الخميس، سبتمبر 29، 2016

لنواصل دراسة السيرة النبوية

http://www.sasapost.com/opinion/the-prophets-biography/


بقلم:سري سمّور

قبل حوالي 15 عاما كانت زوجتي تعد بحثا مختصرا عن الأساليب التعليمية، وقد عكفت على مساعدتها واخترنا موضوعا هو(الأساليب التعليمية لدى رسول الله صلى الله عليه وسلم) وقد انسجمت مع الموضوع تماما لأنه كشف لي جانبا مهما وجديدا في سيرة وسنة النبي-صلى الله عليه وآله وسلم- لا يتم تناوله عادة...فالسيرة حافلة بالكنوز الثمينة، والنفائس العظيمة، وكلما تعمقنا في دراستها وجدنا شيئا جديدا، وجانبا لم يكن يخطر في بالنا.
فهي سيرة تحفل بالبركة؛ فنحن نتحدث عن إنسان عاش 63 عاما فقط، أكثف ما في حياته من أحداث مؤثرة في مسار الجزيرة العربية ومن ثم مسار العالم كله هي آخر 23 سنة، ولو أراد شخص غير مسلم النظر فقط إلى هذه الجزئية لأدرك أن الحديث يدور عن شخصية ليست كشخصية أي إنسان عاش على وجه الأرض، فدراسة السيرة باستمرار يفترض أن تكون بوصلة  أي إنسان يبحث عن أي جانب مضيء في الحياة، وللمسلم هي منارة في الدجى يستدل بها ويسترشد بهديها، ويستأنس بما فيها من سبل الرشاد، وهي أصفى ينابيع الخير في حياة الناس التي يمكنهم أن يرووا منها ظمأهم باطمئنان.
يوجد كتب كثيرة ومتنوعة تتناول السيرة النبوية العطرة، ولو سألتني-حفظك الله- أيها أنفع وأكثر فائدة من الآخر؟ لقلت:كلها مفيدة إذا تحرّت الروايات الصحيحة، وانتهجت دقة النقل سندا ومتنا؛ فسواء كان الكتاب يتناول السيرة بأسلوب العرض السردي، أو الجوانب التحليليلة المختلفة؛ فإن كل ذلك مفيد ونافع.
فعلى سبيل المثال فإن الإمام ابن قيم الجوزية الدمشقي تناول في (زاد المعاد) هدي الرسول-صلى الله عليه وآله وسلم- في المأكل والملبس والنوم وغير ذلك، كان هذا قبل قرون، وفي القرن العشرين فإن القائد العسكري العراقي المجاهد (محمود شيت خطاب) في (الرسول القائد) تناول الجانب العسكري في السيرة من خلال غزوات النبي المختلفة وتناولها بالتحليل المفصّل مستندا إلى علومه العسكرية.
وهناك كتب تزخر بالألوان والخرائط والرسوم أو الصور التوضيحية، التي تسهل على القارئ مهمة التقاط كنوز السيرة، وفي الدراما أنتجت مسلسلات، منها ما هو جيد ومنها ما هو دون الجودة المفترضة، وكان فيلم(الرسالة) وما زال حاضرا بقوة بعدد الجوائز التي حصدها، ناهيك عن أعداد المشاهدين الذين يشبهون متوالية هندسية، فبعد حوالي 40 سنة(أنتج في 1977م) فإن الجد والابن والحفيد قد شاهدوا هذا الفيلم وأعجبوا به وتفاعلوا معه، وهذا أيضا يندرج في إطار بركة السيرة، مع أن الفيلم ربما احتوى على أحداث يشكك علماء في صحتها مثل قصة الحمامتين على مدخل غار ثور، كما أن الفيلم له نسخة إنجليزية، وأرى أنه بات حريّا بالمعنيين إنتاج نسخة جديدة من فيلم(الرسالة) بعدة لغات مستفيدين من التطور في تقنيات التصوير، ومصححين ومضيفين إليه ما يلزم؛ جدير بالذكر أن الفيلم لم يأت على أحداث الخندق/الأحزاب وحصار المدينة، مع أن هذا حدث مهم ومفصلي في السيرة.
وفي المسجد النبوي هناك معرض للرسول-صلى الله عليه وآله وسلم- يحوي لوحات وجداريات مسطور عليها بلغات مختلفة، ومنسقة وموزعة بطريقة رائعة، مع مجسمات وخرائط، تشعر المرء بأن الزمن قد عاد به 14 قرنا خلت.
وهناك دعاة ورجال وعظ وفقهاء وعلماء دين لهم باع طويل في نشر السيرة بأحاديث متلفزة، وبأساليب مختلفة، وقد ساهمت تقنيات البرمجة، وشبكة الإنترنت في تسهيل نشر وتعلم السيرة النبوية؛ وهنا قد يأت سؤال:أيهما أفضل أن ندرس السيرة ونتعلمها من خلال الكتب عموما، أم من أفواه الدعاة؟شخصيا أرى أنه لا شيء يغني عن قراءة الكتب، واتباع التدرج فيها، بالبدء بالمبسط الميسر، حتى تلك الكتب المطبوعة الموجهة للنشء، لو قرأها شاب أو كهل لاستفاد منها، ومن ثم التوسع تدريجيا، ولكن لا بأس من متابعة دروس السيرة المسموعة أو المرئية عبر التلفزة أو الإنترنت، أو مباشرة في المساجد التي فيها شيوخ ودعاة يتناولون السيرة، وليحسن المرء الاختيار.
أقول هذا وأنا أرى أن البعد عن القراءة والتحقق، قد جعل مواقع التواصل الاجتماعي، والتي كما نعلم لها حسنات ولها سيئات، وهي سلاح ذو حدين، تنشر ما يظنه الناشر خدمة في إطار دراسة السيرة، وهو بعكس  ذلك، مثل تلك الرواية الخاطئة المتداولة عن كون النبي-صلى الله عليه وآله وسلم-كان يتحدث بأكثر من سبعين لغة، وتجد من يصفق لهذا ويأخذها مصدقا دون مراعاة أي من درجات التحقق والدراسة.
ولكن هل من الأفضل مراعاة لوصول المعلومة متابعة الشيوخ والدعاة الذين يروون السيرة باللهجات المحكية الدارجة، أم باللغة العربية الفصحى المسطورة عادة في الكتب؟أرى أن السيرة في دراستها تعطيك-وفقك الله- فرصة لتقوية لغتك العربية، ولأن النبي-صلى الله عليه وسلم- عربي أوتي جوامع الكلم، وأنزل عليه القرآن بلسان عربي مبين، فمن الحفاظ على هيبة السيرة، والشعور بقربها من القلوب، وتأثيرها في النفوس، تحري تناول أحداثها باللغة الفصحى، مع توضيح ما قد يشكل باللهجات المحكية، على ألا تطغى الدارجة على الفصحى، ويبدو هذا الرأي خاصا بالناطقين بالعربية، أما الناطقين بلغات أخرى فليكن لهم ما يناسب أفهامهم ويقرب الصورة من أذهانهم...وأنا شخصيا لمست أثر العربية الفصحى كأولوية عند تناول السيرة، فقد كنا نتابع برنامجين على بعض الفضائيات أحدهما فيه من يسرد السيرة وتطغى الدارجة على حديثه، وآخر تطغى على حديثه الفصحى؛ فكانت أمي وما زالت تفضل بشدة من يتحدث بالفصحى، وتراه أقرب إلى القلب، وأكثر جدية، وتنفر ممن يروي السيرة بالمحكية، علما بأن أمي لم تدخل المدرسة، وتقرأ بصعوبة.
هذه الدعوة إلى ضرورة مواصلة/استئناف دراسة وقراءة السيرة، والتي أوجهها للجميع بلا استثناء، مهما كانت فئاتهم العمرية، أو تخصصاتهم العلمية، دفعتني إليها الحالة التي أرى أنها غير مريحة؛ فقد انتشرت بكثافة غير مسبوقة كتب ودورات ما يعرف بـ(التنمية البشرية) وهو علم لا أرفضه بالمطلق، ولكن أرى أنه قد اختلطت به أمور ليست جيدة، كما أنني لا أرى فائدة ومفخرة من كون بعض الناس، خاصة الشباب، قد قرأ عشرات كتب التنمية البشرية، وانتظموا في عدة دورات تتعلق بها، ولكن أحدهم ربما بالكاد قرأ كتابا عن السيرة، وصار الأمر أشبه بموضة هذا العصر.
فالجيل الحالي ما علاقته وتفاعله مع كتاب منير الغضبان-رحمه الله- الموسوم بـ(المنهج الحركي للسيرة النبوية) والذي كان يدرّس في المساجد، ونسخه منتشرة في البيوت والمكتبات، وأظن أنه لم يكن أحد قبل العصر الرقمي إلا واطلع عليه ولو لماما؟للأسف حاليا لا اهتمام بالكتاب المذكور، بل ربما الشباب لم يسمعوا بالغضبان إلا حينما مات قبل حوالي سنتين، وهذا ينسحب على كتاب (الرسول القائد) الذي ذكرته في السطور السابقة، وعلى غيره...أي أن الاهتمام بدراسة وقراءة وتحليل السيرة النبوية قد تراجع، بالتزامن مع تيسّر و كثرة وتنوع وسائل تعلمها.
يجب أن نواصل قراءة السيرة ودراستها من مختلف جوانبها، والغوص في تفصيلاتها، والانتفاع بجواهرها النفيسة، كأولوية تسبق العكوف على علوم ستختفي ويزول بريقها، دون فوائد كثيرة مع الزمن، فالسيرة تفيد كل جيل وكل زمن وكل ظرف.
،،،،،،،،،،
الخميس 28 ذي الحجة 1437هـ ، 29/9/2016م
من قلم:سري عبد الفتاح سمّور(أبو نصر الدين)-جنين-أم الشوف/حيفا-فلسطين

