السبت، نوفمبر 24، 2018

ما الذي يميز " المبادرة الوطنية"؟


بقلم:سري سمّور

 استعرضت في المقال السابق (المبادرة الوطنية:وجود في الساحة وإخفاق في المنافسة) ظروف انطلاق المبادرة الوطنية الفلسطينية، وأنها عجزت أو فشلت في التحول إلى تيار ثالث منافس للقطبين(فتح-حماس) ولكنها أثبتت وجودها وحضورها على الخريطة السياسية الفلسطينية، والآن أوجز مزايا وإيجابيات المبادرة،  وفي المقال القادم سآتي على سلبياتها التي لعبت دورا رئيسا في عدم قدرة المبادرة على المنافسة ولو جزئيا، وتقديم برنامج حقيقي منافس.  

مزايا وإيجابيات:-

1)  حسمت المبادرة على لسان د.مصطفى البرغوثي موقفها من الإسلام، بدفع شبهة اعتناق الأفكار الإلحادية عنها تماما، والبرغوثي اعتبر الرسول محمد-صلى الله عليه آله وسلم- صاحب رسالة نبوية وحاملا لتغيير اجتماعي(المبادرة حزب اجتماعي وسياسي) وفيما يخص التيار الماركسي، أعلن بوضوح أنه استقال وخرج منه، ولم تعد له علاقة معه، بل ثمة من عمل في صفوف المبادرة وهو إمام مسجد...وبهذا الإعلان شكلت المبادرة أول حالة مراجعة جريئة للأفكار والمعتقدات والتصورات في جسم اليسار الفلسطيني الذي يحتاج إلى تلكم المراجعات منذ انهيار الاتحاد السوفياتي، وصعود التيار الإسلامي في الساحة الفلسطينية...طبعا هذا لا يعني أن المبادرة حسمت كل الملفات بخصوص نظرتها إلى الإسلام، فهي ما زالت تنظّر ضد(الأصولية) دون الإفصاح عن ماهية الأصولية التي تنتقدها وتغمز من قناتها، كما أنها حريصة على الظهور بمظهر(علماني- تقدمي) ولعل هذا ما انعكس سلبا على صعودها في ظل تجذّر التدين في المجتمع الفلسطيني، والذي ما زال على مستوى المزاج العام غير مستوعب لفكرة اختلاف  المبادرة عن الحالة الماركسية الحزبية التي خبرها في قوى وحركات أخرى قبل عقود.
2)  استطاعت المبادرة العمل بأساليب نضال سياسي وإعلامي ليست جديدة في جوهرها على شعبنا، ولكنها حرصت على تفعيلها ومراكمة جهدها فيها، وجذبت أو جلبت متضامنين من الدول الأوروبية إلى قلب الأرض المحتلة، ليشاهدوا عن كثب جرائم جيش الاحتلال الإسرائيلي، وبطش جنوده، مما كان له دور في تشوّه الصورة(الوردية المثالية) التي رسمتها إسرائيل عن نفسها في شتى البلاد الغربية، على مستوى القاعدة والفعاليات الشعبية...صحيح أن المتضامنين الأجانب يسهل اختراقهم من قبل المخابرات الإسرائيلية وضباطها الذين قد يندسون بينهم كونهم يحملون جوازات سفر أجنبية أصلية أو مزورة، أو قد يجندون بعض المتضامنين، ولكن هذه الاختراقات لم تحل دون تحوّل إسرائيل في أعين  أوساط واسعة عند أكاديميين وطلبة وفنانين أجانب، إلى دولة متوحشة مجرمة، جنودها يحاصرون المدن والقرى ويقتلون الأطفال، وينكلون بالمواطنين العزّل بسادية مفرطة، خاصة عندما تعرض المتضامنون الأجانب أنفسهم إلى اعتداءات متكررة من قبل قوات الاحتلال.
طبعا لا يمكننا اعتبار هذا التضامن حالة بديلة وكفاحا كافيا لأن إسرائيل ترى أن أمنها فوق كل الاعتبارات بما في ذلك رأي الأوساط الغربية الأكاديمية والطلابية فيها.
ومما ساهم في تفعيل هذا اللون/النوع من النضال، وسائل الإعلام والاتصالات الحديثة من فضائيات وإنترنت، مما كسر احتكار الكلمة والصورة والخبر من قبل شركات ومؤسسات إعلامية تتبع إسرائيل أو تتعاطف معها بشكل مطلق.
وقد نشطت المبادرة في هذا السياق في مسألة جدار الفصل العنصري والنضال السياسي والإعلامي والقانوني لإزالته وفضح أثره السيء على الأرض والمواطن الفلسطيني.
