الأربعاء، أغسطس 30، 2017

الحفاظ على الوطنية الفلسطينية واجب فردي وجماعي(ج4/5)

4-5   
بقلم:سري سمّور


(6)الخطر القائم على هويتنا

يجب ألا ننسى ونحن نستعرض المشهد أهم الأفكار بل الأساطير التي  أسست الفكر  الصهيوني وهي أن فلسطين هي (أرض بلا شعب) واليهود(شعب بلا أرض) فليحل الشعب الذي بلا أرض ويستوطن الأرض التي ليس فيها شعب!
ومع أن هذه كذبة فاقعة، ولكن الصهاينة عمدوا إلى محاولة ترسيخها، سواء باستخدام التهجير والمجازر، أو باستخدامهم سردية خاصة تصطدم بالسردية الفلسطينية؛ فالتصادم بين سرديتين متناقضتين كان وما زال وسيظل قائما، حتى حين كان هناك تقدم في عملية التسوية.
فالكيان العبري حتى الآن يستخدم عبارة  (يهودا والسامرة) للإشارة إلى الضفة الغربية(الوسط الشرقي) التي يفترض أن يندحر عنها  لتكون الجزء الأكبر من أرض الدولة الفلسطينية، وإذا لم يستخدموا مصطلحهم(يهودا والسامرة) فإن الكلمة المستخدمة عندهم هي(المناطق)...كما أن الكيان العبري-ويرجى التركيز على هذه الملاحظة-يستخدم مفردة(الفلسطينيون) وليس مصطلح(الشعب الفلسطيني) في كل خطاباته في وقت الهدوء أو التصعيد، وهذه ليست صدفة بل هناك دقة عالية لديهم في انتقاء مصطلحاتهم، وإذا اضطروا إلى استخدام كلمة(شعب) فهي لا تكون مضافة إلى كلمة(الفلسطيني) وبالتالي نحن أمام صراع مفتوح بين السرديتين؛ والصدام حتمي بينهما وكل ما يمكن أن يجري هو أشبه برشات من ماء قليل على كتلة نار ضخمة ملتهبة.
وقد عمد الاحتلال إلى تمزيق الشعب الفلسطيني في الداخل والخارج كي يكون لدى كل مجموعة همومها الخاصة، ويتم التعامل مع كل مجموعة على حدة؛ ففي الداخل الفلسطيني فإن سكان المناطق المحتلة سنة 1948 يتم التعامل معهم وفق مصطلحين(الوسط العربي) و(الوسط الدرزي) ويفرض على الذكور من الثاني خدمة عسكرية إلزامية من 1956 لسلخه عن هويته العربية والفلسطينية، والأول مقسم وفق ترتيبات إدارية مدروسة وممنهجة، ومؤخرا هناك حالة تصعيد ضدهم من مختلف المستويات السياسية والأمنية والإعلامية الإسرائيلية.
وسكان القدس بعد بناء الجدار صار تواصلهم مع إخوانهم في الضفة الغربية صعبا ومحدودا، وهم يحملون هويات خاصة، وتسري عليهم قوانين مختلفة، وأما سكان الضفة الغربية فإن التعامل معهم أمني بامتياز، وذلك في كل شؤون حياتهم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية بطبيعة الحال.
وتوسع الاستيطان بطريقة تجعل مناطق الضفة مقطعة الأوصال، وهناك مستوطنات هي مدن يهودية في الضفة المحتلة مثل (أريئيل) و(كريات أربع) و(معاليه أدوميم) ويخططون لوصل الأخيرة بمستوطنات القدس، هذا بالإضافة إلى جدار الفصل العنصري الذي خلق واقعا جديدا صار يعرف بــ(مناطق ما خلف الجدار) وهذه المناطق هي تجمعات سكانية من ضمنها القدس وقرى كبيرة وصغيرة وأراض زراعية، دخولها يتم بتصاريح خاصة وبأوقات محددة وعدد محدود.
وفكرة التقسيم والتمزيق كانت وما زالت حاضرة في العقل الصهيوني، فحتى لوحات تسجيل السيارات حتى عام 1994 تقريبا أي حتى قيام السلطة بعيد توقيع اتفاق إعلان المبادئ، كانت تحمل حرفا عبريا يشير إلى كل منطقة في الضفة(جنين أو نابلس أو رام الله) ولون اللوحة المعدنية أزرقا والحرف بالأصفر، وكانت لوحات تسجيل السيارات في غزة كانت تحمل اللون الأبيض.
وبعد توقيع اتفاق إعلان المبادئ(أوسلو) وانسحاب القوات الإسرائيلية من داخل التجمعات السكانية، والذي بدأ بمدينة أريحا في الضفة الغربية و حوالي 60% من قطاع غزة، لم يسمح الإسرائيليون من أي حكومة كانت، بوصل الضفة الغربية بقطاع غزة، مع أن كثيرا من المقترحات جرى تداولها مثل قطار تحت الأرض، أو طريق عبارة عن جسر معلق أو غير ذلك، وكان هناك إمكانية لتمويل مثل هذه الطرق من دول مختلفة، ولكن الأمر ليس ماليا بقدر ما هو عقل شيطاني إسرائيلي، ونـقل السكان والبضائع بين الضفة وغزة ظل عبر معابر خاضعة للإسرائيليين، وبشروط أمنية تعجيزية، وفترات إغلاقها أطول من فترات فتحها، وتدريجيا لم يعد هناك طلبة من غزة يدرسون في جامعات الضفة وبالعكس، حيث أن التضييق والملاحقة والإغلاقات المستمرة جففت هذا الجانب من التواصل ومعه جوانب اجتماعية أخرى.
وفلسطينيو الشتات وهم حوالي 6 مليون فلسطيني، كل مجموعة منهم في دولة ولها وضعها المعيشي والقانوني والإداري المختلف عن المجموعات الأخرى، وكل هؤلاء تواصلهم الإنساني المباشر مع إخوتهم في فلسطين يخضع لقوانين إسرائيلية، كون إسرائيل هي المتحكمة بحركة الداخلين والخارجين، وفق تصنيفات وتقسيمات تتغير وتتبدل بناء على ذات العقل الشيطاني.
أي أن الشعب الفلسطيني الذي احتلت أرضه وشرّد الملايين من شعبه، صار إما كالغريب أو السجين فيها، أو لاجئا أو مقيما أو متجنسا خارجها، وهذا كما نعلم يجعل لكل مجموعة بل لكل فرد همومه اليومية الخاصة التي بحكم الواقع تختلف عن نظيرتها لدى تجمع فلسطيني آخر، والهدف طبعا هو إضعاف أو إبعاد التفكير بالقضية المركزية أي الاحتلال وتحرير الأرض؛ فهناك من جعلوه في حالة دفاع واستنزاف لأنه مهدد بهدم بيته بحجة البناء بدون ترخيص، وهناك من جعلوا همه عبور الحواجز اللئيمة لقضاء حاجياته، وهناك من هدفه إنقاذ نفسه وأسرته من حرب أهلية حيث يعيش، وغير ذلك من المشكلات المتولدة عن بعضها، بحيث أن المشكلة أو المعضلة التي هي أساس تلك المشكلات تكون بعيدة عن تفكير الفرد والجماعة بالتحرير...التعليق هنا أنهم فشلوا في هذا، أو على الأقل لم ينجحوا، وهذا يظهر عند كل منعطف أو أزمة حاسمة، مثلما جرى في القدس مؤخرا؛ وهذا صحيح بحمد الله وفضله، ولكن الواقع المفروض يفرض مشكلاته وهمومه على كل مجموعة فلسطينية، بل ويحدد لها ضمنا كيفية التعامل مع الأزمات المتلاحقة، وبالتالي فإن الطاقات مشتتة بحكم ما ذكرناه.
ولعل كل ما ذكر أعلاه معروف ومعلوم إضافة إلى أمور أخرى لا يتسع المجال لسردها بله شرحها وتفصيلها، وهذا يفترض أن يكون حافزا للتماسك والتعاضد؛ بيد أن الحركة الوطنية الفلسطينية بجناحيها الأكبرين(فتح وحماس) قد انشطرت أو انقسمت، وصارت مسألة الانقسام بنتائجها وظواهرها المختلفة طاغية وتستنزف طاقة مستنزفة أصلا...يتبع.

