السبت، أبريل 28، 2018

التحرر أولوية لا تتعارض مع الإصلاح


القاعدة القرآنية تقول(إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم)؛ فهل التغيير مقتصر على   السلوكيات الاجتماعية وطرق التعامل الفردي والجماعي، أم أن تغيير النفس وفق القاعدة القرآنية في حالتنا نحن، يعني أيضا أو بالأخص إحداث ثورة نفسية عقائدية تجعل أولوية الناس الكبرى هي الفكاك والخلاص والتحرر من الاحتلال، بغض النظر عما يعتري المجتمع من مظاهر سلبية؟
 وقبل كل شيء علينا ألا ننسى أو نغفل أو نقلل من حقيقة مركزية وهي أن المشروع الصهيوني استولى على الأرض وشرّد أعدادا كبيرة من الشعب وأبقى البقية الباقية تحت وطأته اللئيمة بقوة ووحشية السلاح ضمن معادلة دولية وإقليمية تتقاسم بطريقة أو بأخرى الدعم أو التواطؤ أو العجز أو الصمت أو اللامبالاة، وهذه بمجموعها كفلت استمرار هذا المشروع فعليا 70 سنة حتى الآن.
أي أن القوة بمفهومها المادي(المال والسلاح) هي العمود الفقري لهذا المشروع السرطاني، وبالتالي عدم امتلاكها أو امتلاك ما يمكن منها للتصدي له، لم ولن يفضي إلى تحرر حتى لو صرنا جميعا حملة شهادات دكتوراه وما فوقها من هارفارد وأكسفورد والسوربون، وتحولنا جميعا إلى مدونات (إيتيكيت) تمشي على الأرض، ولم تعد آذاننا تسمع أو عيوننا ترى أي مظهر غير لائق أو بعيد عن الذوق والنظام في الشارع أو السوق أو المسجد أو المدرسة أو المشفى أو أي مكان...إذا سلمنا واقتنعنا بهذه الحقيقة وهيمنة هذه المعادلة فلن يكون ثمة خلاف، وسنتوصل إلى مقاربة معقولة...ولكن يبدو بأن هناك من يرى عوار هذه الفكرة أو المفهوم.
وفي كل الأحوال هل يجب أن نظل في انتظار تحررنا من الاحتلال، بغض النظر عن الكيفية، حتى نزيل ما يعترينا من سلوك سلبي على مستوى الأفراد أو الجماعات؟ هذا سؤال يطرحه كثير من الناس من مستويات مختلفة، ولديهم من الأمثلة أو العينات نبع لا ينضب:-
·     هل الاحتلال يجبرنا على مظاهر النفاق والبذخ على الحفلات والمناسبات، والتي تستهلك موازناتنا المتواضعة، حبّا وشغفا بمظاهر زائفة، فنغرق في القروض والديون؟!
·     هل الاحتلال هو المحفّز على التعدي الصارخ على الممتلكات العامة خاصة الشوارع والطرقات؛ تارة بإغلاقها لإقامة حفل ما، أو استخدامها لتوسعة محال تجارية، أو توسعة بيوت وبنايات، أو اللامبالاة بنظافتها برمي النفايات في غير مكانها المحدد.
·     لماذا نقف بانتظام و(أدب) أمام شباك تجلس وراءة مجندة صهيونية أثيوبية أو روسية لا تعرف الاغتسال والطهارة، وبالتأكيد ليس لها كثير حظ من علم أو ثقافة، بينما تسود الفوضى أمام شباك لنا يجلس خلفه ابن/ابنة شعبنا المتعلم/ة كريم/ة المحتد، ونفتعل المشاجرات والمماحكات، وكثير منا يحاول تجاوز دوره لإنجاز معاملته؟!
·     ألا يلتزم السائق أكثر عند وجود شرطة الاحتلال بقواعد السلامة المرورية، ويتخفف منها في الشوارع الأخرى ضاربا عرض الحائط كل التحذيرات والإرشادات والقوانين التي جاءته ربما من ابنه أو قريبه أو جاره أو ابن شعبه كأبعد تقدير، حرصا على سلامته وسلامة غيره؟