3)   قدمت المبادرة وما زالت تقدم مساعدات وخدمات يحتاجها المواطن الفلسطيني لا سيما في ظروف انتفاضة الأقصى الصعبة، واستعانت المبادرة بالدعم الأجنبي الذي يقبل تمويل الحركات التي لا توصف بالإرهاب، خاصة في مجال الخدمات الطبية والصحية المختلفة، مما جعل للمبادرة حضورا عند شرائح مختلفة من المواطنين، كما قامت مؤسساتها بفتح باب التطوع لأمور الطبابة وملحقاتها من تمريض وإسعاف أولي وغير ذلك للعديد من الشبان والشابات وهذا له أثر إيجابي في توجيه الطاقات وتفريغها بما يفيد المواطنين.
4)  كان د.مصطفى البرغوثي وما زال يمارس نشاطا سياسيا وشعبيا مميزا وله حضور قوي؛ فهو يكتب المقالات ويشارك في الحوارات واللقاءات المتلفزة، ويحافظ على خطاب وحدوي بعيدا عن أي مناكفة أو توتير للأجواء؛ فهو يلتقي بجميع الفعاليات السياسية، ويلعب دورا في محاولة تقريب وجهات نظر القطبين، وقد زار قطاع غزة في ذروة الانقسام والتوتر على متن سفينة الأمل، وتراه ضيفا مطلوبا في الفضائيات الفلسطينية الحزبية كلها، وقد أثبت الرجل أنه يمكن الجمع بين الكفاءة والمهنية والعمل السياسي والحزبي، من خلال المواقع التي عمل بها، وأن همروجة(التكنوقراط) التي يراد بها شطب التنظيمات والفصائل جميعا واستبدالها بغير المنتمين ولا المؤيدين ولا المحسوبين على أي فصيل، وممن لم يعيشوا حياة شعبنا كما هي في حقيقة ألمها وأملها منذ النكبة الكبرى، بدعوى أنهم تكنوقراط، وكأن الفصائل خالية من فئة التكنوقراط...كان مصطفى البرغوثي أكبر وأوضح مثال حي لدحض هذا التوجه، وشخصيا أرى أن الرجل حين تولى وزارة الإعلام لفترة قصيرة في حكومة الوحدة(الحكومة 11) أبدع كثيرا في موقعه ذاك وتفوق بامتياز وبزّ نظراءه وزملاءه، ومن خلال أدائه نرى أنه يمكن أن يكون له ذات الأداء الحسن في مواقع أخرى.
كما أن د.مصطفى يحرص باستمرار على الوجود في مواقع المواجهات ونقاط التماس والأراضي المهددة بالمصادرة وعند الحواجز العسكرية، وقد تعرض عدة مرات للإصابة والضرب من قبل قوات الاحتلال، وبصراحة فإن هناك شعورا بل ربما (نميمة) بأن حرص الرجل على هذا الحضور المسبب له بالأذى الجسدي، نوع من (صناعة الشعبية) وما يستتبعها من ريبة واتهام بالاستعراض؛ ولكن لو فرضنا جدلا صحة هذه الاتهامات أو الانتقادات، مع أنها دخول في النوايا لا يصح مبدئيا، لقلت بأنه حبذا لو كثر أمثال من يبحث عن القبول الشعبي من خلال التصدي لقوات الاحتلال وتحمّل الغاز والهراوات والرصاص المطاطي بل لربما الرصاص الحي.
5)  حرصت المبادرة على الحديث عن المظالم الاجتماعية للناس ومشكلاتهم الحياتية اليومية، ولم تكتفي بالنشاط السياسي، وهذا ينسجم مع كونها حركة سياسية-اجتماعية، وعبر ما لها من منابر إعلامية سعت إلى إيصال صوت المواطن ورسالته وهمومه ومقترحاته، فالمواطن له مشكلات حياتية فردية أو جماعية يومية، لا تتعلق بالضرورة بمقاومة الاحتلال والاستيطان، بل تتعلق بظروف التعليم والعمل والخدمات الصحية والكهرباء والمياه وقائمة طويلة، ركزت عليها المبادرة دون الاستعانة بالخطاب المعلب اليساري القديم، الذي يجعل الطبقية مادة الانطلاق لحل مشكلة المواطن، بل يمكن القول أنها جعلت المشكلة تتحدث عن نفسها على لسان المواطن، دون الدخول في فلسفات ثقافية أو فكرية لتفسير تلك المشكلات.
هذه إجمالا مزايا وإيجابيات المبادرة، أما عن السلبيات وما أعاق اتساع الحركة فسنتحدث عنه في المقال القادم إن شاء الله.
 ،،،،،،،،،،،،،
 الأربعاء  13 ربيع الأول 1440هـ ، 21/11/2018م

