الاثنين، يوليو 27، 2020

آيا صوفيا.. حين تنكشف المواقف وتزول الأقنعة

آيا صوفيا.. حين تنكشف المواقف وتزول الأقنعة

















آيا صوفيا...حين تنكشف المواقف وتزول الأقنعة

                                         بقلم:سري سمور

المنهاج الدراسي الذي درسه أبناء جيلي، في المرحلة الإبتدائية(الأساسية الأولى) والإعدادية(المتوسطة) كان يحتفي بالسلاطين العثمانيين الأوائل، ومنهم السلطان محمد الثاني(الفاتح) وكيف قام هذا السلطان بفتح مدينة القسطنطينية التي ظلت عصية على جيوش المسلمين منذ صدر الإسلام، وأنه قام بعد فتحها بتحويل كنيسة القديسة آيا صوفيا إلى مسجد، ووضع الهلال مكان الصليب في عام 1453م.

وفي الأيام الماضية جرى جدل كبير واسع، حول إعادة آيا صوفيا إلى مسجد من جديد، بعد 86 سنة من تحويله بقرار من مؤسس الجمهورية التركية العلمانية مصطفى كمال أتاتورك إلى متحف، وقد أقيمت أول صلاة جمعة في مسجد آيا صوفيا في ذكرى توقيع معاهدة لوزان (وقعت في 24 يوليو/تموز 1923م) في إشارة رمزية إلى أن تركيا تتجه نحو حالة جديدة من الاستقلال بقرارها، وأن هذا شأن سيادي داخلي، لا يحق لأحد الاعتراض عليه، وأيضا إشارة رمزية قوية أن تركيا صارت تمتلك قرارها واستقلالها التام، ولا تأتمر بأمر عواصم أو سفارات غربية مثل حال كثير من دول المنطقة.

 

فرح وغضب

 

الشعور الطبيعي لأي مسلم حقيقي هو الفرح لعودة هذا المكان  بيتا من بيوت الله يرفع فيه الأذان وتقام فيه الصلوات المفروضة والنوافل، وتخطب فيه الجمعة، وتعود له دروس وحلقات العلم، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فرح بأن دولة مسلمة قررت قيادتها ومؤسساتها الاستقلال بقرارها وعدم الرضوخ إلى ضغوط الدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة التي انتقدت القرار وطالبت القيادة التركية بإبقاء آيا صوفيا متحفا.

ومشاعر ومواقف الغضب من دول وجهات كنسية غربية قد تبدو مفهومة، كيف لا وتقارير تشير إلى أن صاحب الفكرة هو الأمريكي توماس ويتمور(Thomas Whittemore) الذي بعلاقاته بأجهزة مخابرات وعلاقات شخصية واجتماعية وغيرها أقنع قادة تركيا الذين دشنوا الحكم العلماني القومي بتغيير هوية مكان ظل مسجدا لحوالي 480 عاما...غضبهم وحنقهم يبدو مفهوما من حيث الدوافع والأسباب وطبعا يضاف لهم أولئك الذين يسيرون في فلكهم ممن ينطقون بلسان عربي وهواهم وفكرهم وميلهم  على يمين اليمين الغربي الحاقد، لدرجة أن أحدهم قد انسحب من مناظرة تلفزيونية بلا مبرر منطقي بعدما نال بلسانه من العثمانيين والسلطان الفاتح :-

https://www.youtube.com/watch?v=YruVqjBMkME

أما المستهجن والمرفوض بل المكلل بالعار والشنار أن يقوم مسلمون ومنهم من يتبوّأ منصبا رسميا في مؤسسة دينية لدولة عربية مسلمة بالتدخل أولا في شأن تركي داخلي سيادي، وثانيا باللجوء إلى سلاح الفتوى المسيسة لرفض إعادة آيا صوفيا إلى مسجد، فهذا لعمري يدفع المرء إلى الحزن والأسى والشعور بالمهانة.

ذلك أن التدخل في موضوع آيا صوفيا برفض الإجراء الذي اتخذته مؤسسات الدولة التركية، مرده الحقد على شخص أردوغان وتوجهاته في المنطقة، قبل أن يكون بل دون أن يكون للأمر علاقة بالحلال والحرام، ويجوز أو لا يجوز.

فالرئيس التركي أردوغان رفض حتى الآن الاعتراف بنتائج الانقلاب العسكري في مصر، ووقف ضد النظام في سورية، والثالثة التي أثارت غيظ القوم، وقوفه مع حكومة الوفاق في ليبيا ضد الجنرال الانقلابي خليفة حفتر، والمدعوم سرّا وعلنا من قوى غربية، ودول عربية معروفة بدعمها للثورات المضادة.

ومن الجدير بالذكر أن معاهدة لوزان آنفة الذكر نصت على تخلي تركيا الجديدة عن حقوقها في الدول العربية ومنها ليبيا التي احتلها الطليان قبل المعاهدة بحوالي عقد من الزمن، ويدرك هؤلاء أن تركيا بإعادة آيا صوفيا مسجدا في ذكرى توقيع المعاهدة، مع تدخلها الفعلي في الأحداث في ليبيا ترسل رسائل قوية سياسيا وعسكريا بأنها لم تعد تركيا المنكفئة على ذاتها، أو التي يقتصر دورها على تنفيذ رغبات الدول العظمى والكبرى، وأنها لم تعد منسلخة عن تاريخا الطويل في حماية ورعاية المسلمين الذين قادت مسيرتهم قرونا طويلة، وبدل أن يفرح هؤلاء ويفصلوا بين موقفهم المناوئ لأردوغان، وبين عودة أو لنقل بداية عودة دولة مسلمة كبيرة إلى هويتها وحضارتها، وقفوا موقف المناكفة وكيل الشتائم والمزايدة-بغطاء ديني أو سياسي- لخطوة يفترض أن يرحبوا بها، أو على الأقل يسكتوا ولا يعلقوا عليها، فما صدر منهم وعنهم كشف حقائق توجهاتهم المعادية للهوية والثقافة الإسلامية، وليس لتيار أو حزب أو جماعة، مثلما ظلوا يزعمون طوال السنوات الماضية...عودة آيا صوفيا بمثابة النازع لأقنعة الزيف والتضليل كما تبين.