·     وفي سياق الكلام عن السائقين والركاب؛ وسلفا أشدد فيما سبق وفيما يلي على اجتناب التعميم، ألا يقوم بعض سائقي المركبات العمومية، إذا ضمنوا ألا شرطة احتلال في مسار سفرهم، بتحميل عدد أكثر من المسموح به من الركاب الذين دفعوا جميعا أجرة، ويتم حشر عشرة أو أكثر منهم في مركبة سعتها وفق تصميمها والقانون والرخصة، سبعة فقط، دون اكتراث بحالتهم الصحية أو النفسية وغيرها مما لا يخفى عليكم؟وبما أن الصيف يقترب، كم من السائقين لمركبات العمومي، يمتنع عن تشغيل التكييف في القيظ بدعوى وحجة مكررة شبه دائمة(المكيف خربان) بهدف توفير ملليلترات قليلة من الوقود، أو تقليلا لعزم وجهد محرك(ماتور) المركبة الذي صار عنده أهم من أرواح وصحة الناس الذين ينقلهم؟
·     هل أجبرنا الاحتلال على قطع الأرحام؟وهل ما يجري ليس فقط بين عوائل مختلفة متخاصمة بل داخل العائلة الواحدة من خصومات ونزاعات متواصلة، يدع متسعا للتفكير بالتحرر؟...ألا يمكن أن يؤدي نزاع على بضعة أمتار من الأرض بين عائلتين أو إخوة من عائلة واحدة إلى استخدام  السلاح الناري والأبيض، بينما  لو صادر الاحتلال مئات الدونمات بقرار عسكري من بضعة أسطر، تسود العقلانية والتحلي بالحلم والتروي، عند من أشهروا البنادق والسكاكين في وجوه بعضهم؟!
أعلم أن هذا غيض من فيض، وأن كل واحد منا يمكنه سرد أضعاف هذه الأمور السلبية أو الكارثية حتى، وأن هناك نظرية وقناعة عند بعض منا وهي أنه لا يمكننا تحرير أي شبر من أرضنا، ما دام هذا حالنا، وتسود حالة من اليأس سواء من إصلاح الحال، ناهيك عن التحرر من الاحتلال.
ويجب ألا نبالغ في تبرئة غير مقصودة لهذا الاحتلال من كل الرزايا والكوارث في مجتمعنا؛ فما خلقته سياسات الاحتلال، وما قام به من تمزيق للأرض والشعب، سيفرز مشكلات مختلفة اجتماعية واقتصادية ونفسية...هذا مؤكد، وبالتالي فإن إلقاء المسئولية على المشروع الصهيوني حتى لو تشاجر رجل مع امرأته، أو جار مع جاره، ليس إفراطا في تبرئة الذات...ولكن يجب معالجة الظواهر والإفرازات السلبية ومحاصرتها، والعمل على الحد من انتشارها، وفي العقل الباطن النظر إلى أن الصهيونية هي السبب.
ومن جهة أخرى فإن كثيرا من الظواهر السيئة في حال تمركز المجتمع وراء فكرة الخلاص والتحرر من الاحتلال، إما ستختفي تلقائيا، وإما لن تشغل الأذهان والعقول بحيث لا يرى الواحد منا سواها.
والسعي لإصلاح الأحوال والتصدي لكل ما هو مؤذ من سلوك أو مظهر، أمر لا يتضارب ولا يتناقض مع العمل على التحرر، على وجه الإطلاق، فلا يجوز أن يعطل العمل المقاوم بدعوى ضرورة أو أولوية الإصلاح، ولا يجوز أن يؤجل التصدي لأمراض اجتماعية وتفرعاتها بدعوى التحرر...بل إن كل أمر مكمل للآخر، شريطة عدم الخلط في التخصصات والقدرات، فمن ينجح في حقل أو مجال قد يفشل في حقول ومجالات أخرى.
ويقينا فإن الموازنة بين الأمرين ليست بالأمر السهل، ولكن من المؤسف أن تتراجع فكرة التحرر بحيث لا تكون على سلم الأولويات، أما أسئلة ما بعد التحرر فعوضا عن القول أن نتركها لوقتها، ولكن أيا يكن الأمر فلا شيء أسوأ من الاحتلال، فالاحتلال هو استعباد وإذلال ووأد النفس البشرية ولمّا تخرج الروح منها...وبرأيي ثمة أمور يمكن تأجيلها والتخلي عنها إلى حين استئصال الورم السرطاني، وانشغالنا بها لربما هو الذي أدخلنا في هذا الجدل والحيرة والاختلاف حول الأولويات.
    ،،،،،،،،،،
السبت 12  شعبان    1439هـ ، 28/4/2018م
من قلم:سري عبد الفتاح سمّور(أبو نصر الدين)-جنين-أم الشوف/حيفا-فلسطين