من قلم:سري عبد الفتاح سمّور(أبو نصر الدين)-جنين-أم الشوف/حيفا-فلسطين

تويتر: https://twitter.com/SariSammour     @SariSammour  
مدونات:-



الثلاثاء، نوفمبر 13، 2018

المبادرة الوطنية:وجود في الساحة وإخفاق في المنافسة


بقلم:سري سمّور

عطفا على موضوعنا/سؤالنا المرقوم سابقا (هل نحن بحاجة إلى تيار ثالث؟!) بدأت بالمبادرة الوطنية الفلسطينية لأنها حديثة العهد في العمل والنضال الفلسطيني نسبيا، ولأنها في معرض حديثنا عن التيار الثالث كانت صريحة في طرحها برفض نهج فتح ونهج حماس، واتخذت لنفسها مكانا خاصا في الحقل السياسي، بل وتعتبر نفسها تيارا ثالثا فعلا.
أما قائمة/كتلة(الطريق الثالث/د.سلام فياض) فسأتحدث عنها في مقال لاحق، بعون الله...كي لا تختلط الأمور الآن.
فالمبادرة الوطنية الفلسطينية رأت أن نهج فتح في المفاوضات وعملية التسوية والتعويل عليها ضمن المعطيات القائمة يقود إلى (الانحدار) وطريقة ونهج حماس (العنيف) تجاه إسرائيل ضمن الموازين والظروف الموجودة يقود إلى (الانتحار).
أي أنها حملت خطابا جديدا، وتسلحت بوجود شخصيات معروفة وطنيا وأكاديميا في بنيتها التأسيسية مثل الراحل د.حيدر عبد الشافي، والذي كان يرأس الوفد الفلسطيني المنضوي تحت الوفد الأردني-الفلسطيني المفاوض في مرحلة( مدريد-واشنطن،1991-1993م) وفاز في انتخابات المجلس التشريعي الأولى في مطلع 1996 ثم استقال من المجلس وكان صريحا في نقده للوضع القائم، والراحل إدوارد سعيد(والذي لم يعلن في حياته عن دوره في المبادرة!) وهو المفكر الفلسطيني البارز، وصاحب الموقف الصريح الرافض لأوسلو، وكتاباته حول أوسلو تعتبر مرجعا مركزيا وحجة قوية للرافضين، وسعيد منتقد لحماس-وإن بدرجة أقل بكثير من نقده لفتح- وهو العامل كأستاذ وباحث في جامعات الولايات المتحدة الأمريكية...والمنادي في نهاية المطاف إلى حل سلمي للصراع الذي يراه فلسطينيا-إسرائيليا(قبل أن تصبح هذه المفردة شائعة) ضمن تفاهم على (التعايش) و(القواسم المشتركة)...إضافة إلى د.مصطفى البرغوثي الأمين العام للمبادرة والشخصية الأبرز والأكثر حضورا فيها.
وقد كان إطلاق المبادرة نوعا من الجرأة السياسية لأنها جاءت في خضم انتفاضة الأقصى التي كان فيها نوع من التنافس الصامت بين فتح وحماس في الميدان، وفي وقت كانت فيه الحركتان الكبيرتان قد استعادتا ثقة الشارع والقدرة على الحشد والتجييش في خضم فعاليات الانتفاضة التي صارت ذات طابع عسكري.
