الأربعاء، سبتمبر 27، 2017

الدولة الواحدة


بقلم:سري سمّور

قرر المؤتمر الصهيوني المنعقد في بازل في سويسرا إقامة دولة لليهود في فلسطين قبل 120 سنة ولتطبيق المقرر كان يجب أن تزال كثير من العقبات من أمام المشروع الصهيوني الذي تبلور في ذلك المؤتمر وأفصح بوضوح عن ماهيته وهدفه، وكتب ثيودور هرتزل في يومياته بأنه بعد خمس سنين ربما، وبالتأكيد خلال خمسين سنة سيصبح هذا حقيقة...وفعلا هذا ما حصل بعد نصف قرن حيث كان المهاجرون اليهود قد أنشأوا مؤسسات دولة كاملة عسكرية واقتصادية وغيرها ولم يتبق إلا الإعلان عن قيام دولتهم بعد سنة(عقد مؤتمر بازل في 1897م وأعلن بن غوريون قيام دولة إسرائيل في 1948م).
يجب ألا ننسى وكي أقلل قدر الإمكان من الاستطراد التاريخي أن فكرة الصهيونية كانت برعاية ودعم غربي كامل، في جميع مراحلها وحتى اللحظة، فإذا كنا نتحدث عن بازل فهي مدينة سويسرية، وإذا تحدثنا عن وعد بلفور وصك الانتداب فهي جرائم بريطانية، وإذا تحدثنا عن الاستقواء والدعم العسكري والسياسي والاقتصادي لإسرائيل منذ عقود فنحن نتحدث عن خطايا أمريكية، وإذا تحدثنا عن البرنامج النووي الإسرائيلي ففرنسا هي أمه...وإذا أوصلنا النقاش والتفكير إلى منتهاه سنقول بصراحة:إسرائيل هي مشروع كولونيالي غربي، يمثل امتدادا تاريخيا للحملات الصليبية على بلادنا، بأداوت وفكر مختلف.
لقد تطلبت مراحل تمكين المشروع الصهيوني في فلسطين خططا وصراعات وحروبا ووقتا ليس بالقصير؛ فتم إدخال السلطنة العثمانية في حرب كونية أخرجت بلاد الشام والعراق(الهلال الخصيب) من تحت رايتها، ثم تم تفكيك السلطنة بما تمثله من رمزية للأمة لاحقا، ثم استعمارا بريطانيا سهل هجرة اليهود إلى فلسطين، وتمكينهم من حيازة السلاح المتطور والتدريب الاحترافي، فيما كان العربي الفلسطيني عرضة للقتل شنقا أو رميا بالرصاص، إذا وجدت بحوزته ولو رصاصة واحدة.
إسرائيل عند قيامها كانت تسيطر تماما على حوالي ثلثي فلسطين الانتدابية؛ فقد احتلت بقوة السلاح والمجازر وتواطؤ بريطانيا وأوضاع العرب المعروفة سياسيا وعسكريا، على غربي القدس والنقب والجليل والساحل باستثناء غزة.
وكان لا بد من تغيير الوعي والفكر الذي كان ينادي بإزالة إسرائيل من الخريطة، والذي كان يطغى على العقل العربي نظريا، دون أن تسنده حالة جدية عسكريا واقتصاديا...فكانت هزيمة حزيران/يونيو 1967 التي أكملت إسرائيل من خلالها احتلال ما تبقى من فلسطين (شرقي القدس وفيها المسجد الأقصى،وبقية الضفة الغربية وقطاع غزة) وأراض عربية أخرى(الجولان وسيناء) مما أحدث صدمة كبيرة وتداعيات سياسية واجتماعية وفكرية مختلفة...والمحصلة وجود قابلية عربية لوجود إسرائيل على أرض فلسطين، أي تحول جذري لماهية الصراع بحيث صار صراع حدود لا صراع وجود...واستلزم الأمر عشرات السنين لتجفيف أو لإضعاف الفكر المنادي بتحرير فلسطين من النهر إلى البحر، وباستثناء صدام حسين، الذي نعرف مصيره، فإنه مع دخول الألفية الجديدة لا يوجد أي قيادة لأي دولة عربية تطالب-ولو من باب المزايدة الإعلامية- بتحرير كل فلسطين.
إسرائيل حاليا دولة قوية وليس ثمة جيوش تهددها، وحركات المقاومة في فلسطين ولبنان، مع كل التقدير لبطولاتها تظل في إطار الاستراتيجية الدفاعية، وهي(إسرائيل) تستغل الوضع الدولي والإقليمي والخلاف الفلسطيني لإحكام قبضتها على كل الأرض الفلسطينية.