تويتر: https://twitter.com/SariSammour     @SariSammour   

الثلاثاء، أبريل 24، 2018

نظريات وأسئلة التحرر



 بقلم:سري سمّور

في صغرنا كان بعض معلمينا الكرام –رحم الله الأحياء منهم والأموات- يقولون لنا بأن التحرر من الاحتلال ينبني وجوبا وشرطا على تحصيل العلم والمعرفة، وذلك من بابين أولهما أن العلم كان وسيلة الاحتلال لابتكار وصناعة الأسلحة الفتاكة وإذا امتلكنا ما يمتلكون من العلم سيكون بمقدورنا (تفجير الذرة) واختراع السلاح مثلهم؛ وثانيهما أن الدول العظمى والكبرى حين ترى شعبا متعلما مثقفا(الخلط بين العلم والثقافة كان وما زال سائدا) سترفع صوتها بأنه شعب جدير بالتحرر ولا مجال لبقاء الاحتلال...وكالعادة تضرب الأمثلة عن هذا البلد وذاك الشعب لإثبات صحة هذه النظرية في التحرر.
وعليه كان هناك نقد علني أو ضمني لخوض المواجهات مع الاحتلال، لأن سلطات الاحتلال-وفق النظرية أعلاه- تفرض غرامات مالية تشتري بها رصاصا وأدوات قمع أخرى تزيد من وطأة الاحتلال، وكما نعلم فإن معظم من انخرطوا في العمل المقاوم المباشر الصلب هم من اختاروا استبدال زنازين السجون والمعتقلات بمقاعد الدراسة...وهذا من وجهة نظر أساتذتنا خطأ فادح لأن التعليم مقدم على غيره!
كبرنا قليلا فكان منبر الجمعة وغيره يقدم لنا خطابا مفاده:حين يصبح عدد المتسابقين لأداء صلاة الفجر جماعة مساويا لعدد القادمين إلى صلاة الجمعة، فإن النصر سيكون حليفنا، وأضيفَ إلى ذلك هجوم حاد على المظاهر غير الأخلاقية أو بعض مظاهر اللباس عند الشباب والفتيات.
وقد تضافر ذاك الخطاب إلى حد ما مع طرح بعض فصائل العمل الوطني التي حذرت بأن السقوط الأخلاقي يسهّل أو قد يسبب السقوط الأمني، لا سيما مع وجود حوادث  كشفت عن أفراد كانت فاتحة خيانتهم لوطنهم وشعبهم هي الانفلات الأخلاقي والسلوكي(كالزنا والمخدرات والقمار).
وآخرون رأوا أن النظافة والنظام والترتيب هي مفتاح التحرر من هذا الاحتلال البغيض؛ وكانوا للدلالة على صدق أو دقة تصوّرهم وتشخيصهم ينقلون قصة لا أدري، ولم ولن أشغل نفسي بالبحث عن صحتها تقول بأن زعيما صهيونيا(تارة قالوا بيغن وتارة رابين وتارة شامير...إلخ) قال بأن العرب سيتحررون منا حينما يصعدون إلى الحافلة(باص الركاب) بنظام دون تزاحم وفوضى!
وآخرون رأوا بأن الحل يكمن في (القنبلة الديموغرافية) أي بإنجاب عدد كبير من الأطفال وزيادة عدد أفراد كل أسرة فلسطينية إلى ضعف المعدل الموجود؛ وأيضا أصحاب هذا الرأي دعموه بمقولة لزعيم إسرائيلي(سيهزمنا الفلسطينيون من غرف النوم ومقاعد الدرس)!
جرت الأيام وسارت السنون وخاض شعبنا غمار انتفاضتين في أقل من عقدين من الزمن ولم يبق بيت إلا وأصابه نصيب من الشهادة أو الاعتقال أو الإصابة أو الضرر، وكان طوفان المواجهات وما فرضته من واقع جرف أو جعل النظريات والتنظيرات المذكورة وغيرها تختفي؛ إما لأن هذا الواقع  بحكم الصيرورة والسيرورة ضمنا قد حطم أو حجّم أشياء معينة، فمثلا الانتفاضة الأولى قضت على كثير من المظاهر اللاأخلاقية، أو لأن ما تخلقه المواجهات الخشنة المباشرة من استنزاف وتحفّز فطري يجعل العقول والأذهان في حالة تركيز إجباري على تفاعلاتها ومخرجاتها وظروفها الموضوعية.