وإذا نظرنا إلى عُمر المبادرة القصير وما نافسته من قوى وأحزاب وشخصيات وما واجهته من مشكلات وتحديات وماكنة إعلامية مضادة لا يستهان بها، فإن المبادرة حققت نجاحا ليس بسيطا...لكنه دون الوصول إلى منافسة الثنائي(فتح-حماس) كما سأوضح.
فقد خاضت المبادرة ممثلة بشخص قائدها د.مصطفى البرغوثي انتخابات الرئاسة في 2005 وحصل د.مصطفى البرغوثي على المركز الثاني في قائمة المرشحين، وقد أعلنت الجبهة الشعبية وقتها دعمها له كمرشح للرئاسة.
ولكن المبادرة لم تستطع تكوين تحالف عريض قبيل انتخابات المجلس التشريعي في 25/1/2006م بل ذهب د.مصطفى البرغوثي إلى تشكيل قائمة مع النائب راوية الشوا(توفيت في 2017) والتي حملت اسم(تحالف فلسطين المستقلة) وأعلن مرة أخرى عند تأسيس ذلك التحالف عن الرغبة في كسر الاستقطاب الثنائي(فتح-حماس)...ولكن ذلك التحالف(البرغوثي-الشوا) لم يدم طويلا مع أن القائمة المذكورة استطاعت الفوز بمقعدين.
وقد خاضت الجبهة الشعبية تلك الانتخابات منفردة، فيما تحالفت فدا مع الجبهة الديموقراطية وحزب الشعب(الحزب الشيوعي سابقا)، ولست أدري بالضبط حيثيات أو ما وراء كواليس تشكيل قوائم الأحزاب والقوى اليسارية الفلسطينية، ولكن هذا عكس أزمة اليسار الفلسطيني.
وتمكن تحالف البرغوثي-الشوا من الفوز بمقعدين، وهو عدد المقاعد التي حصلت عليها(البديل) أي تحالف(فدا -ج.د - ح.ش)، فيما حصلت ج.ش على ثلاثة مقاعد،  ينبغي أن ننظر إليه من زاويتين؛ الأولى:أن المبادرة الوطنية الفلسطينية كحزب جديد على الساحة الفلسطينية، تمكنت من انتزاع حصة أحزاب وقوى وفصائل عمرها عشرات السنين ولها تاريخ في العمل ضمن مراحل مختلفة من عمر قضيتنا...وقد أثبتت المبادرة أنها فعلا صوت يغرد خارج دائرة الاستقطاب؛ فمثلا القائمة المسماة (البديل) والتي ضمت ج.د وفدا و ح.ش هي حملت اسما لم يكن مقنعا لمجرد أن الشارع الفلسطيني يعرف أن فدا متوائمة في خطابها السياسي وطرحها مع حركة فتح بنسبة قد تصل إلى 100%...فيما أثبتت المبادرة أنها مثل ج.ش لها موقف خاص ومستقل.
