الخميس، مارس 26، 2020

صلعاء تتباهى بشعر ابنة خالتها وتفتخر!

صلعاء تتباهى بشعر ابنة خالتها وتفتخر!















صلعاء تتباهي بشعر ابنة خالتها وتفتخر!

بقلم:سري سمّور
  

قبل أكثر من ثلاثين سنة كان العرب ينظرون إلى اليابان كمثل أعلى، ونموذج رائع بسبب نهضتها العلمية المميزة؛ لا سيما في مجال الصناعات المختلفة، في المجال المدني؛ وقد عشنا زمنا قيل فيه أنه لا يوجد بيت في العالم إلا وفيه شيء (صنع في اليابان MADE IN JAPAN) فرأينا السيارات  والأجهزة الكهربائية اليابانية من تلفزيونات وكاميرات ومكانس كهربائية في بلادنا، ومسلسلات الكارتون اليابانية  التي تمت دبلجتها، بل حتى رأينا سجائر يابانية (WAVE) وصار العرب يتابعون بإعجاب أخبار اليابان مما تيسر من وسائل إعلام في ذلك الوقت، ومن يتمكن من السفر إلى اليابان لأي أمر كان، فهو في نظرنا ممن أوتي حظا عظيما.


اليابان مادة تحفيزية خصبة

وقد وجد معلمو المدارس ومحاضرو الجامعات وبعض أصحاب التنظيرات، في اليابان وتجربتها وصعودها الاقتصادي بفضل العلم والصناعة مادة للتحفيز؛ فكانوا يقولون لنا:ها هي اليابان، ضربها الأمريكان بالقنابل النووية وفرضوا عليها شروط الاستسلام، ولكنها بفضل العلم صارت تبيع الأمريكي ما يحتاجه، وهي دولة ليست نفطية، وتستورد النفط من الخارج، وطبعا هذه ستكون مادة جديدة لتحفيز ممزوج بالسخرية والأسى من العرب الذين يبيعون اليابان  النفط، ثم يشترون  سلعا منها بأضعاف سعره(حسب تقديراتهم) من هذه الدولة الرائعة.

اليابان، وجهة نظر عربية!

وجمح الخيال العربي كثيرا، بأن اليابان لا تصنع فقط آلات حاسبة مختلفة الأحجام أو تلفزيونات ملونة وأجهزة فيديو وكاميرات بل  لديها برنامجا سرّيا(تحت الأرض) يقوم على صناعة عسكرية ستقلب الطاولة فوق رأس الأمريكي الذي هزمها  وأذلها في نهاية الحرب العالمية الثانية، أو أن ما بحوزتها من علم تسخره للأمور المدنية يمكنها في لمح البصر قلبه إلى المجال العسكري لإدراك ثأرها.
 وغني عن القول أن التعاطف العربي مع اليابان له بعد سياسي لأنها كانت في محور مع هتلر الذي كان كثير من العرب يتمنون خروجه منتصرا على الحلفاء، بسبب سياسة الحلفاء الاستعمارية وإجرامهم بحق الشعوب العربية خاصة بريطانيا وفرنسا، ناهيك عن الغيظ من سياسات الولايات المتحدة في المنطقة والعالم.

وطبعا امتزج –وما زال- الواقع بالخيال عن بلاد اليابان نظرا لقلة التواصل معها، بحكم ندرة الاحتكاك المباشر، وأيضا لقلة وسائل الإعلام والمعرفة، فإضافة إلى وهم البرنامج العسكري السرّي لدولة مهزومة تحت مجهر الأمريكي وإرادته وكامل تصرفه، كثر الحديث عما يفعله اليابانيون في أوقات فراغهم، التي لا تضيع هباء مثل أوقاتنا، وانتشرت (اقتراحات عربية) متخيلة لملء وقت فراغ الموظف والطالب الياباني...وهي بالمناسبة لا تزال تنتشر عبر مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة، رغم النفي الياباني لوجودها!