 وصار عندنا عدد كبير من المتعلمين وحملة الشهادات الجامعية في الداخل والخارج، وتفكير عدد كبير منهم  في تحقيق الذات، وليس الصدام مع  الاحتلال شاغلهم الأكبر، وإذا كان هناك من يفكر بتسخير علمه لمقاومة الاحتلال أو يظن العدو أنه كذلك، فإن رصاص الموساد جاهز للإجهاز عليه، وما حادثة اغتيال المهندس (فادي البطش) في ماليزيا قبل أيام قليلة إلا مثال من أمثلة...وعلى كل لم تكن شهاداتنا الجامعية قنطرة للعبور إلى ساحة العلم الموازي/المكافئ لما حازه العدو، ولا أبحث عن الأسباب بقدر استعراضي للنظريات وما كان من واقع وأحداث تكفلت بتثبيطها.
وزاد عددنا وتضاعف، وحسب إحصائيات إسرائيلية فإننا بين النهر والبحر هذا العام 2018 أكثر من عدد اليهود...وامتلأت المساجد بالمصلين، وصار تارك الصلاة محل انتقاد اجتماعي نوعا ما، ومثله من يفطر في رمضان بغير عذر شرعي...أما مظاهر الفوضى(فردية أو جماعية) والسلوك غير المنضبط فبعضنا يراها كثيرة، وبعضنا يراها ضمن حد طبيعي لأي مجتمع في العالم، وليست خارجة عن المألوف عند أي شعب ظروفه أفضل من ظروفنا.
ولكن مع كل ما جرى ويجري من حراك ميداني أو سياسي وتغير في الأحوال الحياتية، ما زالت فلسطين تحت الاحتلال وأرضها ينهشها التهويد والاستيطان والقدس في خطر أكبر من أي وقت كان، واللاجئون في المخيمات تعاقبت عليهم الأزمان.
وهناك من يرى أن سلبيات كثيرة عندنا يمكننا القضاء عليها دون (تعليقها على شماعة الاحتلال) وأن هناك مظاهر في الشوارع والأسواق إضافة إلى المعاملات فيما بيننا يطغى عليها الخطأ والخلل، وأنها يجب أن تصحح وتصوّب بلا تأخير ولا انتظار للتحرر من الاحتلال، بل يزيدون بأنه لا مجال ولا يمكننا التحرر من الاحتلال دون إصلاح تربوي وسلوكي واجتماعي، لأنه-من وجهة نظرهم-لن نتحرر وهذا حالنا؛ ويضربون أمثلة ويستعرضون مظاهر متعددة بنوع من الغضب...وتلحظ أن غضبهم من السلبيات التي يصطدمون بها أو حجمها في أعينهم أكبر من حجم (معاليه أدوميم وأرئيل) يغلب إلى حد كبير على مجرد التفكير بالتخلص من الاحتلال.
هنا عدنا في كهولتنا إلى مرحلة صغرنا من حيث السؤال المكرر:أيهما مقدم على الآخر؛ إصلاح  الحالة الذاتية وتطويرها وتنميتها، أم بذل الجهد والسعي للخلاص من الاحتلال؟أم أنهما قطبان لا يتنافران ومبدآن لا يتعارضان؟
ويظهر سؤال آخر أكثر صخبا:هل التحرر من الاحتلال حتى لو تحقق سيسحق المظاهر السلبية في مجتمعنا تلقائيا بالضرورة، أم أنه قد يكون مقدمة لزيادتها حد المضاعفة المتوالية؟
سأجيب بما فتح الله عليّ عن هذه الأسئلة وما يتفرع منها في مقال قادم بمشيئة الله تعالى.
    ،،،،،،،،،،
الثلاثاء 8  شعبان    1439هـ ، 24/4/2018م
من قلم:سري عبد الفتاح سمّور(أبو نصر الدين)-جنين-أم الشوف/حيفا-فلسطين