  ،،،،،،،،،،
الأربعاء  8 ذي الحجة   1438هـ ، 30/8/2017م

من قلم:سري عبد الفتاح سمّور(أبو نصر الدين)-جنين-أم الشوف/حيفا-فلسطين


السبت، أغسطس 26، 2017

الحفاظ على الوطنية الفلسطينية واجب فردي وجماعي(ج3/5)


(3-5)
بقلم:سري سمّور

  (4)لكل حادث حديث

والتبرير الجاهز للتقليل من أهمية التشبث بالهوية الوطنية الفلسطينية هو أن الوضع العربي والإسلامي الحالي هو كما وصفت وأسوأ، ولكن هي حالة مؤقتة وغدا ستقام دولة الخلافة، أو الدولة العربية القومية التقدمية الحرة الأبية...إلخ وسترى الفرق الواضح!
حسنا فلتقيموا تلك الدولة على أرض الواقع وبعد أن أرى تطبيقا فعليا ملموسا لشعاراتكم سأفكر بالأمر، فلست مستعدا لشراء سمك في البحر، وقد تبين أن أي دولة يهمها الحفاظ على نفسها وقادتها، ولديها استعداد في سبيل هذا الهدف، أن تتخلى عن فلسطين والمسجد الأقصى والشعب الفلسطيني، عند التخيير الحقيقي...ومع ذلك لماذا نستبق الأمور؟لا يوجد حاليا دولة خلافة على منهاج النبوة، ولا يوجد دولة عربية ظل القوميون يحلمون بها وينظّرون لها منذ زمن بعيد يعود إلى أواخر عهد السلطنة العثمانية...وعلى ذكر السلطنة العثمانية فإن السلطان عبد الحميد الثاني استطاع في خريف عمر سلطنته إنشاء خط سكة حديد ربط به بلاد الشام بالحجاز، بينما في القرن الحادي والعشرين لا يوجد خدمات نقل ومواصلات حديثة في سائر بلاد العرب، وبعضها يتعرض لحوادث مختلفة ومأساوية بسبب القدم وسوء التخطيط، وهذا على مستوى الدولة أو القطر الواحد، فمن يعجز في عصر تطور المواصلات والاتصالات عن توفير شبكة نقل بين مدن دولته لا أظنه يستطيع أن يوفر أدنى حالة من الوحدة بين أقطار أمته!
ليس لدينا دولة مثل يثرب التي هاجر إليها الرسول-صلى الله عليه وآله وسلم- ولا نحن مثل الأندلسيين الذين حين أخرجوا من ديارهم تلقفهم خير الدين بربروسا والعثمانيين فصار رأس حربة في مهاجمة أساطيل الأعداء وساد البحار حوالي 300 سنة، بل أنا الفلسطيني الذي تم تثبيط ثوراته بقرارات عربية متلاحقة، وقرار إسلامي في السنغال يحرّم الجهاد...ولسنا الفيتناميين الذين فتح لهم الصينيون والروس مخازن الدعم العسكري واللوجستي؛ بل صار طبيعيا أن يخرج إعلامي أو مدع للثقافة والأدب يشكك بحقيقة مكان وقدسية المسجد الأقصى، أو يبارك ويدعو الجيش الصهيوني أن يدمر غزة فوق رؤوس أهلها، أو يقذف ويشتم شعبنا ويمنّ عليه، دون أن يلاقي أي ردع أو محاسبة ولو لفظية من مؤسسات دولته الرسمية ولو مجاملة...ثم تقول لي تنازل عن هويتك الوطنية، أو اجعلها في مرتبة أدنى في فكرك وأولويتك؟ والله إنها مهزلة.
وأيضا فإن الإسرائيلي قد يحمل جنسية دولة غربية ويضاف إليها جنسيته الإسرائيلية التي يخدم في جيشها، ومن أمثلة ذلك الجندي جلعاد شاليط الذي يحمل الجنسية الفرنسية...لماذا لم يعامل الفلسطيني عربيا، مثلما عومل اليهودي من أي دولة كانت من الكيان الصهيوني؟أصحيح أنكم خفتم أن يتخلى عن وطنه وينساه؟وهذه كذبة وفرية ثبت تهافت القائلين بها...ولو قبلنا هذا المنطق، أيجوز أن يكون حال الفلسطيني في بعض البلاد العربية أكثر بؤسا وشقاء من حال شقيقه في السجون الصهيونية؟ألم تعلموا بأن الفلسطيني في الأراضي المحتلة سنة 1948 في الجليل والمثلث والنقب وأحياء مدن الساحل مع أنه بحكم الواقع يحمل جنسية إسرائيلية إلا أنه ظل متمسكا بعروبته وانتمائه لشعبه، وأثبت وما زال هذه الحقيقة؟
ألا يمنع الفلسطيني ولو كان حاملا للدكتوراه من أرقى الجامعات من العمل في عشرات المهن تحت حجة الخوف من التوطين...ثم يتحدثون عن الوقوف مع الشعب الفلسطيني لنيل حقوقه المشروعة، أعطوه حقه بالعيش بكرامة أنتم أولا وحقوقه يعرف كيف يطالب بها!