مرت الأيام والسنون، وحالنا يزداد بؤسا، ومع أننا سارعنا إلى التعليم الجامعي وحيازة الشهادات، مستحضرين بطريقة أو بأخرى وضع اليابان، ولم نلحق بركب اليابانيين، وتردّت أوضاعنا الاقتصادية والسياسية والصحية، وحسبنا الله ونعم الوكيل.

والأهم من كل ذلك أن اليابان ظلت دولة متفوقة في مجالات العلوم والصناعة وارتفاع معدل دخل الفرد، وجودة الحياة والخدمات المقدمة لمواطنيها، ولكن طوكيو لم يكن لها شأن في صناعة السياسة الدولية، مثلما تأملنا، خاصة في منطقتنا التي صارت حكرا على (المارينز) وطبعا هؤلاء المارينز لهم قواعد على أرض اليابان وتفجرت فضائح حول ممارسات بعضهم مثل الاعتداء على طفلة وغير ذلك...أي أن ما حققته اليابان لم يكن رغم إرادة أمريكا –مثلما تخيلنا-بل بموافقتها وتسهيلاتها المشروطة، وبوجود جنودها.

وأيضا كان تفكير بعضنا أو كثير منا-وما زال- هو صعود قوة دولية تنافس أمريكا وتأخذ منها قيادة العالم ونحن نتفرج، دون أن نحلم بأن يكون لنا دور ومكان سوى التبعية، بكلمات أكثر وضوحا:  الخلاف أو المشكلة ليست العبودية بل ماهية أو هوية السيد!
وقرأت لكاتب عربي زار اليابان قبل ثلاثين عاما، وكان مسكونا بثنائية الانبهار بإنجازاتها، وحلم تحولها إلى قوة دولية مناهضة لأمريكا، واستعادة مجدها الامبراطوري الغابر، أن اليابانيين الذين التقاهم لم يكونوا مسكونين بهذا الحلم، وأن فكرة عودة منافسة أمريكا، في الميدان السياسي والعسكري لا تخطر على بالهم، والأهم دهشة واستغراب من نمط تفكير عربي يريد من غيره أن يحقق له إنجازا، وكأن لسان حالهم يتساءل:هل نهوضنا  سيحل لكم أزماتكم حتى تتعلقوا به بهذه الطريقة المرضية؟!
لاحقا قرأ كثير من العرب، أو على الأقل عرفوا محتوى معكوسا، وهو ما سطره الكاتب(نوتوهارا) في كتابه(العرب...وجهة نظر يابانية) ومما يؤمن به الكاتب حقيقة أن العرب لديهم(خميرة) نهوض وطاقات تمكنهم من الحصول على مكانة ريادية بين الأمم، هذا طبعا ضمن جوهر فكرة المرقوم و انتقاداته لظواهر وملاحظات مهمة –ومعه حق في كثير منها- هي سبب تأخر العرب وأزماتهم...والأهم ربما حسمه لمسألة اختلاف رؤية الياباني للعلاقة مع الأمريكي، من حيث حقيقة وطبيعة هذه الرؤية ،لا من حيث ما يبتغيه  العربي من الياباني!

حلم الصين العربي! 

