السبت، أبريل 25، 2020

سبعة عشر مليون مشاهدة مع باء ترفع الرجال رفعا

سبعة عشر مليون مشاهدة مع باء ترفع الرجال رفعا










سبعة عشر مليون مشاهدة مع باء ترفع الرجال رفعا

بقلم:سري سمّور
  

ربما صار من المألوف أن يحظى شيء غير مفيد أو يطفح بتفاهة،، أو يخالف ما أقره الشارع، أو تأباه التقاليد والعُرف، بكثير من المتابعين والمتفاعلين؛ فهذه مسألة ليست جديدة، ولها أبعاد نفسية واجتماعية وثقافية متنوعة.

ومن جهة أخرى فثمة ما هو جيّد ومفيد من أكثر من ناحية، أيضا له كثير من المتابعين والمتفاعلين والمتأثرين...أي ليست قاعدة مطلقة أن توجه غالبية الناس هو نحو ما لا يفيدهم في دينهم أو دنياهم؛ مع ملاحظة أن ما هو سطحي، أو يقوم على الإثارة والغرائب المزعومة أو الأغاليط له جمهور واسع وكبير ويكاد يكون عامل(وحدة) وقاسم مشترك بين وحدات جغرافية واجتماعية!



العّداد المفزع

كنا فيما مضى نلحظ اهتمام الناس بما هو قائم على الإثارة والسطحية من خلال بعض المظاهر؛ مثل خلو الشوارع وقت عرض مسلسل معين أو مباراة كرة قدم، أو من خلال طغيان هذه الأشياء على حديث الناس، وصولا إلى حرص بعض الشباب والفتيان على تقليد بعض المطربين والممثلين والمصارعين ولاعبي كرة القدم وغير ذلك، فنأخذ فكرة عامة عن حالة تمثل الفكرة السابقة:التفاهة والسطحية والأشياء الأقل أهمية بالنسبة لنا، لها جمهور واسع يخترق كل فئات المجتمع خاصة الفئة الشابة التي تمثل طاقة المجتمع، وغالبيته عندنا.

ولكن الآن ربما يمكن قياس الأمور بالعدّاد الذي توفره تقنيات مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة، والذي يكشف مثلا في المرئيات ومقاطع الفيديو عن عدد المشاهدين، فنلحظ أن رقم عدّاد المشاهدات لأشياء من فئة (لا يزيد علما ولا يرفع جهلا، ولا يرفّه عن النفس بما يتوافق مع ضوابطنا الدينية وموروثنا الثقافي) هو رقم كبير.

طبعا من الإجحاف وصف كل المشاهدين والمتابعين بأنهم من طابور السطحيين التافهين؛ فهناك من دافعه الفضول المحض، أو حتى انتبه لرقم المشاهدات المُفزع فقرر أن يزيد الرقم(واحدا) ويعرف ما الذي يدفع هذه (الجماهير الغفيرة) لمشاهدة المحتوى؛ ومن جهة أخرى هناك مهارة أحيانا تتعلق باختيار عناوين وأوصاف تدفع المرء ليستطلع، وقد ينسحب قبل أن يكمل المشاهدة إذا لم تكن كما توقع أو كما يحب ويشتهي أو لم تجذبه...هذا مفهوم بخصوص العدّاد المفزع.



خطأ لا يحتمل

دعونا الآن من هذا ولنأت إلى ما فكرته في العنوان والوصف وحتى المحتوى؛ فكرة سامية حقا؛ كيف وقد قامت على الوعظ المستند إلى خير الهدي، أي حديث النبي-صلى الله عليه وسلم- لقد رأيت الرقم (17 مليونا) ولكن ربما خانني بصري والعدد هو (مليون وسبعة بالعشرة 1.7 مليون) وهو أيضا رقم ليس بقليل، وتخيل أنه يضم فئات عمرية مختلفة من الذكور والإناث ومن شتى أنحاء المعمورة، وقد لفت نظري الوصف أو العنوان وهرعت لأطلع على المحتوى...ففزعت ولم أقبل الخطأ وتوقفت عن متابعة البقية.

فقد قرأ الرجل حديثا نبويا وأخطأ في ذات الكلمة مرتين على الأقل خطأ لم أحتمله؛ ذلك أن من يريد نشر مادة كهذه يفترض به أن يضبط قراءة الحديث جيدا، خاصة فيما هو واضح ولا يقبل التأويل، وخطؤه أيضا ثقيل على اللسان.


الباء لا تجر بل ترفع

لقد كرر الرجل (يؤتى برجالٌ) ولا أريد أن أكمل الحديث ولا أرشد لرابط المقطع، حتى لا أساهم في رفع الرقم في عداد مشاهداته ولو قليلا...يفترض أن طالب المرحلة الابتدائية يعرف أن (الباء) تجر ليس فقط الرجال، بل الجبال...ومع ذلك ذهبت لأقرأ الحديث من مصادر مختلفة فلعل في الأمر ما لم أعلم به، فوجدت الباء تصرّ على أن تجرّ أولئك الرجال...واكتشفت مفاجأة سآتي لها لاحقا!

ولم يتوقف بحثي، فذهبت إلى آخرين تناولوا ذات الحديث، وقد قرؤوه بطريقة صحيحة، والباء جرّت(رجال) طبعا، وكيف يلحن من أوتي جوامع الكلم عليه أفضل الصلاة والسلام، والأولى بمن ينقل عنه ضبط ما ينقله للناس قبل نشره، ولكن أولئك الذين لم يقعوا في هذا الخطأ، ولا غيره، وهدفوا من قراءة الحديث والاستشهاد به، نفس ما هدف صاحب المشاهدات المليونية، لم يحصلوا إلا على عدد قليل من المشاهدات والتفاعلات، مقارنة مع صاحب الباء التي لا تجرّ بل ترفع الرجال رفعا!



مسئولية الناشر والمتابع

 

نحن نتحدث عن حديث نبوي، ويتم نشر قراءته بطريقة خاطئة على كل الدنيا؛ وكان يفترض قبل النشر على الملأ التدقيق في هذه المسألة، ولو أنها زلة لسان لما تكررت في ذات المقطع.

أما المتابع فهو ممن توجه إلى ما فكرته نبيلة، وأراد أن يتعلم شيئا يفيده في دينه ودنياه، ولكن لم يختر الطريق الصواب؛ فلا يكفي أن تكون نواياك سليمة، ولا يكفي أن يكون العنوان براقا وفكرته عظيمة، كي تندفع دون التثبت من الدقة والنقل...ونحن إذ سخرنا من قصة لا نعلم مدى صحتها عن رجل قرأ كلمة (كموج) واستفسر عن معناها(ما هو الكموج؟!) في بيت من معلقة امرئ القيس(وليل كموج البحر...) فالأولى أن يتثبتوا (الناشرين والمتابعين)من ضبط الأحاديث النبوية.