(5)هويات وطنية مهددة

نحن لا نعيش في جزيرة معزولة ولا شك أننا نتأثر بالعوامل المحيطة بنا، خاصة ما يجري في البلاد العربية، وإذا أردنا الدقة والصراحة فإن عددا متزايدا من الهويات الوطنية  صارت مجرد حبر على ورق؛ فإذا أردنا القول بأن العراق مثلا هو وطن من يحملون جنسيته ويعيشون فيه في المجال الجغرافي المعروف من زاخو إلى الفاو أو من حدود تركيا شمالا إلى حدود السعودية والكويت جنوبا وحدود إيران شرقا وسورية والأردن غربا، ويجمع هؤلاء حقوق وواجبات المواطنة وقوانين وأنظمة الدولة بغض النظر عن كونهم عربا أو كردا أو تركمان، شيعة أو سنة أو مسيحيين فيسمى المواطن منهم أو يوصف بأنه(عراقي)...فإن عينا فاحصة تقول لم يعد هناك هذا التوصيف لهذه الدولة؛ فمثلا إقليم كردستان قد صار أشبه بدولة مستقلة عن حكومة بغداد المركزية منذ 1991، وهذه بالمناسبة من أخطاء وسقطات الحكومات القومية العربية التي لم تعرف كيف تستوعب المكونات العرقية الأخرى مما جعلها عرضة للتأثيرات الخارجية، وبعد احتلال الأمريكان للعراق في 2003 ظهرت النزعات الطوائفية وصار العراق محكوما بصورة واضحة ومقسما بين إيران وأمريكا، وغابت كلمة عراقي ليحل مكانها كلمات وأوصاف مثل:شيعي أو سني أو كردي أو أيزيدي أو كلداني، والهياكل والتراكيب السياسية التي عقبت الاحتلال لم تفلح في تجميل الصورة القبيحة التي يراها الجميع:العراق مقسم طوائفيا، وثمة من يشعر بالغبن وغاب الانتماء للوطن العراقي لصالح الانتماء المذهبي الذي تديره قوى خارجية...ومع ذلك كل الفرقاء يتكلمون باسم العراق الموحد، أي أنهم يدفنون الهوية الوطنية العراقية فعليا ويتحدثون عنها ذرّا للرماد في العيون.
ولاحقا تتابعت الأحداث فتم فصل جنوب السودان عن شماله، وأحاديث تدور عن نوايا مبيتة لذات الفعل في دارفور ومن ثم كردفان...وحاليا في سورية تجري حرب أهلية لا يمكن تجميلها وإخفاء أنها تدور بين غالبية السنة والنظام مستعينا بقوى خارجية بعضها يرفع رايات طائفية ومذهبية واضحة وصريحة ويجاهر بالعداء للأغلبية...وأيضا جميع الفرقاء-عدا الدواعش- يتحدثون باسم سورية وطنا وشعبا، والواقع يقول أنهم بقصد أو بغير قصد قد مزقوها.
وهذا يقودنا إلى التقسيم الذي تم تسريب بعض مخططاته وخرائطه عبر  الصحافة الأمريكية، والذي بمقتضاه يكون اتفاق التقسيم بين سايكس الإنجليزي و بيكو الفرنسي جنة ونعيما وملكا كبيرا إذا قورن بما يسرّب من مخططات، نرى ظواهر وانعكاسات تطبيقها واضحة، وإن كنا نتحدث عن العراق وسورية والسودان، فإن مصر ليست بمنأى عن هذه المخططات خاصة ما يسرب بخصوص مستقبل سيناء، وأما اليمن فإن السعادة قد غادرته وتنهشه الصراعات والحروب والمجاعة والكوليرا...ولا مجال لسرد وتفصيل حالة كل قطر عربي، ولكن الواضح أن الهويات والكيانات الوطنية تذوب أو في أفضل الأحوال تتراجع وتضعف لصالح مشاريع أو نزعات وقوى طوائفية وعرقية، أو تآكل واضح للدول لتصبح دولا فاشلة بامتياز.
ولكن السؤال المهم بالنسبة لنا:ماذا عن الفلسطيني وهويته الوطنية في خضم هذا الوضع العربي التعيس؟!...يتبع.
   ،،،،،،،،،،
   السبت 4 ذي الحجة   1438هـ ، 26/8/2017م
من قلم:سري عبد الفتاح سمّور(أبو نصر الدين)-جنين-أم الشوف/حيفا-فلسطين

تويتر: https://twitter.com/SariSammour     @SariSammour  
مدونات:-

الأربعاء، أغسطس 23، 2017

الحفاظ على الوطنية الفلسطينية واجب فردي وجماعي(ج2/5)


(2-5)   
بقلم:سري سمّور


(2)جدل وجب حسمه

الفكرة المضادة لما طرحته في الجزء  السابق، محورها هو  أن العرب-وفق الفكر القومي- والمسلمين-وفق تنظير شريحة واسعة من الإسلاميين- هم أمة واحدة لم يكن يفصل بين بلادهم حدود وعبور الشامي إلى تركيا أو عبور المصري إلى الشام أو عبور هؤلاء جميعا إلى العراق والحجاز، بدون تأشيرات دخول(فيزا) ولا تفرقة بين ساكني هذه الأقطار، لأن الجميع فيها إخوة في الدين والثقافة ولغة القرآن الكريم، وحتى غير المسلم الذي يسكن هذه البلاد منذ قرون حقوقه محفوظة، ويحظى بذات حرية الإقامة والعيش، ما خلا مكة والمدينة فقط لا غير.
فلما جاء الاستعمار وضع هذه الحدود المصطنعة بين أبناء الأمة الواحدة فصار هذا تركي وذاك إيراني وذاك عراقي وذاك سوري وهذا فلسطيني...إلخ ومن المعلوم أن نزاعا وخلافا حادا بين الفكرين الرافضين لفكرة الحدود والأقطار، أي الإسلاميين والقوميين؛ فالقومي لا يعترف أو لا يريد أن يكون مع التركي أو الإيراني أو الباكستاني في ذات التصنيف، ويرى تميزا وخصوصية تمتد إلى عدنان وقحطان...ولكن بعيدا عن خلافهما، فإن الحدود التي تعلمنا ويتعلم أبناؤنا أنها مصطنعة، قد تبلور بناء عليها وانبثق منها مجتمعات وكيانات سياسية وهويات وطنية محددة المعالم وخصوصيات اجتماعية وعوامل نفسية واقتصاديات متباينة...وأعلم أن هذا شيء مؤلم ومزعج ولا أدافع عنه بقدر وصفي له.
أما مقاومة هذا الواقع ورفضه هو ونتائجه ومخرجاته فلا تكون بالشعارات الرنانة، ولا الخطب الحماسية فقط، بل وفق عملية تراكمية، والمهم بالنسبة لي أنا الفلسطيني ألا أتخلى عن هويتي الوطنية لصالح هوية قومية متخيلة، أو وحدة إسلامية افتراضية، لأن كلتاهما حاليا موجودتان في تنظيرات قديمة ولا محل لهما من الواقع، وإذا أنا تخليت عن هويتي الوطنية الفلسطينية فأنا أمنح المشروع الصهيوني، والذي هو حقيقة أخطر ما قسم الأمة وشطرها، هدية لطالما حلم بها وخطط لها.