نسينا-أو لنقل تناسينا- اليابان وبدأنا تدريجيا نتجه بأحلامنا نحو الصين، والتي كان حظها عندنا وفي وعينا (الفكر الماوي) لمجموعة من الشبان الحالمين، وفناجين وأطباق(الصيني) التي كانت تفاخر بها الأمهات والجدات وتعتبرها ذخرا ثمينا يوازي الذهب؛ ولكن مع تحول الصين إلى التصدير، وانفتاحها على العالم، صار لدينا ما كان لليابان، فلا يخلو بيت من شيء مصدره الصين؛ طبعا بضائع الصين ومنتجاتها غزت أسواق أمريكا وأوروبا أيضا...ولكن كيف لنا أن نتخلى عن فكرة تحررنا من الأمريكي بيد أمة أو قوة عظمى أخرى؟هيهات..هيهات، فقد صرنا نرسم سيناريوهات صعود الصين وتحولها المأمول إلى قوة بديلة تهيمن على هذا العالم؛ خاصة أن لديها مقومات كثيرة تؤهلها إلى هذه المكانة المأمولة عربيا.
فالصين إضافة لنموها الاقتصادي، دولة لها مقعد دائم في مجلس الأمن، وتمتلك جيشا كبيرا قويا، وعندها صناعات عسكرية متطورة، ولها مدرسة عريقة في الطب والتداوي، ولديها عدد سكان يتصدر القائمة، كما أن لها حضارة قديمة مميزة...وبالتالي قريبا جدا ستطرد بكين(حاليا يقال بيجين) واشنطن من قيادة العالم، وستحل العدل والسلام، وستعيد القدس إلى العرب والمسلمين، وسيعم السلام والوئام، وستساعدنا على التخلص مما نحن فيه من أزمات!
طبعا تضاعفت جرعة هذا التحليل والتفكير مؤخرا، في خضم أزمة فايروس كورونا وتبعاتها المستمرة، واستيقظ (الرفاق) الذين منذ تحرك روسيا(الأرثوذكسية التي يصرون على أنها ما تزال ماركسية) دبت فيهم روح التنظير علينا بطريقة متعالية واحتكارية واتهامية، والآن تحمسوا وبشرونا وطلبوا منا الاستعداد لاستقبال (التنين الصيني) الذي سينفث لهيبه على الفيل الأمريكي فيجعله هباء منثورا، وما علينا إلا الترحيب والتصفيق، بقدوم الدب الروسي برفقة التنين الصيني لركوبنا بدل الأمريكي، فلعلهما أخف وزنا فوق ظهورنا المنهكة!
ويقولون بثقة أن علينا الاطمئنان بأن الأيام والسنين العجاف ستمضي وتنتهي قريبا جدا ويحل محلها أيام السعادة والسرور والرخاء وقد كتب عليها، كما على كثير مما نستهلك أو نستخدم(MADE IN CHINA)...هنيئا لكم أيها العرب الكرام بسيدكم الجديد القادم ليتسلم (عقالكم، بل لجامكم) من يد الأمريكي!

من كنتاكي إلى طبق ضفادع!

لن أخوض الآن، فيما يشغل كثيرا من عامة الناس وخاصتهم، حول احتمال تغير وتبدل النظام الدولي؛ فهذا خاض ويخوض كثيرون فيه، وربما الناس مشبعون منه حدّ التخمة، ولكن تذكرت مرة حديثا أمام مجموعة منهم رجل بسيط حين سألت سؤالا:هل تظنون أن الصينيين حين يهمشوا أو حتى يشطبوا أمريكا سيرحمون حالنا؟ فرد الرجل:والله غير يأكلونا صراصير!
كلام الرجل البسيط يختصر كثيرا من تعبيرات حملة الشهادات العليا؛ ويحمل عمقا كبيرا، فالأمر لا يقتصر على استبدال وجبات الفئران والخفافيش والحشرات والضفادع بالكنتاكي والكوكا والبيبسي(مع أن هذا سوريالي) بل يتعداه إلى حقيقة طبيعة القوى العظمى وتغولها وتوحشها على من لا يريد أن ينهض بذاته ومقدراته ويصنع له شأنا في هذا العالم، منتظرا رحمة تتأتى باستبدال سيد بآخر وينتظر حسم صراع القوى العظمى ليستر عورته بعباءة من يأمل أن يحسمه لصالحه.
هناك مثل شعبي يقول(الأقرع/القرعة بتحالى(تتحالى) بشعر بنت خالته/ا) وهو عنوان هذا المقال بلغة أو طريقة أخرى أوضح ؛ ولكن هل الروسي والصيني هم أولاد خالة حقا؟والله إن من يفعل ذلك في مجتمعنا على المستوى الفردي قد يكون أفضل حالا؛ فقد يكون جاهلا ويفخر بعلم قريب له، أو فقيرا ويتباهى بثروة شخص تربطه به علاقة مصاهرة بعيدة...إلخ.
ولكن حال من يتحمسون لصعود موسكو والآن بكين أسوأ بكثير؛ لأن القوى الكبرى والعظمى تبحث عن مصالحها ولا تفكر إلا بتقوية نفوذها فقط، والروس والصينيون لا ينتسبون لنا لا دينيا ولا ثقافيا ولا عرقيا، و في صلب مصالحهم بقاؤنا في مربع الذيلية بين الأمم...لماذا يصر بعضنا على استحضار مناذرة الفرس وغساسنة الروم، وينبذون من يريد استحضار المهاجرين والأنصار؟

