الأربعاء، يونيو 28، 2017

العبابيد...تحييد غزة وتسخين الشمال


بقلم:سري سمّور

 العبابيد هو مسلسل سوري يجمع بين التاريخ المتعلق بمملكة تدمر بقيادة زنوبيا، والخيال حول محيط المملكة وتشابكات العلاقات المختلفة، ومعنى كلمة العبابيد هو الذاهبون في طرق شتى في شؤون حياتهم أي المتفرقون حتى ولو كان هناك كثير مما يفترض أن يوحدهم ويجمعهم...وما دمنا نتحدث عن سورية من الجانب الدرامي، فإن الحديث يقودنا إلى حقل السياسة، وأحد أقوى أدواتها أي الحرب والمواجهة العسكرية سواء أكانت واسعة وشاملة، أم محدودة، مباشرة أو عبر وكلاء...وهنا نرى صورة العبابيد واقعا لا تاريخا، مثلما رأيناها مرارا وتكرارا في العصر الحديث.
فالتصعيد الأخير على جبهة الجولان، بالتوازي والتزامن مع حديث زعيم المعارضة في الكيان العبري (يتسحاق هرتسوغ ) عن خطر انزلاق كيانه نحو صراع إقليمي، وتسارع الحديث عن تفاهمات بخصوص غزة، ربما يشي بأن المطلوب هو إبقاء حالة العبابـيد سائدة في الصراع مع المشروع الصهيوني، بحيث لا يخوض الصهاينة مواجهة محدودة أو واسعة ومفتوحة على أكثر من جبهة؛ حيث أن من هو في هدنة كان بالأمس في حرب، ومن هو في حرب كان في هدنة وهكذا، ولأنه قد تبين ولو لمرة واحدة في 1973 أن (تساهال) لا يحقق النصر، ولا يتقدم إذا حارب على أكثر من جبهة، وصارت إسرائيل تعتمد على تحييد الجبهات ضدها والاستفراد أو لنقل التفرغ لجبهة واحدة دون خطر من جبهات أخرى...العبابيد هي المعادلة وكلمة السر!
فمن الصعب أن نقتنع أن الصدفة وحدها سارعت في عودة الدفء بين حماس ومصر، في الوقت الذي يهاجم فيه أصدقاء القاهرة وداعموها من روم ومن عرب حركة حماس سرّا وعلانية، هذا في الوقت الذي تقصف فيه القوات الإسرائيلية مواقع تابعة للجيش السوري النظامي، وتهديد  شديد اللهجة من نتنياهو وغيره من قادة الكيان العبري.
فإذا كانت غزة قد خاضت الحروب السابقة في ظل معادلة الحياد العربي، فإن المعادلة اليوم تنقلب في اتجاه معاكس، أو هكذا تبدو الصورة حتى اللحظة.
وأدرك صعوبة وتعقيد المعادلة وتداخلاتها وتفاعلات عناصرها ومركباتها سياسيا وميدانيا؛ فعلى الصعيد الداخلي السوري، فإنني سأستحضر من جديد الدراما السورية، التي اعتادت أن تقول صراحة أو ضمنا بأن ظلم الممسكين بمفاصل السلطنة العثمانية من جمعية الاتحاد والترقي الواقع على العرب الخاضعين لحكمها، يعطي العرب مبررا لعدم الاكتراث لما يجري للسلطنة على يد الحلفاء خاصة الإنجليز، بل ربما يعطي العرب مبررا وسببا مقنعا للتحالف أو التعاون مع الإنجليز، والنظام السوري اليوم ربما واقع في موقف مشابه، وعمليا فإن المعارضة السورية لن تقف مع النظام في حرب محتملة مع إسرائيل، هذا إذا لم تفسر الحرب بأنها محاولة لإعادة إنتاج النظام السوري، وإضفاء شرعية جديدة عليه، وتحسين صورته بإظهاره بمظهر الوطنية والقومية...نعم هذا ما ستقوله المعارضة أو جزء منها.