تويتر: https://twitter.com/SariSammour     @SariSammour  
مدونات:-


الاثنين، سبتمبر 19، 2016

فلسطين والمؤثرات العربية

بقلم:سري سمّور

ونحن نعيش ذكرى مجزرة مخيمي صبرا وشاتيلا قبل 34 سنة يحضرني مشهد امرأة تصرخ من فوق الجثث المركومة، ورائحة الموت والدمار في المكان وهي تولول مطلقة عبارة تفجع هي سؤال من كلمتين فقط(وين العرب؟!) وهي بهذا تلخص حالة وجدانية تتمثل بارتباط القضية الفلسطينية بالوضع العربي في مختلف مراحلها المصبوغة بالدم والمؤامرات والاحتلال والبطولة والشهادة والأمل والرجاء والخذلان وكل ما في قضيتنا من تفصيلات عشناها وعاشها آباؤنا وأجدادنا.
مشهد يتكرر في انتفاضة الأقصى لمعتقلين فلسطينيين في أحد المخيمات في الضفة الغربية لرجل يدعو على العرب أو يشتمهم أمام بعض الفضائيات العربية ..فشئنا أم أبينا، وعينا الجمعي وتفكيرنا الباطن دوما، الظاهر حينا، يحمّل العرب مسئولية ليست بالصغيرة عما جرى ويجري لنا.
العرب بأوضاعهم المتقلبة عبر الزمن كانوا عاملا مؤثرا في مجريات قضيتنا؛ وإن كان الحديث يدور عن دول إقليمية أخرى في السنوات الأخيرة خاصة إيران وتركيا، فإن العامل العربي كان وما زال حاسما أو مؤثرا بدرجة كبيرة على أوضاعنا، وطريقة إدارتنا للصراع...طبعا لا أتحدث عن دور القوى الغربية، لأنها في خندق الصهيونية، وإن أعطانا بعض قادتها ونخبها من طرف اللسان حلاوة...ولنحاول استعراض التأثير العربي، وخلفياته وأين وصل ومآلاته المؤثرة على قضيتنا ومسارها.