وهو ليس كذلك!

 

والحقيقة أنه رغم أن الباء التي رفعت الرجال رفعا حصلت على ملايين المشاهدات، وحصل غيرها عند الضبط وجرّ الباء للرجال على بضعة آلاف فقط، قد أخطأ الناشرون للمقاطع (الغنية بالمشاهدين والفقيرة) الخطأ الأهم والمفاجئ(أشرت لوجود مفاجأة)...ألا وهو أن الحديث ليس بهذا اللفظ أصلا، أي أن الخطأ مركب، وأربأ عمن يعلم الناس دينهم، وينشر دروسه وعظاته ألا يضبط ما ينقله، أعلم أن الحديث ليس كالقرآن الكريم، وأنه يجوز أن نقول لفظا مكان آخر دون تغيير المعنى ولا جناح على المرء، حسنا، ولكن ما دامت الوسائل متاحة لماذا نأخذ بهذه الرخصة، فأنت لست في موضع خطبة مرتجلة أو كلمة مستعجلة، بل أنت يفترض حضرت وجهزت النصوص التي ستقرؤها على الناس.

على كل أختم بنص الحديث الذي كان موضوع هذه المقالة وقد رواه ابن ماجة في سننه عن ثوبان عن النبي –صلى الله عليه وسلم- أنه قال: لَأَعْلَمَنَّ أَقْوَامًا مِنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضًا ، فَيَجْعَلُهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَبَاءً مَنْثُورًا ، قَالَ ثَوْبَانُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ صِفْهُمْ لَنَا ، جَلِّهِمْ لَنَا أَنْ لَا نَكُونَ مِنْهُمْ ، وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ ، قَالَ : أَمَا إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ ، وَمِنْ جِلْدَتِكُمْ ، وَيَأْخُذُونَ مِنَ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ ، وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللَّهِ انْتَهَكُوهَا.


،،،،،
تم النشر الجمعة 1 رمضان  1441هـ ، 24/4/2020م

الجمعة، أبريل 24، 2020

ونحن نودِّع إسرائيل.. ماذا نقول؟!

ونحن نودِّع إسرائيل.. ماذا نقول؟!









ونحن نودّع (إسرائيل)...ماذا نقول؟!

بقلم:سري سمّور

يفترض أن تبدأ مراسم وداع الكيان المسمّى(إسرائيل) هذه الأيام؛ ليس بسبب فايروس كورونا مثلما قد يتبادر إلى الذهن، في حمأة انشغال العالم بهذه الجائحة، وانشغال حكومة الكيان أيضا، ولكن هذا الفايروس ليس هو من سيقضي على الكيان، ولكنه ربما ساهم في خلخلة معينة وتسريع في اقتراب هذه اللحظة المنتظرة.
بغض النظر عن التحليلات والقيل والقال فإن إسرائيل، لن تطفئ شمعتها الثمانين، كما في التعبير الدارج، ولكن عند الوداع، وهنا بمعناه المجازي، لأن الملايين سيكسرون وراءها جرّة كما في المثل الشعبي، فإنه تخطر في البال مزايا وخصائص الشيء الذي نقوم بإقامة مراسم وداعه إلى...لا، ليس إلى مزبلة التاريخ، فهذا مكان نظيف بالنسبة لدنسها، ولكن إلى سطر كريه في سفر التاريخ الإنساني، تغمض الأعين وتوضع الأصابع على الأنوف من شدة نتنه، مع شعور بشفقة ولهفة على من عاصروه، وغبطة لمن سيشهدون لحظة وضع نقطة إعلان كتابة نهايته.
وقد كان لإسرائيل التي نستعد لرؤية خريطة تخلو من اسمها حقيقة وواقعا بعض الآثار و(المآثر) الجديرة بالذكر، والتي لا مناص من استحضارها في هذه اللحظات التاريخية، على مختلف الملل والنحل ومنها:-

فيما يخص اليهود

لقد كان فضل إسرائيل على اليهود كبيرا؛ فبعد أن كان منهم المخترعون ونطاسيو الطب، والأدباء والشعراء، تحوّلوا إلى مجموعة خادمة لجيش يحتل أرض غيره، وصار اسمهم وحالهم يرتبط عضويا به، فغدا الخوف شيمتهم حيثما حلّوا، وصار الأمن هاجسهم، والهوس يسيطر على عقولهم.
وبعدما كانوا يعيشون في كنف العرب والمسلمين، مستغلين طيبتهم وتسامحهم، وتميزت طائفة منهم بالغنى ومهن مختلفة ومراكز مرموقة لم يحصل عليها كثير من غيرهم؛ صاروا بفضل إسرائيل محل كراهية ونفور ممن احتضنوهم قرونا طويلة، وصار حتى من كان يحتك بهم ويعيش في أحياء سكنوها في بلاد العرب والمسلمين محل شك وارتياب.
وصارت معيشتهم في فلسطين تقوم على خدمة عسكرية لا تكاد تنقطع، يتشارك فيها رجالهم ونساؤهم، واللواتي بدل تدليل الأطفال، يرفهن عن الجنود الذكور ويحملن السلاح ويلبسن البساطير.
 وصار التفكير بالملجأ الآمن المجهز لأي طارئ أولى من التفكير بالدراسة والعمل وكل ما في الحياة الطبيعية التي يحياها الناس في العالم، والتي عاشها أسلافهم، وكان لإسرائيل فضل كبير بأن تنشأ نظرية، يعتنقها كثير من أهل الكوكب، ملخصها تحميلهم مسئولية كل الكوارث والحروب والمجاعات والأزمات السياسية والاقتصادية، أي أن 16 مليون يهودي متهمون من ملايين أو مئات ملايين أو أكثر من الناس بمصائب الدنيا، وما كان هذا ليصدقه إلا من فئة قليلة لولا إسرائيل، مما جلب لهم مزيدا من البغضاء، وجعلهم يعيشون بالمكر والكيد وتوتر دائم...وإسرائيل التي وعدتهم بالاستقرار ربما أعطتهم أشياء كثيرة إلا هذا، وصاروا يعتنقون الشك بكل شيء وبأي أحد حتى لو كان ممن صادقهم ووادعهم، وكل كيانات العالم تفكر بأزمات مستقبلية تتعلق بالاقتصاد والتعليم والبيئة، إلا هم أزمتهم تتعلق بفكرة الوجود...أليس فضل (إسرائيل) على اليهود كبيرا والحال كذلك؟!