بالنسبة لغزة فإن هذه البقعة الجغرافية الصغيرة بمساحتها، المكتظة بسكانها، تشغل أركان كثير من المعادلات السياسية والميدانية والأمنية وبالتأكيد الاقتصادية في المنطقة والإقليم وصولا إلى تأثيرها –بلا مبالغة- على العالم بأسره، وحين نحاول قراءة المعادلة في وعن وحول غزة، واضعين في الحسبان هدف التحييد ينبغي أن نراعي ونضع  الأمور والملاحظات والحقائق التالية نصب أعيننا:-
1) من السذاجة الظن بأن النظام المصري بقيادة السيسي صار هو وحركة حماس أخلاء ونُزع ما في صدورهما من غلّ وباتوا إخوانا على الخريطة متحدين متوافقين؛ فالسيسي وحماس نقيضين، ليس فقط لأن حماس تنتسب إلى المدرسة الإخوانية، وهي تفاخر بذلك، ولم تغادر ولا يمكن أن تغادر هذه المدرسة فكريا ووجدانيا، والإخوان أعداء السيسي حتى النخاع، ولكن إضافة إلى هذا السبب، فإن حماس بنهجها السياسي والعسكري، تشكل صداعا وتحديا موضوعيا للحالة التي نشأت بعد كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل، وبالتالي فإن التقاء الطرفين يندرج في أمر يحتاج كظم الغيظ منهما، والعض على الجرح العميق، والسير في حقل الألغام ولا يمكن أن يفسر بعيدا عن فكرة التحييد بأدوات الضغط الناعمة الصلبة.
2) فكرة ليبرمان بأن تسلم حماس ما بحوزتها من سلاح، خاصة الصواريخ، وأن تتوقف عن حفر الأنفاق وأن تسلم خريطة ما حفرت وتحفر من أنفاق هجومية وغيرها، وأن تسلم الجنود الأسرى-أحياء أو أمواتا- مقابل تحسين ظروف المعيشة في غزة وتخفيف الحصار أو حتى رفعه تماما، ولو تضمن الثمن ميناء ومطارا في غزة، هي فكرة خيالية لا نصيب لها من الواقع، فلم يعد لمثل هكذا صفقات حظ في التطبيق في عالمنا منذ عشرات السنين، كما أن هذا الفكرة تتعامل وكأن حماس مهزومة عسكري، والحقيقة ليست كذلك، وبالتالي فإن السياسة الواقعية تقول بضرورة تحييد حماس ميدانيا وعسكريا، لأن هذا ممكن لفترة كافية من الوقت، ويمكن تمرير صفقة أو صفقات بشأنه وبسلاسة نسبيا، بينما تظل فكرة تسليم السلاح مقابل رفع أو تخفيف الحصار غاية في السوريالية.
3) المواطن في قطاع غزة بغض النظر عن انتمائه السياسي، هذا إذا كان له انتماء، كره حركة حماس أو أحبها، أو كان بين بين في شعوره نحوها، ذكرا كان أم أنثى من الشيب القلة أو من الشبان الكثرة، من المرضى أو الأصحاء، من العاطلين عن العمل -وما أكثرهم- أو من العاملين بأجور زهيدة، من الموظفين ما قبل أو ما بعد الانقسام، وغير ذلك من تفصيلات حول المواطن الذي قدّر الله له أن يكون في هذا الزمن من القاطنين في هذا القطاع، قد وصل إلى حالة، ربما لا يجوز لي التحدث نيابة عنه وأنا خارج القطاع في السكن والعيش والظرف، ولكن أنا أزعم أنه سئم المناكفات والقصف الإعلامي المتبادل، وتحميل المسئولية التي صار الجميع يلقيها على الجميع؛ ويريد المواطن أن تنتهي هذه الحالة، بالتأكيد ليس بالاستسلام على طريقة ليبرمان، ولكن بما يضمن له الحد الأدنى من متطلبات حياة العصر.