تويتر: https://twitter.com/SariSammour     @SariSammour   

الأربعاء، أبريل 11، 2018

الثقة بطبيعة الأرض والشعب


بقلم:سري سمّور

ما هذه البقعة من الأرض التي تكاد تصوغ أحوال سياسة واقتصاد الدول العظمى والكبرى والصغرى جميعا؟ أي سحر فيها؟إذا لم يكن سحرا فأي لغز وأي سرّ خفي يجعلها مختلفة؟مساحتها ليست كبيرة (27009 كيلومتر مربع) وموقعها على أهميته هناك أقاليم وأراض أخرى موقعها مهم وحيوي وحساس، فلماذا هي؟
خطط قصيرة ومتوسطة وبعيدة المدى عبر قرنين لجعلها غير ما هي لم تنجح، وأموال تفوق ما كان لقارون من ذهب أنفقت ولم تفلح بشطبها؟وتواطؤ ومؤامرات وجيوش علنية وأخرى خفية لم تنتصر على كينونتها، وما حولها من بلاد في كل حقبة يُصهر ويقولب كي تتغير (هي) ولكنها تخرج كل مرة من تحت ركام الهزائم والمؤامرات والمكائد والأحزان واليأس مرفوعة الرأس تكبّر تكبيرات الإعلان على أنها ما زالت حيّة وقوية.
قد يبدو الكلام السابق عن فلسطين نوعا من الإسراف في العواطف وضربا من ضروب النرجسية المبالغ فيها، واختزالا لا يخلو من شوفينية، وابتعادا عن حقائق ماثلة، ووقائع مرئية سياسيا وعسكريا غير ذلك بل عكسه إلى حد كبير.
ولكن لو نظرنا إلى الوراء لرأينا غزو الفرنجة ينتهي ويقفل عائدا إلى وراء البحار، لتعود الأرض إلى طبيعتها وتعود بيت المقدس وتندثر (مملكة القدس اللاتينية) وكأنها لم تكن، مع كل سيل الدماء الذي أهريق لترسيخ وجودها هنا؛ ونظرة أخرى نرى أن المغول الذين اكتسحوا المشرق بجحافلهم الرهيبة، حتى ظن من ظن أنهم ليسوا من طينة البشر، وأن هزيمتهم محال ولو في أحلام اليقظة، يهزمون هنا في عين جالوت، ولا يظل من زحفهم سوى ذكريات القتل والحرق والدمار، ونظرة أخرى نرى حلم نابليون بونابرت الامبراطوري يتهاوى عند أسوار عكا.
أما المشروع الصهيوني؛ فمنذ قرن ونيف، وكل قوى الاستعمار والشر، تسعى لتثبيته وجعله حقيقة تاريخية وجغرافية، وحالة جيوسياسية مقبولة عند القاصي والداني، وأن يستسلم أهل فلسطين، أو على الأقل أن تمحى من ذاكرتهم حقيقة الأرض قبله، فما زال يعيش هوس الشرعية التي لم يستطع انتزاعها، مع أن وجوده هنا يحظى بدعم عضوي كامل من أكبر امبراطورية عرفها التاريخ الإنساني، وعجز وضعف وتواطؤ وفشل من القريب والبعيد، ويقف حائرا أمام واقع صارخ بأن لهذه الأرض أهل لم ولن ينسوها، ولا يتوقفون عن المطالبة بحقهم بتقادم الزمن، أو تغير الظروف سياسيا وميدانيا لغير صالحهم، ولا يجد إلا القوة والبطش لمواجهة هذه الحقيقة، وكلما ازداد غطرسة وبطشا وفتكا، وظن أن الصفحة الحقيقية غير المزيفة من الكتاب قد طويت، ما يلبث أن يراها تظهر بوضوح أمام من يقرأ أو لا يقرأ، وأمام ناظريه خصوصا.