هل التبعية قدرنا؟

هل يرى هؤلاء أنه كتبت علينا الدنية وأبعد ما يحق لنا تأمله أو حتى الحلم به هو تغير السيّد، ولا يجوز أن نحلم-عوضا على أن نسعى- بالحرية وامتلاك قرارنا وإرادتنا والتمسك بثقافتنا؟...أعوام مضت وتمضي من أعمارنا بحلم هيمنة اليابان وروسيا والصين(وربما سننتظر الهند!) على العالم وتصميم تفكيرنا على التعلق بهذه الأحلام والغرق في التحليلات والاستنتاجات والتوقعات المبنية عليها، بالتوازي مع قمع وسخرية وتشويه لأي حلم بأن نكون ندّا وكيانا يحسب حسابه بين الأمم...تحية لصلعاء تفخر بشعر ابنة خالتها، وتعسا لمن يصرّ أن تبقى أمته في أسواق النخاسة الدولية، ولا يرى لها مكانة إلا بين العبيد.

،،،،،
تم النشر الخميس 2 شعبان  1441هـ ، 26/3/2020م




الخميس، مارس 19، 2020

أحتاج شيخا تقليديا يعظني ويذكرني

أحتاج شيخا تقليديا يعظني ويذكرني








أحتاج شيخا تقليديا يعظني ويذكرني

بقلم:سري سمّور

  

كم أنا بحاجة إلى (شيخ تقليدي) واعظ؛ بغض النظر عن لقبه الأكاديمي، ولا يشترط أن يحمل الحرف (د) ونقطة قبل اسمه، فيهزني بوعظه ويدخل كلامه صميم قلبي.

شيخ واعظ يذكّرني بقدرة الله، وضرورة الإيمان الصادق بالقضاء والقدر، وأن الله -جل وعلا- هو المتحكم والمتصرف بالكون بكل ما فيه...شيخ يقول لي بأن الإنسان مهما بلغ من القوة ومن التقدم في مجالات العلوم والتقنيات وفي المجال الطبي يظل ضعيفا أمام قدرة الله؛ الله الذي جعل من فايروس لا يرى إلا بمجهر إلكتروني شغل العالم الشاغل، حتى سجن هذا الفايروس مئات الملايين من الناس في بلدانهم أو مساكنهم، وهم الذين كانوا بفضل وسائل النقل المختلفة خاصة الطيران يستطيعون قطع مسافات طويلة بساعات معدودة، كان أجدادهم يقطعونها بشق الأنفس في أيام وأسابيع وشهور.

شيخ يقول لي:إن الإنسان الذي يستعد ويتأهب لاكتشاف الكواكب والمجرات البعيدة وأشكال الحياة فيها-إذا وجدت- يعجز أمام هذا الفايروس عجزا لا يجد دونه سوى ما كان قبل قرون طويلة...الحجر والإغلاق.