(1)نهاية السلطنة...بداية القضية

يجب أن نضع في الحسبان أن القضية الفلسطينية قد بدأت إرهاصاتها في مرحلة ضعف وعجز وتآكل متسارع للسلطنة العثمانية، بالتزامن مع حالة انبعاث للقوميات في أوروبا التي كانت تحقق تقدما علميا متسارعا، بالتأكيد له جوانب عسكرية، ومطامع وخطط استعمارية، أفضت إلى ابتكار فكرة الصهيونية، إضافة طبعا إلى وضع يهود أوروبا.
أي أنه لم يكن لأهل فلسطين بوتقة قومية قطرية، ولم تنضج آنذاك هويتهم الوطنية الذاتية، وهذا ينسحب على كل الأقطار والبلاد العثمانية لقرون عدة؛ لأن فلسطين كانت تحت حكم العثمانيين بضعة قرون، وهؤلاء لهم دولة قوية عريقة عمرها حوالي 600 عام، ولم تكن أصلا فكرة التميز القومي أو القطري موجودة بالمعنى السياسي والثقافي، والمحاولة الوحيدة التي كانت في زمن الحكم العثماني والتي كان لها تميز سياسي وعسكري واقتصادي هي حكم الشيخ ظاهر العمر الزيداني في القرن الثامن عشر، وهي تجربة كانت سابقة لحملة نابليون وما تلاها من تطورات في أوروبا والمنطقة، ولم يكن هناك ثمة محاولات جديدة بالتزامن مع المخططات الأوروبية.

(2)استعمار من نوع خاص

عشية الحرب العالمية الأولى(1914-1918م) لم يكن قد بقي للعثمانيين أراض في المنطقة العربية سوى العراق وبلاد الشام وشبه الجزيرة العربية، وأدت الحرب إلى دخول هذه المناطق تحت الاحتلال(الاستعمار) البريطاني والفرنسي لتنضم إلى بقية الدول العربية التي انتزعها الأوروبيون من السلطنة تباعا.
ولكن فلسطين كان لها وضع خاص مختلف في المخطط الاستعماري،  فقد كان هناك وعد بلفور ومن ثم صك الانتداب، مما يعني أن الجيش البريطاني في فلسطين سيمكن اليهود من الاستيطان في فلسطين، على حساب أهلها بالمعنى التاريخي والجغرافي، وهذا وضع يختلف عن بقية الأقطار العربية المحتلة من الغزاة الإنجليز أو الفرنسيين أو الطليان أو الإسبان.

(3)زمن القطرية العربية

المقاومة الشرسة، إضافة إلى عوامل داخلية في الدول الغازية، أدت في نهاية المطاف إلى حصول الأقطار العربية تباعا على استقلال، ورحيل الجيوش الغازية عن أراضيها، وأيضا بلورة هوية سياسية تقوم على القطرية، وإن كانت ترفع شعارات قومية، بل أممية أحيانا، فنشأت في الدول العربية الجديدة أنظمة، التزمت بالحدود الجغرافية في مرحلة ما بعد الغزو الاستعماري، وأخذت تعلي تدريجيا من أهمية وأولوية الهوية القطرية.
في المقابل لم يتمكن الشعب الفلسطيني من بلورة كيان سياسي يعبر عن (فلسطينيته) لأن الجيوش الغازية لم ترحل، ولأن الشعب الفلسطيني بقياداته وعموم جمهوره، لم ينظر إلى قضية فلسطين والمؤامرة على وجودها نظرة منفصلة عن المحيط العربي والإسلامي؛ وهذا موقف سليم 100% من الناحية النظرية، ولا سيما أن مجاهدين من الجوار العربي هبوا لنجدة فلسطين وشعبها ولم يبخلوا عليها بدمائهم، ولأن فكرة إقامة كيان غريب في المنطقة يستهدف الأقطار العربية أيضا مع أن مركزه وبؤرته هي فلسطين.
والأجسام السياسية التي نشأت في فلسطين ظلت اتجاهاتها ومحددات عملها تدور في فلك إنقاذ كل فلسطين، أو إنقاذ ما يمكن إنقاذه منها، رضوخا للأمر الواقع، ولكن ظلت مرتبطة بالمحيط العربي، وحيث أن المحيط العربي، قد خرج من حروب واستعمار، وصارت الغلبة والكلمة الفصل للدولة العربية القطرية الجديدة ومؤسساتها، وليس للمجتمع المدني العربي دور يذكر في رسم السياسات، بل ربما لم يكن هناك وجود حقيقي فاعل لهذا المجتمع، فارتباط ساسة فلسطين وثوارها-الراضين أو الغاضبين- وعموم أهلها كان بالنظام العربي الرسمي وما يحكم أو يؤثر في هذا النظام من ظروف متغيرة وحسابات وصفقات وعلاقات وتقديرات، والتي بالطبع لم تكن في صالح الشعب الفلسطيني للأسف الشديد...وسنأتي على جوانب ومحطات مهمة في هذا السياق في مقال قادم إن شاء الله.

،،،،،،،،،،
الإثنين 17 ذي الحجة 1437هـ ، 19/9/2016م
من قلم:سري عبد الفتاح سمّور(أبو نصر الدين)-جنين-أم الشوف/حيفا-فلسطين