وكانت فكرة التسوية تقوم على انسحاب إسرائيل من الأراضي المحتلة بعد هزيمة العرب في 1967 مقابل تطبيع العلاقات أو السلام، وهذا الهامش المتاح للعرب بعد الهزيمة المذكورة كان مسنودا بقرار مجلس الأمن 242 (ولاحقا 338) ووجود دول عظمى وكبرى تنادي به ولو نظريا، وتتلخص الحلول المطروحة بإقامة دولة فلسطينية على حدود 67 تعيش بجوار دولة إسرائيل المقامة على ثلثي فلسطين الانتدابية، أي الأرض مقابل السلام، وهو ما لم تعلن إسرائيل على لسان أي من زعمائها قبولها به، ولا حتى الأمريكان دعموا هذه الفكرة.
وفي المقابل إسرائيل كانت ترى في عملية التسوية فرصة لتثبيت المنجز عسكريا؛ لهذا وافقت على تنازل مشروط عن سيناء، تضمن من خلاله إبعاد الجيش المصري عن حدودها، وإقامة علاقات دبلوماسية(ولاحقا أمنية واقتصادية) مع مصر، لأنها أدركت معادلة(لا حرب بدون مصر ولا سلام بدون سورية) وتفرغت لتعزيز الاستيطان.
لكن إسرائيل لم تكن طريقها معبدة بالورود في مواجهة الشعب الفلسطيني؛ فقد رفض الفلسطينيون الاحتلال بمقاومة سلبية أولا، ثم انتفاضتين-بأدوات مختلفة-خلال 13 عاما، وتزايد عدد الفلسطينيين بين النهر والبحر حيث أنه حاليا أكثر من عدد اليهود.
ولهذا عمدت إسرائيل إلى تقسيم إداري مدعما بقوانين ماكرة يفصل الفلسطينيين داخل وطنهم عن بعضهم؛ فهناك قوانين خاصة بأهل القدس وقوانين خاصة بسكان الضفة الغربية(وهذه لها تقسيماتها مثل خلف الجدار ومناطق ج) ووضع قطاع غزة المحاصر، وقوانين خاصة  بحوالي مليون وثمانمئة ألف فلسطيني (حوالي 21%) داخل ما يسمى بالخط الأخضر.
وبتسارع محموم عمدت إسرائيل إلى تسريع وتيرة سلب الأراضي والاستيطان في الضفة الغربية لا سيما في القدس، وصارت تعلن على لسان مسئوليها  عن استعداد عربي رسمي لتطبيع العلاقات معها دون أن تحل المشكلة الفلسطينية، أي دون قبول المبادرة العربية للسلام التي أعلنت في بيروت عشية محاصرة مقر الرئيس أبو عمار في 2002.
بل  الحديث اليوم عن (الحل الإقليمي وصفقة القرن) وإرسال تسريبات أو (فتاشات) مدروسة إلى الإعلام، وكأن العرب لا مانع لديهم من إعلان ما هو مخفي من علاقات مع إسرائيل، أو إقامة علاقات طبيعية معها، وليقبل الفلسطينيون بتحويل قضيتهم إلى مجرد (سلام اقتصادي) ويرضوا بالمطروح عليهم!
 الصورة بهذا تبدو سوداوية للغاية ولهذا صار التحرك الفلسطيني تلميحا وتصريحا نحو إمكانية طرح فكرة/حل الدولة الواحدة لجميع مواطنيها.
وبالطبع هذا يتناقض جملة وتفصيلا مع فكرة الصهيونية، ولا توجد إرادة دولية، لإجبار إسرائيل بوضعها الحالي، إلى اتباع أو محاكاة ما حصل في جنوب أفريقيا؛ فنتنياهو ليس (دي كليرك) وهو وبقية القيادة الصهيونية يدركون أنهم في وضع جيوسياسي خاص ومختلف، كما أن قضية القدس وهي لب الصراع ومركزه لا تحتمل ولا تقبل أي حل وسط أو (فكرة إبداعية) وإسرائيل هي جيش له دولة وليس العكس...هي كما قلت أعلاه بمثابة حملة صليبية ذات طابع خاص.
ومع ذلك فإن طرح هذه الفكرة في ظل ورقة الديموغرافيا، بالتزامن مع تعزيز المصالحة(ولو بالحد الأدنى) يقلب كل الحسابات ويربك المشروع الصهيوني كثيرا...فلا بأس من المحاولة.
أما العوائق فنتحدث عنها في مقال قادم بمشيئة الله.
   ،،،،،،،،،،
الأربعاء 7 محرم   1439هـ ، 27/9/2017م
من قلم:سري عبد الفتاح سمّور(أبو نصر الدين)-جنين-أم الشوف/حيفا-فلسطين