شيخ يرفع صوته قائلا:إن الدول العظمى والكبرى التي استكبر حكامها في الأرض، والذين بما في حوزتهم من سلاح فتّاك يستطيعون جعل المدن العامرة  كومة رماد؛ هذه الدول ترتعد وتتقوقع على ذاتها، وتغير أولويات الإنفاق من موازناتها، وتحجر على ساكني مدنها ذات الأبراج الشاهقة، والحدائق الغناء، خوفا من تفشي وباء ينتشر في كل مكان كأنه نقطة حبر سقطت في كأس ماء صغير.
شيخ يذكرني كيف أن الله ما بين طرفة عين والتفاتتها يغير من حال إلى حال؛ فانظر كيف أن غزة التي كانت تصرخ وتستغيث في عالم أغلق آذانه عن سماع أنين أطفالها وفقرائها، كي يفتح لها الحدود أمام من يريد العلاج أو السفر من أجل العلم أو العمل أو الحج والعمرة أو غير ذلك، هي ذاتها غزة التي تغلق أبوابها وتعطي العالم درسا يتجرعه من كأس ذاقه الغزيّون طوال عقد ونيف.
وكم أحتاج شيخا يعظني ويحضني على التضرع ورفع كفيّ إلى الله، وعن قيمة بل جمال النشيج والتوسل إلى الله القادر القاهر فوق عباده، الرحمن الرحيم الكريم الرؤوف أن يخفف عنا ويزيل ما حلّ بنا من كرب، ويرفع عنا ما أصابنا من بلاء...وأن الإنسان حين يخلص العبودية، ويتجه إلى الله بالدعاء والرجاء سيصبح سيدا في الأرض.
أريد شيخا يتلو عليّ قول الله تعالى في سورة الذاريات(فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ ۖ إِنِّي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ) ويقول لي: لا ملجأ من الله إلا إليه، وأن الله يقبل توبة العبد، ويحب الله عبده اللحوح.
لقد سئمت هذا الكم الهائل من التحليلات المرئية والمرقومة حول كورونا، ومللت فيضها المتدفق على مدار الساعة، وعافت نفسي تحليلات ينقصها الدليل، ولا تنبئك اليقين حول الفايروس؛ هل هو اختراع صيني للسيطرة على بورصات العالم بعد هبوط أسعارها؛ وآخر يرد بأنه اختراع أمريكي يهدف إلى ضرب الاقتصاد الصيني، وذاك ينفي هذا وذاك ويأتيني بتحليل جديد، وما فائدة هذا كله، وماذا سينفع أمام العجز والارتباك في مواجهة الجائحة المتمددة، خاصة لأمثالي ممن ليس بيدهم حلّ ولا ربط؟!
أريد شيخا رصينا يذكّر بأنه حتى ولو كانت فرضية نشر الوباء صحيحة فمردها تمرّد الإنسان على أوامر ربه الذي جعله خليفة في الأرض ليعمرها لا ليفسد فيها، وأن الجشع والطمع والأنانية والانحراف عن صراط الله المستقيم، ومنهج الله القويم.
أحتاج شيخا يذكرني بتحفيز بأن أمة الإسلام حين تركت الريادة والقيادة فقد تضررت وضعفت، وتضررت معها الأمم الأخرى، وساد البؤس والشقاء أرجاء هذا الكوكب، وأن نهضة المسلم واجبة كي ينقذ نفسه ومعه غيره، لأن معياره الأساس هو التقوى ومخافة الله وليس كم سيجني من ربح مادي زائل، وطغيان ونفوذ بائد.