تويتر: https://twitter.com/SariSammour     @SariSammour  
مدونات:-

الأحد، سبتمبر 11، 2016

خطبتان هما ميثاق عظيم


بقلم:سري سمّور

نعيش  ذكرى حدث مهم قبل (1427) سنة قمرية؛ وأرى أن الدارج هو فقط تذكر الحدث وروايته كل عام مثل هذه الأيام، مع أنه يجب أن يكون الحدث حاضرا في الذهن في كل الأوقات، ولعل هذه المقالة أيضا قد سلكت مسلك الموسمية في التعاطي مع الحدث، ولكن القصد منها استغلال الموسم، للتأكيد والتنبيه على ضرورة ووجوب حضور الحدث العظيم في كل ساعة وفي كل حين.
نعود قرونا إلى العام العاشر الهجري، وتحديدا إلى التاسع من ذي الحجة، أما المكان فهو صعيد  عرفة، حيث حضر عشرات الألوف، في يوم الركن الأهم من الحج ليسمعوا خطبة لخاتم الأنبياء والمرسلين محمد بن عبد الله-صلى الله عليه وآله وسلم- في أول وآخر حجة له، وهي خطبة تكوّن بمفرداتها ميثاقا(دستورا) عظيما، قد خالفناه جزئيا أو كليا، فلتكن الذكرى دعوة للالتزام بهذا الدستور؛ فوقف النبي في ذلك الموقف وخطب بالجموع الغفيرة قائلا:-
((أيـها الناس، اسمعوا قولي، فإني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا بهذا الموقف أبدا...إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا...ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع، ودماء الجاهلية موضوعة، وإن أول دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث-وكان مسترضعا في بني سعد فقتلته هذيل- وربا الجاهلية موضوع، وأول ربا أضع من ربانا ربا العباس بن عبد المطلب، فإنه موضوع كله...فاتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكن عليهن ألا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربا غير مبرح، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف...وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به كتاب الله...أيها الناس:إنه لا نبي بعدي، ولا أمة بعدكم، ألا فاعبدوا ربكم، وصلوا خمسكم، وصوموا شهركم،وأدوا زكاة أموالكم طيبة بها أنفسكم، وتحجون بيت ربكم، وأطيعوا ولاة أمركم، تدخلوا جنة ربكم...وأنتم تسألون عني فما أنتم قائلون؟ فقال الناس:نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت، فرفع سبابة يده إلى السماء، وينكتها إلى الناس (اللهم اشهد-كررها ثلاثا-)) /الرحيق المختوم للمباركفوري –طبعة دار الوفاء لسنة 2003.
لا نحتاج إلى القول بأن هذه الكلمات تكتب بأحرف من نور أو بماء الذهب؛ فسواء كتبت بذهب أو بحبر أو على شاشة أو على لوحة معلقة أو حفظت في صدور الخلق، فهذا ليس بأهمية العناية الفعلية بها، فهي بمثابة (كتالوج) لهذه الأمة، ولا مجال لسرد كل شيء عن هذه الخطبة العظيمة، ولكن حسبنا أن نتوقف عند ما يلي:-
1) لم يتطرق المصطفى –صلى الله عليه وآله وسلم- في هذه الخطبة في يوم الحج الأكبر إلى كيفية أداء مناسك الحج، لأنه اكتفى بالتطبيق العملي أمام هذه الجموع(لتأخذوا عني مناسككم) حيث ستنتقل بالتواتر، ولم يدخل في تفصيلات أركان الإسلام التي أكد على ضرورة أدائها من صلاة وصيام وزكاة وحج، وفي هذا درس للأمة التي انشغلت بالفروع عن الأصول، وانشغل بعض أبنائها في جدل حول بعض المسائل الفقهية التي في أمرها سعة، والانشغال بها يحرف الناس عن الاهتمام بالجوهر.
2) بدأ التطبيق العملي بإسقاط ثارات الجاهلية والدماء التي كانت من أمرها، وإلغاء الفوائد الربوية بعائلته وعشيرته الأقربين، بالتنازل عن دم أحد أبناء عمومته، ووضع ربا عمه العباس؛ فهو بهذا يصنع الأسوة الحسنة، ويشيد صرح القدوة والأنموذج...ومع أن هذا ليس جديدا عليه، فقد كان الصحابة في حصار المدينة يربط الواحد منهم على بطنه حجرا من الجوع، وهو يربط على بطنه حجرين من الجوع أيضا، بأبي أنت وأمي يا رسول الله، فهكذا يكون القائد القدوة، وبهذا لا يبقي لأحد حجة بأنه استثنى دم ابن عمومته، أو تساهل في ربا عمه، وهو يعلن القطيعة مع ما كان من شؤون الجاهلية من دماء وأموال ربوية وغيرها.
3) ويوصي وهو في هذا الموقف العظيم بالنساء خيرا؛ ويضع منهجا دونه كل مدونات حقوق المرأة التي يتشدق بها بعضهم، ويحاولون أن يغمزوا من قناة الإسلام بأنه لم ينصف المرأة، فإذا كانت مدوناتهم وسماحهم للمرأة بمجرد التصويت في الانتخابات قد مرّ عليه عقود، فهذا نبينا في أعظم أيام السنة وقبل 1427 عاما يوصينا بهن خيرا، ولنتذكر تلك البيئة التي لم تكن تعير المرأة شأنا، فإن مات عنها زوجها، صارت تلقائيا زوجة لابنه، ولا حق لها في ميراث وهي مثل المتاع، بل كانت بعض قبائل العرب تئدها وهي وليدة، فمن فاق الإسلام في إنشاء وتدعيم قوانين حقوق المرأة؟!
4) نتساءل كثيرا عن سبب اختلال المنهج، وبماذا نتمسك في غمرة أمواج عاتية من الفتن واختلاط الأمور فيبين لنا رسول الله أن الضلال بعيد عنا بل محال أن يعترينا إذا تمسكنا بكتاب الله.
5) هذه الخطبة حجة علينا لأنه قد تواترت إلينا جيلا بعد جيل، فلا فرق في التكليف، وإعلان أن النبي قد بلغ رسالته وأدى أمانته، بين من هم يومئذ يستمعون مباشرة، وبيننا اليوم، فالخطاب لهم ولمن بعدهم ولنا ولمن بعدنا.
6) بعيد هذه الخطبة نزل قول الله تعالى(اليوم أكملت لكم دينكم، وأتممت عليكم نعمتي، ورضيت لكم الإسلام دينا-سورة المائدة3) وكأن هذه الخطبة بمثابة إعلان البيان الختامي المحدد للمسار والمقرر للمنهج، الضابط لمعايير السلوك والمعاملات، وكيف لا وصاحب الصوت الصادح بكلمات هذه الخطبة، سيغادر الدنيا بعد ذلك بشهرين وبضعة أيام؟!
لذا كانت هذه الخطبة وما زالت وستظل، لمن يتفكر ميثاقا عظيما، وما كان يجب أن تظل محكومة بهذا الموسم لتذكرها والوقوف عندها، بل يجب ألا تغيب عن الألسنة والأقلام والأذهان في كل مسارات حياتنا.
أما الخطبة الثانية فكانت في اليوم التالي، أي يوم النحر(أول أيام عيد الأضحى) حيث جاء فيها ((إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا في شهركم هذا)) قال هذا بعد تحفيز واستنفار للأذهان والعقول بسؤال الناس عن اسم البلد والشهر واليوم، كي تكون جاهزة لسماع هذا التحريم القطعي للدماء والأموال والأعراض بيننا، وهذا معطوف على ما كان قد خطب به في اليوم السابق، أي تكرار للكلمات في يومين عظيمين مباركين، للتشديد على الحرمة، وكأنه بوحي السماء كان يعلم ما ينتظرنا؛ واحسرتاه، فقد استبحنا ما حرم الله في أماكن شتى، وحال المسلمين والعرب الذين هم مادة الإسلام يقف أمام هذا الإعلان النبوي مخزيا مطأطئ الرأس!
ويقول أيضا في يوم النحر((وستلقون ربكم، فيسألكم عن أعمالكم، ألا فلا ترجعوا بعدي ضلالا يضرب بعضكم رقاب بعض)) ويسأل:ألا هل بلغت؟قيقولون:نعم، فيقول الصادق الأمين((اللهم اشهد، فليبلغ الشاهد الغائب، فربّ مبلغ أوعى من سامع)).