ولكن لماذا لم تتحالف المبادرة مع ج.ش التي نالت دعمها في انتخابات الرئاسة؟أم أن مفاوضات وحوارات تمت بين الجبهة و د.مصطفى البرغوثي ولم تكتمل أو تتوج بتحالف أو قائمة انتخابية لاختلاف البرنامج أو التوافق على توزيع المقاعد والحصص، وكيفية التعاطي مع ملفات شائكة كالمقاومة المسلحة وطريقة المشاركة في السلطة، أم كل ذلك؟
الزاوية الثانية:أنه قد ثبت بالصندوق أن المبادرة لم تتجاوز مطلقا كونها حزبا يساريا جديدا، له رأي سياسي واجتماعي، ولكنه يظل محدود التأثير صغير الحجم، وفشل في منافسة الثنائية السائدة (فتح-حماس) بدلالة البون الشاسع بينهما، وبالتالي فإن ما كان في انتخابات الرئاسة، وظهور المبادرة بشخص د.مصطفى البرغوثي منافسا حقيقيا وندا لفتح مرده عدم خوض حماس تلك الانتخابات، ولأن ج.ش دعمت البرغوثي.
ولكن المبادرة خطت لنفسها مكانا على الخريطة السياسية الفلسطينية، يتجاوز كونها مجرد أمين عام ومكتب وشعار وراية، دون حضور ميداني أو تأييد شعبي يذكر من رفح حتى جنين، وهذا حال عدة حركات وأحزاب وفصائل فلسطينية كما نعلم، ممن لا يعرف عنها المواطن الفلسطيني شيئا بل قد يخطئ في ذكر اسمها، وفقط يسمع تصريحات إعلامية غالبا صاخبة وفيها تحيز تصدر عن هذه الأحزاب والحركات!
والنتيجة حتى الآن هي فشل المبادرة الذريع في منافسة (فتح-حماس) على قيادة وتوجيه الشارع الفلسطيني، ومؤخرا يبدو بأن ثمة استيعاب لهذه المعادلة، ولذا رأينا المبادرة تخوض وفق المتاح والممكن انتخابات المجالس المحلية في الضفة الغربية، وقد تتحالف مع فتح -التي يفترض بأنها تطرح نفسها بديلا عنها أو منافسا لها- في بعض المواقع أو تقبل بعض الصفقات، وهذا لا يعيب المبادرة كحزب سياسي يسعى لتحقيق مكاسب ومواقع، ولكن هذا يجعلها تماما خارج فكرة البديل أو التيار الثالث، كما قدمت نفسها، بل هي حزب من الأحزاب الصغيرة التي لها حصة في الخريطة السياسية تسعى لتعزيزها ولو بالتحالف الجزئي مع طرف اعتبرت نفسها منافسا له أو نافسته فعلا في مرحلة سابقة.
وأكرر فكرة أن ما حصلت عليه المبادرة مقارنة مع عمرها الزمني هو شيء كبير ويسجل لها كنجاح لا يستهان به.
 وفي المقال القادم سأتحدث عن مزايا وإيجابيات المبادرة، وعن السلبيات، كي تتضح أكثر صورة الفشل أو عدم القدرة لدى المبادرة لمنافسة القطبين.
  ،،،،،،،،،،،،،
الثلاثاء  5 ربيع الأول 1440هـ ، 13/11/2018م
من قلم:سري عبد الفتاح سمّور(أبو نصر الدين)-جنين-أم الشوف/حيفا-فلسطين