فيما يخص فلسطين والعرب

أرض فلسطين ستشتاق لإسرائيل من دون الدول والممالك والجماعات التي عاشت فوق أرضها؛ كيف لا وقد تبدلت معالمها؟كيف لا وقد جففت بحيراتها(الحولة) وينابيعها وأنهارها؟كيف لا وقد تغير مناخها بفعلها؟ كيف لا وقد مسحت وهدمت مدنها وقراها ومضارب بدوها؟كيف لا وقد (تعبرنت) أسماء أماكنها وحواضرها ومعالمها التي عرفتها منذ حقب طويلة؟كيف لا وقد تحولت إلى ثكنة عسكرية فيها جيش مسلح بأحدث الأسلحة التي تحيل مدارس الأطفال إلى برك من الدم، أو تغير مسار حياة عائلات أو حتى لا تبقي لعائلات وجودا في الحياة؟كيف لا وقد شرّد القاطنون فيها في أصقاع الأرض بعد قرون طويلة من وجودهم فيها؟ كيف لا وملايين من أهلها صاروا غرباء في وطنهم ومجرد (مجموعة) سكانية لم تتوقف إسرائيل عن هندستها وقولبتها والتفريق بين أفرادها وجماعاتها؟كيف لا وقد سطت على مقدساتها فخربت مساجدها وكنائسها؟كيف لا وقد قتل أطفالها وترملت نساؤها وانتهكت حقوق وكرامة أهلها؟كيف لا وقد قطعت أوصال أرضها بالأسوار والجدران والحواجز؟كيف لا وقد صار بقاؤها مرتبطا بوجود الاستبداد والعبودية والتبعية في المحيط والتي كان العربي يقبل أي شيء إلاها فأرغم بوحشية السلاح وضروب الخداع على العيش في كنفها؟كيف لا وقد عاشت على الإفساد ودعم سيادة الرويبضات؟كيف لا وقد صار التجسس على كل شيء وفي كل وقت ميزة وعلامة مسجلة من أجل بقائها؟كيف لا وقد ابتكرت أشياء لم تسجل عند أكثر الأجهزة المخابراتية وحشية، فطلبت من العميل أن يزني بمحارمه، وأن تلد امرأته من مشغله؟كيف لا وقد فصلت الأب عن ابنه والأخ عن أخيه  وصار كل منهم في مكان يحرم من لقاء الآخر؟كيف وكيف...كيف بعدد سنين وأيام وساعات وجود إسرائيل.
هذه هي إسرائيل التي تستعد الأرض الفلسطينية أن تتطهر منها وهذه كلمة مقترحة في مراسم (وداعها)...وهو قريب بعون الله.

الخميس، أبريل 09، 2020

هل ننقل الثلاجة إلى غرفة النوم أم ننقل السرير إلى المطبخ؟!

هل ننقل الثلاجة إلى غرفة النوم أم ننقل السرير إلى المطبخ؟!









هل ننقل الثلاجة إلى غرفة النوم أم ننقل السرير إلى المطبخ؟!

بقلم:سري سمّور
  

في شهر تشرين ثاني/نوفمبر2019م قررت الالتحاق والشراكة في شركة(يونيستي UNICITY) التي تتيح الشراكة بدون رأس مال وبشروط سهلة؛ أنا وزوجتي، وكان من الأهداف تحسين الصحة العامة، وتقوية جهاز المناعة، باستخدام المكملات التي تنتجها الشركة؛ وأيضا وفي صلب سياق الصحة، تخفيض وإنقاص الوزن ضمن ما توفره الشركة، من برنامج يقوم على إعادة برمجة الخلية، مع استخدام مكملات غذائية وفق إرشادات خبراء الصحة في الشركة؛ ذلك لعدم الرغبة بانتهاج برنامج يقوم على حرمان لا تطيقه نفس طبعت على التشهي؛ وكانت (الممنوعات) وما يحظر أكله محدود ومقدور عليه.

وبحمد الله تعالى وخلال فترة قصيرة نسبيا، ظهرت نتائج مرضية فقد نقص وزني 17كغم وزوجتي فقدت وفق البرنامج والمكملات أيضا 20 كغم، وبهذا وبغيره تم اعتبارنا قصة نجاح في (فريق الأحلام DREM TEAM) الذي يرأسه د.مجدي عبيد ويقيم شراكة مع شركة يونيستي:-



 

وتم الاحتفاء بالزوجين المنضبطين بالبرنامج، عبر مجموعات الفريق داخل مواقع التواصل المختلفة،  وهذا شجع عددا من الأقارب والمعارف والأصدقاء إلى الالتحاق بهذه البرامج وحيازة تلك المكملات، لأن التجربة ماثلة أمامهم.

وكان الأمل قائما بأن نفقد مزيدا من الكيلوغرامات، خاصة وأننا مددنا من تلقاء أنفسنا فترة البرنامج الغذائي، ولأن البرنامج يشمل الرياضة(كالمشي نصف ساعة يوميا على الأقل) ولأننا لم نلتزم بهذا قررنا عدم تناول العشاء المسموح به وفق البرنامج مع تمديد الفترة الزمنية حتى نصل إلى ما يسمى(الوزن المثالي) المتناسب مع طول القامة.

 


الأمل والفرحة وكورونا

ولكن الفرحة لم تطل؛ والأمل يكاد يتبخر؛ نظرا لإجراءات مواجهة فايروس كورونا خاصة البقاء في المنازل، والتي تتكفل بزيادة التشهي وتحرّض على التساهل في تناول مختلف أنواع الطعام وملحقاته، ولأن الحدود مغلقة وبالتالي لا يمكن أن تصل المكملات خاصة مكمل ضروري لحالتنا هو(SLIM) وهو باختصار يقوم بدور المكنسة الكهربائية للمواد الغذائية في الجسم:-


والذي يصل إلى  الأردن التي فيها أقرب مركز تابع للشركة علينا نحن في فلسطين ومن ثم نجلبه من هناك وحاليا كما نعرف توقف النقل الجوي وأيضا الحدود مع الأردن أغلقت.
والقلق يساورنا بأن ما تم إنجازه سيصبح أثرا بعد عين في ظل هذه الظروف، وكسر النظام الغذائي، وعدم وجود مكملات.