الكلام ربما كما قلت فيه شحنة عاطفية، ولكن ما العيب في ذلك؟ويبقى سؤال مهم: هل الوقائع على الأرض تدفع إلى التفاؤل؟ألا يعيش المشروع الصهيوني حالة تفوق عسكري حد العربدة وتطور اقتصادي وعلمي وتقني وطبي، واستقرار نظامه السياسي نسبيا فيما محيطه العربي غارق في صراعات دامية، ويهرب كثير من جحيم هذه الصراعات يطلبون اللجوء والأمان لدى من أسسوا أو على أقل تقدير يريدون بقاء الكيان العبري؟ألا تسود مظاهر الفقر والبطالة والتخلف في هذا المحيط، مما يجعل تفكير الناس محصورا في البقاء على قيد الحياة، بل هناك من يلجأ إلى الانتحار يأسا وضيقا؟ألم ينتقل العرب ممثلين بنظامهم الرسمي، من المطالبة بشيء من فلسطين، مقابل تطبيع العلاقات مع مغتصبها، إلى الهرولة للتطبيع دون هذا الحد الأدنى من الحقوق، بل إلى الضغط العلني والخفي على الفلسطينيين للقبول بتهويد أرضهم والاستسلام إلى حالة يكونون فيها أشبه بغرباء مهاجرين وهم في أرضهم؟هل هذا يبعث على تفاؤل ولو ضئيل؟
نعم، الوضع أسوأ حتى من هذا، ولكن ثمة ما يدفع ليس فقط إلى تفاؤل مرده عاطفة وشعارات، بل إلى أمرين اثنين؛ الأول: طبيعة الأرض التاريخية التي أثبتت أن الغزاة فيها لا يعمرون ولا يستمر ظلمهم في مقياس الأمم والشعوب، والمقارنات كثيرة، والثاني:شعب فلسطين دوما يظل بركانا خامدا، ولكن هذا البركان سرعان ما يثور في توقيت يجعل كل الحسابات والرهانات والخطط في خبر كان؛ فشعب فلسطين إذا كتب الآخرون كل السطور وشرّقوا وغرّبوا وتجاوزوا وتفننوا في صياغات تنم عن تصديق زائف بأن هذا الشعب في حالة موت أو موات، فإذا بشعب فلسطين يكتب السطر الأخير الذي ينقض كل السطور الواهمة.
ولا مجال لاستعراض شامل ولكن فليتذكر من شاء أن يتذكر:عند وضع قضية فلسطين في مرتبة غير متقدمة لمخرجات مؤتمر القمة العربية في 1987 لم يأتي العام اللاحق إلا وهو حامل لحقيقة ومصطلح وواقع جديد اسمه الانتفاضة، وحين شرع بعض العرب بالتطبيع متسترين بدعوى عملية التسوية السلمية وحين صار هناك تفكير بصياغة وصف للحالة بأنها مجرد صراع سياسي أو حدودي أو مجرد(اختلاف في وجهات النظر) بين (جارين) وسال لعاب بيل كلينتون وهو ينظر إلى جائزة نوبل للسلام، وامتلأ صدر باراك بالزهو، وأنه سيخلد اسمه كمن أقفل كتاب الصراع بانتصار سياسي، وراودته فكرة التعويض النفسي على حساب فلسطين شعبا وأرضا بعد اندحاره من جنوب لبنان، كانت انتفاضة الأقصى...ربما هناك ظن بل تصور وقناعة متصاعدة بأن الظروف جميعها تغيرت، وأنه لن يسمح للشعب الفلسطيني بأن يكتب حرفا واحدا إلا ما يملى عليه،...ولكن طبيعة هذه الأرض المباركة، هي كما ذكرت، وشعبها الذي ثبت بالتجربة تلو الأخرى أنه الكاتب لأهم كلمة وأعظم سطر، تقول ساخرة:لا ننصح بالتجربة من جديد ولكن إن عدتم عدنا!
    ،،،،،،،،،،
الأربعاءء   24 رجب    1439هـ ، 11/4/2018م
من قلم:سري عبد الفتاح سمّور(أبو نصر الدين)-جنين-أم الشوف/حيفا-فلسطين