 

فتح ملفات منسية

 

من حسنات عودة آيا صوفيا إلى مؤسسة الوقف الإسلامي التركي، فتح ملفات المساجد والأبنية التاريخية الإسلامية في العديد من بلدان العالم التي حولت إلى كنائس أو متاحف أو بارات أو مطاعم أو حتى زرائب للحيوانات، لا أقول بأن هذا الموضوع لم يكن متداولا، ولكنه انتقل من أرشيف التوثيق التاريخي، إلى فضاء التفاعل الموضوعي المكثف.

وفي صدارة المساجد التي تم تدنيسها وتغييرها وتحويلها، مساجد في فلسطين المحتلة تحدث عن بعضها راعي كنيسة اللاتين في غزة سابقا رجل الدين المسيحي الفلسطيني(منويل مسلّم):-

 

https://www.youtube.com/watch?v=0Zb3NKEJNtI

 

المسجد الأقصى والصهيونية

 

وهذا يقود إلى أهم مسجد يتعرض للاعتداءات اليومية، والتهديد بتقسيمه الزماني والمكاني، بل حتى هدمه لإقامة هيكل مزعوم مكانه أي المسجد الأقصى المبارك، وهو ثالث مسجد عند المسلمين بعد المسجدين الحرام والنبوي، وقبلتهم الأولى، ومسرى النبي محمد-صلى الله عليه وآله وسلم- وجوهر الصراع بين الحركة الصهيونية والشعب الفلسطيني خاصة وعموم العرب والمسلمين عامة.

ذلك أن إسرائيل قامت وتقوم بدعم مطلق من الدول الغربية التي أسستها وأمدّتها بأسباب القوة العسكرية والسياسية والإعلامية، وباركت علنا أو بالتواطؤ جرائمها بحق المسجد الأقصى، ومدينة القدس التي اعترف ترمب رئيس الولايات المتحدة أهم وأكبر وأقوى دولة غربية، بها عاصمة للكيان العبري ونقل سفارة بلاده إليها، وبالمناسبة لو فاز منافسه بايدن فلا تراجع عن هذا القرار-إلا في حال حدث تغير دراماتيكي غير متوقع- لأنه قرار كان يتم تأجيله من الرؤساء السابقين وهو توجه دولة لا خيار ونزوات رئيس أو مسؤول.

وعودة آيا صوفيا إلى أصله دفعت الشيخ رائد صلاح وهو شيخ الأقصى، إلى اعتبار الأمر بشارة بعودة السيادة الإسلامية إلى المسجد الأقصى المبارك:-

 

https://www.youtube.com/watch?v=BKlIxRk8QmY

 

وهذا الرجل  قضى سنوات طويلة من عمره مدافعا عنه، ومرابطا فيه، وداعما لكل المرابطين والمرابطات فيه، وهو سيدخل بناء على حكم محكمة إسرائيلية السجن في أيلول/سبتمبر القادم ليقضي حكما مدته 28 شهرا، وهي ليست المرة الأولى التي يعتقل فيها الشيخ ويضاف لها ملاحقته ومضايقته وفرض الإقامة الجبرية عليه ومنعه من دخول المسجد الأقصى مرات عدة، والسبب هو تصديه للعدوان الإسرائيلي المتواصل على المسجد الأقصى...وبالتالي لا يمكن المزايدة عليه، وكلامه ردّ على من يقول:ما علاقة آيا صوفيا بالمسجد الأقصى، أو من يزاود ويقول: ليحرك أردوغان جيشه لتحرير القدس والأقصى الآن، وهو يدرك أنه لو اتخذ قرارا كهذا حاليا ستقف في وجهه جيوش دول يدافع هذا المزايد عنها أو هو تابع لها...لكن العبرة أنه كما تحوّل آيا صوفيا بقرار أو بإيحاء غربي إلى متحف، فإن المسجد الأقصى المحتل بدعم وسلاح غربي سيعود إلى أهله قريبا إن شاء الله.

وفي كل الأحوال فإن عودة آيا صوفيا إلى ما كان عليه على يد السلطان محمد الفاتح-رحمه الله- حمل رسائل سياسية عدة واضحة لكل ذي بصيرة من جهة، وفتح أعين المسلمين على مساجد وأبنية لهم دنست وحوّلت إلى ما ذكرنا، وأيضا كشفت وجوها وأقنعة كثير ممن ينتسبون إلى العرب والمسلمين الذين تخلّوا عن تلك الأقنعة وأعلنوا صراحة أنهم يقفون على الجانب المعادي لتراث الأمة وثقافتها وتاريخها والأهم كرامتها وعزتها.

،،،،،

تم النشر الأحد 5 ذو الحجة  1441هـ ، 26 /7/2020م


الثلاثاء، يوليو 21، 2020

التعليم والشهادات هل ما زالت مصدر النجاح؟

التعليم والشهادات هل ما زالت مصدر النجاح؟






















التعليم والشهادات هل ما زالت مصدر النجاح؟

                                         بقلم:سري سمور

في معظم البلدان العربية تنشر في هذا الصيف نتائج امتحانات شهادة الدراسة الثانوية العامة(التوجيهي) وهي خاتمة وتتويج 12 عاما دراسية منهجية، والصف الثاني عشر (غالبا) يعقد امتحان على مستوى القطر/الدولة بنظام الفصل أو الفصلين حسب الفروع(العلمي والأدبي والتجاري...إلخ) لتخرج النتائج التي نراها مصيرية في حياة الطالب ومستقبله المهني/المالي/الاجتماعي.