تويتر: https://twitter.com/SariSammour     @SariSammour  



الثلاثاء، سبتمبر 19، 2017

التعامل مع البلاء...وتذكر الآخرة


بقلم:سري سمّور

...وفي خلافة عمر بن الخطاب-رضي الله عنه-  ألم يصب المسلمون في المدينة المنورة؛ تلك المدينة التي تحوي قبر خير من طلعت عليه الشمس محمد-صلى الله عليه وسلم- وفيها مسجده وهو المسجد الثاني الذي تشد إليه الرحال، والمدينة المنورة من عير إلى ثور هي حرم كما في الحديث.
هذه المدينة في حوالي سنة 18هــ ابتليت بما يعرف بعام (الرمادة) وهذه التسمية جاءت لأن الأرض من القحط والجدب صار لونها كالرماد؛ وفي ذات الفترة وقع بلاء آخر في الشام هو طاعون عمواس قرب القدس، أي منطقة مباركة أخرى ابتليت بمرض كان وقتها قاتلا فتاكا، وأخبار عام الرمادة وطاعون عمواس محزنة، فقد عانى الناس من الجوع والقحط الشديد، ومات بالطاعون صحابة أجلاّء منهم أبو عبيدة الجراح ويزيد بن أبي سفيان...نعم أصيب المسلمون في زمن من خير الأزمنة وتحت خلافة رجل من خيرة الرجال مبشر بالجنة ببلاء عظيم في إقليمين مباركين...البلاء لا يقتصر على الكفرة والملحدين، لا شك في ذلك.
فكيف تصرف عمر؟لا يتسع المجال لسرد كل شيء، ولكن عمر تجلت عبقريته وحكمته فقد اتخذ تدابير اقتصادية وإدارية للحدّ من أثر هذا البلاء العظيم، ولمن أراد الاستزادة حول الموضوع ثمة دراسات موسعة، وأيضا-لمن يسخر من اللجوء إلى الله- قام بالاستسقاء حتى نزل الغيث وأخصبت الأرض، ونجا الناس من ذلك البلاء.
وعلى ذكر المعاصي وأثرها فقد ذكر ابن الأثير أن بعض المسلمين شربوا الخمر واستشار أبو عبيدة أمير المؤمنين في أمرهم فطلب منه أن يجلدهم 80 جلدة إذا أقروا بحرمة الخمر، أما إذا استحلوها فليقتلهم، فأقروا بحرمة فعلهم وجلدوا وقال أبو عبيدة عبارة كبيرة المغزى: ليحدثن فيكم يا أهل الشام حدث! فتأمل-وفقك الله- كيف أدرك هؤلاء الرجال العظام أثر المعصية على الناس، مع أن من اقترف المعصية نفر قليل، وقد تمت محاسبتهم، ثم يأتي من يستهين بالأمر في زماننا، ونحن لا في خير القرون ولا صحابة كبار بيننا، ويقول بأن الأمر حرية شخصية، أو لا علاقة للمعاصي بالكوارث وما يصيب الحرث والنسل من بلاء، ألم يتأملوا قول الله تعالى:-
(وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا )-الإسراء16
فالدمار بسبب فسق فئة من المجتمع لا يصيبها وحدها بالضرورة...نسأل الله السلامة.
وعلى ذكر طاعون عمواس فقد قام ابو عبيدة الجراح في الناس خطيبا وقال فيما قال حسب ما ذكر ابن كثير:-
(إن هذا الوجع رحمة بكم ودعوة نبيكم وموت الصالحين قبلكم، وإن أبا عبيدة يسأل الله أن يقسم لأبي عبيدة منه حظه)...فأصابه الوباء ومات وقام معاذ فخطب مثل خطبته فأصيب بابنه...أما عمرو بن العاص فقد قال للناس:-
(أيها الناس، إن هذا الوجع إذا وقع فإنما يشتعل اشتعال النار، فتحصنوا منه في الجبال.)
فلم يكن من أمير المؤمنين على هؤلاء أو هؤلاء لوم أو عتب؛ فالمسلم يؤمن بقضاء الله وقدره، ويحتسب عند الله، وفي ذات الوقت يتخذ التدابير اللازمة لمكافحة البلاء ودرء الخطر.
فالحياة الآخرة هي الحياة الحقيقية، ولكن هناك حالة استشرت في الناس، وهي نسيان الآخرة، من الناحية العملية لا النظرية، والانغماس في الدنيا وكأنه لا حياة بعد الموت، وإذا كانت أقوام وأمم أخرى قد نسيت الآخرة أو لا إيمان بها أصلا عندهم، فإن المسلمين عليهم مسئولية أكبر؛ فبتنا نلحظ تراجعا وشحا في الحديث عن الآخرة، تحت عناوين مختلفة، منها ما يعرف بالتنمية البشرية وتحقيق النجاح في الدنيا مقرونا بنسيان الآخرة!