تويتر: https://twitter.com/SariSammour     @SariSammour   

الخميس، أبريل 05، 2018

رفعت اسماعيل...مؤنس رحل





 كانت إجابته على رسالة من قارئ أو قارئة فيها سؤال  عن عمره وما شابه، عمري 68 عاما، وأضاف:أنت لا ترى اسم المؤلف إلا على الغلاف، وتعيش مع د.رفعت اسماعيل، ولهذا كان يجيب عن الأسئلة والتعليقات والملاحظات بتوقيع هذا الاسم.
حقيقة كانت مشيئة الله تعالى ألا يعيش (أحمد خالد توفيق) أكثر من 56عاما، فلم يصل لعمر بطله الأول الذي شحذ خيال الفتية والشباب ومن شاء من الكهول والعجائز، ولكن الرجل فعلا في حياته الحقيقية كما الروائية جمع بين الطب والأدب، في ثنائية تكاد تختفي من عالمنا، خاصة منطقتنا العربية.
لست هنا في معرض الحديث عن سيرة الرجل الذي غادر دنيانا حيث توفي الإثنين 2نيسان/أبريل 2018 بعد تعرضه لنوبة قلبية حادة كما قالت وكالات الأخبار التي نقلت خبر وفاته، فسيرته موجودة لمن يريد معرفتها بإجمال أو تفصيل، بل أخط هذه السطور وأنا أستعيد ذكريات مختلفة تختلط فيها مشاعر البهجة والغموض والرغبة في معرفة المزيد والمزيد عند بداية  تعرفي على عالم الكاتب من خلال رواياته طبعا...وكان هذا يكفيه كما قال في أكثر من حديث أو مقابلة أو مراسلة، فهو لم يضع لنفسه حالة من القداسة ولم يحاول الدخول في عالم الشخصية الساحرة، ورفض لقب العرّاب، بل على العكس تماما فقد سعى إلى ألا ينشغل القارئ بشخصه، واعتبر أن هذا ليس تواضعا بقدر أن جهل الإنسان وضعفه كاف وطاغ كي لا يفخر بشخصه.
وحتى بطله الذي عشنا معه في سلسلة (ما وراء الطبيعة) أي د.رفعت اسماعيل لم يكن مثل أبطال غالبية الروايات والقصص والملاحم الشعرية ناهيك عن أبطال الأفلام السينمائية والمسلسلات التلفزيونية؛ فرفعت اسماعيل فشل في الحب وفي الزواج، وهو ليس وسيما صاحب طلة بهية، ومزاجي وفوضوي ومدخن شره جدا...ومع ذلك نال رفعت اسماعيل محبة القارئ وإعجابه، وانسحب الحب والإعجاب والتقدير تلقائيا نحو صانع هذه الشخصية الراحل د.أحمد خالد توفيق.
لقد نجح في تمرير المعلومات التاريخية وتبسيط هضم العديد من الحقائق العلمية والطبية بين دفتي روايات اسمها معها(الجيب) زهيدة الثمن ذات ورق ليس بالفاخر وغلاف ورقي متواضع جدا؛ قدم المجتمع بنقد ساخر، وجعل من التسلية محاضرة علمية لا يتسلل الملل إلى الجالس فيها.
كثيرة هي الأمور التي يمكن أن نتحدث عن الراحل، أو بالأحرى أعمال الراحل فيها، ولكن لأن الأمر شخصي محض، أعني أن ما أخطه هنا يتعلق بانطباعاتي الشخصية عن الراحل وليس دراسة أكاديمية أو نقدية أو غير ذلك، فلن أغرق في تفصيلات كهذه؛ ويكفي أن أشير إلى أنني لم أعرف ولم أسمع عن الكاتب الأمريكي إدغار ألان بو(Edgar Allan Poe) إلى من خلال رواية جيب من أعمال الكاتب حملت عنوان(أسطورة بو) وحين قرأتها أنا وشقيقتي، دار جدل حاد بيننا؛ فشقيقتي التي كانت مثلي وقتها طالبة جامعية في كلية العلوم(تخصص رياضيات) وكنت أنا طالبا في نفس الكلية(تخحصص حاسوب) قالت أن شخصية الكاتب بو، مثلها مثل شخصيات أخرى ابتكرها الكاتب ونسب لها سيرة ذاتية مبتدعة مع نصوص