في غمرة الانشغال في دروب الحياة وأمانيها ومباهجها ومسرّاتها وأحزانها ومشكلاتها وصراعاتها، قد يغفل المرء عن حقيقة أنه سيموت ويلاقي ربه، وسيسأله ربه عن أعماله، في ذلك الموقف وذلك اليوم يذكرنا الحبيب محمد بهذا الذي قد نغفل عنه، أو نتساهل فيه، أي لحظة النهاية ومغادرة الدنيا، والسؤال عن الأعمال.
في يومين أي التاسع والعاشر من ذي الحجة، يخطب النبي-صلى الله عليه وآله وسلم- في الناس فيصلنا نص الخطبة، وإذا اختلف الناقلون من أهل السير والحديث في لفظ هنا أو جملة هناك، فإن الفكرة لا تختلف، والحكمة موجودة، والحجة قائمة علينا، فنحن ربما ممن ينطبق عليهم وصف(مبلغ أوعى من سامع).
وبعد فإن تعلم السيرة متاح وبوسائل تقنية حديثة، لمن لا يصبر على قراءة كتاب في السيرة، علما بأن الكتب الجديدة مسطورة بأسلوب عصري، ولا تخلو من صور أو خرائط، وثمة برامج وفيديوهات تعرض السيرة بأساليب جديدة، ومهما زعمت حبك لنبيك فإن زعمك مثلوم ما لم تعرف سيرته، فهي أكسجين هذا الحب.
أما الخطبة يوم عرفة، والتي تلتها مكررة كثيرا مما فيها خطبة أخرى يوم النحر، فلا ينبغي فقط أن نتعلمها في سياق تعلم السيرة، فهي كما ذكرت بمثابة منهج عملي، وإرشاد لمن ضل، أو لمن شاء السير على الطريق القويم، وهي ميثاق عظيم يتفوق على كل المواثيق والدساتير التي وضعها بنو آدم، وكيف لا وهي على لسان من لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى؟
اللهم صل على محمد وآله محمد واجعلنا من المقتدين به المتبعين سنته المتمسكين بميثاقه.
،،،،،،،،،،
الأحد 9 ذي الحجة 1437هـ ، 11/9/2016م
من قلم:سري عبد الفتاح سمّور(أبو نصر الدين)-جنين-أم الشوف/حيفا-فلسطين