ما سبب زيادة الشهية للطعام؟

تعج مواقع التواصل والفضاء الإلكتروني بما يؤكد عبر النكتة المرئية أو المرسومة أو المكتوبة أن الناس في ظل الجلوس في البيوت في الظرف الحالي، يأكلون أكثر من حاجة أجسامهم، وكأن المرء تناول أقوى المشهيات التي تجعله يملأ بطنه بمختلف أنواع الطعام المقلي والمطبوخ والمسلوق مع ما تيسر من الفاكهة والحلويات والمكسرات وكأنه قد صار له أجهزة هضم إضافية...لذا أسأل عن سبب ذلك، ولا أجد جوابا مقنعا، ولا أعرف إن كان ثمة تفسير علمي لهذه الظاهرة.
فهل يميل الإنسان إلى تناول الطعام والحلوى والمكسرات وغيرها في حال علم أنه يجلس في البيت ولا عمل ينتظره، وليس هناك زيارات وواجبات اجتماعية عليه القيام بها؟وإذا كان الجواب (نعم) كما هو واضح في واقع الحال، فلماذا؟
  
هل نتسلى بالطعام؟     

بدأت الحديث عن تجربة شخصية؛ لأنه قد اتضح لي بتجربة عملية أن بِمُكنة الإنسان أن يتخلى تماما عن السكر والحلوى تماما، هي وما يقال أنه بديل عنها من مواد، وأن يمتنع ليلا(وفق برنامجي المذكور) عن تناول الفاكهة بعد غروب الشمس، وأن بإمكانه ألا يتناول شيئا بين الوجبات إلا الماء والقهوة(أو الشاي) المرّة فقط، وسيعتاد على ذلك بسرعة، فلماذا بعد إجراءات البقاء في المنزل(#خليك_بالبيت) انفتحت الشهية بطريقة غير معتادة حتى قبل الانخراط في النظام الغذائي الواعد؟
هناك من يعتبر الأمر(فشة خلق) وتسلية ستتحول إلى دهون ووزن زائد عند تناول الطعام؛ ولكن أي ملل يتحدثون عنه؟بالنسبة لي فأنا أشعر بأنني مشغول، وهو ليس شعورا بل حقيقة، فهناك كتب مطبوعة وإلكترونية أقوم بقراءتها، وأشعر بأنني لا أنجز وفق الفراغ الموجود، ودورات تعلم عن بعد أنا التحقت ببرنامجين مختلفين فيها، كما أن عالم (الإنترنت) وحده سيشغل المرء بحيث يغنيه ما يرى ويسمع ويكتب، عن جعل سلوته في أكل عدة وجبات بينها ما تيسر من مكسرات وحلويات وغيرها...ثم إنه يفترض بالعاقل القول: لا مرحبا بتسلية أو متعة ستجلب لجسدي وصحتي الضرر، واضعا أمامه حديث رسول الله-صلى الله عليه وآله وسلم- الذي رواه الترمذي وغيره (ما ملأ ابنُ آدمَ وعاءً شرًّا من بطنِه حسْبُ ابنِ آدمَ أُكلاتٌ يُقمْنَ صلبَه فإن كان لا محالةَ فثُلثٌ لطعامِه وثلثٌ لشرابِه وثلثٌ لنفسِه).
  
دورة تسمين منزلي؟

لا يختلف إثنان تقريبا على أن الجلوس في البيت بناء على إجراءات مواجهة تفشي فايروس كورونا هي وصفة لدورة تسمين منزلي بامتياز؛ حتى أنه قيل على سبيل التندر أن علينا إما نقل السرير إلى المطبخ، أو نقل الثلاجة إلى غرفة النوم، وذلك كناية ساخرة عن إقبال الناس على تناول الطعام في أوقاته المعتادة مضافا لها وجبات أخرى مع ما تيسر من (تسالي) حلوة أو مالحة.
فهل نقوم بالوقاية والاحتراز من الفايروس الذي يجتاح العالم بحمل زائد من الشحم فوق أجسامنا، وما قد يسببه ذلك من أمراض أو (ترشيح) لإصابة بأمراض مختلفة؟هل نتوقّى الوباء بأمراض أخرى؟أين عقولنا، ولماذا نعجز عن كبح جماح شهوتنا إلى الطعام؟


رمضان قد يكون فرصة

أقل من أسبوعين ويهل هلال شهر رمضان المبارك، نسأل الله تعالى أن يهل علينا ونحن في خير حال وقد زالت هذه المحنة وانتهت إلى خير وسلام؛ وبرأيي أن شهر رمضان بعكس حاله السابق عند كثير منا، بالتفنن في إعداد أصناف الطعام والحلوى، وذلك بعدم تناول شيء بعد الإفطار والاكتفاء ببضع تمرات وشرب الماء على السحور فقط، وبما أن المساجد قد تظل مغلقة، فإن بوسع المرء أن يصلي ركعات بعدد أكثر في البيت، ويكسب إلى جانب الأجر والثواب فقدان ما أمكن من السعرات الحرارية، ويضع حدّا لدورات التسمين المنزلي، وبحيث تظل غرفة النوم بلا ثلاجة، ولا ينتقل السرير إلى المطبخ!
اللهم خفف عنا وألهمنا طريق الرشاد.
 
،،،،،
تم النشر الخميس 16 شعبان  1441هـ ، 9/4/2020م



الخميس، أبريل 02، 2020

"جنين 2002" بين التفكك والتشظّي والأيديولوجيا المضمرة

"جنين 2002" بين التفكك والتشظّي والأيديولوجيا المضمرة














(جنين 2002) بين التفكك والتشظّي والأيديولوجيا المضمرة  

بقلم:سري سمّور
  

حين طلب مني صاحبي قراءتها، ووجدته قد عرضها باقتضاب على صفحته في فيسبوك، قلت لنفسي:لا بد أن الرواية تستحق، وعليك ترك أو تأجيل ما بيدك كي تبدأ بقراءتها دون تسويف؛ والسبب هو معرفتي بهذا الصاحب؛ فهو يحفظ أجزاء من القرآن الكريم، ويحفظ معظم ألفية ابن مالك، والأجرومية، وهو مدرس لغة عربية، فكان حكمي أن مثله لن يدلك ويشجعك على نص ضعيف، أو فارغ  من المبنى والمعنى؛ لا بد أنها رواية قيمة جدا، ما دام صاحبي –بصفاته التي ذكرت- هو من دعاني إلى قراءتها...بكلمات أخرى بدأت بقراءة الرواية واضعا صاحبي، وما أعرفه عنه في ذهني، قبل أن أعرف شيئا، حتى عن كاتب الرواية، بل المعلومات الأولية عن الكاتب أخذتها من صاحبي، وكعادتي منذ سنوات، أحببت تسطير مقالة عن أي رواية أقرؤها، وهذه نصيحة من صحفي كبير السن ألقاها على مسامعي قبل حوالي عشرة أعوام...وكما أقول عند الكتابة عن أي رواية:لست في معرض النقد الأدبي بأدواته التي لها أهلها، بقدر تقديم قراءة وانطباع وملاحظات وخواطر...أما بالنسبة لصاحبي الفاضل فهو بصدد إعداد بحث جامعي عن الرواية، وربما هذا سرّ اهتمامه بها...طبعا لست أنا أول-وربما لن أكون آخر- من كتب عن هذه الرواية، فقد كتب عنها روائيون وصحفيون، ونوقشت في جامعة بير زيت، وفي منتدى اليوم السابع الثقافي في القدس وغيرها، وطريقة تناولي للرواية ربما تختلف عنهم في قليل أو كثير، ودوما أقول ما دامت الرواية قد نشرت فهي ملك القارئ سواء أكان من أهل الأدب والنقد أو سواهم.