4) المواطن الغزّي ليس جاهلا بحياة الناس في العالم، فهو متعلم، وبيده وسائل الاتصال مع العالم، وبالتالي يعرف أن حالته بتمني جدول 8 ساعات وصل كهرباء تليها 8 ساعات قطع كأفضل حالة (كهربائية) يمكن أن يحياها هو وضع شاذ ولا يعرف له في هذا القرن شبيها، إلا ربما بمن هم خارج الحضارة والمدنية التي يعيشها سكان الكوكب، ويرى المواطن أن حق السفر والتنقل متاح لأي سبب بما في ذلك (شمات الهوا) للناس حول العالم، بينما عليه أن ينتظر أسابيع وأياما للخروج من أجل العلاج من السرطان، وقد تكون هذه آخر سفراته، ويرى ونرى بيت الله الحرام يعج بالعمّار والمصلين من شتى بقاع الأرض باستثناء غزة منذ بضع سنين...كل التفصيلات عن حياة أهل قطاع غزة صارت معروفة، وبالتالي فإن المواطن هناك ربما وصل إلى حالة من السأم تجعله يقبل أي حل يوفر له الحد الأدنى من حياة ترتاح فيها أذناه من ضجيج مولدات الكهرباء المنزلية، وأزيز (الزنانات) وأصوات القصف، وصار لديه قناعة أن حياته يجب ألا تكون إما حصارا تتخلله حروب أو جرعات من الهدوء الممزوج بالألم والمرارة تستمر أياما معدودة كي يستأنف الحياة تحت الحصار، ولا أظن لدى هذا المواطن بقية من صبر على الاستماع يوميا إلى التبريرات ولا المناكفات ولا المطالبات ولا الكلاشيهات التي تكررت على مسامعه آلاف المرات، دون أن تنتهي بحل ولو جزئي، أو توافق ولو نسبي ينعكس على معيشته...وبالتالي فإن فكرة (العبابيد) لن تكون مرفوضة عموما لدى الغزيين.
5) ولكن السؤال المطروح:هل قبول حركة حماس بالحياد، سيكون له ثمن مجزئ حقيقي ومستمر، أم مجرد وعود في الهواء، مع فتح معبر رفح لأيام قليلة، أو حتى للفترة التي سيتم فيها الانشغال بالمواجهة في الشمال؟ وما الضمانات المقدمة؟والإجابة عن هذا السؤال تبدأ بأن حماس لا تملك في ظرفها ووضعها الحالي ترف الاختيار؛ فذهابها نحو الحرب، قد يجلب لها ولأهل غزة مزيدا من الدمار، وبعد أن تضع الحرب أوزارها سيظل الحصار هو الحصار، ولا تملك ورقة اللعب بالوقت، فهي ليست قطر التي استعاضت عن معابر جيرانها بموانئها البحرية والجوية، فجاءها اللبن الطازج من تركيا، وامتلأت متاجرها ببضائع إيران، فالبحر مسدود أمام حماس والبر يعني إسرائيل أو مصر فقط، وعليه فإن أي شيء يقدم إلى حماس بهدف تحييدها حاليا، هو أفضل من بقاء وضعها على ما هو عليه، ولكن هناك هامش مناورة أمام حماس يتعلق بملف الأسرى حيث يمكنها تحسين شروط التفاوض، وتحريك هذا الملف، وتحصيل أغلب ما تريده، كما ويمكنها وضع نهاية سعيدة لملف المختطفين الأربعة في مصر، وبالتالي فإن حماس ربما تريد إنجاز بعض الملفات(القبض سلفا) التي يستبعد التراجع عنها عمليا، مثل صفقة تبادل وملف المخطوفين، وجعل الملفات الأخرى القابلة للتراجع مثل فتح المعبر، خاضعة لمحاولة الثقة بالوعود المكتوبة أو المحكية، أو (على التساهيل).
ما سبق يوحي بأنني شخصيا أوافق على فكرة العبابيد وأشجع وأسعى لترسيخها، والحقيقة أنني أقول ذلك تحت ضغط الشعور بحالة الناس في غزة، متخيلا نفسي في ظرفهم حين تقطع الكهرباء لسبب ما ساعة أو سويعات قليلة...ولكن عند التفكير من أفق أوسع، أرى أنه ربما هي فرصة نادرة لتحقيق نصر أو لنقل إنجاز عسكري له تبعات سياسية إيجابية، في حال فتحت أكثر من جبهة على الكيان العبري، ولو كنت ناصحا وثمة من يستمع لنصحي، لقلت لمن في الشمال وفي الجنوب:لا تكونوا عبابيد، واعلموا أن  غنائم  فتح جبهتين لهو أكبر وأهم وأعظم من صفقة تحييد جبهة الجنوب أو الشمال طبعا.