تويتر: https://twitter.com/SariSammour     @SariSammour  
مدونات:-

الخميس، سبتمبر 08، 2016

الأقصى..الواقع والمستقبل


بقلم:سري سمّور

تعيش مدينة القدس -المنكوبة بأبشع احتلال-هذه الأيام واقعا غاية في التعقيد فإضافة إلى  عمليات التهويد والاستيطان التي تشير مختلف الإحصائيات والبيانات الموثقة إلى تسارعها وتزايدها المطرد، فإن الوضع يزداد تعقيدا خاصة في ظل الاقتحامات المتكررة شبه اليومية من قبل المتسوطنين وبحراسة ودعم قوى الأمن الإسرائيلية لساحات المسجد الأقصى التي تشير إلى نية مبيتة لتقسيم المسجد الأقصى زمانيا ومكانيا.
وكما هو معلوم فإن أي حكومة أو حزب إسرائيلي في الحكم أو المعارضة من اليمين أو اليسار من القوى العلمانية أو الدينية يعتبر أن القدس هي(العاصمة الأبدية الموحدة لدولة إسرائيل) ويعتبر ما يسمونه(جبل الهيكل) أي المسجد الأقصى ثالث أقدس المساجد عند المسلمين وقبلتهم الأولى مكانا يهوديا غير قابل للتقسيم أو التقاسم ويجب أن يخضع لسيادة الدولة العبرية فقط.
وفي المقابل ورغم الانقسام السياسي والجغرافي بين حماس وفتح والخلافات الأيديولوجية والسياسية، فإنه لا يوجد أي طرف فلسطيني مستعد للقبول بدولة فلسطينية أيا كانت مساحتها لا تكون القدس ومن ضمنها المسجد الأقصى عاصمة لها، فلا أمل للقيادة الإسرائيلية ومن يدعمها بوجود قيادة فلسطينية تتخلى عن القدس؛ فالمطالبة والسعي نحو السيادة على القدس هي أبرز عوامل الشرعية لأي قيادة فلسطينية إسلامية كانت أو وطنية أو يسارية أو غير ذلك...فإنه لا ولم ولن يوجد قائد فلسطيني يقبل التنازل عن المسجد الأقصى.
أما ما سعت له الإدارة الأمريكية(أيام بيل كلينتون) بإيجاد ما يسمى بـ(الحل الإبداعي) لقضية القدس فهو أمر تبين فشله، فنحن أمام حالة استقطاب بين عقيدتين متنافرتين، كل منهما ترى في التنازل عن القدس كفرا أو خيانة، ولن ينتهي هذا الصراع إلا بهزيمة محققة لأحد الطرفين.
ومع أن الإجراءات الإسرائيلية نجحت في عزل القدس عن الضفة الغربية، فإن القدس لم تبتعد عن الحالة النضالية وكان لها مساهمتها الواضحة في الحالة الكفاحية أو الهبة الجماهيرية التي انطلقت أوائل تشرين أول/أكتوبر 2015م بل إن طابع الهبة في جزء كبير منه مقدسي بامتياز...ولكن القدس تعاني من عدم وجود وحضور قيادة ذات كاريزما وتأثير منذ رحيل فيصل الحسيني قبل 15 عاما وإغلاق المؤسسات الفلسطينية في القدس مثل بيت الشرق وغيره، فلا يوجد داخل المدينة مؤسسة أو شخصية ذات إجماع  وحضور وتأثير مما جعل الجهد النضالي مشتتا، مع أن القدس كانت الأقل تأثرا بتداعيات وانعكاسات الانقسام نظرا لوضعها وخصوصيتها وعدم خضوع سكانها وأحيائها لأي من طرفي الانقسام، وظلت العلاقات بين فتح وحماس في داخلها جيدة أو معقولة مقارنة مع المناطق الأخرى.
هذا هو واقع القدس دون النظر إلى الوضع العربي وتأثيره على مجريات الأمور؛ وحقيقة لا يمكن الرهان على انشغال العرب والمسلمين بنزاعاتهم وصراعاتهم الطائفية والجهوية والسياسية بحيث يـُتوهم أن القدس قد سقطت تماما من حساباتهم وأنه يمكن للحكومة الإسرائيلية أن تفعل ما تشاء هي ومستوطنيها المتطرفين، فقد تكون القدس عامل تـثـبـيط ولو مؤقت لصراعات المنطقة في وقت ما.
ومن لاحظ حرص أهالي الضفة الغربية على الوصول إلى المسجد الأقصى خلال شهر رمضان المبارك، ممن يسمح أو لا يسمح لهم وفق المحددات والمعايير الإسرائيلية بدخول القدس والصلاة في المسجد الأقصى يدرك أن القدس رغم كل الانشغال بهموم ومشكلات الحياة اليومية من الفقر والبطالة، والصراع السياسي الداخلي، لدرجة قيام كثير من الشبان بالتسلق بوسائل بدائية وبحبال غير متينة فوق الجدار المرتـفع بضعة أمتار وانتشار مكثف لقوات الاحتلال، يدل على أن القدس والمسجد الأقصى خط أحمر، وأن ارتكاب أية حماقة سواء من الحكومة الإسرائيلية أو المستوطنين سيجر المنطقة إلى صراع دموي عنيف.
ولعل الحكومة الإسرائيلية تدرك ذلك فتعمد إلى سياسة تقوم على جعل الفلسطينيين والعرب والمسلمين يتقبلون تدريجيا ما تقوم به من إجراءات؛ فمثلا صار خبر اقتحام المسجد الأقصى من قبل المستوطنين ومحاولتهم إقامة طقوس تلمودية داخله خبرا لا يتصدر وسائل الإعلام، ولكن هناك من يرابط داخل المسجد ويتصدى لهم ويشعرهم بأنهم غير مرغوب فيهم ولن يسمح لهم بتقسيم المسجد الأقصى، ولو دفع حياته ثمنا.
أمام هذا الواقع المعقد والمتشابك يبدو المستقبل أكثر تعقيدا وتشابكا؛ والسيناريوهات المتوقعة غالبها لا يبشر بتسوية سياسية نظرا للاستقطاب الذي تحدثنا عنه ونظرا لجنوح المجتمع الإسرائيلي بقوة وزخم نحو اليمين والتطرف، ولأنه لن يقبل أي قائد فلسطيني حالي أو مستقبلي بتوقيع اتفاق يشطب الحق العربي والإسلامي والفلسطيني في القدس والمسجد الأقصى.
وقد يرتكب المستوطنون اعتداء كبيرا صاخبا لتغيير الواقع في المسجد الأقصى على غرار المسجد الإبراهيمي مراهنين على ضعف الحالة العربية والفلسطينية، ومستندين إلى ردة الفعل الباردة حينما أحرق المسجد صيف سنة 1969م وهذا رهان يشبه اللعب بالنار، فنحن أمام جيل فلسطيني جديد مختلف عن الجيل الذي كان سابقا والذي حين وقع الاعتداء (الحرق) كان ما زال تحت تأثير الصدمة من هزيمة الجيوش العربية في حزيران/يونيو 1967م وكانت الحالة الوطنية الفلسطينية ما زالت تراهن على قوة ودعم وإسناد العرب أكثر من الرهان على القوة الذاتية والإمكانات المحلية؛ وعليه فإن أي اعتداء قادم ومتوقع على المسجد الأقصى يعني تفجر الأوضاع بشكل أوسع حتى مما كان من أواخر أيلول/سبتمبر 2000م عند محاولة شارون اقتحام المسجد الأقصى...فالمسجد الأقصى هو كيمياء القضية ولبّها وجوهرها، وسيكون صاعق تفجير الجولات القادمة من الصراع، وعامل تغيير وقلب كل المعادلات والحسابات والدراسات!
،،،،،،،،،،
الخميس  6 ذي الحجة 1437هـ ، 8/9/2016م
من قلم:سري عبد الفتاح سمّور(أبو نصر الدين)-جنين-أم الشوف/حيفا-فلسطين