مع الرواية...جنين 2002

يمكن قراءة الرواية خلال جلسة واحدة فهي سهلة وقصيرة عدد صفحاتها (212) صفحة من القطع المتوسط وعدد الكلمات في كل صفحة قليل؛ بالنسبة لي قرأتها في جلستين اثنتين، وهي صادرة عن(المؤسسة العربية للدراسات والنشر) في بيروت، وهذه المؤسسة أصدرت ونشرت روايات عمالقة الروايات العربية منهم على سبيل المثال، لا الحصر، عبد الرحمن منيف، وعند رؤية اسم المؤسسة؛ توقعت أن تكون الرواية بنفس نسبة(الدسم) المعتادة في إصدارات المؤسسة...وهذا توقّع تبين لي أنه ليس في مكانه.
الطبعة الأولى صدرت في عام 2014، أي قبل حوالي ستة أعوام؛ هل تأخري في قراءتها، عوضا عن عدم سماعي بها مؤشر على عدم متابعتي؟ربما نعم، وربما لا...وهذا ليس مهما بعد أن صرت ممن قرأها وها هو يكتب عنها.
الكاتب هو (أنور حامد) وهو كاتب فلسطيني من بلدة عنبتا قرب مدينة طولكرم والتي لا تبعد كثيرا عن مدينة جنين ومخيمها(موضوع الرواية)، ويشار أن الكاتب له القدرة على الكتابة بلغات ثلاث:العربية والإنجليزية والمجرية، وله إصدارات أدبية مختلفة من الشعر والروايات، وبدأت رحلته مع الكتابة والنشر قبل حوالي أربعين عاما...مع ذلك هذه أول رواية أقرؤها له...ولا داعي للاستعراض الكاذب؛ فكما قلت في مقالتي المنشورة هنا بواكير عام 2017 (الصراحة مع القراءة) بأن يكون المرء صريحا ولا يزعم قراءة أي نص لم يقرأه حتى لو كان مما بلغت شهرته الآفاق...وهذا حالي مع كتابات أنور حامد؛ أول مرة أقرأ له، وهو ليس من الكتاب المعروفين لدى العبد الفقير.

صعوبة الحيادية والفصل بين الأدب والواقع

صارت الديباجة المعروفة عند الأدباء والنقاد؛ هي أن تشابه أحداث رواية مع الواقع ليس مقصودا بذاته؛ وأنه لا يجوز محاكمة نص أدبي يظل في دائرة الفن والخيال، إلى عالم الأحداث الحقيقي، وما فيه من توثيق وتأريخ...هذا صعب يكاد يلامس المحال؛ خاصة عند الكتابة عن حدث معروف قريب، وليس من الماضي السحيق الذي تجوز فيه المناورة على قاعدة(اختلاف المؤرخين وعدم دقة النقل وما شابه) فكيف إذا كان الحدث هنا-بالنسبة لي- شيء عشته وتأثرت به؟وهو أحداث معركة مخيم جنين في نيسان/أبريل 2002 وما رافقها وما تبعها؟فأنا كنت شاهد عيان على جزء من الأحداث الرهيبة، ونالني شيء من تبعاتها، وما لم أشهده عرفته لاحقا بطريقة أدق.
الكاتب(أنور حامد) كان حذرا فهو في التنويه الذي بدأ فيه الرواية أشار بأن تناوله لشخصية(جوليانو مير خميس) في الرواية كان من صنع الخيال مع استخدامه بعض المعلومات عن المذكور استقاها من مصادر مختلفة من ضمنها فيلم(أطفال آرنا) وهو من أعمال جوليانو وتناول قصة أمه الناشطة اليسارية(آرنا) وهي يهودية علمانية متزوجة من فلسطيني مسيحي من الداخل عرفت بنشاطها المناوئ لما تقوم به قوات الاحتلال الإسرائيلي، وبنت مع العديد من أهالي المخيم علاقات طيبة، وتوفيت لاحقا بالسرطان(تطرقت الرواية إلى ذلك).

الإهداء وتجاهل الحقيقة!

الإهداء الذي صدّره أنور حامد هو لذكرى(جوليانو مير خميس) والأخير كان له نشاط(الإشراف على مسرح الحرية) في مخيم جنين بدأه بعيد الاجتياح في 2002 واستمر حتى قتل برصاص مسلحين مجهولين في المخيم في نيسان 2011 أي بعد تسعة أعوام من الاجتياح الكبير، وهو الاسم المعروف شعبيا لعملية(السور الواقي) التي شنها شارون على الضفة الغربية وكان من أبرز محطاتها مهاجمة وحصار مقر الرئيس عرفات، ومعركة مخيم جنين، وأكتب هذه السطور في ذكرى المعركة للتنويه.
ولكن مع أن الإهداء موجه إلى (جوليانو) والرواية منحته دورا أراه –بعكس بعض الناقدين-محوريا في أحداثها، ولكن تم تجاهل حقيقة تناولها لفيلم(أطفال/أولاد آرنا) الذي أشار إليه الكاتب في التنويه، ولم يتطرق في أي جزء من الرواية لهذه الحقيقة المهمة؛ وهي أن الأولاد الذين يتحدث عنهم لما كبروا انخرطوا في المقاومة المسلحة ومنهم الاستشهادي والشهيد والأسير، وهذا شيء معروف كان حريّا بالكاتب ألا يتجاهله وأن يأتي عليه ولو سريعا، ولكنه لم يفعل ولا أدري ما السبب؟

محاكمة النص الروائي أمام الواقع

الروائي الأستاذ (أنور حامد) اختار عنوانا صريحا يشي تلقائيا بمحتوى الرواية أو فكرتها أو طبيعة موضوعها(جنين 2002) والعنوان وحده كاف لعدم سلخ النص الروائي عن الواقع والموضوع والحقائق.
ولذا إضافة إلى ما ذكرته من حقيقة كوني شاهد عيان ولدي ما أقوله؛ فإن تناول الحدث ولو بقالب أدبي ورواية تظل عملا خياليا، وإهدائها لذكرى شخص حقيقي بل وتخصيص صفحات مهمة ودور مركزي له(جوليانو) يجعل من فكرة التعامل مع الرواية بمعزل أو بتغافل متعمد عن الواقع أمرا غير ذي صلة بتاتا، لذا أنا مضطر، بل أرى من الموضوعية التامة إخضاع أحداث الرواية إلى الواقع في أكثر من نقطة.