وقد ذكرنا تدابير عمر وبقية الصحابة التي جمعت بين التوكل على الله والتضرع له، بالتزامن مع اتخاذ تدابير واحتياطات وإجراءات لمكافحة الرمادة والطاعون...فنرى أن الأمريكان بفضل تدابيرهم واحتياطاتهم لم يمت منهم عدد كبير، واستطاعوا إجلاء ملايين السكان من خط سير الإعصار، وهذه تحسب لهم، وهي مما أمر به ديننا من الأخذ بالأسباب الدنيوية للنجاة من الخطر...ولكن لنتخيل أن هذا حصل في قطر عربي أو إسلامي كبير كمصر أو باكستان؛ فكم بتقديركم سيكون عدد الضحايا وحجم الأضرار؟هل البنى التحتية مهيأة لتخفيف حدة الكوارث كالزلازل والفيضانات في بلاد العرب والمسلمين؟وهل فرق الإنقاذ لديها قدرة على العمل بحيث تنقذ المناطق المنكوبة وتجلي السكان...وبعد ذلك كم من الزمن سيمر حتى يعاد إعمار وترميم المباني والمرافق والشوارع، مقارنة مع الدول الأخرى كالولايات المتحدة واليابان وغيرها؟
أما التندر السخيف الممجوج بأن أموال العرب هي التي تساعد الأمريكان، فإن الرد عليه بأن الأمريكان أيضا يرسلون فرقا ومساعدات مختلفة لبلاد المسلمين، حين تقع الكوارث، ولا أقول هذا دفاعا عن الأمريكان، أو اعتقادا مني بأنهم كرماء رحماء بنا، وأيضا ليست أموال العرب هي التي قامت بإجلاء ملايين السكان في فلوريدا، ولا هي التي جعلت البنى التحتية تتحمل نسبيا هول الإعصار!
وأما من تمنّى أن يكون الإعصار نهاية الامبراطورية الأمريكية المتوحشة؛ فإن هذه الأمنية لا تخلو من عدم المعرفة، بأن تلك البلاد هي بلاد الأعاصير مع فارق اختلاف الشدة بين موسم وآخر، وأن القوم يعلمون ذلك، ويحتاطون له، وتشبيه الأمر بالريح التي اقتلعت خيام الأحزاب وقلبت قدورها بعد حصار المدينة المنورة، هو أمر محزن؛ فالرسول –صلى الله عليه وسلم- ومعه أهل المدينة مهاجرين وأنصارا لم يجلسوا ينتظرون معجزة، بل اتخذوا التدبير الأذكى الذي أشار عليهم به سلمان الفارسي-رضي الله عنه-كما يعلم الأطفال الصغار وحفروا خندقا أوقف الأحزاب وجعلها في حيرة وعجز عن اقتحام المدينة، وجاع الناس حتى ربطوا الحجارة على بطونهم، وبلغت القلوب الحناجر، فجاءت الريح التي أرسلها الله لتكمل هزيمة الأحزاب.
والولايات المتحدة الأمريكية تمثل وعاء الشر؛ فقد قامت على جماجم الهنود الحمر، واستعبدت الأفارقة المخطوفين من بلادهم كي يعملوا في ظروف سيئة في مزارع الرجل الأبيض، ودعمت النظم الدكتاتورية، وهي الدولة الوحيدة التي استخدمت القنابل النووية، وتدعم إسرائيل وترعاها في كل تفصيلات عدوانها، وقتلت وجرحت وشردت ملايين العرب والمسلمين مباشرة أو غير مباشرة، وبالتالي لا لوم ولا عتب على من يتشفى بما يصيبها من كوارث، ولا تبرير لإنسانية مصطنعة مع من يرعى كل الشرور والجرائم في العالم .
وفي ذات الوقت علينا أن نتذكر، أن أبا جهل عذب وقتل نفرا من المسلمين الأوائل في مكة، ونزل به قرآن يتلى وبأنه صاحب(ناصية كاذبة خاطئة)، وهو الذي خطط وسعى لقتل النبي-صلى الله عليه وسلم- وقتل كافرا يوم بدر، ومع ذلك فقد طلب المصطفى من الصحابة ألا يسبوه أمام ابنه المؤمن عكرمة.
فحين تذهب للتعليق على فيسبوك لمن يدعو بالنجاة لأقارب له في فلوريدا، وتكتب دعوات بأن تدمر على من فيها جميعا مثلا، فقد خالفت الهدي النبوي.
التوازن مطلوب في مسألة التشفي، ولكن بعيدا عن الثنائية المطلقة التي تسبب التنافر والتباغض.
هذا ما أحببت أن أبينه وفق ما فتح الله علي في موضوع الإعصار وعموم البلاء..حفظنا الله من كل شر وسوء.