(3)أين الفلسطيني من الشعارات؟

ربما من أغرب ما جرى في السنوات الماضية أن من أزال حدود سايكس-بيكو وهي أشهر وأقوى عملية تقسيم استعماري  للأقطار العربية في الزمن المعاصر، هو تنظيم الدولة الإسلامية داعش، وبغض النظر عن الآراء والنظريات حول حقيقة التنظيم ومن يقف خلفه، فإن هذه الإزالة للحدود لم يتبعها ما يجعل الناس عموما يستبشرون بها، فالأنموذج الذي رآه الناس يقوم على قتل المخالفين أيا كانوا، بل حتى من يفترض أنهم من نفس المدرسة السلفية، والتمثيل بالجثث، وتصوير عمليات الحرق والتغريق والدهس وجزّ الرقاب، وسائر تمظهرات السادية التي تحاول التغطي بالشريعة، فمن طالب سابقا بإزالة الحدود المصطنعة لعله يقول:لتبق هذه الحدود فإن بقاءها أهون شرّا من إزالتها!
وفي ذات الوقت فإن التنظيم عند بدء العدوان على غزة قبل سنوات قام عناصره بإحراق العلم الفلسطيني، وهم يستمرون بنشر مرئيات تتوعد قادة حماس وترميهم بالردة، وتعلن أن دمهم مهدور مستباح...ولهذا أستغرب حين أرى أي فلسطيني يتعاطف أو يلتحق بالتنظيم، وصولا إلى حد أن يفجر شخص نفسه بأبناء شعبه وهم أبناء دينه، كما حصل مؤخرا، بدعوى نبذ أو رمي الهوية الوطنية لصالح الهوية الإسلامية، وكأن الإسلام يرفض الانتماء الوطني أو يحرمه ويجرّمه.
وأما التنظير القومي فإن كل مشاريع الوحدة العربية قد فشلت فشلا ذريعا، ومؤخرا فإن أكثر الأقاليم العربية تجانسا قد دب الخلاف بين بلدانه بطريقة غير مسبوقة، أعني دول الخليج، وحزب البعث العربي الاشتراكي قد حكم قطرين عربيين مهمين هما سورية والعراق، فانقسم الحزب على نفسه ورمى كل فرع قطري الفرع الآخر بالعمالة والخيانة والتنكر للمبادئ...ولكن بقي الشعار(أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة!) ولا أدري من لم يستطع التوحد مع توأمه الحزبي المجاور كيف سيوحد العرب أجمعين؟!
ألست أنا الفلسطيني المطرود المنبوذ من ليبيا القذافي؟ألست أنا الفلسطيني الذي بقي في وضع مأساوي في مخيمي الوليد والتنف وأغلقت دونه أبواب البلاد العربية، ما عدا السودان الذي استوعب منهم قليلا، بينما استقبلته البرازيل البعيدة؟!
أليس الفلسطيني ابن الضفة الغربية محظوظا لإمكانية حصوله على جواز سفر أردني دائم أو مؤقت أو رقم وطني، بينما شقيقه الفلسطيني ابن قطاع غزة يحمل وثيقة سفر مصرية تجعل حياته جحيما حيثما ذهب، مهما امتلك من شهادات أو خبرة مهنية؟
ألم يكتب الراحل أحمد أبو مطر-زوج المناضلة سهيلة أندراوس- أنه الفلسطيني السبعاوي(نسبة إلى بئر السبع) بعدما استقبلته النرويح وهو على أبواب الخمسين من عمره لديه استعداد أن يحارب من أجل ملك النرويج وأنه لو قالت التقارير الطبية أنه لا يصلح للخدمة العسكرية لزوّر التقرير، بينما سيفعل العكس مع دول العرب؟!
أين هي فلسطين في مناهج العرب الدراسية عموما؟ألم نر شبانا ورجالا يُسألون عن أساسيات في تاريخ الصراع مثل ذكرى النكبتين فيهزون رؤوسهم بأنهم لا يعرفون؟وأين هي الأعمال الدرامية والأدبية والفعاليات الثقافية العربية التي لفلسطين فيها نصيب؟موجودة، لن أسأل كم نسبتها بل كم عددها خلال المسيرة الفنية والأدبية الطويلة في بلاد العرب أوطاني؟
ألم تقم الأنظمة العربية (التقدمية الثورية) بشق الحركة الوطنية الفلسطينية وأنشأت في داخلها أذرعا أو دكاكين تأتمر بأمرها وتنفذ أجنداتها؟
ألم يدفع الفلسطينيون أكلاف الصراعات العربية-العربية التي ما إن تنطفئ في مكان حتى تشتعل في مكان آخر؟
أليس جواز السفر والجنسية هي التي تحدد احترام المرء وتقديره عند الأشقاء وعند الغرباء، حتى ولو كان فلسطينيا عربيا له حق النصرة، ولطالما تغنت دول العرب وأحزابهم بفلسطين ونصرة شعبها؟ومع ذلك فإن حامل الجواز الأمريكي أو الفرنسي، وأحيانا الإسرائيلي يفضل على الفلسطيني؟!
أليس وجود الفلسطيني يخضع للتبدلات والتغيرات السياسية حتى في البلاد العربية التي أحسنت معاملته؟
فلماذا أترك التشبث بهويتي الوطنية الفلسطينية لصالح هوية غير موجودة إلا في أحلام مفكرين أو متحمسين حزبيين أو أشعار قديمة وأنغام عفا عليها الزمن؟
 وفي الفترة الأخيرة نرى تسارعا في تطبيع معلن وغير معلن بين العرب وإسرائيل مجانا، وصولا إلى التسابق في هذا الأمر، وممارسة ضغوط علينا منها ما نراه وكثير منها لا نراه، ولسان حال نتنياهو يقول:ها نحن نحصل على علاقات متسارعة مع العرب، دون تقديم شبر واحد لأشقائهم الفلسطينيين...يتبع.
  ،،،،،،،،،،
الأربعاء  1 ذي الحجة   1438هـ ، 23/8/2017م
من قلم:سري عبد الفتاح سمّور(أبو نصر الدين)-جنين-أم الشوف/حيفا-فلسطين

تويتر: https://twitter.com/SariSammour     @SariSammour  
مدونات:-

الاثنين، أغسطس 21، 2017

الحفاظ على الوطنية الفلسطينية واجب فردي وجماعي(ج1)