نص سردي بحت

لا أنكر أنني لما ذكرته في البداية عن صاحبي الذي حثّني على قراءة الرواية، ومعرفتي بذائقته وملكاته اللغوية، فوجئت إلى حد ما؛ فالرواية هي نص سردي تماما، يخلو من المعالجات الفنية، والتعبيرات الأدبية العميقة، ولعل هذا ديدن الروايات في الألفية الحالية، أو هكذا يبدو لي، أي سرد الأحداث على لسان شخوص الرواية أو الروائي دون نمنمة فنية وكأننا أمام نشرة إخبارية أو سيرة ذاتية، ولا مشكلة عموما في ذلك، خاصة أن السرد كان شيقا لطيفا، مع أنه أفرط في استخدام اللهجة المحكية.
والرواية تبدأ بنص على لسان شخصية محورية في الرواية سنعرف لاحقا أنها(أريج الشايب) وهي فتاة عمرها 17 عاما في التوجيهي/الثانوية العامة من سكان مخيم جنين، وهنا نجد (أنور حامد) قد تعامل بحذر مع اختيار الاسم، ولا أظن الأمر محض صدفة؛ فأريج هو اسم عادي، قد تجد أي بنت من أية عائلة في مخيم جنين تحمله، ولكن لا يوجد بين عوائل المخيم عائلة تحمل اسم (الشايب).
وأم البنت من عائلة(أبو الهيجا) والتي تعود جذورها إلى قرية(عين حوض) المحتلة سنة 1948 قرب حيفا، وهذه عائلة كبيرة، ولعلها الأكبر بين عائلات مخيم جنين، وبالتالي نجح الروائي في اختيار الاسم بدرجة كبيرة، من وجهة نظري.

تجاهل حقائق ميدانية وتاريخية

وسيرد أن أم أريج والتي أكبر أولادها في العشرين، كانت فتاة صغيرة تتذكر عين حوض قبل النكبة الأولى، وبحسبة بسيطة يتبين أن هذا مخالف للواقع، فكم كان عمرها حين تزوجت إذن، وهي الزوجة الأولى والوحيدة؟
وأيضا يتحدث الكاتب عن اقتحامات لقوات الاحتلال لمخيم جنين قبل انتفاضة الأقصى، واستدعاء المخابرات الإسرائيلية للشاب(عارف ) الذي ربطته بأريج قصة حب؛ ولكن هذا مجاف للواقع، فمخيم جنين أصبح ضمن المناطق المصنفة(أ) وفق اتفاق أوسلو منذ خريف 1995 وبالتالي لم يعرف الاقتحامات والدخول الفعلي لقوات الاحتلال منذ ذلك الحين حتى 2002 وهي سنوات كافية ليكبر فيها جيل كامل، ولكي نستنتج أن أريج وعارف كانا أطفالا صغارا قبلها، حتى أول صفحة من النص تذكر أنها كانت طفلة في التاسعة، فكيف اختلطت الأمور على الكاتب؟!
وعلى ذكر المقاومة في مخيم جنين فإن (أنور حامد) تحدث بالعموم عن الفصائل ولكنه لم يذكر إلا اسم (حركة فتح) وحقيقة ما ميّز مخيم جنين ومعركته البطولية هو أن وحدة ميدانية حقيقية كانت بين كل فصائله، خاصة فتح وحماس والجهاد الإسلامي، وكان يجدر بالكاتب ذكر أسماء الفصائل الأخرى ولو حشوا.

كراسة أريج وعارف المختلف ومربى المشمش

بالطبع لم يغب عن بالي أن الرواية تريد أن تقول بأن مخيم جنين أهله يعيشون حياتهم وفق ما هو متاح؛ يأكلون ويشربون ويحبون ويتزوجون ويطربون ويمارسون الفنون وفق الإمكانيات المتاحة رغم قلتها، ويلعب أطفالهم ويمرحون رغم حالة الفقر والضيق، ويسعون في طلب الرزق والحصول على التعليم، وتحتفل فتياته بأعياد ميلادهن، وغير ذلك، مما جاء في كراسة يوميات خطتها أريج حتى استشهدت.
ولكن بصراحة الكراسة واليوميات بحد ذاتها تمثل إشكالية؛ فأبناء وبنات المخيمات، وخاصة مخيم جنين، مباشرون في طرح أفكارهم، حتى وهم يدوّنون يومياتهم-من يفعل ذلك منهم أقصد- ولا يخوضون كثيرا في أسئلة عقدية وجودية وفلسفات عميقة، وخاصة من هنّ في سن أريج، وظروفها العائلية والاجتماعية.
صحيح أن الرواية نص سردي بحت، خلا من العبارات الفخمة، ولكن الأفكار التي جاءت في كراسة أريج عن السياسة والدين والمجتمع والمخيم والاحتلال، لا تتناسب مع سنيّ عمرها، أو نسبة ذكائها.
وحتى وإن كانت اليوميات شيئا يفرغ فيه المرء أموره الحميمة فإنه لن يغيب عن فتاة مراهقة أن تقوم بالترميز أو الإيحاء، أو حتى التكتم وهي تخط الكلمات عن هذه الأشياء؛ ناهيك عن (السوريالية) المفرطة فيها؛ فهي حتى وجدّتها قد استشهدت والمخيم تحت القصف العنيف، تذهب لتمارس لذتها مع نفسها، لأول مرة، ثم تبكي ندما، وتمضي في شرح أراه مستفيضا، عن دخولها في الدورة الشهرية، وما يتبع ذلك.
وبخصوص (عارف) حبيبها فإنها وصفته بـ(المختلف) ولذا هو غير مستوعب في المخيم، لأن لديه أفكارا غير عنيفة حول الاحتلال والصراع برمته، ولذا تعرض لمضايقة واتهامات من شباب المخيم، واستدعي من قبل مخابرات الاحتلال؛ ولو أن الروائي تعمق أكثر لعرف أن من ميزات مخيم جنين أنه متسامح جدا، وقد شهدت بعيني حوارات من(مختلفين) مع رجال المقاومة من بينهم أبرز المطلوبين الذين استشهدوا أو اعتقلوا، وكان (المختلف) يتحدث بصراحة وجرأة تامة معهم ويعبر عن رفضه لسلوكهم ونهجهم، خاصة من زاوية عدم تكافؤ ميزان القوى بينهم وبين جيش الاحتلال، وبمنطق الخوف على البيوت والأطفال، بل بعض الأهالي رفضوا أن تزرع عبوات ناسفة في الشارع أو الزقاق الذي يقيمون فيه، واستجابوا لهم ولم يضايقوهم، بل بالعكس.
ولكن ما لا يتسامح فيه مخيم جنين هو كسر الصيغة المحافظة وسمت الحرص على الأخلاق؛ ولذا فإن ذهاب (أريج) وحدها إلى بيت ( عارف) في غياب أمه والجلوس معه والتحدث إليه وصولا إلى ما هو أعمق وأخطر، مستهجن في أعراف المخيم.
 بالطبع الروائي يريد نوعا من المحاكاة مع(آنا فرانك) التي مارست علاقة مع أحدهم أثناء اختبائها من النازيين، طبعا أريج في الرواية لم تصل مع عارف إلى تلك المرحلة، ولكن هذا أمر شاذ في المخيم، وليس مألوفا، فيفترض أن (عارف) شاب منبوذ بسبب أفكاره، ولذا سيكون تحت المراقبة، فكيف ستأخذ فتاة مراهقة راحتها في التردد على بيته، والمخيم مجتمع يعيش أهله في مساحة ضيقة وكل حركة وكل شيء فيه خاضع تماما إلى رقابة و(فضول) المجتمع؟
أما مربى المشمش الذي سيأخذ حظا وافرا من النص، لدرجة أنه سيصبح المربى المفضل عند الجندي (ديفيد) بعد مشاركته في اقتحام المخيم وعثوره على بعضه وتذوقه؛ فيمكنني أن أزعم هذا النوع من المربى ليس له هذه الشعبية الكبيرة في مخيم جنين، ليس لأنه ليس لذيذا، بل لأن هناك أنوعا أخرى من مربيات الفاكهة، ربما لأنها أقل كلفة، فالمشمش سعره مرتفع خاصة عند أهالي المخيم الذين ليس لهم مزارع وبساتين.
ثم أننا حتى متى سنظل أو سيظل بعضنا ومنهم الأستاذ أنور، حتى في أعمالنا الروائية، نحاول إثبات أننا بشر كبقية البشر، وكأننا نتوسل اعتراف الآخرين، وخاصة الأعداء المحتلين بإنسانيتنا؟إن الغرق في هذه المحاولات أمر مثير للاستفزاز فعلا..حتى ولو كان الهدف هو القول عندنا(آنا فرانك) فلسطينية، فهذا شيء يشهد عليه كل بيت فلسطيني في جنين ونابلس وغزة والخليل وغيرها...هذه أزمة ترهق وتستنزف فكرنا الوطني، ونحن نظن أنها تخدمه وتقوّيه!