   ،،،،،،،،،،
الثلاثاء  28 ذي الحجة   1438هـ ، 19/9/2017م
من قلم:سري عبد الفتاح سمّور(أبو نصر الدين)-جنين-أم الشوف/حيفا-فلسطين

تويتر: https://twitter.com/SariSammour     @SariSammour  
مدونات:-

 


الأحد، سبتمبر 17، 2017

البلاء يصيب كل الناس...ولكن؟!


بقلم:سري سمّور

حبذت الكتابة عن هذا الموضوع بعد أن هدأت نسبيا تلك الزوبعة التي اجتاحت مواقع التواصل الاجتماعي ونسبة لا بأس بها من عموم الفضاء الإعلامي ونقاشاتنا حول موضوع الكوارث الطبيعية، بعد أن ضرب الإعصار الرهيب إيرما (Hurricane Irma) ولاية فلوريدا في الولايات المتحدة الأمريكية؛ هل نعتبره ابتلاء وعقوبة من الله على أمريكا بسبب سياساتها وجرائمها؟وما ذنب الأبرياء المتضررين من الإعصار بذنوب حكومة بلادهم؟ألا تصيب الكوارث والأمراض الفتاكة بلاد المسلمين المؤمنين وتكون نتائجها أكثر تدميرا؟لماذا نتشفى بهم؟لماذا ندعو لهم بالسلامة؟....إلخ تلك النقاشات التي كانت إعصارا إلكترونيا موازيا للإعصار الفعلي في فلوريدا.
شاركت في بعضها باختصار وحذر، وتابعت ما يقوله أهل العلم، أو ما قالوه في مناسبات سابقة مشابهة، وراقبت أن الانقسام صار علامة مسجلة لنا في كل شيء؛ فلا تكفينا انقساماتنا السياسية وغيرها حتى نبتكر انقساما جديدا بسبب إعصار ضرب فلوريدا، وصار الأمر أشبه بمناطحة مقززة في بعض الأحيان، ولم يخلو من حوار جاد، ولكن النتيجة هي أننا يجب أن نظل منقسمين في كل شيء، وحول كل شيء...ولا حول ولا قوة إلا بالله.
تأملت القرآن الكريم الذي يهدي للتي هي أقوم، بعيدا عن الانفعالات والأحكام الجاهزة والآراء التي تحكمها الثنائية؛ وعلى ذكر الثنائية فإننا في عصر كثرت فيه بل تطغى عليه الألوان بدرجاتها في  الصور والتصاميم مثلما هي في أرض الواقع، ولكننا في الحكم على كل شيء نلتزم بالثنائيات المطلقة التي تنم عن ضعف وخلل محبط؛ مثل مع/ضد، جيد/رديء، صالح/طالح...غافلين عن قصد ربما أن هناك تصنيفات ومعايير تتجاوز تلك الثنائيات التي نحصر أنفسنا داخلها.
{‏أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ‏  ‏ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ‏‏وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ‏}‏ -التوبة 126-
خطرت ببالي هذه الآية الكريمة، ومن عادتي محاولة أخذ انطباع عما تحدثه الآية في نفسي أو عقلي من خاطرة أو فكرة أو ملاحظة، مع مراجعة ما قالته كتب التفسير، ومختصر دلالة وتفسير الآية الكريمة أن أهل الكفر والنفاق يحدث عندهم ما ليس معتادا في حياة الناس من حيث التكرار، وهذا ربما يشمل القحط أو الجوع أو الغزو أو أي اختبار(فتنة) وقد يكون الاختبار ربما رخاء من بعض جوانبه، كسعة الأرزاق والأموال وما شابه.
هنا يأتي السؤال المباشر:أولا تصيب فتن أشد مجتمع المسلمين؟نعم بالتأكيد وهذا دفعني لتأمل آية أخرى من الكتاب العزيز:-
﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ  ﴾-الروم 41
هنا نرى أن الفساد وهو خروج الشيء عن طبيعته، كما يقول د.محمد راتب النابلسي، يظهر ويعم بما كسبت أيدي الناس...أي ناس سواء أكانوا من المسلمين أو المسيحيين أو اليهود أو البوذيين أو ممن لا دين لهم؛ ونرى مظاهر الفساد في التغيرات المناخية وانتشار بعض الأمراض الجسدية أو النفسية، والتي تسبب بها الإنسان المعاصر بتجاوزه السنن والقوانين التي أودعها الله في الكون مستخدما تقنيات حديثة في الصناعة أثبت العلم ضررها على البيئة وحذر منها الخبراء وما زالوا، وأيضا-وهذا يجب ألا يغيب عن أذهاننا- باقتراف المعاصي وخاصة المجاهرة بها وعدم الخوف من الله تعالى...والمعاصي في زماننا يرتكبها المسلمون كما غيرهم؛ فمثلا اسأل عن شرب الخمور كمثل للمعاصي وكم  مسلم يشربها؟ والأدهى والأمر أنه ظهر بين أظهر المسلمين من يبرر أي معصية أو مخالفة لما هو معلوم من الدين بالضرورة، بأنها حرية شخصية، بدل الاستغفار والستر!
بل هناك ذنب كبير عظيم جاء التحذير منه صريحا في القرآن الكريم:-
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ ﴾-البقرة: 278، 279.
ألا يقوم الاقتصاد العالمي على الربا؟ألم يغرق كثير من المسلمين في وحل هذا الربا؟هل لنا طاقة بحرب من الله ورسوله...والحرب من الله-جل وعلا-ليست على نمط الحروب بين الجيوش والأمم والشعوب...نسأل الله السلامة.
ضربت مثالا عن شرب الخمور والربا فقط، وثمة محرمات أخرى تقترف لا يسع المجال لذكرها وكلنا يلحظها، يقاس عليها نفس الشيء...فلقد فشت المعاصي وصار مقترفوها يجاهرون بها، وصار هناك من يبررها...أليس هذا مدعاة لظهور الفساد في البر والبحر؟...أليس مخالفا لمفهوم وروح الآية(...لعلهم يرجعون) السخرية المستفزة ممن يدعو إلى تقوى الله تحذيرا من وقوع كوارث قد تصيب الصالح والطالح من الناس على حد سوا؟ ثم ألم تنقل الأخبار عن استقبال مساجد للفارين من الإعصار وتلقينهم الأذكار الخاصة عند وقوع مثل هذا البلاء؟لماذا نستهين بفكرة كون المعاصي من أسباب غضب الله الذي قد يظهر بكوارث مثل هذه، ويخف ويزول بالدعاء والاستغفار.
والقرآن الكريم يعلمنا حال هذا الإنسان المتكبر إذا وقع في خطر شديد وخاف من الغرق في البحر مثلا:-
(وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ ۖ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ ۚ وَكَانَ الْإِنسَانُ كَفُورًا ) – الإسراء67
﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ ، فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾-يونس 22+23
أي أن الإنسان المؤمن والكافر، التقي والعاصي حين يقع في الخطر يتجه بالدعاء والتضرع إلى الله وقت الخطر، ولعل ما نسمعه عند وقوع خطر في الطائرات-لم تكن الطائرة قد اخترعت عند نزول القرآن طبعا- كيف أن الركاب وقت حدوث خطر أو طارئ يبتهلون إلى الله أن ينجيهم، والله تعالى يعلم أن هناك من سيتعهد بترك المعصية والبغي، ولكنه لن يلتزم بتعهده، ومع ذلك قد ينجيه الله تعالى.
فلماذا  يجلس بعض المتفذلكين للاستهزاء، والتنظير الساخر من فكرة اللجوء إلى الله تعالى؟!
وللحديث بقية إن شاء الله.
  ،،،،،،،،،،
الأحد  26 ذي الحجة   1438هـ ، 17/9/2017م
من قلم:سري عبد الفتاح سمّور(أبو نصر الدين)-جنين-أم الشوف/حيفا-فلسطين

تويتر: https://twitter.com/SariSammour     @SariSammour  
مدونات:-


  