تويتر: https://twitter.com/SariSammour     @SariSammour  
مدونات:-




الخميس، نوفمبر 08، 2018

هل نحن بحاجة إلى تيار ثالث؟!



برنامجان يقودهما فصيلان، أو تتصدرهما حركتان اثنتان، أو قوتان هما الأكبر، والأكثر تنافسا، والأوسع انتشارا، فهما يكادان يطمسان ما سواهما من قوى وفصائل وحركات وأحزاب، أو جعلها هامشية بحكم قدرتهما على التأثير والتأطير والتجييش والاستقطاب الأفقي والعمودي.
حركة فتح وحركة حماس خصمان لدودان، وقد وقع بينهما وجرى حولهما ما يجوز وما لا يجوز...كلتاهما قدمتا الشهداء والجرحى، من القادة والجند، والسجون الإسرائيلية غالبية معتقليها وأسراها من فتح أو حماس، وكلتاهما خاضتا غمار الانتخابات النقابية والطلابية والبرلمانية، ولا يخفى على أحد حدة المنافسة، التي ملخصها إما فتح أولا وحماس ثانيا في النتائج أو العكس، حتى لو كانت الكتل والقوائم المترشحة بالعشرات، فلا نتيجة متوقعة إلا هذه الثنائية.
والفصائل والقوى والحركات والأحزاب الأخرى ظلت إما تدور في فلكهما، أو تحاول اتخاذ موقف (خاص) بعيدا عنهما، ربما عن قناعة أيديولوجية أو سياسية، أو لربما رغبة في التميز وعدم الذوبان، أو ربما لتحقيق مكاسب عند تحديد المواقف وحسمها!
ولكن، ومع أن هناك ما يشبه الإجماع على أن فتح وحماس اقترفتا أخطاء وخطايا، وصراعهما الشرس أضر بالقضية الفلسطينية كثيرا، مع ذلك لم يفلح أي حزب/حركة/فصيل/تجمع آخر في أن يحل مكان أي منهما أو أن يكون قطبا أو تيارا ثالثا ينافسهما ولو قليلا.
بل ظلت القوى الأخرى مهما صعدت وصارعت تحتل مركز(بيضة القبان) كحد أقصى لطموحها السياسي والميداني.
ما بين الفينة والأخرى تصعد دعوات مكتومة أو صريحة تنادي بضرورة وجود تيار ثالث، وتعلن همسا أو صراحة أن ثنائية الاستقطاب الفتحاوي-الحمساوي في الشارع بل المجتمع  الفلسطيني ضرره أكثر من نفعه.
ولكن كل هذه الأصوات وإن أردفتها محاولات تبوء بالفشل وتنتهي سريعا، لتطل الراية الصفراء ومنافستها الخضراء فوق المشهد بفخر أو بنشوة انتصار غير معلنة على تلك المحاولات أو الدعوات، وتعلن صراحة أو ضمنا أمام الملأ أن قضية فلسطين لها جناحان تطير بهما.
ولكنّ الجناحين في خصام مبين ويضمران لبعضهما شيئا لا يمكن أن نصفه بالخير، وتسود حالة من عدم الثقة في علاقتهما ببعض.
فهل الحل بوجود تيار ثالث منافس؟أم بطرح وجوه وشخصيات من خارج الإطار السياسي المبني على حالة نضالية تراكمية كي تشكل البديل عن القطبية الثنائية؟
الجواب برأيي أن هذا جُرِّب فعلا(القوى البديلة والشخصيات البديلة) ولم يفلح في كسر الثنائية (فتح-حماس)...كما أنني أرى صراحة أن التيار الثالث خرافة لا محل لها من المعادلة السياسية الفلسطينية، وكل محاولة من هذا القبيل مضيعة للوقت والجهد.
أما إذا كان من يزعم أنه يريد أن يكون بديلا لأحدهما أو كليهما أو تيارا منافسا (ثالثا) فقط بهدف اكتساب مغانم وإبرام صفقات، فهذا لا مكان له في موضوع حديثنا، وهو سينتهي ويذوب ويتلاشى فرحا بما حصل عليه من فتات سياسي!