هذا جزء مما صار يعرف بالوعظ التقليدي، ولقد دأب بعضنا على السخرية منه والاستهانة به والتقليل من أهميته العظيمة...ويا لشقائنا ويا لحماقتنا؛ فهذا الخطاب أو الوعظ التقليدي كان أحد أهم عوامل صبرنا وصمودنا وثباتنا وحفظ كينونتنا وكان سلاحا فعالا لاجتياز مراحل وأزمات صعبة على مدى الزمن، وهو الذي جعلنا نستشعر الحاجة إلى لطف الله، ونبتهل طالبين الرحمة والمغفرة ونطمع بكرم الله وسخيّ عطاياه.
أتذكر إبان أزمة احتلال صدام للكويت وحين كانت طبول الحرب تقرع؛ واعظا من إحدى القرى لا أعرف اسمه، بعد صلاة المغرب أو العشاء في يوم شتوي جاف وقف وحدّث المصلين بكلام خرج من القلب فاقتحم قلوبهم؛ فقال مما قال:نحن نعيش خوفا وقلقا كبيرا لأننا أمام ثلاثة اجتمعت مرة واحدة؛ فالخوف من الحرب المتوقعة، مع حالة الانتفاضة وجرائم الاحتلال، وتأخر وانحباس المطر كما نرى مما يهدد الموسم(كان الناس يعتمدون على الزراعة أكثر من الآن) ثم انطلق بعد هذا الكشف عما يشعر به الناس فعلا، وصب في آذان الحضور كلاما طيبا تلا فيه آيات من كتاب الله العزيز، وأتى بأحاديث مع الإشارة إلى رواتها، وقصصا ومقولات وحكما ومواقف من سير الصحابة والتابعين والصالحين...وحض الناس على الاعتصام بحبل الله المتين والصبر والدعاء والثبات؛ فو الله ما فرغ من هذا الدرس الذي استمر أقل من ثلث ساعة، حتى رأيت الناس وقد انتابهم خجل مما كان في صدورهم، وانقلب شعورهم، وتبدل حالهم، وكأنهم يرون الحرب القادمة بردا وسلاما، وأن جيش الاحتلال ليس سوى دمى بلاستيكية، وشعرنا كأن الغيث سينزل بعد تأخره من السماء ليحيي الأرض بعد موتها...هذا شعورعمّ من حضر وسمع وانتقل إلى أسرهم وأصحابهم...وهذا ما صرنا نعرفه هذه الأيام بالطاقة الإيجابية التي مصدرها رجل أحسب أنه لا يحمل مؤهلا علميا عاليا، ومن قرية بسيطة، وقد لبس دشداشا ورداء من الصوف واعتمر كوفية، وكان قد أعفى لحيته...هكذا دون تكلف ولا تفيهق غيّر شعور مجموعة غيرت شعور من اختلطت بهم...فسبحان الله العظيم.
فالشيخ والواعظ وخطيب الجمعة ليس محللا سياسيا، ولا صحافيا استقصائيا، ولا خبيرا استراتيجيا، ولا باحثا مختصا في الأسواق العالمية وأسعار النفط والعملات، وهو أيضا ليس خبيرا في شؤون الداء والدواء والأمصال واللقاحات، كي نحمله مسئولية ما ليس من مجاله، وكل ما سبق وغيره، له أهله وطرق دراسته ومهنه وحقول أعماله، ومواعظه لا تعيق عمل هؤلاء ولا تتعارض معه، مثلما يروّج بعض من يزعمون التجديد في(الخطاب الديني) وأرى أن عقولهم هي التي تحتاج تجديدا وتحديثا!
الواعظ هو إنسان مهمته تذكير الناس بتقوى الله وطاعته، والصبر على البلاء، والشكر على النعم، ويذكر الناس بقدرة الله وعظمته، ويحضهم على تجديد العهد معه، والرجوع إليه، والإكثار من الطاعات، وينهاهم عن المعاصي واجتراح السيئات، ويؤكد لهم حقيقة يعرفونها ولكنهم يتغافلون بطول الأمل عنها، وهي أن الموت قادم والقبر مفتوح لكل منا، وأنه ما بعد الموت إلا برزخ وقيامة وحساب وجنة أو نار.