تويتر: https://twitter.com/SariSammour     @SariSammour  
مدونات:-



الأحد، سبتمبر 04، 2016

التعليم في وعينا وثقافتنا الشعبية


بقلم:سري سمّور

من الأمور التي كان ينبغي التطرق لها في المقالات الثلاث السابقة، ونبهني إليها قرّاء وأصدقاء مشكورين، وأسعفتني الذاكرة لتضمينها هنا، أن الثقافة الشعبية العامة تزدري وتحط من قيمة العمل اليدوي والحرفي عموما، بل كان يصل الأمر –حتى من بعض المعلمين إضافة إلى الأهالي-إلى التلويح بالمصير(المشؤوم) لمن لا يجتهد في دروسه، لأنه سيصبح مستقبلا من طبقة العمال، وكان لهذا  التلويح-ويا لها من مفارقة- أثر كبير في حض كثير من الطلبة على الجدّ والاجتهاد، خوفا من أن يكون مصيرهم حرفة أو صنعة أو عملا يدويا!
وسادت ثقافة عامة مفادها بأن الطلبة ذوي القدرات المحدودة في الاستيعاب والفهم يجب أن يختصروا الطريق ويتجهوا إلى الأعمال الحرفية؛ وكأن الأعمال الحرفية لا تحتاج إلى مهارات وذكاء، وهي تمس كل جوانب حياة الناس؛ كالنجارة والحدادة والبناء وصيانة السيارات والأدوات الكهربائية وغيرها، صحيح أن تطورا حدث وصار هناك برامج تعليمية في مراحل مختلفة، تؤسس إنسان الحرف وتؤهله وتخرجه إلى سوق العمل مسلحا بشهادات رسمية، بل إن المنهاج الجديد وفقما أعلن عنه، سيتضمن الجانب الحرفي والمهني للتأكيد على التأهيل والتأسيس لحرفيي المستقبل؛ ولكن الثقافة السائدة والسلم الاجتماعي المتفق  أو المتواطأ عليه يجعل أصحاب المهن وفق تصنيفات تراتبـية؛ فالخلفية الذهنية في مجتمعنا تجعل الطبيب والمهندس والمحامي مثلا أفضل من النجار والحداد والمزارع، ودعك من القصائد والأهازيج والشعارات التي تتغنى بالعامل والحرفي والفلاّح، فهي تظل عاطفية لا تأثير لها في الوعي الجمعي، في مسائل اجتماعية عدة، مثل الزواج أو طريقة التعاطي الفردي.
وهنا قد تبدو –وفقك الله- محتجا لأن في الأمر  لبس؛  حيث أن المسألة لا علاقة لها بازدراء المهنة أو الحرفة اليدوية ذاتها، بقدر أن هناك نوعا من الشعور بالفرق في التعامل مع من تعلم ودرس وصار طبيبا أو مهندسا، وبين نظيره الحرفي الذي غالبا لم يكمل تعليمه أو لا ينعكس التعليم على أسلوبه وحياته وتعامله وصولا إلى طريقة كلامه ومفردات حديثه مع الآخرين؛ وغالبا ما تطغى صفة الثقافة و(الإيتيكيت) على الفئة الأولى التي تفرض على المحيط التعامل معها بطريقة أكثر سلاسة أو أكثر مجاملة وتبجيل،من الفئة الثانية؛ وهذا –أخي الكريم- احتجاج مقبول ومرفوض في آن معا؛ لأننا نكرر ونردد بأن لدينا حملة شهادات كثر، قلة منهم لديهم ثقافة عامة، وعلى القاعدة هذه فمن الطبيعي أن يكون من كانت حياته في أجواء علمية وأكاديمية، انتقل بعدها إلى حياة عملية قريبة منها ولو جزئيا، يختلف عن نظيره الحرفي المتعلم أو غير المتعلم، ولكل مهنة خصوصياتها ومخرجاتها في طريقة التعامل مع الناس، ولأننا للأسف أيضا نطلق أحكاما اجتماعية مطلقة، بل بعض الآباء والأمهات حينما يريدون تنمية الطموح عند الابن أو البنت وأسلوب الحض على الاجتهاد يقولون عبارات من قبيل(أنظر إلى فلان المتفوق ابن راعي الغنم أو ابن الطوبرجي أو...ألا تخجل من نفسك وأنت ابن فلان الذي يعمل كذا ألا تكون مثله!!) وهذا تـنميط يظل ملازما للذهنية الاجتماعية، لأنه لا يجد من يدحضه في السلوك والعلاقات؛ فمثلا في الدول الغربية التي اعتدنا أن نستورد منها الأشياء السلبية للأسف، تجد ميكانيكي سيارات غير متعلم يتزوج من طبيبة، ولا يعتبر الأمر حطّا من قيمتها المهنية أو الاجتماعية، ولا يعتبر امتيازا وحظوة له، وأعلم أن هذه القيم المتجذرة لا يمكن محوها بمقالة مثل هذه، ولكن يظل هذا السلوك غير قابل للاستيراد منهم إلى هنا حتى إشعار آخر، ولو حدثت حالة لكانت محل نظرة غير مريحة لزواج مثل هذا!
ولو أخذنا التجارة كمهنة يرتزق منها كثير من الناس متعلمين وغير متعلمين لوجدنا أنها تفرض نمطا معينا من التعامل وإدارة العلاقات وحتى قاموس الألفاظ والعبارات، ولذا تجد التجارة هاضمة وممتصة للتراتـبية التي تفرضها الشهادة العلمية في المهن الأخرى، فضلا عن أن كثيرا من التجار الذين لم يكونوا ناجحين في حياتهم التعليمية، قد صاروا من الأسماء اللامعة في السوق وبزّوا زملاءهم المتفوقين في هذا الميدان.