(1-5)   
بقلم:سري سمّور

(1)المفكر والمواطن

قبل حوالي 20 عاما وعلى هامش إحدى المحاضرات، دار نقاش أو حوار سألني فيه المحاضر/الدكتور:سري،حاليا ماذا تعني لك الأندلس؟فأجبته بلا تردد:مثل فلسطين بالضبط، فشعرت أن إجابتي القاطعة قد سببت الامتعاض له، وخاصة أن كلا منا يعرف الفكر السياسي للآخر، فتمتم:لا أريدك يا سري أن تكون متلقيا، وهنا كان الجواب مكررا ومشفوعا بالقسم:أقسم لك أنها مثل فلسطين، فهزّ رأسه لإنهاء نـقاش لن يزحزح قناعة أي منا برأيه:أنت حر!
وبعد هذا النقاش ببضع سنين تابعت حوارا مع العلامة الراحل محمد حسين فضل الله على إحدى الفضائيات اللبنانية، وسأل المحاور العلاّمة سؤالا له أهمية خاصة:سيد فضل الله بخصوص الثورة الإسلامية هل ما زلت مقتنعا بها؟ أجاب بهدوئه واتزانه المشهود:كمفكر نعم، ولكن كمواطن لا، فجمال لبنان بتنوعه...وكم تفتقد الساحة العربية واللبنانية والشيعية إلى هذا الرجل(توفي في 2010) مثلما تفتقد الساحة السنية واللبنانية والعربية إلى من مات قبله بشهور وهو الأستاذ فتحي يكن؛ فكلاهما كانا بمثابة القطبين أو الوتدين الذين في ظل العواصف الإقليمية والدولية تمكنا من التوفيق بين فسيفساء سياسي وطائفي وبحثا عن المشترك وتجاوزا المختلف عليه، فأخفقا حينا ونجحا أحيانا، وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر.
والملاحظ أن لا فضل الله ولا يكن قد انفصلا عن انتمائهما الديني أو المذهبي، بل كان هذا الانتماء بمثابة الطاقة الإيجابية لمحاولة تثبيت ما يمكن تثبيته من الوحدة الوطنية في لبنان، وحين نتحدث عن لبنان فنحن نتحدث عن بلد نظامه السياسي قائم على التقاسم الطوائفي، وتابعت برنامجا وثائقيا فوجئت بمحتواه الذي يشير إلى أن كل طائفة لها مدارس تدرس منهاجا يختلف عن مدارس الطائفة الأخرى، ولهذا تجد اختلافا في تحديد الأعداء والأصدقاء فهناك من يرى فرنسا صديقا وهناك من يرى إيران صديقا وهناك من لا يرى صديقا أبدا...ومثل فضل الله ويكن بانتمائهما لمدرستين مذهبيتين مختلفتين وبيئتين اجتماعيتين غير متجانستين أعطيا مثلا تطبيقيا لا نظريا بأنه يمكن للمرء أن يحافظ على انتمائه ومذهبه وفكره السياسي وفي نـفس الوقت ينتمي لوطنه، بل يكون بمثابة عامل استقرار فيه...هذا بعكس ما يقوم به بعض العلمانيين من طرح فكرة ضرورة التخلي سلفا عن انتماء المرء السياسي والمذهبي بل أحيانا الديني كي يكون فعلا منتميا إلى وطنه!
ولكن ماذا عن العبد الفقير بعد مرور زمن طويل على ذلك النقاش حول الأندلس وفلسطين؟الحقيقة أن جواب العلاّمة فضل الله هو جوابي ضمنا.
فالأندلس الفردوس المفقود ومأساتها لم ولن تغادر القلب والذاكرة التاريخية؛ وفي ذات الوقت نرى أن عظماء الأندلس من علماء أو مفكرين أو حتى قادة يكرًّمون وتقام لهم النصب التذكارية في مدن الأندلس(أو اسبانيا) ويتم التكريم والاعتذار من مختلف المستويات الرسمية والثقافية، ويتم ترميم الآثار الشاهدة على وجود عربي إسلامي عمره حوالي 800 عام، وأيضا فإن أثرياء عرب ومسلمين تمكنوا من شراء قصور وبيوت أندلسية دون معارضة عنصرية تذكر، وحتى لو تحدثنا عن بعض الأمور مثل تحويل مساجد إلى كنائس حتى الآن، فإن هذا الأمر ربما قابل للتغيير بالتراكم الثقافي والقانوني وخاصة أن تلك البلاد حاليا ليست بعقلية إيزابيلا وفرناندو والمسلم فيها ليس مثل الموريسكي حاليا...والمشكلة مع الإسبان ربما هي سبتة ومليلة؛ وصدقا لست أدري إن كان أهلهما من العرب والمسلمين في استفتاء سيختارون المملكة الإسبانية أم المغربية؟!
هذا الاحتفاء الإسباني بل الأوروبي والعالمي بالحضارة العربية الإسلامية في الأندلس يقابله في فلسطين حركة تهويد نشطة، تتواصل بها منذ عقود طويلة عملية مبرمجة لتغيير المعالم وطمسها، وقد تم مسح مئات المدن والبلدات و القرى وغيرت أسماؤها وجيء بيهود من أصقاع الأرض ليسكنوا فيها، والأهم أن المسجد الأقصى، والذي هو من صلب عقيدتي أنا المسلم-قرطبة وغرناطة ليستا من العقيدة مثلا- يراد أن يكون (جبل الهيكل) والحائط الغربي أي البراق يريدون أن يكون(حائط المبكى) والإرادة والرغبات تحولت وتتحول إلى إجراءات فعلية مسنودة بمليارات الدولارات، فهناك كنس تنتشر حول المسجد الأقصى وتحته وتغيير لأسماء الشوارع وتقييد لدخول المسلمين إليه، واقتحامات متواصلة ويومية يقوم بها المستوطنون برفقة قوات الاحتلال يدنسون بها باحات المسجد المبارك.
فلسطين بنظر العالم –بما فيه العربي حتى- صارت بنسبة 78% تسمى (إسرائيل) وما تبقى محل نزاع وتهويد وحالة لامبالاة في عالم يعترف بالأقوياء فقط.
وفي ظل هذه المعمعة أنا مطالب عقديا وثقافيا وحتى غرائزيا أن أتمسك بهويتي الوطنية الفلسطينية، والتي لا أراها تتناقض مع انتمائي للإسلام دينا وعقيدة وللعربية ثقافة ولغة وتاريخا، إلا أن الأولوية يجب أن تكون لفلسطين، لأنها حاليا مركز الصراع بين الأمة وأعدائها، وحيث أن  الأمة مشغولة حد الاستنزاف بصراعاتها وانقساماتها الداخلية والبينية، ولأنني لم ولن أجد وطنا آخر، مع أن الأشعار والشعارات والخطب المترعة بالفكر القومي والوطني أو الإسلامي تجعل كل بلاد العرب أوطاني، من المحيط إلى الخليج، بالتعبير العروبي القومي، أو من طنجة إلى جاكرتا بالتعبير الإسلامي.
وبالتجربة المرّة عرف الفلسطيني أن هذا الكلام شعارات لا محل لها من التطبيق العملي، وأن ما يحفظ وجوده الحقيقي هو تشبثه بهويته الوطنية والعض عليها بالنواجذ، وأقولها بعد تمحيص:تمسك الفلسطيني بهويته الوطنية هو تمسك بدينه وعقيدته وانتمائه القومي العروبي وليس العكس...يتبع

  ،،،،،،،،،،
الإثنين  29 ذي القعدة   1438هـ ، 21/8/2017م
من قلم:سري عبد الفتاح سمّور(أبو نصر الدين)-جنين-أم الشوف/حيفا-فلسطين