ولكن حين سخرنا وتعالينا على (الوعظ التقليدي) واعتبرناه صار لا يصلح لعصر العلم وعفا عليه الزمن، فقدنا السكينة وخسرنا الطمأنينة والراحة النفسية التي دونها أي راحة، وصرنا نطالب الشيوخ والواعظين بما ليس من مهماتهم؛ فما الفائدة حين يتحدث الشيخ الواعظ عن مؤامرات الدول الكبرى على بعضها، وعن الألاعيب السياسية، والتحليلات التي هي ظنون تلغيها وتنسفها ظنون أخرى؟هناك من هذا مجال اختصاصه أو عمله أو اهتمامه، فلماذا نصرّ على سحب الواعظ من بيت التذكرة المنير إلى ضبابية لا تنفعنا ولا تضيف إلينا شيئا؟!
ولا يُفهم من كلامي أنني أدعو إلى أن يكون الشيخ الواعظ جاهلا أو متجاهلا لهذه الأمور والتحليلات، ولكن يجب ألا يغلب حديث التحليل السياسي والاقتصادي على حديث الموعظة، والروحانية الضرورية عند سماع الموعظة.
فنحن في عجلة الحياة غارقون في عالم المادة، والدقائق التي نسمع بها وعظ الشيخ مقتطعة من وقت طويل يحتاج إلى ما يشبه التنقية من الدرن، والشحن والحض على المصابرة والنظر إلى الآخرة، والحذر من البعد عن الله...ولا داعي أن نغرق في محاولة معرفة مخططات المخابرات الدولية التي هي ظن لا يغني من الحق شيئا، وعند الواعظ كتاب الله المانح ليقين لا يتزحزح...فكما يحتاج الجسد المنهك إلى قسط من الراحة، يحتاج العقل والقلب إلى راحة تمنحها موعظة قوامها كلام الله، وزينتها سيرة رسوله، وتعطي السامع شحنة من أخبار السلف الصالح.
وقد يقال:لماذا تطلب شيئا موجودا فعلا؟فهناك شيوخ مثل ما وصفت، وحديثهم كما ذكرت، ودروسهم لا ينفك عنها ما إليه اشتقت؛ قلت: صحيح، ولا ينقطع الخير من هذه الأمة، ولكن صار هؤلاء هم الاستثناء لا القاعدة، وقلة بعدما كانوا قبل عقدين من الزمن كثرة، والأهم كنا راضين بهم وقابلين لدورهم، ولا نطلب منهم شيئا ليس من شأنهم، ولعل سخريتنا بالوعظ التقليدي...إذا سلمنا بالتسمية، هو ما جعل طائفة من الشيوخ والواعظين تزهد به، وتحاول محاكاة أهل الشؤون الأخرى، فخسر الجميع، وجاءتنا البلوى من (مشايخ مودرن) تحولوا من حض الناس على الحرص على الآخرة والسعي لها بإيمان، مثلما كان حال الوعظ، إلى تحريض الناس على الانكباب على الدنيا، دون ذرة من خجل، وصار لهم جمهور يصفق لهم لأنهم يوافقون هواه.
الموعظة هي بمثابة (Refresh) للقلوب والنفوس والعقول المثقلة بضجيج الحياة وثقل الأحداث...وقد تكلمت بصيغة المفرد فقلت (أحتاج) والحقيقة أننا جميعا نحتاج...أعيدوا لنا الوعظ التقليدي كما كان، ومن يسخر منه فليتق الله، ولينشغل بإصلاح قلبه.

مع مذكرات أخطر سفير إسرائيلي في مصر (1)

لدي قناعة أن ذهاب أنور السادات إلى خيار التسوية مع إسرائيل؛ و زيارته المشؤومة إلى القدس في 1977 وصولا إلى توقيع اتفاقات كامب ديفيد في 1979 ه...