائهم بأن الحقيقة المطلقة ملك لله تعالى وحده، أي أنهم أيضا يريدون أن يتسلحوا بالدين لتبرير أفعال تتناقض مع ما هو أحيانا معلوم من الدين بالضرورة.
ولا أريد أن أتناول المقولة من وجهة نظر شرعية بحتة، فهذا شأن أهل العلم، ولكن أضع أساسا هو أن الله -سبحانه وتعالى- قد أخبرنا ووضع لنا حقائق ثابتة مطلقة، لا يجوز شرعا ولا عقلا أن نجعلها محل تشكيك بحجة أن الله وحده يملك الحقيقة، وبعض من الأمور جعلها الله له من دون خلقه؛ فمثلا لا يحق لأحد أن يزعم أنه يعلم الغيب، فهذا يعلمه الله، ولكن حين يخبرنا الله بخبر ما في نص محكم فهذه حقيقة مطلقة لا تقبل الجدل.
وبسبب هذه المقولة وما ترتب عليها صرنا نسمع يوميا بفتاوى شاذة تحرّم الحلال وتحل الحرام؛ فتارة هناك من يأتينا بأن الخمر ليس حراما، وتارة هناك من يأتينا بأن الدخان لا يفسد صوم رمضان، وآخر يرى أنه لا ضرورة أن نرفع الأذان، وآخر يفتينا بأن من حقه –وفق هواه- تأويل القرآن، فصارت ساحتنا مليئة بشواذ الرأي الذي يراد له أن يكون قاعدة تتحصن بمقولة عدم امتلاك الحقيقة.
وعلى الصعيد السياسي صار هناك من يدافع عن الاحتلال الصهيوني لفلسطين جهارا نهارا ويعتبر رأيه (محترما) يدخل تحت وجهة النظر...طبعا فلا أحد يملك الحقيقة المطلقة!...وآخرون يدافعون عن الاستبداد، وآخرون يدافعون بل يطالبون بغزو أجنبي للديار دون أن يرف لهم جفن أو تظهر على وجوههم حمرة خجل.
وأرى أن استمرار التسليم لهذا السلاح الخبيث يعني بالضرورة مزيدا من التيه، ووصفة جاهزة لخراب عقيدة أبناء وبنات  الأمة، وفساد فكر أبنائها، وجعلها كيانا هلاميا لا مناعة له يحق لأي كان أن يفعل به ما يشاء معنويا أو فيزيائيا؛ وعليه وجب التصدي بكل قوة وحزم لهذه المقولة الخبيثة، هذا لو افترضنا شيئا من حسن الطوية عند من يرددها على أسماعنا.
أنا أملك الحقيقة المطلقة؛ فالله وحده لا شريك له رب الكون وخالقه، فلا تقل لي هناك من يخالفك وعليك احترامه، فلا احترام لمن يريد ان يجعل التوحيد محل أخذ ورد، وهنا سيقفز لك من يقول:من هنا يأتي الإرهاب والقتل والتفجير ضد المخالف، وهذا خبث آخر، فمن قال أن امتلاك الحقيقة والإيمان يقتضي بالضرورة إبادة من لا يؤمن بها؟
أنا أملك الحقيقة المطلقة التي بمقتضاها أن الصهيونية حركة عنصرية مدعومة من قوى شرّ دولية وأنها شردت شعبا وجاءت بآخرين مكانه من أرجاء الأرض، وهذا ليس مجرد رأي يجوز نقاشه والتوقف عنده والأخذ والرد، بل الحقيقة تقتضي ضرورة العمل على استرجاع الحق.
ولا يتسع المجال لذكر أبواب الحقيقة كلها ولكن العبرة بأن المقولة خبيثة خاطئة يراد منها تمييع الفكر وتضييع الحقوق وفتح الباب لفيروسات قاتلة كي تفتك بالأمة...وفي محور النقاش: هل لدى الآخرين من يقول بهذه المقولة أو يعمل بها؟ مثلا، هل يسمح لمن لا يؤمن بأن(القدس عاصمة إسرائيل الأبدية) أن  يرأس الحكومة الإسرائيلية؟ وهل يسمح الإعلام الأمريكي (الحر) بأن يبرز شخصا يدافع عن حق الشعب الفلسطيني في المقاومة المسلحة؟ بل ألا يعتبر هذا الشخص إرهابيا يجب محاكمته عندهم؟وهل تتطابق هذه المقولة مع ما جرى لروجيه غارودي عندما حاول بطريقة علمية مناقشة قضية الهولوكوست؟ألا يعتبر الهولوكوست في الفكر والسياسة الغربية حقيقة مطلقة؟
ربما يجب أن نضع معايير تحدد أبواب الحقيقة المطلقة، لأن ترك الباب مفتوحا أو مواربا سيجعلنا نجد أنفسنا ذات يوم نرى جلسة برلمان عربي يناقش التصويت على شرعنة زواج المثليين، أو منهاج دراسي في بلد عربي أو مسلم يجعل من النبي محمد-صلى الله عليه وآله وسلم- مجرد قائد سياسي أو مصلح اجتماعي فقط مع تجاهل وجود الوحي.
قد أبدو متشائما بنظر بعض من يقللون من خطورة الأمر بأنه من المحال أن نصل لهذا الدرك ولكن لو تأملنا حولنا قليلا، وعرفنا ووعينا الاستدراج الشيطاني، لبدا أن الأمر ليس تشاؤما أو توقعا بل هو خطر قائم وكتلة فساد تتدحرج وتنحدر نحونا ونحن في تشاغل أو انشغال عنها، وحصان طروادة الذي دخل الشر منه إلينا هي مقولة(لا أحد يملك الحقيقة المطلقة)، فلنرفع الصوت:إننا نملك الحقيقة المطلقة التي علمنا الله –سبحانه وتعالى- إياها، والتي استنبطناها بالعقل الذي منحنا الله إياه.
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،
الأحد 11 ذي القعدة 1437هـ ، 14/8/2016م
 قلم:سري عبد الفتاح سمّور(أبو نصر الدين)-جنين-أم الشوف/حيفا-فلسطين