تويتر: https://twitter.com/SariSammour     @SariSammour  
مدونات:-

السبت، أغسطس 12، 2017

تنمية الأنانية والفردية


بقلم:سري سمّور

لي رأي خاص بموضوع (التنمية البشرية) أظنه معلوما  لمن يعرفني، ولكن بعيدا عن هذا الرأي، فإن هذا العلم أو الفن-إذا جازت التسمية-قد انتشر في السنوات الأخيرة، وصار هناك من يعقد له الندوات والمحاضرات وورشات العمل، وينشر الكتب والدراسات والمقالات، ويطلق مواقع الإنترنت، وصار له مدربون، وصار هناك دورات لتخريج وإعداد المدربين.
وما انبثق عن هذا العلم ورشح، يتسرب إلى الناس جميعا، حتى أولئك الذين لم ينتظموا في الدورات أو يطلعوا على الكتب والنشرات، فالقائمون عليه أو المتأثرون به، يطلقون أفكارا ونصائح وقواعد اجتماعية أو سلوكية، تمتاز بقلة عدد الكلمات وكثافة وجودها في الفضاء الإلكتروني، وهي طريقة لا شك في هذا العصر؛ عصر الوجبات السريعة، لها تأثير كبير على طريقة تفكير الناس وصياغة وتوجيه نظرتهم إلى الحياة والمجتمع ونظرة الفرد إلى ذاته، بعيدا عن التقصي والتعمق والبحث الرصين، بمدى صحة ما ينتشر.
ومما يُبث بزخم منذ مدة عبارات وأفكار وأمثلة، تعزز الأنانية، وتعلي من الفردية بصورتها الوحشية، ولا تبتعد الاستنتاجات والتوجيهات والنصائح التي تجعل الأنانية والفردية المتوحشة قيمة سامية، عن التأثر بمخرجات التسلط الرأسمالي، المهيمن على معظم أرجاء الكوكب منذ جيل تقريبا، مع أننا نلاحظ أن القائمين على التنمية البشرية في بلاد العرب، يحرصون على محاولة إقناع المتلقي بأنها مستمدة من القرآن الكريم وصحيح السنة النبوية ونهج الصحابة والتابعين، أو على الأقل لا تتعارض معها في أي نصيحة أو قاعدة يتم تقديمها وتعميمها.
ولو نظرنا لوجدنا نصيحة أو قاعدة تتكرر بكلمات مختلفة ولكن مفهومها واحد وهو أنك أيها الإنسان حين تعثر قدمك وتسقط(بالمعنى المجازي) عليك أن تنهض بالاعتماد على نفسك فقط، فلن يمد لك أحد يده ليعينك على النهوض، ولن يواسيك أي إنسان إذا حزنت لقرح أصابك، وتعميم هذه الثقافة يحيل الإنسان إلى حالة من الأنانية المفرطة، وغياب التفكير بالمصلحة العامة، بل أنا متردد باستخدام كلمة وحشية، لأنه حتى الوحوش في البراري تتعاون مع بعضها لصيد فرائسها.
 هي الثقافة الأمريكية التي تصفق للغالب القوي بعيدا عن معايير الحق والعدل، أو كما وصفها بعضهم:إذا رأوك تتعرض لهجوم من أحد السباع المفترسة ألقوا لك بسكين وأخذوا يتفرجون على من سينتصر، ولا قيمة للروابط والعواطف الإنسانية، أي أن هذا العلم يرسخ فكرة مجتمع الغاب، حيث يأكل القوي الضعيف، وحيث  الفرد منبت عن الجماعة، وأن فشله هو المسؤول وحده عنه، وعليه أن يحوّله إلى نجاح وإلا فهو لا يستحق الحياة أو هو إنسان من درجة متدنية!
وهنا قد يرى المدافعون عن هذا الفن أو العلم بأن الاستنتاج خاطئ وفيه تحامل وتجنّ لأن القصد من نشر وتعميم هذه النصائح لا يسعى إلى ترسيخ الأنانية وتقويتها وتثبيتها في النفوس بل القصد هو السعي والتشجيع على ترك التواكل، وزيادة الثقة بالنفس والحض على المحاولة مرة بعد مرة في حال الفشل في أي شأن من شؤون الحياة، وعدم الاعتماد السلبي على مساعدة القريب أو البعيد...قلت:أنتم تتحدثون عن علم ودراسة لها منهجها وأصولها-كما يفترض- وليس عن نص أدبي يحتمل التورية وقراءة ما بين السطور، بل إن بعض نقاد النصوص الأدبية لا يقبلون حجة التورية، وتأويل النص بغير ظاهره في بعض الأحيان، فإذا أردتم أن يفهم النصح الذي أراه ترويجا للأنانية بأبشع مظاهرها بالطريقة المذكورة، فليكن هناك توضيح، أو أرونا كثافة لنصائح تقول:إذا وجدت من عثر ووقع فمد يدك كي تساعده على النهوض، وعن ضرورة إقالة العثرات، وجبر الخواطر، لا أن تتعاملوا مع المرء وكأنه آلة مبرمجة لا مشاعر لها ولا أحاسيس إلا حب الذات وتعظيمها، بدل تهذيب هذه الغريزة وضبطها...سيقول قائل:موجودة ولكنك لا تراها؛ ومع أنني أرجو ذلك، ولم أكتب هذه المقالة إلا بعد مراقبة استمرت فترة ليست قصيرة، ولكن هل ما يحض على روح الجماعة ومساعدة الضعفاء وحض القادرين على مساعدة العاثرين على النهوض، ومواساة المصابين بالحزن، يضاهي أو يقارب ذلك الطوفان من العبارات والجمل التي لا تكاد تفتح جهاز الجوال أو الإنترنت حتى تراها، وكلها تقديس الفردية والأنانية؟أترك الجواب لمراقب محايد.
ولا ننسى أن الإسلام في كثير من الأمور يحض على فكرة الجماعة وارتباط الأفراد بها، لدرجة أن صلاة الجماعة لها 27 درجة تفضيل عن صلاة المرء منفردا كما في الصحيحين، وفي ذات الوقت هناك أمور فردية مثل الحساب الأخروي(وكلهم آتيه يوم القيامة فردا) وعليه فإن إطلاق النصائح والتعميمات بحاجة إلى تمحيص وتدقيق وتوضيح للأهداف المنشودة، خاصة أننا كما قلت نتعامل مع جمهور استهلاكي في تعاطيه مع طوفان القواعد المعلبة.
أنا مع مشجعي اعتماد المرء على ذاته وقدراته، ولكن في ذات الوقت مع الحض على التآلف والتعاضد وجبر كسر من يصاب، وأن يتم تشذيب الأنانية والفردية لا جعلها ميزة ومطلبا، فيكفينا ما نحن فيه من البحث عن الخلاص الفردي عموما بسبب الضغط المركز علينا من الأعداء ومخططاتهم.
  