ذلك أن هذه النتيجة هي التي ستؤهل الطالب- حسب معدله- إلى دخول الجامعة واختيار التخصص المناسب، ولحظات النجاح للطالب عادة مناسبة فرح، تختلط فيها دموع الفرحة، مع الشعور بأن سهر الليالي وتعبها، وربما تكلفتها(كثير من الطلبة يأخذون دروس خصوصية لتحسين مستواهم) لم تذهب سدى وأن الطالب قد أنجز مرحلة مهمة في حياته التعليمية الموصلة إلى حياته المهنية العملية.

 

لماذا نتعلم؟!

 

بعد هذه اللحظات العاطفية، وتقديم التهاني مني شخصيا لكل الناجحين والناجحات وذويهم، أرى أن نقف أمام أنفسنا، ونناقش ما قد نناقشه مبعثرا في مجالسنا الخاصة، أو عبر مواقع التواصل، وأبدأ بسؤال حول جدوى وأهمية التعليم والحصول على الشهادات والدرجات العلمية.

حقيقة فإننا غالبا لا نتعلم من أجل العلم ذاته، مع أن الإسلام بنصوص القرآن الكريم، والسنة النبوية، يأمرنا ويحضنا على العلم؛ ونحن دوما نقول بأن أول كلمة نزلت من القرآن الكريم هي (اقرأ) في زمن ووقت لم يكن فيه العالم عموما والعرب خصوصا يهتمون كثيرا بالقراءة وأداة الكتابة أي القلم الذي جاء ذكره في آيات سورة العلق؛ ومع أننا نردد هذا دوما فإننا –إلا قلة قليلة جدا- لا نسعى وراء تحصيل العلم بإنفاق الوقت والمال لتعليق الشهادات من أجل العلم بحد ذاته...هذه حقيقة ندركها جميعا.

فالعلم والاستزادة منه هو وسيلة للحصول على مهنة أو وظيفة نعتاش منها، ولا نفكر كثيرا بأهمية العلم من حيث هو علم في أي مجال كان، كما أن الحصول على درجة وشهادة علمية كان من أدوات الحصول على درجة في السلّم الاجتماعي، أو للحفاظ على (البرستيج) الاجتماعي لمن هم في درجة متقدمة في هذا السلّم.

ولعل هذا يفسر جزئيا وفرة المتعلمين عندنا من حيث (الكم) بعكس دول أخرى متقدمة علينا طبيا وتقنيا واقتصاديا وسياسيا لا يهرع كم كبير من أبنائها للحصول على شهادات علمية، خاصة أن بمكنتهم الحصول على أعمال أو وظائف ضمن قاعدة العمل والإنتاج والتميز وليس الحصول على شهادة جامعية.

ولهذا نرى مثلا (بيل غيتس) و(مارك زوكربرغ) تركا الدراسة في جامعة هارفارد -وهي الجامعة التي تراود فكرة الدراسة فيها أحلام اليقظة لكثير من الطلبة في العالم، وآخرون يتمنون فقط زيارتها والتجول في أروقتها- وتوجها إلى عالم الكمبيوتر والبرمجيات ليتصدرا قائمة الرجال الأكثر ثراء وربما تأثيرا في العالم، ومع أن بيل غيتس يبدي ندمه (ظاهريا) على عدم استكمال الدراسة ولكن لا نعرف أحدا وصل إلى قمة سلم الثراء والتأثير والتميز من خريجي هارفارد أو غيرها من جامعات العالم المرموقة بله ما دونها مثل ما وصله الرجل.

ولكن ألا يدل قبولهما للدراسة في هارفارد على الذكاء والتميز أصلا، وبالتالي نجاحهما في الحياة العملية طبيعي؟نعم، هذا في بيئة مساعدة ومشجعة لا تشترط عليك التقدم في ما تحسنه وتتقنه بحصولك على شهادة علمية بالضرورة، ولكن هل يعقل أن طالبا متميزا في مجتمعاتنا يقول أنه سيوفر الوقت والمال كي يشق طريقه بأسلوب آخر؟لا بالتأكيد، فغالب الطلبة المتفوقين يحصلون على منح دراسية يسعون إلى استمرارها بمراكمة درجاتهم، ومن لا يحصل على منحة فإن أهله يبذلون الغالي والنفيس ولديهم استعداد نفسي لرهن أو بيع كل ما يملكون، ولدى الآباء استعداد للعمل ساعات إضافية في أي مجال كي يوفروا لأولادهم-حتى لو كانوا دون التفوق- أكلاف الدراسة الجامعية، بعكس الآباء الذين يرفعون أيديهم عن العناية بأولادهم وبناتهم في المجتمعات الأخرى عند بلوغهم سن الشباب الأول.

فالشهادة عندنا هي بمثابة جواز سفر أو بطاقة مرور إلى الحياة العملية، لأن البيئة عندنا تقوم على ذلك؛ ولهذا فقد قلت لابنتي التي ستتقدم بمشيئة الله لامتحان التوجيهي العام الدراسي القادم حين لاحظت قلة اكتراثها:لو أردت المرور إلى دولة، فعند المعبر البري/الجوي/البحري سيطلبون منك جواز سفر، حتى لو جاء العالم كله يقول بأنك فلانة بنت فلان، فلن تمري دون جواز السفر، ولكن ليس جواز السفر هو كل ما يلزمك في الحياة!