هل ثمة أيديولوجيا يضمرها النص؟

توظيف الأدب لخدمة الأيديولوجيا، ليس جديدا، وهو ليس منبوذا، بل على العكس، ولكن ما هي هذه الأيديولوجيا فيما وراء النص؟هل يريد الكاتب أن يقول بأن هناك صراعا دمويا، لا يخلو من العبثية والجنون بسبب التعبئة العدائية و التحريض(المتبادل)، وهذا يلامس وضع الضحية و الجلاد في مربع المساواة، مع أنه حمّل تلك التعبئة إلى الجانب الإسرائيلي؛ بتسليط الضوء على الجندي الشاب (ديفيد) وما يضخ في وعيه من أفكار وافتراءات تتعلق بـ(الآخر العربي) في البيت ومع الأصدقاء وبالطبع أثناء خدمته العسكرية، وما قام به الجيش الإسرائيلي من قتل وتدمير في مخيم جنين، ثم أن الجندي-ويبدو لي هذا محال- يعتبر أريج (آنا فرانك) الفلسطينية وهي يهودية ألمانية نجت من الهولوكوست ودونت مذكراتها أثناء فرارها من النازيين؛ فهم جميعا يعتبرون ألا شيء أكثر مأساوية وقبحا من الهولوكوست منذ الأزل وحتى قيام الساعة، وفرضوا هذه القناعة على الغرب، ويسعون أن يفرضوها علينا!
 ولكن في المقابل لا تتوارى الفكرة بما كان يدور من أفكار في رأس(عارف) وصولا إلى (أريج) كما سطرت في كراستها...أي أنه يمكن من خلال (عقلاء) من الطرفين بناء جسور من التفاهم والسلام بين (شعبين) يعيشان على نفس الأرض...طبعا هي فكرة مرفوضة وثبت فشلها عبر عشرات السنين وما تخللته من محاولات باءت بفشل ذريع، وهي تنم عن قصور في فهم طبيعة المجتمع اليهودي الصهيوني، والدور الوظيفي للكيان العبري، وطريقة التخلص منه.
ما دفعني إلى هذا الظن هو أن الرواية مهداة إلى ذكرى جوليانو ومحورية المذكور في النص أيضا؛ وحقيقة لم أر (جوليانو) إلا مرات قليلة من بعيد ولم أكلمه أو أتعامل معه؛ ولكن أمه (آرنا مير) عرفتها وزارت بيتنا في المخيم عدة مرات إبان الانتفاضة الأولى لأن لي شقيقة أصيب بطلقة مطاطية كادت تودي بإحدى كليتيها في صيف 1988 وأتذكر أن (آرنا) قالت بعربيتها الثقيلة والمفهومة طبعا،عن حركة (السلام الآن) التي –وأنا الفتى الصغير-حسبتها منها:كله كذب...وعندما تحدثت عن الفرق بين العمل والليكود؛ حيث كان الأول يظهر أنه من(معسكر السلام الإسرائيلي) قالت بضجر:كلهم زي بعض فش فرق!
فهل أراد جوليانو الذي أنتج فيلما عن أمه ومن ساعدتهم من الأطفال، مواصلة عمل أمه ولكن ضمن فكر جديد؟أي ألا يكتفي بمساعدتهم وتخفيف معاناتهم والترفيه عنهم فقط، مثلما كان دأب أمه، بل استخدام هذا النشاط كقنطرة لطرح فكرة التعايش، والتخلي عن(العنف) لتحقيق الأهداف الوطنية، ولو بطريقة غير مباشرة؟سؤال صعب والوحيد الذي يعرف إجابته هو جوليانو الذي ليس في عالم الأحياء(قتل برصاص مجهولين في المخيم في 2011)...ولكن هل لي أن أفترض أن (أنور حامد) رأى أن هذا هو هدف جوليانو، أو تمنى أن يكون كذلك، وأيّد هذا التوجه ضمنا وصبّه في فكرة النص؟