  ،،،،،،،،،،
السبت  20 ذي القعدة   1438هـ ، 12/8/2017م
من قلم:سري عبد الفتاح سمّور(أبو نصر الدين)-جنين-أم الشوف/حيفا-فلسطين

تويتر: https://twitter.com/SariSammour     @SariSammour  
مدونات:-

السبت، أغسطس 05، 2017

الفلسطيني عدو العرب



بقلم:سري سمّور

وَإِنَّ  الَّذِي   بَيْنِي   وَبَيْنَ   بَنِي   أَبِي***  وبَيْنَ   بَنِي   عَمِّي   لَمُخْتَلِفٌ   جِدَّا
أَرَاهُمْ  إِلَى  نَصْرِي  بِطَاءً  وإنْ   هُمُ*** دَعَوْنِي   إِلَى   نَصْرٍ    أَتَيْتُهُمُ    شَدَّا
فَإِنْ  أَكَلُوا  لَحْمِي  وَفَرْتُ  لُحُومَهُمْ***وَإِنْ هَدَمُوا مَجْدِي بَنَيْتُ لَهُمْ  مَجْدا
-المقنع الكندي-

ربما من الضروري دوما أن يتذكر العدو والصديق والقريب والبعيد، وأن نعلّم الأجيال بأن الفلسطيني لطالما دفع ثمن خيارات وانحيازات وأخطاء وتقلبات وتواطؤ وضعف وخذلان النظام العربي الرسمي، منذ ثوراته المشهودة أيام الانتداب البريطاني وصولا إلى أيام الاحتلال الصهيوني، وثوراته وانتفاضاته المتواصلة على هذا الاحتلال.
ولا بد من التذكير أنه لولا صمود ومقاومة الشعب الفلسطيني، لتمدد الكيان الصهيوني الذي يبني الجدران ليحمي كيانه منذ سنين، بسبب صلابة وبأس الفلسطيني، ولكان الجندي الصهيوني يوقف ويفتش المواطن العربي في عواصم عربية مجاورة أو غير مجاورة...لكن الفلسطيني بمقاومته وصموده ووعيه الفطري المسنود بالإيمان بالله جعل المشروع الصهيوني حريصا على البقاء في فلسطين بدل التمدد خارجها مثلما كان يحلم المؤسسون له.
ولا بد من التذكير بأن أي قطرة دم عربية أريقت على يد الصهاينة، فإنها كانت تذود عن كرامة أهلها وأرضها، وليس فقط عن كرامة الشعب الفلسطيني الذي أثبت مرارا وتكرارا أنه يصنع المعجزات في نضاله وتضحياته...ولا بد من التذكير أن جزء كبيرا من خلافات وانقسامات الشعب الفلسطيني في مختلف مراحل نضاله هي صناعة عربية بامتياز، على الأقل باستمراريتها وقوتها.
لا أريد أن أتبنى مفردات الطهارة والمثالية المطلقة للفلسطيني؛ ولكن أن يتهم الفلسطينيون بالعمالة للصهاينة، وبأنهم باعوا أرضهم لليهود فتلك طامة كبرى، وجريمة لا تغتفر...نعم، كأي شعب وقع تحت الاحتلال يمكن للعدو أن يجند عملاء منه، وهل سلمت أي دولة عربية وقعت تحت الاستعمار الأوروبي من مثل هذه الظاهرة؟ هل يجوز أن نعممها على أي شعب عربي بأكمله؟بل هل نـتهم الفرنسيين بالعمالة للنازيين بسبب (حكومة فيشي)؟...وإذا أردنا الحديث عن بيع الأراضي فإننا ننكأ جرحا، لأن إقطاعيين من دول عربية هم من باعوا أراضي شاسعة امتلكوها في فلسطين إبان الحكم العثماني، فباعوها لليهود بلا وازع من دين أو وطنية أو خجل أيام الانتداب البريطاني، ومؤخرا تم بيع أراضي وعقارات في القدس من البطريركية التي يقوم عليها أساقفة من اليونان وليس من مسيحيي فلسطين.
لقد طفح الكيل من أسلوب المنّ المقرف ممن يفترض أنهم أشقاء وإخوة يتربص بهم الصهاينة،فكل يوم يخرج علينا أحد هؤلاء عبر فضائية ما، ليذكرنا بالدم الذي بذل من أجلنا، متـناسيا أو جاهلا أو أنه هكذا لقنوه، بأن أراض عربية قد احتلت من الجيش الصهيوني، وأقيمت عليها مستوطنات وبالتالي الدم أريق دفاعا عن أرضك أيضا...أي قرف هذا؟هل على دول الثوريين الذين قاتلوا في شتى أصقاع الأرض أن تعيّر وتمنّ على الشعوب التي قاتلوا فيها؟هل على الأرجنتيني أن يتعالى بسبب جيفارا على الكوبي مثلا؟وهل على العربي أن يتعالى على الأفغاني أو البوسني؟
والحقيقة المرة أننا لا نعيش في دول تنعم بحريات إعلامية مطلقة، كي يقال بأن من يقذفون هذه القاذورات باستمرار يمثلون أنفسهم، فليخرج بيان رسمي يقول: إنا برآء من هذا؟أما ادعاء البراءة الرسمية عبر الصمت والسماح لمثل هؤلاء بشتم الفلسطيني صباح مساء، حتى والفلسطيني يقاتل بلحمه الحيّ من أجل المسجد الأقصى الذي هو من صلب عقيدة كل المسلمين، فهذا أمر جاوز كل حد وتخطّى بوقاحته كل عقل ومنطق...أم يرون أن (حيطنا واطي) فيشتموننا ويتطاول سفهاؤهم علينا؟
ومع أنني في نظرية المؤامرة من الزاهدين، ولكن تتابع وتواصل الهجوم الإعلامي على الفلسطيني، في السنين القليلة الماضية يدفعني إلى طرح سؤال وجيه:هل القصد هو الوصول إلى حالة اعتياد تدريجية على شيطنة واتهام الفلسطيني بسائر الموبقات والقبائح، بالتوازي مع سحب حازم للخطاب المناوئ للمشروع الصهيوني، بحيث يكون متقبلا تطبيع وبناء علاقات تصل إلى التحالف والصداقة مع إسرائيل، دون أن تعيد ولو شيئا بسيطا من حقوق الشعب الفلسطيني، ووقتها إذا اعترض الفلسطيني-وهذا من حقه- فسيكون أمام حالة قد تكونت في الوعي العام بأنه لا حق له؟هذا ما بتّ لا أستبعده!