هنا أنا أخالف ما تربيت وترعرعت عليه، بأن الشهادة والتعليم هو للحياة كالدم أو الماء والغذاء لجسم الإنسان، مع ما كان يتبع ذلك من تصوير الحياة الجميلة الراغدة التي ستفتح أبوابها لك عند حصولك على الشهادة، وكأن الشهادة هي المفتاح السحري لأبواب الحياة المادية والاجتماعية وغيرها...وثبت عمليا أن هذا خطأ فادح.

السلّم الاجتماعي والوظائف

 

لم يعد مؤهل المرء العلمي بالضرورة هو العامل المركزي في المكانة الاجتماعية التي يتبوّؤها المرء، مع اعتراضي على هذا النمط التربوي، لأن مكانة المرء يجب أن تكون حسب ورعه وتقواه وعلمه(يختلف عن شهادته) وأخلاقه، وليس ما يحمل من مؤهلات، أو-وهذا هو المعيار حاليا للأسف- ما يملك من مال وجاه...ولكن نلحظ تغيرا كبيرا فيما كان سائدا قبل عقود من الزمن؛ فهناك كثير ممن لم يكملوا تعليمهم الجامعي بل حتى لم يجتازوا امتحانات الثانوية العامة بنجاح كونوا ثروات يغبطون أو يحسدون عليها، وهذا تلقائيا يضعهم في مكانة اجتماعية متقدمة أكثر من طيف واسع ممن أنفقوا المال والوقت في تحصيل الدرجات العلمية.

وسمعت أن هناك طبيبات/مهندسات/محاميات يتزوجن دون عقبات بمن هو أدنى منهن تعليما، وهذا كان في حكم المحال في أزمان سابقة، والعكس صحيح بطبيعة الحال، وهذا الأمر موجود ومعروف في دول ومجتمعات أخرى منذ زمن بعيد، نظرا لاختلاف نظام الحياة والتفكير...وعليه فإن (الفشخرة) القائمة على تحصيل الدرجات العلمية للبنين والبنات لا محل لها حاليا في أرض الواقع.

وبخصوص الوظائف فإن انتشار التعليم في كل الأقطار العربية، جعل السباق للحصول على الوظائف محموما، علما بأن الوظيفة لا توفر وحدها الحد المطلوب للعيش الكريم كما في السابق في معظم الدول العربية، وفي ظل طوابير الخريجين فإن عروض الوظائف أقل بكثير من الطلب، بل لا مقارنة، فحين الإعلان عن وظيفة شاغرة يتقدم المئات أو حتى الآلاف للحصول عليها، ذلك أنه لا يوجد تنسيق أو تناسب بين المؤهلات والشهادات الجامعية وحاجة قطاع العمل العام والخاص لها، أضف إلى ذلك أن الدولة العربية الحديثة(دولة ما بعد الاستعمار) تطغى عليها المحسوبية والزبائنية، أي أن الشهادة الجامعية لا تكفي وحدها للحصول على وظيفة.

 

نوعية التعليم والمتعلمين

 

هذه مسألة تثار باستمرار؛ فالمناهج الدراسية لا تربطها علاقة وطيدة بالحياة العملية للطلبة والطالبات، كما أننا نلحظ تراجعا في مستوى المتعلمين وجودة التعليم المدرسي والجامعي، ولهذا أسباب كثيرة منها الموازنات المخصصة لقطاع التعليم، وطبيعة الخطط والمناهج، والتغيرات النفسية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي ألقت بثقل تبعاتها على العملية التعليمية.

لقد صار شائعا أن ترى من يحمل شهادة ماجستير يخطئ في كتابة الإملاء أخطاء فادحة مخجلة لا عذر له فيها، وصرت ترى ضحالة في طرح الجامعيين وسطحية لا تخطؤها عين مقارنة مع أسلافهم، مع وجود استثناءات بطبيعة الحال، وقد كنت في زمن سابق ترى من أنهى فقط المرحلة الإعدادية يكتب ويقرأ ويتقن العمليات الحسابية ويحفظ جداول الضرب ويلم بأمور أساسية في الكيمياء، وكان هناك من يعمل مدرسا ومؤهله فقط شهادة الثانوية العامة يكون مميزا ويخرج من تحت يديه أجيال تتعلم وتحصل على أعلى الشهادات وهي تذكره بالخير والفضل عليها فيما وصلت إليه...أما الآن فالحال لا يسرّ صديقا.

 

الخلاصة

 

الحديث ذو شجون، ولديّ كثير من الأفكار التي يمكن مناقشتها حول العلم والتعليم، ولكن المجال لا يتسع، ولكن المؤكد أن الشهادات لم تعد مفتاح النجاح في

الحياة بالضرورة، وأن لدينا تضخما كبيرا في أعداد لا أنواع المتعلمين، مما سبب مشكلات تتراكم وتنذر بانفجار أزمات فوق ما هو مشتعل من أزمات متوالدة...وأكرر ما قلته في سطور سابقة:التعليم والشهادة بمثابة بطاقة مرور أو جواز سفر ليس إلا!

،،،،،

تم النشر الإثنين 29 ذو القعدة  1441هـ ، 20 /7/2020م


الأحد، يوليو 12، 2020

التذكير بالآخرة والتنمية البشرية

التذكير بالآخرة والتنمية البشرية







  التذكير بالآخرة والتنمية البشرية

                                         بقلم:سري سمور

انتشرت خلال السنوات الماضية(صرعة) تقوم على حضّ الناس, وتدريبهم على الإقبال على الحياة وتحقيق النجاح, والاهتمام بالذات, وشملت الصرعة إصدار كتب ونشرات, وتدشين مواقع على الإنترنت, وبرامج ودورات تدريبية, بعضها تكلفتها باهظة, وبعضها غير ذلك.