ولكننا بتنا أمام طوفان بشري من حملة الشهادات، وحتى الدراسات العليا، صرت أينما التفت تجد حاملا لشهادة الماجستير أو من يحضّر للحصول عليها، دون أن يكون لهذا العدد من حملة هذه الشهادة تأثير يتناسب طرديا مع  تطور سوق العمل، فهي باتت فقط (برستيج) ومظهر اجتماعي، ووصف يكتب في السيرة الذاتية؟!
 وكثير من رسائل الماجستير، مما يمكن أن يفيد ولو من باب الثقافة وسعة الاطلاع، تظل حبيسة رفوف مكتبات الجامعة، ولا يتم إخراجها وإعادة طباعتها بطريقة ملائمة لتصبح كتابا متداولا في دور النشر والتوزيع والمكتبات العامة والخاصة، أي أن فائدتها محدودة جدا.
فالتعليم كان في الماضي وسيلة مضمونة للحصول على عمل (محترم) ودخل معقول ومكانة اجتماعية مقدّرة، وحاليا صار أمرا لا بد منه لأغراض مظهرية، أو لأن هذا مسار لا بد من السير فيه؛  ومرحلة على المرء أن ينهيها، لأنه لا يوجد عمل متاح يعتاش منه.
وحتى أنا نفسي صرت أرى أنني شاذ عن محيطي الاجتماعي، لأنني لا أحمل شهادة الماجستير؛ أي أن تفكيري بالحصول على الشهادة متعلق بما يشبه اللحاق بـ(الموضة) المنتشرة أكثر منه بهدف الإفادة والاستفادة!
قد أستوعب-جزئيا- حالة الأب الذي لم يكمل تعليمه لظرف خاص، فيريد أن يعوض من خلال أبنائه وبناته ما حرم منه، بأن يحصلوا على أعلى الدرجات العلمية ولكن أن يتحول التعليم إلى تقليد شعبي يزيد معدلات البطالة ويقلل من قيمة الشهادة الجامعية بسبب كثرة حامليها، وتتراجع الهيبة التي كانت لها فيما مضى، فهذه ثقافة يجب تغييرها وبسرعة.
وعليه فإن التعليم ضروري ولكن قدر الحاجة، وبعيدا عن التفكير بأنانية لا يكترث صاحبها بمصلحة استراتيجية؛ ولكن أي تعليم هو ضروري للجميع، وأي تعليم نحن في غنى عنه؟ليس من السهل تقديم إجابات هنا، وإطلاق أحكام قطعية، ولكن لا شك أننا بحاجة إلى من يتقن القراءة والكتابة والعمليات الحسابـية المستخدمة في حياتنا اليومية في المرحلة الأساسية، واسمح لي-رعاك الله- أن أتوقف عند مسألة تتردد على ألسنتنا وهي أن تعريف الأمية يعني في عصرنا من لا يستطيع استخدام جهاز الكمبيوتر، ولكن أرى أن حالتنا مختلفة، فأجهزة الكمبيوتر منتشرة بكثرة، ومواقع التواصل والهواتف الذكية زادت نسبة المنتمين إلى عائلة محترفي استخدام الكمبيوتر، ولكن هذا أيضا كشف لنا أن من المحترفين  عدد وربما نسبة لا يستهان بها، لا تتقن الكتابة الصحيحية وأخطاؤها الإملائية مخجلة ومقلقة، وهنا أرى أن من يتقن النشر على الإنترنت في مواقع التواصل وبرامج الدردشة، ويخطئ أخطاء إملائية فادحة ليس نظيفا من صفة الأمية.
وعلينا أن نتحلى بالجرأة ونوجه كل طالب وطالبة بعد إتقان أساسيات في التعليم وضرورية في الحياة اليومية إلى ما نراه أهلا له؛ فإن رأينا اهتماما للطالب بالعلوم الشرعية مثلا، لا نجبره على الالتحاق بالقسم العلمي كي يصبح طبيبا كي يرضي رغبة أب كان يحلم بأن يصبح طبيبا، بل يدخل هذا في المدارس الشرعية ويكمل طريقه في هذا المجال، وإذا رأينا من يكره التعليم التقليدي، وله توجه نحو الحرف والعمل اليدوي نتيح له ذلك، حتى لو أصر على عدم حمل شهادة التوجيهي في الفرع الصناعي، فليس كل عمل بحاجة إلى شهادة رسمية.
ويجب الكف عن ازدراء أي مهنة يحتاجها الإنسان ولكنه في ذات الوقت لا يريد لابنه/ابنته امتهانها...وأرى أن حاجتنا إلى الثقافة والقراءة أكبر من حاجتنا كشعب ومجتمع إلى حمل الشهادات الرسمية حاليا.
علينا التفكير بطريقة جماعية بأسئلة تتعلق بماهية التعليم الذي نريد كمّا ونوعا، بعيدا عن التفكير الذي تحتضنه ثقافة الخلاص الفردي التي هيمنت علينا للأسف، فمصلحة الفرد مرتبطة بمصلحة الجماعة...هذا وإلا سنظل نندب حظنا ونشكو سلبيات نحن غرسنا شجرتها وأسقيناها ورعيناها بإصرارنا على عدم تغيير وعينا وثقافتنا ونظرتنا إلى التعليم، تلك النظرة التي لا تلائم عصرنا ولا وضع شعبنا...وفقنا الله وإياكم...اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا.

،،،،،،،،،،
الأحد  1 ذي الحجة 1437هـ ، 4/9/2016م
من قلم:سري عبد الفتاح سمّور(أبو نصر الدين)-جنين-أم الشوف/حيفا-فلسطين

تويتر: https://twitter.com/SariSammour     @SariSammour  
مدونات:-


مع مذكرات أخطر سفير إسرائيلي في مصر (1)

لدي قناعة أن ذهاب أنور السادات إلى خيار التسوية مع إسرائيل؛ و زيارته المشؤومة إلى القدس في 1977 وصولا إلى توقيع اتفاقات كامب ديفيد في 1979 ه...