الاثنين، سبتمبر 11، 2017

هل ينجو الروهينجا؟


هل ينجو الروهينجا؟



بقلم:سري سمّور

الروهينجا ليسوا أول -وربما ليسوا آخر-مجموعة مسلمة في وسط غير مسلم يتم اضطهادها وقهرها ومحاولة استئصالها وإبادتها عبر ارتكاب مجازر وحشية وعمليات تهجير قسري منظم، وليس بالضرورة أن تنجح المحاولات الاستئصالية الإجرامية، مهما بلغت شدّتها ومهما كان حجم التواطؤ الإقليمي أو الدولي معها، ومهما كانت الأمة تعاني من الضعف والهوان.
فبقرار تاريخي، أو بانتهاز لحظة تاريخية حاسمة، قام نجم الدين أربكان-عليه رحمة الله-باقتحام شمال قبرص وأنـقذ المسلمين القبارصة الأتراك من اليونانيين.
قسمت جزيرة قبرص، نعم، فالتقسيم المستمر منذ 1974 والذي لا تعترف به سوى دولة واحدة في العالم(تركيا)خير مما كان سيجري من ذبح سنقرأ عنه ونشاهد بعضا من صوره القليلة في ذلك الزمان، لنضيفه إلى أسفار المآتم والأحزان المتلاحقة منذ مآسي الأندلس ومحاكم التفتيش الفظيعة.
أما شعب البوسنة والهرسك فـقد حباه الله بقيادة واعية وحكيمة عرفت ووعت وعملت بمقتضى مقصد مركزي للشريعة أي حفظ النفس، مدركة وضع الأمة، ووضع الشعب البوسني الجيوسياسي، فعمدت إلى توظيف ما استطاعت من أوراق مهما كانت، وأصرت على المقاومة والصمود في وجه الوحشية الصربية والمجازر وعمليات التطهير العرقي التي تمثل وصمة عار في جبين من يزعمون التحضر والإنسانية، بل شرعوا حقوقا حتى للحيوانات، والتي تم تنفيذها بأيدي وحوش الصرب بدعم مكشوف معلن أو خفي عن الألسن والأعين من دول عظمى وكبرى، فتمكن البوسنيون بتضافر جهود قيادتهم مع مقاومتهم وصمودهم، من انتزاع اعتراف بوجودهم كشعب مسلم في البلقان في نهاية المطاف.
والأمثلة متعددة ولا مجال لسردها،ولكن حاليا العالم الإسلامي حاله ربما أصعب مما كان في أزمنة سابقة، ولا نرى للروهينجا قيادة طليعية، وابتلي هذا الشعب المسكين بجارة السوء حكومة بنغلادش.
وهآرتس تتحدث عن دعم عسكري إسرائيلي للجيش البوذي، وهذه سابقة لأن الكيان العبري كان دوما يحرص على الظهور بمظهر إنساني؛ فحين وقعت مجازر البوسنة والهرسك أدخلوا مجموعة من الأطفال المسلمين الأيتام إلى فلسطين بضجيج إعلامي، وقتها كان الهدف التغطية على اتساع حجم استنكار عمليات القتل والإبعاد في فلسطين...فماذا يريد الإسرائيليون اليوم؟هل يريدون مثلا افتعال نزاع إسلامي-بوذي ؟خاصة أن ما عهده الناس وعرفوه عن البوذيين بعيد عن العنف الفردي أو الجماعي؟ربما ولا يهمنا كثيرا، خاصة ونحن نرى رهبانا بوذيين يحرضون علنا على المسلمين، ويتورطون فيما يجري لهم.
التنظير وهذا الكلام ربما لن يقرأه المضطهدون في أراكان ولكن بعد الاتكال على الله يكمن الحل بتنظيمهم مقاومة استنزافية وحرب عصابات منظمة من جهة، بالتوازي مع جسم سياسي يتحدث باسمهم ويطالب بحقوقهم للحفاظ على بقائهم في بلادهم مع أمنهم على معتقداتهم، متسلحا بنصوص القانون الدولي ليضع قوى العالم الكبرى في الحرج
والمشردون لا حل إلا اعتمادهم على ما يجود به الناس أو بعض الحكومات والمنظمات حتى يأتي أمر الله، وثمة مواقف لا بأس بها من بعض الدول ناهيك عن حالة التعاطف الشعبي في العالم الإسلامي معهم وهذه أوراق قابلة للتعزيز...وعندها سيكون الأمل بنجاة هؤلاء المساكين من المسلمين كبيرا.
ومن المعروف أن القوى الدولية الكبرى حين تحدث جرائم ومجازر تغض الطرف وكأن لسان حالها يقول:نعطيكم مهلة لقتلهم وترحيلهم، فإن رأت صمودا ومقاومة من الطرف المضطهد تبدأ بالتحرك البطيء المتثاقل لإعطاء مهلة إضافية للقتلة، فإن اشتد عود المقاومة وفشلت المجازر في تحقيق أهدافها، تبدأ بالحوار والتفاوض لإيجاد حل...هذا ما تقوله التجربة مع هذا النظام الدولي الغاشم.

أما البكائية التي تتساءل عن الأمة أو التي تعيب على نظام دولي معروف كيف تأسس وهو حفيد محاكم التفتيش وإبادة الهنود الحمر موقفه الذي ليس غريبا بل هو الطبيعي فلن تنقذ المستضعفين في تلك البلاد مما هم فيه، وتوسل هذا النظام وانتظاره لا فائدة منه، ولا تستهينوا بالدعاء مثلما يفعل بعض الناس بحسن أو بسوء نية لأن الدعاء مأمور به شرعا...اللهم كن في عون المسلمين في أراكان وانصرهم واحفظ دماءهم وأعراضهم وبيوتهم وديارهم، وآو مشرديهم، وانصرهم على عدوك وعدوهم.