تويتر: https://twitter.com/SariSammour     @SariSammour  
مدونات:-

الخميس، أغسطس 04، 2016


بقلم:سري سمّور

فرحة عارمة تملأ قلب من نجح وتفوق في التوجيهي، تمتد الفرحة إلى الأب والأم وسائر الأسرة  والأقارب والأصدقاء, وتقام الحفلات الرسمية و الشعبية أو العائلية على شرف الناجح أو المتفوق، وتبدأ عملية التسجيل في الجامعات للطلبة ولأن كثيرا من أبناء شعبنا الفلسطيني من الطبقة دون المتوسطة ولأن في الجامعة أخ أو أخت وصلوا هناك قبل  القادم الجديد, تبدأ عملية البحث عن القروض والمساعدات من شتى أبوابها ويكابد رب الأسرة المشقة ويصبر ويصابر على ضنك العيش كي ينهي ابنه أو ابنته دراستهم الجامعية, ولا بأس من الديون والتعب فهذا استثمار في محله أو هكذا يبدو!
ولكن الأصعب قادم فمع انتهاء حفلات التخرج وما فيها من بث الأمل في النفوس عبر الخطابات
والتهنئة, تبدأ الحقائق تظهر جليا عند البحث عن فرصة عمل في القطاع العام أو الخاص؟ فالشواغر شحيحة, والعروض قليلة، وطلب الخبرة لمدة لا تقل عن 3 أو 5 سنوات شرط في وظائف محدودة لبعض الشركات والمؤسسات, والأسرة غارقة في الديون التي تراكمت أثناء رحلة التعليم الطويلة !
ولم يعد طابور البطالة وانتظار فرص العمل التي تتأخر سنوات مقتصرا على حملة البكالوريوس بل امتد الطابور وضم حملة الماجستير وعددا من حملة الدكتوراه وأينما التفت وجدت من يحضر أطروحة ماجستير أو من أنهى المناقشة؛ أما نوعية التخصصات وارتباطها بحاجة سوق العمل فحدث ولا حرج؛ فيفترض مثلا ألا نحتاج الى العلاج في الخارج ولدينا هذا العدد ممن يدرسون الطب.
أما الثقافة العامة, فرغم انتشار وسائل الإعلام الحديثة وتطور تكنولوجيا المعلومات تجد ضحالة عند عدد من حملة الشهادات بل الأنكى والأدهى والأمر أن عددا من هؤلاء لا يحسنون كتابة بعض الكلمات كثيرة الأستعمال... ويقاس عليهم خطيب مسجد تخرج من الجامعة, يرفع المنصوب ويجزم المرفوع وهكذا.
 وربما للمرة الثانية بعض النقابات تنشر نصائح أو توضيحات لطلبة التوجيهي الراغبين في دراسة التخصصات التي تمثل مختصيها، لأن الصورة باتت واضحة فمع تزايد عدد السكان, وانتشار ثقافة الحصول على شهادة جامعية, صار لدينا فائض في العديد من التخصصات, وهذا يعني زيادة في عدد العاطلين عن العمل ممن هم في ذروة الطاقة للعمل والإنتاج.
وعلى الشاب الخريج أن يصبر على نزوعه الفطري للزواج وبناء أسرة إلى ما شاء الله, فالزواج بحاجة إلى تكاليف باهظة لا تقتصر على المهر وملحقاته فهذه ربما مقدور عليها ولكن عليه أن يمتلك بيتا أو أن يستأجر ومن أين يأتي بالأولى أو الثانية؟
الأجيال السابقة كان الواحد منهم ينهي ما يسمى (المترك) وكان له مرحلتين هما بعد نهاية الصف السادس وبعد نهاية الصف الثالث الإعدادي (التاسع حاليا) فيكون بهذا مؤهلا للعمل في التدريس خاصة في دول الخليج التي كان عدد المتعلمين فيها قليلا جدا وكانت في بداية بناء مؤسسات الدولة أما من كان ينهي التوجيهي فمن السهولة أن يقدم على طلب وظيفة معلم فيحصل عليها بسهولة ومن الشخصيات التي عملت في التدريس  بشهادة التوجيهي الشيخ أحمد ياسين - رحمه الله- إبان الإدارة المصرية لقطاع غزة, وهناك من كانوا يحصلون على الدبلوم فتكون فرصتهم في التوظيف أكبر, أما الحاملون قبل نصف قرن لشهادة البكالوريوس فكان وضعهم وفرص العمل لديهم أفضل من أقرانهم من حملة الدكتوراه حاليا.