الصَرعة أو الموضة الجديدة تمأسست وصار لها عناوين وأهل اختصاص, إذا صحّ الوصف, وبالمجمل فإن نتاجهم يتمحور حول الإقتداء بأشخاص حققوا نجاحاً في حياتهم, لاسيما في المجال المالي, وجمعوا ثروات خلال فترات قصيرة نسبياً, مع أنهم أساساً ليسوا من بيوت ثرية, والحضّ على التخلص من الإحباط والأفكار السلبية والانطلاق نحو الحياة بأمل وإصرار وخطة أهداف مرسومة...إلخ.

وحتى نتحلى بالإنصاف فإن هذه البرامج والدورات قد نجحت في بعض الحالات في نقل أشخاص من حالة كآبة واستسلام للفشل, إلى حالة تفاؤل وإيجابية ملحوظة، وآخرين –أو الأكثرية- تحولوا إلى مدربين لتدريب غيرهم على ما تدربوا عليه من كلام، أي إعادة إنتاج الكلام نفسه، لا وجود فعل حقيقي ملموس!

وما أريد الحديث عنه هنا, هو فكرة صارت تطغى على كثير من المنخرطين في هذه الصرعة, تقوم على محاولة صبغ الموضوع بصبغة دينية, والغمز من قناة المتدينين؛ ومردُّ أو جذر هذه الفكرة ظهور ما يعرف بالدعاة الجدد(المودرن) وهم قد انطفأ بريقهم مؤخراً, لأسباب لا مجال لذكرها الآن, ولكن فكرتهم ظلت مترسخة وتتردد باستمرار عند المنخرطين في مجال التنمية البشرية، والمشكلة سير قطاع من المتدينين في ركبهم لأنهم اقتنعوا أن التدين الحقيقي هو تمركزهم حول الدنيا والثروة!

وهذه الصبغة/الفكرة تقوم على أن المتدينين عموماً لم يفهموا الدين بشكل صحيح, حيث أنهم أهملوا الحياة الدنيا والنجاح في مجالاتها المختلفة, ولم يسعوا إلى جمع الثروات, وأنهم بهذا حتى يخالفون نهج النبيّ-صلى الله عليه وسلم- والذي كان حسب ما يرون(مليونير أو ملياردير) ويردفون أن بضعة صحابة من المبشرين بالجنّة كانوا من أهل المال والثروة, ويجعلون هذه الجزئية نقطة هجوم على الدعوة إلى الزهد وتركيز المسلم على الحياة الآخرة ونعيمها.

وإذا أردنا الردّ على هذه الأطروحة سنجد صعوبة مع سهولة الأمر, والصعوبة سببها أنهم جعلوا ما يتوهمون حقيقة ثابتة, وحوّلوا الفرضية إلى قاعدة مسلّم بها, من خلال كثرة الضخ المتواصل  القائم على فكرة تصحيح فهم المتدينين للدين من هذه الزاوية!

وأحب أن أبدأ بالردّ على هذه الافتراءات أو الأوهام, بما يقولون عن          النبي-صلي الله عليه وسلم- فهو وإن كان فعلاً يملك ويستطيع أن يملك الثروات فإنه لم يكدّسها, ولا تظهر على سمته وحياته؛ فبيته بيت بسيط جداً, وقد يمر الهلال(الشهر) أو الإثنين أو الثلاثة دون أن توقد فيه نار, أي دون أن يأكل طعاما مطبوخا, ومع ذلك فقد كان النبي-صلى الله عليه وسلم- أجود النّاس.

أما الصحابة الكرام ووجود أثرياء بينهم فهذه دلالة تنوّع, وشهادة لهم بأن الدنيا ومتاعها وأموالها لم تشغلهم عن دينهم وقرآنهم وسنة نبيهم.

والخطورة في هذا الكلام حول النبي-صلى الله عليه وسلم- تقود إلى الخوف المشروع من تقليد الأمم التي تنتسب اسما وشعارا إلى المسيح عيسى بن مريم-عليه السلام- فقد كان عنوان الزهد والتقشف في حياته, ويروى أنه كان يحمل صحناً للأكل, ومشطاً لتسريح شعره, وكوز ماء يشرب منه, فلما مرّ على رجل يغرف الماء ويشرب بيديه تنازل عن اقتناء كوز الماء, فأين من يزعمون الانتساب له من زهده, وطابعهم العام الاستغراق في متاع الحياة الدنيا وزينتها؟! فكيف بمسلمين يريدون تصوير نبيهم بأنه ملياردير؟!

وجانب الافتراء والظلم الموجه إلى الشباب المتدين من قبل القوم أنهم يصورون المتدينين كمجموعة دراويش أو مترهبنين يجلسون في مساجدهم وزواياهم, لا يتعلمون ولا يعملون ولا يتزوجون ولا يسعون إلى توسعة أرزاقهم, ولا أدري من أين جاءوا بهذه الفرية التي تملأ حديثهم المعلن أو ما بين سطوره في كتبهم ومحاضراتهم وندواتهم؟

ذلك أن المتدين قبل هذه الصرعة وأثناءها وما بعدها هو إنسان يسعى لتحسين حياته ومعيشته؛ بل قد يكون منتقداً في بعض الأحيان, من استغراقه في ذلك, وإعطاء النجاح الدنيوي مساحة كبيرة على حساب ابتغاء الآخرة وطلب النعيم في الجنّة.