والفلسطيني إذا عمل في أي مجال في بلاد العرب التي تعلمنا ونحن صغار كما تعلم سائر أطفال العرب بأنها (أوطاني) وأن الحدود مصطنعة من الغزاة الإنجليز والفرنسيين والطليان وغيرهم،  فهو يبذل جهدا وعرقا وسنين العمر والشباب في غربته مقابل كل قرش يحصل عليه، ومع ذلك كلما حصل خلاف بينه وبين سائق سيارة أجرة أو بائع في متجر حول أمر لا شأن له بالسياسة ولا التاريخ، سمع الكلام المؤذي:بعتم أرضكم، لم تقيم هنا بدل أن تذهب وتحرر أرضك؟! من أين جاءت هذه الثقافة السيئة، في دول بوليسية تعد على الناس أنفاسهم، وتحدد لهم ما هو مسموح قوله، وما يحظر عليهم مجرد التفكير فيه؟وبالتالي فإن حديث السفيه في الشارع ليس بعيدا عما يدور في ذهن صناع القرار في القصور والمكاتب...وإذا كان هذا يدخل في إطار الظنّ الآثم، فلتكن مناهج التعليم وما يبث في الإعلام حول أرض اسمها فلسطين شعبها احتلت أرضه وارتكبت بحقه المجازر، وفي هذه الأرض مقدسات يجب استردادها...لا أن يكون هناك من عامة الناس من هو حامل لهذه الأفكار السوداء المسمومة المفتراة على الفلسطيني.
وفي ظل هذه الهجمة فإن على الفلسطيني، رسميا وشعبيا، بكل قواه وفصائله وفعالياته المختلفة ووسائل إعلامه أن يقدم الشكر، ويرفع عظيم الامتنان للعرب على مواقفهم، وإلا فهو جاحد ناكر للجميل، متنكر للتضحيات الجسام التي عليه أن يحفظها للأقطار العربية، والتي في ظلها فقد أرضه وقتل أولاده، وجرى تثبيط ثوراته.
 وهذا الفلسطيني الذي يقيم في بلد بل ربما ولد فيه منذ عقود يعيش  هاجس الطرد، بينما شقيقه الفلسطيني الآخر في بلد أجنبي أهله ليسوا عربا وليسوا مسلمين، يمنحونه جنسيتهم بعد بضع سنين، وقد يترشح لمناصب سياسية أو إدارية ويفوز بكل أريحية، وهو لا يشكرهم ولا يمتن لهم بل قد يشتم حكوماتهم ورؤسائهم إذا لم تعجبه مواقفهم، دون أن يتعرض لأي مساءلة من فروع الأمن، أو يتلقى قرارا بالطرد والترحيل...والله ما كنت أحب أن أدخل في مقارنة كهذه، ولكن المتطاولين الذين لا أرى-إلا أقل القليل- سياسيا ولا عالم دين ولا إعلاميا  وازنا في أقطارهم يردعهم ويصدّهم عما دأبوا منذ مدة على رمي الفلسطيني به بلا خجل أو وجل أو مراعاة لضوابط الإسلام أو أخلاق حتى عرب الجاهلية.
يبدو بأن الأمور تجري باتجاه تحويل العداء إلى الفلسطيني، فليس اليهودي الصهيوني القادم من بولندا وأمريكا أو أثيوبيا  معتديا غاشما، بل الفلسطيني هو السبب، والفلسطيني متهم وهو يستشهد ويعتقل بالخيانة وبيع الأرض...هذه الثقافة التي تدفع بهذا الاتجاه يصعب عليّ كثيرا، أن أعتبرها صدفة، في ظل الحديث عن حل إقليمي برعاية ترمب، فليس صدفة أن يخرج مشايخ بما شذّ من فكر ورأي في بلد، بالتوازي مع متحدثين عبر الفضائيات ومغردين في تويتر في بلد آخر،ولسان حالهم جميعا:عدونا هو الفلسطيني، وليس المحتل الإسرائيلي...بل إن هذا الخطاب المشبع بالكراهية يلوم الضحية أي الفلسطيني، ويختلق الأعذار للجلاد الصهيوني، ويذكرنا بمثيله عند شرائح اللوبي اليهودي في بلاد الغرب.
ولكن ليعلم العدو والصديق(إذا بقي من يمكن أن يكون صديقا) أن قضية فلسطين تطهّر وتعلي شأن من ينحاز إلى الحق الأبلج فيها، وهو مكسب له، ولعلكم تعرفون الأمثلة حول دول وكيانات كيف ازدادت مكانتها لمواقفها من القضية الفلسطينية، حتى لو كانت مواقف كلامية وإعلامية، وأما من سيخذل الفلسطيني، ويتآمر عليه فليعلم أنه كناطح صخرة يوما ليوهنها...لا يضرّهم من خذلهم، كما في الأثر...تذكروها جيدا، ولقد رأى العالم كله جموع الفلسطينيين خاصة أهالي القدس يدخلون المسجد الأقصى مهللين مكبرين، ما ضرّهم تخاذل المتخاذلين، ولا تآمر المتآمرين، وبالتأكيد لم ولن يضرهم شتم السفهاء ممن يسمون إعلاميين.
وأيضا فليعلم القاصي والداني أن الفلسطيني كان دوما قادرا على قلب الطاولة وتغيير مسار كل التوقعات، وقلب الحسابات والمعادلات، وليرجع كل من يريد التأكد إلى كل مرحلة كان يتوهم المتوهمون فيها بأن الشعب الفلسطيني صار فريسة ناجزة، وإذ به يركل كل تلك التصورات.
وإذا كان الشاتمون المتطاولون وهم أقزم من الأقزام على الشعب الفلسطيني، يمثلون أنفسهم فقط، فلنسمع هذا صراحة من الجهات المعنية، ولتقم الحكومات والدول بإخراسهم ووضع حدّ لبذاءتهم التي لم تعد تطاق ولا تحتملها النفوس مهما تزينت بالحلم، أو تسلحت بوقار التعالي عن السفاهة ولا نملك إلا السخرية إذا قيل لنا بأن شتمهم لنا يندرج تحت إطار حرية الرأي والتعبير!
لم يكن الفلسطيني يوما عدوا للعربي الذي هو شقيقه، كما يفترض أن يكون، ولم يكن عالة عليه كما يتهم، وما باع الفلسطيني ولا خان ولا تنازل عن حقه، وكل تراجع أو خلل كان العرب سببا  مركزيا من أسبابه في الماضي والحاضر...والشعب الفلسطيني صامد ويقاوم المشروع الصهيوني منذ 120 سنة ولو أن ما بذل لتطويعه وشطبه خلال هذه المدة من مال وسلاح وخطط ماكرة، على شعب لآخر لتهوّد وصارت العبرية لغته...فليخرس كل متطاول فما عاد للصبر مكان.
  ،،،،،،،،،،
السبت  13 ذي القعدة   1438هـ ، 5/8/2017م
من قلم:سري عبد الفتاح سمّور(أبو نصر الدين)-جنين-أم الشوف/حيفا-فلسطين

تويتر: https://twitter.com/SariSammour     @SariSammour  
مدونات:-

مع مذكرات أخطر سفير إسرائيلي في مصر (1)

لدي قناعة أن ذهاب أنور السادات إلى خيار التسوية مع إسرائيل؛ و زيارته المشؤومة إلى القدس في 1977 وصولا إلى توقيع اتفاقات كامب ديفيد في 1979 ه...