وكانت الحياة بسيطة والمصروفات ليست بالصورة التي هي عليها حاليا, ومن يريد الدراسة في جامعات الوطن المحتل قبل 35 سنة فإنه يجد الرسوم شبه رمزية, ويجد دعما واسنادا متعدد المصادر.
ومن كان يتجه الى اكمال تعليمه في الخارج, خاصة أن كثيرا من التخصصات لم تكن متوفرة هنا كان يجد منحة بسهولة ويسر من منظمة التحرير, أو كان يتجه الى دول الكتلة الشرقية ( الاتحاد السوفياتي وشرق أوروبا ) ويكون قادرا على الدراسة بمبلغ زهيد, وكانت معظم الدول العربية الدراسة فهيا شبه مجانية مثل سورية والعراق والجزائر, وبعد التخرج فإن فرص العمل في الخليج متوفرة ... أما من كانوا يتجهون الى بعض الدول الغربية مثل ألمانيا فقد كان من السهولة ان يعمل الواحد منهم ويدرس في آن معا, وفرصة العمل بعد التخرج مضمونة 100 % .
تلك مراحل زمنية بحلوها ومرها قد مرت وانتهت, ولكن العقلية التي ينظر بها الى العملية  التعليمية ما زالت على حالها.
 ولفترة من الزمن كان التعليم والحرص على الحصول على شهادة من معالم الوطنية والتشبث بالأرض ومقاومة استراتيجية الاحتلال الذي كان يسره أن يرانا شعبا من الجهلة والأميين, عبر سياسات نعرفها وعايشناها, بل ينسب قول الى أحد قادة الصهاينة مفاده بأن الشعب الفلسطيني سيهزم الحركة الصهيونية في غرف النوم أي بإنجاب أطفال يغيرون الواقع الديموغرافي, وفي غرف الدرس أي بالتعليم...ولكن الواقع الآن بحاجة الى إعادة نظر شاملة، فما فائدة أن نصبح كتلة بشرية كبيرة وتفريخ حملة شهادات فيما كثير من  كثير من الشباب يسعون  للحصول على تصريح للعمل داخل الكيان, بل بعضهم وبسبب الفقر والبطالة يذهبون  تهريبا ويخاطرون بحياتهم، وحالمون وساعون للهجرة نسبتهم في ازدياد، وما الفائدة من أن لدينا  كليات طب وأطباء يزاولون المهنة، ونعجز عن علاج كثير من الحالات المرضية فنرسلها إلى  هداسا أو رامبام أو تل هشومير ؟
العملية التعليمية من الألف الى الياء تحتاج الى اعادة نظر وتنظيم يبدأ بتغيير تفكيرنا وثقافتنا وطريقة تخطيط حياتنا وأعلم أن مقالة مني أو من غيري لن تغير-وحدها- سلوكا وثقافة ووضعا قائما ولكن آمل أن تكون بداية جهد في هذا الاتجاه, وبمشيئة الله سيكون لي مقالات أخرى حول الموضوع مع العمل على تأسيس ثقافة تعليمية جديدة تقوم على التركيز على النوع لا الكم , وقبل ذلك على مصارحة شاملة بيننا رسميا وشعبيا وعائليا وشخصيا تقر أن ما يجري من ضخ حملة الشهادات بالجملة أمر ليس جيدا وضرره أكثر من نفعه !
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،
الخميس 1 ذي القعدة 1437هـ ، 4/8/2016م
من قلم:سري عبد الفتاح سمّور(أبو نصر الدين)-جنين-أم الشوف/حيفا-فلسطين

تويتر: https://twitter.com/SariSammour     @SariSammour  
مدونات:-

مع مذكرات أخطر سفير إسرائيلي في مصر (1)

لدي قناعة أن ذهاب أنور السادات إلى خيار التسوية مع إسرائيل؛ و زيارته المشؤومة إلى القدس في 1977 وصولا إلى توقيع اتفاقات كامب ديفيد في 1979 ه...