 ،،،،،،،،،،
الأربعاء 4 شوال  1438هـ ، 28/6/2017م
من قلم:سري عبد الفتاح سمّور(أبو نصر الدين)-جنين-أم الشوف/حيفا-فلسطين

تويتر: https://twitter.com/SariSammour     @SariSammour  
مدونات:-

الثلاثاء، يونيو 06، 2017

مع حبس المجاهرين بالإفطار


بقلم:سري سمّور

قلت مرارا وتكرارا بأن الإنترنت وابنتها الشرعية (وسائل التواصل الاجتماعي) سلاح ذو حدين وفي موضوع قرار حبس المجاهر بالإفطار في نهار شهر رمضان المبارك شهرا، رأينا وتأذينا من الحد الجارح لهذا السلاح المعاصر عبر هذه الوسائل.
فهناك من شرّق وغرّب وتحدث عن أمور (أهم) يجب أن تتخذ قرارات بشأنها، وهناك من اتبع هواه وصار يحدثنا الحديث الممجوج عن الحرية والتعددية والتنوع في المجتمع وغير ذلك من العبارات والجمل المعلبة الجاهزة للاستخدام السريع دائما، والتي صارت أشبه بفاكهة بل خبز الحديث ووجبته الرئيسة عند مجموعة  من  الكتبة والنشطاء في الحقل الإعلامي والثقافي.
يبدو بأنه صار من لازم صفاتنا كما يبدو افتعال نـقاش وجدل وإثارة زوابع وعواصف إعلامية لكل شأن صغر أو كبر، وتتصف النقاشات بالسطحية، والتجييش السلبي وإطلاق الاتهامات والمبالغة في تضخيم الأمور.
 ولكن ما الذي يجعلني أبدو مغردا خارج سرب (النوشتاء) ومتمردا على قيم الحرية والتعدد والتنوع والمجتمع المدني الديموقراطي...إلخ المعزوفة؟!
لا بد لي أن أقول بأنني تمنيت صدور هذا القرار منذ زمن طويل، ولكن لا بأس فإن رمضان ضيف كما حل هذا العام سيحل العام القادم والذي يليه إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، سواء كنت أنا ومن اتخذ القرار ومن أيده ومن عارضه على قيد الحياة أو ممن انقلبوا إلى ربهم.
أتذكر قبل حوالي 20 عاما أحد الشيوخ تحدث بغضب عن رؤيته لمجاهرين بالإفطار قرب المسجد الذي يتولى إمامته، وقد ناشد وطالب بوضع حد لهذه الظاهرة؛ ولنتخيل أن الشيخ أو من سمع كلامه أو من رأى المجاهرين مثله اصطدم مع المفطرين ألن نقع في مشكلة، القرار الآن أغنانا عنها؟أليس شعور الفرد الصائم بأن ثمة عقوبة على من يستفزه بإفطاره، وأن ما عليه إلا إبلاغ الجهة الكفيلة بالتنفيذ أفضل من تحوّل الشعور بالغضب إلى شجار أو مشاعر داخلية سلبية كل منا يعرف محتواها بعيدا عن التنظيرات السامجة؟!
ثم إن من الهوس الذي يجتاحنا جميعا، عقد المقارنات مع الدول المجاورة والبعيدة، ودائما حديث المقارنة يقول ضمنا: ليت هذا موجود عندنا؛ حسنا أيها الأفاضل؛ أليس القرار يستند إلى قانون العقوبات الأردني لسنة 1960 والذي ظل معمولا به في الضفة الغربية حتى النكبة الثانية في 1967 وما زالت المملكة الأردنية الهاشمية تعمل بهذا القانون؟ وهناك العديد من الدول التي تفرض عقوبات على من ينتهك حرمة رمضان، تتراوح ما بين السجن والغرامة والجلد.