الأربعاء، سبتمبر 06، 2017

الحفاظ على الوطنية الفلسطينية واجب فردي وجماعي(ج5/5)

5-5   
بقلم:سري سمّور


(7)تآكل وخطر متسارع  

أعرف أنني لن أضيف شيئا إذا قلت ما يقوله جميع الناس من طرفي الانقسام إلى أطراف أخرى إلى المراقبين إلى النخب المحترمة:الانقسام بغيض، وأضر بالقضية الفلسطينية، ويجب العمل على إنهاء وطي هذه الصفحة السوداء من تاريخ شعبنا...ثم ماذا؟منذ أكثر من 10 سنوات وشعبنا يسمع هذه العبارات، حتى ملّ من تكرارها الذي صار كأنه لازمة أو ديباجة أي حديث، ومن كان عمرة 10 سنوات حين بدأ الانقسام صار اليوم في الجامعة، ومن كان شابا صار له ربما بنين وبنات يافعين، ولم تفلح عشرات المبادرات والمقترحات والحوارات والاتفاقيات الموقعة في إنهاء هذا الانقسام.
 هناك من يرى الأمر أعقد وأصعب مما نتصور، نظرا لأن ثمة تداخلات وارتباطات إقليمية ودولية تحول دون المصالحة بين إخوة الدم والوطن والمصير وقبلها المعتقد، وكثرت التحليلات التي تحاول تشخيص المشكلة؛ وبعضها لجأ إلى تعميمات تحمل الاتهام أو الرغبة في راحة الذهن، وكأن الأمر لا يخص أصحابها، علما بأنه يخص كل فلسطيني في العالم، فمثلا تختزل المشكلة بأنها صراع على السلطة، ومع أن هذا البعد أو العامل ليس غائبا ولا وهميا، ولكن من اللاموضوعية بمكان اختزال الأمر فيه، حسنا، هل السبب هو تضارب البرامج السياسية أو اختلافها حد التوازي؟هذا أمر مهم وقد كتبت قبل بضع سنين بأنه ما لم يتم التوافق على برنامج سياسي مشترك فسيبقى الحال على ما هو عليه، ولكن أي برنامج والطرفان يقولان بدولة على حدود  67 أي أن البرامج لم تعد بذاك التناقض الحاد، على الأقل من الناحية النظرية المعلنة...الأمر يحمل البساطة والتعقيد في آن واحد فثمة عوامل سياسية داخلية وخارجية وثمة عوامل أخرى فكرية واجتماعية ونفسية واقتصادية، وكل هذا مجتمعا يكوّن المشروب الأمرّ من العلقم المسمى انقساما...وفي ذات الوقت فإنه يفترض أن يكون الخطر والتهديد بشطبنا من التاريخ والجغرافيا بل-ولا أبالغ- من الوجود دافعا وحافزا نحو التصالح ولو بالحد الأدني.
وأنا إنسان آمن طويلا وكتب ونظّر بأن شعبنا يتوحد في مواجهة الاحتلال ولو اختلفت أطيافه فكريا أو سياسيا، بل يغدو عند المواجهة كما يحب الله تعالى صفا كالبنيان المرصوص؛ ولكن وأقولها بكل ألم وحرقة، شرعت بإعادة النظر بما آمنت به طويلا نظرا للإحباطات المتواصلة حتى على هذا الصعيد؛ فلا الحروب الثلاثة على غزة، ولا الحراك أو الهبة أو الحالة الكفاحية التي انطلقت في الضفة الغربية قبل سنتين، ولا محنة الأسرى، ولا معركة كرامة الأقصى الأخيرة، ولا أي منعطف في الصراع مع العدو أعطى ولو بصيص أمل في شيء من وحدة نتعطش إليها؛ بل وببالغ الأسى رأينا أن كل منعطف أو مرحلة منها كانت تعطي ذخيرة إضافية للمناكفات وزيادة الفرقة...هذا وأنا من عاش فترة كان الحل لشجار بين فتح وحماس في منطقة يحل بشبان من الطرفين يفتعلون تصعيدا مع قوات الاحتلال فتهجم على المنطقة والبقية عندكم...يا حسرة على تلك الأيام!
ولكن المؤكد أن فتح وحماس تتصدران المشهد السياسي الفلسطيني، أحب هذه الحقيقة من أحب، وكرهها من كره، ولم ولا ولن يستطيع أي من الطرفين المتخاصمين إزاحة الآخر من الساحة السياسية أو احتواؤه، ولا يمكن لأي حزب أو فصيل أو حركة أخرى أن تحل مكان أي منهما، لأسباب مختلفة...ولا الأحداث التي عصفت وتعصف بالمحيط العربي منذ بضع سنين استطاعت أن تغير من هذه المعادلة؛ فصعود حركات الإسلام السياسي-مع تحفظي على المصطلح- قبل سنوات لم يفت في عضد نفوذ فتح وقوتها؛ وتراجع هذه الحركات وملاحقتها وشيطنتها لم يضعف حماس ويحد من قوتها وتأثيرها؛ وهذا دليل على أن فلسطين حالة خاصة بغض النظر عن ميول أو تصنيف القوى فيها عربيا، ولا أنفي التأثيرات العربية على الطرفين مباشرة أو غير مباشرة، ولكن تلكم التأثيرات لم ولن تؤثر في الكتلة الصلبة لهما، وأعرف أنني بهذا أخالف ما خطته بحار من الحبر ترى العكس في فترة صعود ثم تراجع حركات الإسلام السياسي...هنا فلسطين وليس مصر ولا سورية ولا تونس ولا ليبيا يا قوم!
ولكن الانقسام انعكس على الواقع الفلسطيني؛ وصار شماعة أو منصة للهجوم على الشعب الفلسطيني، وحجة واهية بل سمجة للتطبيع العربي مع إسرائيل، ومبررا للضغط علينا؛ وهذه حقيقة نعرفها وندركها...ولكننا مصرون على انقسامنا!
وتواصلت تداعيات الانقسام حتى طالت بنيتنا الاجتماعية؛ فلا يمضي يوم دون أن نسمع عن حوادث قتل أو شجارات عائلية، ناهيك عن الحالة التي تلامس التشظي في المشاعر؛ وحالتنا الشعورية لمن عاشها لا أظن أنه كان هناك شعب تمتع بها سابقا، بسبب عموم المحنة والاضطهاد والاستهداف، ولا يمكن فصل حالة الانقسام عن هذه الحوادث، حتى لو كان المتشاجرون-وهم كذلك غالبا-لا شأن لهم لا بفتح ولا حماس ولا بالسياسة كلها، فكما أخبرني أحد الضالعين في لجان الإصلاح فإن الوحدة الوطنية عامل قوي للحد بنسبة كبيرة جدا مما نراه من مشكلات متواصلة.
وهذا التآكل الذي تجلت أعراضه في التمترس حول مخرجات الانقسام أو دوافعه، أعاد بطريقة أو بأخرى حالة انتهت تقريبا مع بداية انتفاضة الحجارة قبل 30 سنة، وأعني العشائرية والجهوية والمناطقية، كبديل تلقائي لتنظيمات انشغل بعضها ببعض...وهذا أمر كارثي يهدد هويتنا الوطنية التي لم يفلح المندوب السامي البريطاني وأنظمة وساسة عرب إضافة إلى الاحتلال بكل ما مكروا وكادوا أن يمسوا بها، فجئنا بانقسام يقوم بالمهمة التي عجزوا عنها، ونحن نزعم أو ربما نظن ونتوهم أننا نحافظ عليها.
كل هذا هيأ المسرح لما صار حديث الصالونات السياسية خاصة الأمريكية والإسرائيلية وبعض الدول العربية-ولو من تحت الطاولة- عن فكرة (الحل الإقليمي) أو (صفقة القرن) بصفاقة وكأنه لا يوجد شعب فلسطيني له فصائله وقواه وفعالياته الرسمية والشعبية...وهذا يعيدنا إلى الوراء ويجعل هويتنا الوطنية في مهب الريح، أو يعيد تفصيلها على مقاس هذا الطرح الخبيث، ما لم يتكاتف الجميع للتصدي بحزم له.