وربما يكون السبب -كما يقال-  هو وجود خطاب وعظي ساد فترة من الزمن يحضّ الإنسان المسلم على السعي نحو الآخرة, والتخفف من زخارف الدنيا, والزهد والتقشف, وعدم استحواذ حبّ الدنيا وأموالها وزينتها على قلبه.

وحقيقة أن هذا الوعظ ضروري ومطلوب, ومن المحزن تراجعه كثيراً في السنوات الماضية, بل وصل الحال ببعض الواعظين إلى التخلي عن مهمتهم بتذكير النّاس بالآخرة, والحض على ابتغائها، إلى الحديث عن ضرورة السعي إلى تحقيق الذات في الدنيا والنجاح وجمع المال والتميز وغير ذلك.

ذلك أن النفس الإنسانية تميل إلى حب الدنيا وشهواتها, وابن آدم لو كان له واديان من الذهب لتمنى الثالث, ولا يملأ عينه إلا التراب, ومن أدوار الدين في حياة الإنسان تهذيب هذه النزعات ولجم الطمع والحرص وطول الأمل في نفس ابن آدم, وبالتالي فإن وحتى في ظل وجود الوعظ الذي يذكّر المرء بالآخرة فإن الإنسان يميل إلى شهوات الدنيا, فثمة فرق -ربما هو سبب التهمة أو الفكرة التي يطرحها أرباب التنمية البشرية- بين خطاب ووعظ ودروس يسمعها المرء, وبين درجة الالتزام بما تحويه.

فالحال سوريالي بامتياز حيث صار أهل التنمية البشرية, ومعهم مجموعة من الواعظين والمشايخ, وظروف موضوعية قائمة, وسلوك وفطرة في الإنسان تدعو إلى السعي وراء تحقيق الذات والنجاح في دروب الحياة الدنيا, وجمع الثروة... فمن يا ترى سيذكّر المرء بالموت والقبر والآخرة والحساب والجنّة والنّار؟

جميعنا نسعى نحو تحقيق ذاتنا, نتعلم ونعمل ونكسب ما نستطيع ونسعى إلى تحسين معدلات دخلنا, والترفيه عن أنفسنا, ونتزوج وننجب, وبعضنا ينظر بنوع من الغبطة أو الحسد إلى ما في يد غيره من متاع الدنيا فيتمنى مثله أو يسعى عملياً إلى الحصول على مثله أو أكثر منه.

وبالتالي لسنا بحاجة إلى محاضرات تذكرنا بما نحن في حالة غرقٍ فيه أصلا, ولا ينقصنا شيخ ينسى مهمته الأساسية وهي حضنا وتذكيرنا على ضرورة الخروج ولو جزئياً منه.

إن العبادات عموماً تهذّب قدر الممكن من جنوح وميل المرء الدنيوي؛ فالصلاة في أوقاتها المعلومة, تجبر المرء على التخلي-مع الخشوع فيها- عن مشاغله الدنيوية للوقوف بين يدي ربه وذكره، والصوم يفترض أن يبعد المرء عن التعلق بالشهوات ساعات معلومة, ولباس الإحرام في الحج والعمرة يذكر الإنسان بالكفن, والزكاة والصدقة, هي من معالم تهذيب حب المال والحرص في النفس البشرية حين تتنازل عن شيء من مالك الذي اكتسبته أو ورثته لمحتاج...مما يعني أن السعي للآخرة هو الشيء المركزي وليس العكس.

وسرعة قطار العمر تدل المرء على أن القبر قريب وأنه لو كان عاقلاً فعلاً فليعمر آخرته, أكثر مما يسعى وراء دنيا هو مفارقها بلمح البصر.

فهلاّ عاد الواعظ إلى دوره في تذكير النّاس بآخرتهم لعلهم يتعظون ويسمعون ويتأثرون ولو لحظياً, وهلاّ توقف سدنة التنمية البشرية عن اتهام النّاس بالخروج عن محبة ما جبلوا على محبته وهو زخرف الحياة الدنيا؟!

 وأختم بخير الحديث والكلام في هذا الشأن:- 

  الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلا-سورة الكهف


السبت، يوليو 04، 2020

هل تستحق الخلافة العثمانية ذرف الدموع؟!

هل تستحق الخلافة العثمانية ذرف الدموع؟!


















هل تستحق الخلافة العثمانية ذرف الدموع؟!

                                     بقلم:سري سمور

بعد وفاة خاتم النبيين محمد-صلى الله عليه وسلم- في السنة الحادية عشرة للهجرة برزت الحاجة إلى قائد يقود الأمة ويرعى شؤونها؛ وقد أدرك الصحابة الكرام هذه الحاجة الملحة فور فراق نبيهم الذي وقع كالصاعقة على رؤوسهم، فبموت نبينا محمد –صلى الله عليه وآله وسلم- انقطع الوحي، وصار على المسلمين أن يديروا شؤون دينهم ودنياهم بأنفسهم، وهي مسألة لم يعرفها الصحابة، خاصة في أمور الدين، فكل ما كان يستشكل عليهم، يسألون عنه النبي فيخبرهم عنه سواء بقرآن ينزل به الوحي الأمين، أو بحديثه وهو الذي لا ينطق عن الهوى، والآن فإنهم بموت النبي بين أيدهم كتاب الله وسنة نبيه، ولكنهم يحتاجون إماما أو قائدا يكمل مسيرتهم الشريفة على هدي النبوة، ولذا فقد بويع أبو بكر-رضي الله عنه- بالخلافة بعد حوار سقيفة بني ساعدة المشهور، وخلفه عمر وعثمان وعلي –رضي الله عنهم- فيما سيظل يعرف بمرحلة الخلافة الراشدة والتي كانت على نهج النبوة دون ثلمات أو أهواء دنيوية.