والأولى هو العمل على إصلاح التيارين، وتقويمهما، والحد من آثار أخطائهما، بدل التفكير الحالم أو الطامح ببديل عنهما...وهذا ليس استسلاما للواقع بقدر ما هو نظرة إلى طبيعة المجتمع والقضية والإقليم وما وراءه...والأهم فهم العدو الصهيوني.
ولن أناقش في حديثي محاولات إيجاد طريق/تيار/فصيل ثالث وفق خط زمني بقدر استعراض عام، قد تظهر عليه العشوائية، ولكنها في النهاية تجعل الصورة واضحة لا لبس فيها، لمن ما زال يحلم أو يرى إمكانية وجود هذا التيار أو (الشخص)!
وربما أنا بهذه النتيجة التي أضعها سلفا أدخل نفسي في نوع من المغامرة، بل المقامرة؛ لأن الشعب الفلسطيني لطالما فاجأ المراقبين والمنظرين والمحلليين والكتّاب والصحافيين والأعداء والأصدقاء والسياسيين من شتى ألوانهم ومشاربهم، فيما ينتج ويخرج من ظواهر وحالات كانت قبيل خروجها الفاقع تعتبر أوهاما أو أحلام يقظة.
وهذا صحيح وهو ينطبق على فتح وحماس، فكل منهما ظهرت وصعدت في ظروف لم يكن غالبية المراقبين يتوقعون فيها هذا التحول الدراماتيكي.
ولكن التحول عنهما، والانفضاض من حولهما في المدى المنظور إما أن يكون استنساخا وتكرارا لهما، وهذا تغيير في الاسم لا المحتوى، في العرض لا الجوهر...وهو ليس محل حديثنا.
فهل قدر شعبنا هو هذه الثنائية القطبية(فتح-حماس) ؟
وهذا سؤال يطرحه أكثر من طرف، والغريب أن بعضا من جمهور الفصيلين الكبيرين يطرحه أيضا!
نعم؛ فالظرف الحالي من قضيتنا الفلسطينية يجعل هذه الثنائية هي السائدة والمطلوب تصحيح وتعديل المسار وليس السعي إلى محاولة إيجاد ما يسمى تيارا ثالثا، وعلى كل حال فإن التجارب تعطيك النتائج، وإعادة التجريب تعرفون بما توصف عادة!
وربما هناك أسئلة أكثر وجاهة:هل نحن بحاجة إلى تيار ثالث أصلا؟وما السبب؟أليس الأولى توحيد وتجميع القوى المبعثرة ذات الروابط المشتركة من غير الثنائي، بدل محاولة يائسة لمنافسة الثنائي؟
وسأستعرض بمشيئة الله تعالى، في مقالات قادمة المواضيع التالية:-
-        المبادرة الوطنية الفلسطينية ود.مصطفى البرغوثي.
-        الحركات الإسلامية من غير الإخوان؛ الجهاد وحزب التحرير كمثال.
-        فكرة قدرة شخصيات ذات خلفية أكاديمية أو نشاط في الحقل العام على منافسة الاستقطاب الثنائي.
-        ما الذي يجعل الثنائية مستمرة، وما ميزات القطبين(فتح-حماس) ؟
-        هل إسرائيل مرتاحة إلى هذه الحالة من الاستقطاب الثنائي.
-        ما مستقبل العلاقة بين القطبين، وهل وضعهما مرتبط بالإقليم دعما أو منعا كما يقال؟
-        أي فكرة أخرى تستوجب النقاش والبحث في هذا السياق.
  ،،،،،،،،،،،،،
الخميس  30 صفر الخير   1440هـ ، 8/11/2018م
من قلم:سري عبد الفتاح سمّور(أبو نصر الدين)-جنين-أم الشوف/حيفا-فلسطين

تويتر: https://twitter.com/SariSammour     @SariSammour  
مدونات:-

مع مذكرات أخطر سفير إسرائيلي في مصر (1)

لدي قناعة أن ذهاب أنور السادات إلى خيار التسوية مع إسرائيل؛ و زيارته المشؤومة إلى القدس في 1977 وصولا إلى توقيع اتفاقات كامب ديفيد في 1979 ه...