وقبل الحديث عن بعض الحجج الواهية لرفض القانون/القرار أنوّه إلى مسألة يعرفها أبناء الشعب الفلسطيني؛ وهي أن الإخوة المسيحيين في شهر رمضان يحرصون –بما في ذلك أطفالهم-على عدم الأكل والشرب أو التدخين أمام إخوتهم المسلمين، وهذه الحقيقة دوما تستعرض عند الحديث عن مسلم بكامل قواه العقلية والجسدية يجاهر بإفطاره؛ بل إن بعض المسيحيين لا يكتفي بعدم الإفطار أمام المسلمين، بل يصوم مثلهم ويتحدث عن أجواء رمضان التي ينخرط بها بإعجاب وتحبب...فإذا كان من لا تلزمه ديانته بصوم رمضان هذا حاله، فلم هذا الهجوم الأخرق عبر مواقع التواصل وملحقاتها على القرار بذريعة أن مجتمعنا متنوع ومتعدد؟
أما من حوّلوا الموضوع إلى مسألة سياسية أو تحدثوا عن ضرورة عقاب أشخاص جرمهم أكبر وأعظم من المفطرين؛ فأقول بأنكم لستم من يحدد أن جرم شخص أكبر أو أصغر من انتهاك حرمة الشهر المبارك، وليس ما ترونه أولوية هو فعلا له الأولوية بالضرورة، واستباحة الناس لحرمة ربهم أكبر وأعظم من استباحتهم لمحرمات أخرى تتحدثون عنها...وهل اتخاذ هذا القرار وتطبيقه هو الحائل والمانع من معاقبة آخرين على خطاياهم؟ما علاقة هذا بذاك؟وهذا ذكرني –إن جاز لي التشبيه أو المقارنة-بمقابلة مع أشخاص يقومون على جمعية أو مؤسسة تعنى برعاية الحيوانات من كافة النواحي في إحدى دول الخواجات، وكان السؤال البدهي والحاضر دوما بأن الإنسان أولى بالرعاية والعناية، فأجاب المتحدث:هناك مؤسسات ترعى الناس، نحن نختص برعاية الحيوانات والاهتمام بها، لم نمنع أحدا من الاهتمام بالناس المحتاجين إلى رعاية، ونشاطنا لا يؤثر عليهم ولا يمنعهم من القيام بمهامهم على أية حال...هل يكفي هذا المثال للمتفذلكين؟
أما المظهر العام فو الله إن كثيرا من المغتربين الذي يصومون يقولون بأنهم يحسدوننا على أجواء رمضان، وأهمها الحالة السائدة في النهار، من عدم وجود من يأكل أو يشرب أو يدخن علنا.
نحن مجتمع مسلم ولنا خصائصنا والمظهر الملتزم في شهر رمضان  من خصائص مجتمعنا، فإذا كنتم تتحدثون عن المظهر في الغرب، وترون الغرب قدوة في الحريات الشخصية، فلهم خصائصهم وليست الحريات عندهم مفتوحة كما تزعمون، فمثلا أنتم تدافعون عن منع الحجاب عندهم، مع أن الأمر خيار فردي خاص بمن ترتديه، حسنا، فلم نسمح بالمجاهرة بالإفطار في شوارعنا تحت يافطة الحرية الفردية التي لا يحترمها من تشدقوا بها في بعض الأمور.
وفي كل الأحوال ليس الغرب ولا الشرق مرجعيتنا وقدوتنا، فنحن لدينا مرجعية أقدس وأطهر وأنـقى وأصح نزلت من فوق سبع سماوات؛ وإذا أردنا اقتداء آثار ما يسمح به الغرب، فعلينا تقبل العلاقات المفتوحة والإنجاب خارج الزواج، وتقبل الشواذ كأزواج لهم حقوق وعليهم واجبات، فليست كل أشكال الحرية في أوروبا وأمريكا مقبولة لدينا شرعا بداية، ثم عرفا ومنطقا اجتماعيا سائدا.