 وإذا كان التاريخ يخبرنا عن وجود أكثر خليفة في غير مَصر من أمصار المسلمين، فإن الهيكل التاريخي العام يقول بأن الغالب زمانا ومكانا هو أنه بعد الخلافة الراشدة جاءت الخلافة الأموية ثم العباسية، التي قامت على أنقاض الأموية، والأخيرة استطاع بعض أبنائها إقامة حكم في الغرب(الأندلس) استمر بضعة قرون، والعباسيون كأي دولة مروا بمراحل، وحلّ بهم الضعف وانتزعت منهم مناطق حكمها من يخالفهم ويعاديهم(الفاطميون في المغرب ومصر ثم الشام) ومنها من يحكم باسمهم وهو مستقل عمليا عنهم،  ولا مجال لسرد مطول ولكن الخلافة العباسية انتهت بتسليم الخليفة العباسي المتوكل أو تنازله للسلطان سليم الأول العثماني في مراسم وبروتوكولات ذلك الزمن راية خلافة المسلمين، لتكون الخلافة العثمانية آخر خلافة حكمت عموم أمصار المسلمين من مشرقهم إلى مغربهم ومن شمالهم إلى جنوبهم حوالي 500 عام بوحدة عسكرية-سياسية مميزة؛ والسلطنة العثمانية كانت قد تأسست قبل قرنين من تسلمها مقاليد الخلافة بعد وراثتها عرش الدولة السلجوقية في الأناضول.

وكأي دولة أو نظام مرّت بالمراحل المعروفة حتى اعتراها الوهن تدريجيا، وخسرت أمام أعدائها الذين تربصوا بها منذ أن كانت دويلة صغيرة، وانتزعت منها مناطق الحكم والنفوذ تباعا، حتى وصل الأعداء إلى مقرها في تركيا الحالية، وخاض الأتراك معارك سياسية وعسكرية عنيفة كي ينبثق عنها تأسيس الجمهورية التركية في عشرينيات القرن الماضي.

وحقيقة فقد كان السلطان عبد الحميد الثاني آخر السلاطين العثمانيين الأقوياء، ومع ذلك فقد أدت الحملات العسكرية الأوروبية في عصره إلى فقدان السلطنة كثيرا من الأراضي وصار كثير من التابعين للسلطنة يخضعون لنير المستعمر البغيض.

ولكن الجمهورية التركية الجديدة بقيادة مصطفى كمال باشا لم تتوقف عند حدّ جعل السلطنة مجرد اسم ورمز لا يحلّ ولا يربط، فتم الإعلان رسميا عن إلغاء الخلافة في (1924م،1342هـ) في ظرف تاريخي حساس وعصيب على الأمة.

ذلك أنه لم يكن ثمة من يستطيع المبادرة؛ ففي مرحلة الحملات الصليبية كان ثمة أتراك أقوياء تصدوا للصليبيين، وحمل الزنكيون ومن بعدهم الأيوبيون راية الدفاع عن أمة وإن كانت مشرذمة احتل العدو قبلتها الأولى، ولكنها تتمتع برصيد حضاري وعلمي وثقافي لا نظير له في العالم، وحين اقتحم المغول بغداد ودمروها وقتلوا الخليفة العباسي بادر المماليك إلى حمل الراية وإنقاذ الأمة من زحفهم الرهيب.

أما في مرحلة إلغاء الخلافة، فإن معظم المسلمين يخضعون إلى قوى استعمارية تتفوق عليهم عسكريا وعلميا ويعانون من أوضاع اجتماعية واقتصادية صعبة، كما أن الاستعمار بحلّته الجديدة لم يكن عسكريا فقط بل كان ثقافيا كذلك، فاخترق نخب الأمة بل كوّن له نخبة قوية في مكوناتهم الداخلية، وبالتالي فإن  إلغاء الخلافة العثمانية كان بمثابة قتل معنوي ومادي لرمزية تجمعهم وتوحدهم ولو شكليا، وهذا ما عجّل وقوّى النزعات القُطرية والعصبيات الجهوية والتي بدأت بذورها تبزغ في القرن التاسع عشر.

حسنا، ما دام الإجماع منعقد عند من يحب الدولة العثمانية أو يبغضها، أو من يميل إلى تقييمها بإنصاف، أنها هرمت وشاخت وصارت(الرجل المريض) وعشية الحرب العالمية الأولى لم تكن تحت إدارتها سوى بلاد الشام والعراق وشبه الجزيرة العربية واليمن؛ لأن مصر احتلها الإنجليز وشمال أفريقيا احتله الفرنسيون والطليان والإسبان، ناهيك على أن السلطان صار خاضعا لإرادة الباشوات (أنور وجمال وطلعت) الذين انقلبوا على السلطان عبد الحميد، وأسفرت الحرب عن خسارة السلطنة كل مناطق نفوذها العربية بل احتلال أجزاء من تركيا نفسها.