من الشعر والقصص؛ ولكن أنا ربما بحدس المعرفة راهنت أن بو هو فعلا كاتب أمريكي شهير، وهرعت إلى مكتبة الجامعة ومكتبتين عامتين في جنين ونابلس، فلم أجد سوى بضع قصص من ضمن مجموعات قصصية للكاتب بو، ولكن عثرت على كتاب سيرة ذاتية في مكتبة الجامعة يتناول سيرة بو؛ ومع أن الكاتب(ديفيد سنكلير) قد خالف ما جاء في رواية أحمد خالد توفيق في عدة أمور، ولكن حملت هذا الفضل للراحل؛ فقد توغلت وفق المتاح في عالم إدغار ألان بو، من قصائد وأشعار، وقصص قصيرة، بما هو مترجم وبنصوص إنجليزية اجتهدت في ترجمتها، حتى توسعت المادة من خلال تطور الإنترنت عبر سنين.
وقد كان الشح والنقص في المكتبات التي تبيع سلسة ما وراء الطبيعة حاضرا عندنا، فليست كل الأعداد متوفرة لذلك ابتعت بعضا من جنين وبعضا آخر من مكتبة كانت تتوفر فيها كثير من النسخ في طولكرم، ولكن شغفي دفعني إلى الطلب من صهري الذي كان يحضر لأطروحة دكتوراه في القاهرة أن يأتيني بما نقص منها، وقد جاءني مشكورا بمجموعة مما طلبت.
كان علينا الانتظار سنوات حتى نرى رفعت اسماعيل بهيئة أحمد خالد توفيق(أو العكس لا أدري) عبر شاشة  الجزيرة لأول مرة بشحمه ولحمه بعدما كانا نراه فقط على غلاف الأعداد، وبشغف تابعت ما يكتب على حسابه في تويتر، ولم يتسن لي لكثرة المشاغل وضيق الوقت متابعة حوارته المتلفزة الأخرى، ولكن هذا ما سأجتهد له إن شاء الله في قادم الأيام.
في(العساس) سلط الضوء على التاريخ والسياسة والأسطورة؛ ولفت نظرنا إلى مكوّن مهم في منطقتنا العربية وتحديدا في شمال أفريقية وأعني الطوارق(التبو) والرسومات الغامضة التي تشير إلى كائنات فضائية في هضبة تاسيلي، وكل هذا بأسلوب ماتع لعب على وخز عصب الرعب والتشويق للقارئ، ودفع من في نفسه فضول إلى معرفة هذه الأمور، ولم أكن أعرف منها وقتها إلا ما يخص الاحتلال الإيطالي لليبيا وجرائمه، ومعلومات عامة عن الطوارق...نعم د.رفعت يعطيك مفاتيح أو شيئا من بضاعة جيدة كعطار يحذيك، فإن شئت فأمامك الكتب والمراجع للتوسع أو لمراجعة ما يقدمه.
رفعت اسماعيل لم ينجح فقط في إدخالنا إلى سراديب وغرف الأشباح ومواجهة المذئوبين ومصاصي الدماء وأكلة لحوم البشر، كي نحصر الرجل في (أدب الرعب) فقط؛ فقد صنع لنا مرآة اجتماعية رأينا فيها طبيعة أشخاص نتعامل معهم في حياتنا اليومية، ووصفها برشاقة لغوية، شعرنا وكأنه يتحدث عما تكنّه صدورنا نحو أشخاص وظواهر اجتماعية.
لقد كان مؤنسا بدور المعلم والطبيب والمؤرخ غير الممل، وحملت مرقوماته التسلية المفيدة...وإذا كان الطبيب رفعت اسماعيل قد فشل في حب(ماجي) ولم يتم زواجه من خطيبته(هويدا) وسيموت عزبا في شقته في القاهرة، فإن الطبيب  أحمد خالد توفيق تزوج من د.منال وأنجب منها (محمد ومريم) وتوفي في مستشفى الدمرداش، فرحمة الله عليك يا مؤنسنا، وعزاء حار لزوجك وأولادك وأهلك ولمحبيك وبهذا أعزي نفسي.

  

مع مذكرات أخطر سفير إسرائيلي في مصر (1)

لدي قناعة أن ذهاب أنور السادات إلى خيار التسوية مع إسرائيل؛ و زيارته المشؤومة إلى القدس في 1977 وصولا إلى توقيع اتفاقات كامب ديفيد في 1979 ه...