وفي الكيان العبري قوانين وأنظمة تنظم العلاقة بين فئات المجتمع اليهودي من العلمانيين والحريديم ومن  هم بين بين، ومع ذلك فإن أي سيارة تمر في أحياء الحريديم يوم السبت تعتبر منتهكة لحرمة هذا اليوم عندهم وقد يرشقونها بالحجارة، أو يمنعونها من السير في شوارعهم، ويتعرض أي مسؤول أو وزير للتقريع من قبل أحزابهم وحاخاماتهم إذا قام بنشاط يرونه غير جائز في ذلك اليوم...وضروري التحدث عن كيان الاحتلال بالذات عند مناقشة كثير من المسائل، وخاصة أن من أبناء جلدتنا من يتحدث بانبهار عن حالة الحرية والديموقراطية الموجودة لديه.
أما من قالوا أن الصيام خيار الفرد؛ فأقول هذا صحيح، وهي عبادة معروف بأنها عبادة بالغة الإخلاص، فالصائم يمكنه الأكل والشرب بالتواري عن أعين الناس، ولكنه لا يفعل استشعارا لرقابة رب الناس، وعليه فإن المفطر عليه أن يتبع قاعدة (وإذا بليتم فاستتروا) وفي الصحيحين عن أبي هريرة عن رسول الله-صلى الله عليه وسلم- قال:كل أمتي معافى إلا المجاهرين...الحديث، وعليه فإن المجاهر بالإفطار لا يمارس حرية فردية وخيارا شخصيا بقدر ممارسته للاستفزاز البالغ لمشاعر الصائمين مما قد يجر إلى مشكلة مع بعضهم،  وقبلها مخالفة لأمر الله بالصيام، ولنهي نبيه عن المجاهرة بالذنوب...وليس لأن الصائم قد يشتهي الطعام إذا رأى من يأكل، مثلما يظن بعضهم.
كان الصغار يرددون أهزوجة طفولية حفظوها عن الآباء والأمهات كي يعظموا شهر رمضان وصيامه:يا مفطر رمضان يا مقلل دينك، بستنا السمرا تقحف مصرينك.
لم يكن وقتها إنترنت ولا مواقع تواصل كي يخرج علينا متفذلك يقول بأن حفظ الأطفال لهذه الأهزوجة يؤثر على براءتهم، ويحضهم على العنف وعدم احترام حرية الفرد الشخصية وووو....كل العبارات والشعارات التي تملأ السايبر.
أنا مع القرار القاضي بحبس وتغريم المجاهر بالإفطار في شهر رمضان، غير مكترث بمتشدقي الحريات الكاذبة، ولا التعددية الزائفة، وأدرك أن المجاهرين قلة، ولكن هذه القلة ليس من حقها أن تستفز الكثرة برعونتها، فليردعها القانون.


 ،،،،،،،،،،
الثلاثاء 11 رمضان  1438هـ ، 6/6/2017م
من قلم:سري عبد الفتاح سمّور(أبو نصر الدين)-جنين-أم الشوف/حيفا-فلسطين

تويتر: https://twitter.com/SariSammour     @SariSammour  
مدونات:-

مع مذكرات أخطر سفير إسرائيلي في مصر (1)

لدي قناعة أن ذهاب أنور السادات إلى خيار التسوية مع إسرائيل؛ و زيارته المشؤومة إلى القدس في 1977 وصولا إلى توقيع اتفاقات كامب ديفيد في 1979 ه...