حسنا، ما دام هذا محل إجماع ومتفق عليه؛ فلماذا البكاء أو التباكي والحزن على هذه الخلافة؟أليس ما قام به أتاتورك هو إطلاق رصاصة الرحمة عليها؟ألم يقم المسلمون وعلى رأسهم العرب بالبحث عن استقلالهم ومصيرهم بعيدا عن الإرث العثماني؟ألم يكن حزن بعض المسلمين على الخلافة مجرد حالة عاطفية عبر عنها أحمد شوقي وغيره، وسرعان من انكب كل بلد عربي ومسلم على شأنه الخاص؟لماذا نجعل من أمر هو (تحصيل حاصل) عنوانا للحزن ونزيد بتعليق فشلنا وخيباتنا المتلاحقة على شماعة إلغاء الخلافة، وخاصة أن إلغاءها  كان قرارا تركيا لا عربيا؛ فالترك رأوا أن يسخروا طاقاتهم لبناء دولتهم الحديثة في الأناضول، وفق المعيار القومي بعيدا عن شرذمة الجهد في اتجاهات أخرى، والعرب يفعلون ذلك، فما الداعي للبكاء على الخلافة، فهذا ليس بكاء على اللبن المسكوب، بل لا شيء سكب أصلا، والحزن والأسى على الخلافة لا مبرر له، ويردفون هذا بحديث عن ممارسات بعض الحكام التابعين للسلطنة في البلاد العربية وأحوال الناس خاصة في مرحلة ضعف الخلافة/السلطنة، وبعض آخر من متطرفي العلمانيين يزيد بالحديث عن كل مراحل الحكم الإسلامي منذ عثمان –رضي الله عنه- بحصر كل المراحل بأوصاف سيئة تماما، لتزهيد الناس بأسلافهم، وترغيبهم بنموذج الأجنبي.

والإجابة عن السؤال يجب أن يوجهوه إلى أنفسهم أولا وثانيا وعاشرا، فما دام العثمانيون قد خسروا الملك والسلطان، فلماذا تم نفيهم بطريقة مهينة، جعلت عدنان مندريس-رحمه الله- يبكي حال نسائهم اللواتي يعشن في ظروف مزرية في باريس ويغسلن الصحون، ومن الرجال من مات قهرا أو فقد عقله، ألم يكن من الممكن إبقاء هؤلاء في وطنهم الذي بذل أجدادهم الدم والعرق لبنائه والذود عنه؟ ومنهم عجوز عمرها(76 عاما) توسلت في رسالة إلى (مصطفى كمال باشا) استثناءها من قرار الطرد، لأن بنها وبين القبر خطوة قصيرة، ولكن هيهات هيهات، وإذا كان لا بد من طردهم من تركيا فلم لم توفر لهم جرايات تقيهم الفقر والمهانة، وتوفر لهم معيشة تليق بمكانتهم، أليس هذا تجسيدا للحقد الغربي الذي بلسان الحال يقول:ها أنتن يا نساء بني عثمان يا من عملت سيوف أجدادكن في رقاب أجدادنا تغسلن لنا الصحون وتعشن في غرفة قذرة؟...والغربيون –للتذكير- عندهم هوس هذه الرمزيات واستحضار التاريخ ونزعة الحقد والانتقام.

وإلغاء الخلافة جعل الأمة تدخل في صراع الهويات، وتتشتت الجهود، وفشلت في الخروج من المأزق سواء أتباع التيار الإسلامي ممن اتبعوا الإصلاح المرحلي أو الذين اختاروا الصراع العنيف المفتوح، أو أتباع التيار العلماني والقومي، الذين تغير مشروعهم من عروبي قومي جامع إلى عصبيات وجهويات متصارعة تخضع للأجنبي ولم تستطع إنجاز ولو شيء يسير مما نادت به أو تطبيق أي من شعاراتها الصغيرة أو الكبيرة فجلبوا لنا التبعية والفقر والبطالة والدولة البوليسية البغيضة...وكثير من الأسئلة المطروحة كان وجود الخلافة برمزيتها وتأثيرها النفسي والمعنوي كفيل بالإجابة عنها...الزمن تغير والدولة الإسلامية منذ عهد النبوة وحتى نهاية السلطنة العثمانية ليست كمثل الدولة الحديثة التي ابتكرها الأوروبيون بناء على تطورات خاصة في بلدانهم ومجتمعاتهم، والدعوة إلى إحياء الخلافة بطريقة الرجوع إلى الوراء كما ينظّر بعضهم، أو كما حاولت بعض الحركات التي كفّرت كل من لم يؤمن بتصورها عن الخلافة، أمر عبثي أيضا...و هذا ليس موضوعنا، ولكن المؤكد أن الاستعمار الحديث وأدواته أدركوا أن آخر قلعة جامعة ولو معنويا للمسلمين هي الخلافة والتي شاءت الأقدار أن تكون بيد العثمانيين في تركيا، فعمدوا إلى طمسها والانتقام من أهلها، وعليه فإن البكاء والحزن عليها ليس مجرد عواطف أو نوستالجيا بقدر ما هو شعور بالمآزق والنكبات المتوالية، ولعلنا نلحظ أن شرعية الخلافة التمثيلية للأمة،  حتى ممن استقلوا ببعض الأقاليم عنها كانت من المسلّمات، وبعدها لم يتم بناء أو بلورة أي شرعية جامعة رغم كثرة المحاولات ومنها محاولات مخلصة وحكيمة...أفلا تستحق البكاء والرثاء؟!

وفي كل الأحوال فإن الخلافة الراشدة على منهاج النبوة كخاتمة للأمة في هذه الدنيا بشرى في حديث أحمد وغيره عن حذيفة-رضي الله عنه- قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكًا عاضًا فيكون ما شاء الله أن يكون، ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها، ثم تكون ملكًا جبرية فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، ثم سكت.

ونحن الآن في مرحلة الملك الجبري الذي تنتظر الأمة رفعه لتكون لها خلافة على منهاج النبوة إن شاء الله.

،،،،،

تم النشر السبت 13 ذو القعدة  1441هـ ، 4 /7/2020م


مع مذكرات أخطر سفير إسرائيلي في مصر (1)

لدي قناعة أن ذهاب أنور السادات إلى خيار التسوية مع إسرائيل؛ و زيارته المشؤومة إلى القدس في 1977 وصولا إلى توقيع اتفاقات كامب ديفيد في 1979 ه...