(8)الواجب الآن وفورا

الصورة باتت واضحة وجلية، فالحل الإقليمي الخبيث، والذي هو باختصار يقوم على جعل القضية المركزية هي قضية (الإرهاب) وما أسهل أن يدخل الأمريكان والصهاينة من شاؤوا تحت هذا التصنيف، وليست قضية الاحتلال، وتسوية تقوم أساسا على حل اقتصادي، وصفقة تتعلق بسيناء وغزة مع مصر، وأخرى في الضفة مع الأردن.
بيد فتح وحماس معا إفشال هذا المخطط وبأسرع مما نتصور؛ وليفترضا أن وباء أو مرضا معديا حلّ بمنطقة سكنية معينة، ألا يتعاون الجميع على مكافحته والحد من انتشاره؟هذا يحدث حتى بين الأعداء وليس المتخاصمين سياسيا فقط، نحن أمام وباء لا يستهدف أجسادنا بل روحنا وكينونتنا، طبعا لا أغفل ولا أنكر دور الفصائل الأخرى، بالعكس، ولكنها دون الجناحين الكبيرين لن تحلق!
أما الفرد الفلسطيني سواء أكان في الوطن أو الشتات فمطلوب منه أن يعي خطورة هذا الحل على كينونته وكرامته؛ فكل مال الدنيا لا يساوي دمغة القبول بتصفية القضية، والذل المترتب على هذا الحل، أعجز عن وصفه لو تم لا قدر الله؛ فقط مطلوب الوعي، وعندما تتمكن حالة الوعي من الفرد، فليس بحاجة إلى تنظير لأنه سيعرف دوره في الحفاظ على هويته الوطنية الحقيقية لا المفصلة في دماغ السكير ترامب، أو دماغ الماكرين من الليكود والبيت اليهودي وغيرهم...الفرد الفلسطيني مطلوب منه ليس خطة عمل وكتالوج، لأنه سيوجد لنفسه الخطة فقط إذا أدرك ما يخططون.


  ،،،،،،،،،،
الأربعاء  15 ذي الحجة   1438هـ ، 6/9/2017م
من قلم:سري عبد الفتاح سمّور(أبو نصر الدين)-جنين-أم الشوف/حيفا-فلسطين


مع مذكرات أخطر سفير إسرائيلي في مصر (1)

لدي قناعة أن ذهاب أنور السادات إلى خيار التسوية مع إسرائيل؛ و زيارته المشؤومة إلى القدس في 1977 وصولا إلى توقيع اتفاقات كامب ديفيد في 1979 ه...