أحداث الرواية

حسنا دعونا نستعرض الرواية بطريقة مسحية عامة، دون التزام حرفي بظهور الأحداث والتطورات كما وردت في الرواية بالضرورة؛ فالرواية تبدأ بمقتطفات من كراسة يوميات أريج دون توضيح ذلك؛ وكيف أنها اكتشفت ضعف أبيها أمام ضابط جيش الاحتلال مع جنوده المدججين بالسلاح، وهي التي كانت –بعقل طفلة - تظن أن هذا الأب هو أقوى رجل في العالم...والد أريج يعمل سائق سيارة أجرة يخرج مبكرا من البيت ويعود متأخرا، وأمها ربة بيت، وقد سافر الأب والأم  إلى الأردن وتركوا أريج في بيت جدتها، وبدأ الاجتياح الكبير لمخيم جنين واستشهدت الجدة وبدأ جسدها يتعفن وتفوح رائحته، وهي في وضع صعب وقلق وتوتر، وبقيت أريج وحدها تكتب يومياتها في الكراسة، وشقيقها مع المقاومين؛ ولاحقا سيستشهد شقيقها بعد عودته إلى البيت وستلحق به والكراسة الملطخة بالدم في يدها، حيث سيعثر عليها الجندي(ديفيد أشكنازي) ويطلب من صديقته(ليلى) وهي من أب فلسطيني وأم يهودية بولندية ترجمتها إلى العبرية، ويحاول بعد ذلك نشرها، وتحدث عنده نوعا من الصدمة.
يعيش (ديفيد) في مدينة يافا المحتلة، في بيت قديم طرد منه سكانه العرب، ويبدأ بطرح الأسئلة على والديه، ويلاحظ ديفيد أن المخبز الذي يشترون منه هو مخبز عربي(أبو العافية) وجزارهم المفضل عربي ويشتري الأيسكريم من محل(فيكتوري) وهو عربي ولكن مع ذلك كأن العرب ليسوا موجودين ولا علاقة طبيعية معهم.
يستدعى ديفيد إلى الخدمة العسكرية، ويشارك في عملية اعتقال في منطقة طولكرم، ثم يشارك في اقتحام مخيم جنين الذي شهد معركة حامية الوطيس، وأثناء تمشيط البيوت، يجد الفتاة(أريج) وبيدها الكراسة التي حين يقرأ ترجمتها ستتغير نظرته إلى نفسه ومجتمعه والعرب والصراع وأشياء أخرى، كما يجد صورة لامرأة مع أطفال في أحد البيوت وهو مسرح أنشأته (آرنا) التي تظهر في الصورة، كما سيعرف لاحقا.
يعود من الخدمة بنفسية مختلفة، ويقطع علاقته بصديقته(شوشانا) ويلتقي بعد جهد مع (جوليانو) في الناصرة، ويطلب منه مساعدته لكونه يعيش أزمة نفسية، لأنه شارك في تدمير (حيوات) كاملة وليس كما صوّروا له أنه مخيم للإرهابيين، وبعد مدة يوافق جوليانو ويصطحبه معه إلى مخيم جنين بصفته صديقا، وديفيد يعرف الحديث بالفلسطينية الدارجة، فيستضيفه بعض أهل المخيم في أحد البيوت ويعاملونه بود، ولكنه يقرر التخلي عن حماسه الذي أبداه أمام جوليانو للمشاركة في إعادة بناء المسرح(مسرح الحرية) ويقرر العودة إلى يافا ليس بعقليتهم هناك ولكن ليس بعقلية جوليانو أيضا(بين بين) ولكن والده يطرده من البيت وكان قد توعده بأنه لن يكون مرحبا به في البيت في حال أصر على الذهاب إلى جنين، ويحاول الاتصال بصديقته التي نبذها(شوشانا) وترفضه هي أيضا، فيذهب ويشرب الخمر ثم يذهب إلى السباحة فيغرق في البحر، وتتسلم (ليلى) متعلقاته وتقرر نشرها، فبينها أوراقه التي هي مادة الرواية في جزئها الذي يتحدث فيه ديفيد عن حياته وانفعالاته وعلاقاته وهواجسه وخيباته.

 مخيم جنين مادة خصبة

منذ 2002 وحتى الآن ولاحقا سيظل مخيم جنين مادة خصبة تنتج عنها الأفلام والمسلسلات الدرامية والوثائقية وتكتب عنها الكتب والروايات، وأطروحات الماجستير وغير ذلك، وهذا يدل على أهيمة المكان باعتباره يجسد جزء من النكبة الكبرى وتبعاتها أولا، وثانيا لأنه شهد ملحمة بطولية تصدى فيها عشرات المقاومين لأعتى قوة عسكرية في المنطقة، وبقيادة كبار قادة الاحتلال، حتى أن شارون بنفسه حضر إلى معسكر سالم غرب جنين، وكان شاؤول موفاز رئيس هيئة أركان جيش الاحتلال يشرف على العمليات من مروحية في الجو.
ورواية أنور حامد تضاف إلى تلك الأعمال، وحسبه أن اختار العنوان وعموم المحتوى عن تلك المعركة البطولية، حتى وهو يلتزم بصرامة حيادية أرفضها، وفيها مادة يمكن أن تعرف القارئ العربي على طبيعة الحياة الفلسطينية، ولكن من جوانب محددة، تعطي لمحة عامة، وتمنح الأجيال الفلسطينية قراءة روائية للأحداث، تحفزهم على البحث –كما أفترض وأرجو-والتقصي والتفاعل والاعتراض والتعديل والتصحيح...وحتى الآن فإننا وجدنا أريج الشهيدة في كل بقعة فلسطينية، ولكننا لم نجد ديفيد الذي استيقظ ضميره عندهم!
أما إذا كانت الرواية تخاطب الجمهور الصهيوني أو الغربي، فليس لدي ما أقوله والكاتب الذي عاش في الغرب أعرف مني بهم، ولكن الصهاينة يفترض أننا نتساوى بمعرفتهم من نكبتنا ودمنا ومأساتنا التي صنعوها وما زالوا، وللأسف غاب هذا البعد عن الرواية.
ولا أنسى في هذه المناسبة(معركة نيسان/أبريل 2002 في مخيم جنين) الترحم على جميع شهداء فلسطين عامة ومخيم جنين خاصة.
،،،،،
تم النشر الخميس 9 شعبان  1441هـ ، 2/4/2020م

مع مذكرات أخطر سفير إسرائيلي في مصر (1)

لدي قناعة أن ذهاب أنور السادات إلى خيار التسوية مع إسرائيل؛ و زيارته المشؤومة إلى القدس في 1977 وصولا إلى توقيع اتفاقات كامب ديفيد في 1979 ه...