الأحد، سبتمبر 27، 2020

السخرية والنِّكات لا تزحزح عرش الطاغية

                                                  السخرية والنِّكات لا تزحزح عرش الطاغية


















السخرية والنِّكات لا تزحزح عرش الطاغية

                                         بقلم:سري سمور

  تحويل المأساة أو الوضع البائس أو الظرف السيء إلى مادة فكاهية صار ظاهرة شائعة عربيا، ولا يهمنا هنا الحال عند أمم وشعوب أخرى.                                

فقد بات كل قرار أو ممارسة سياسية أو قرار اقتصادي لا خلاف بأنه خطيئة بل جريمة، مادة خصبة للتندر وهناك من يبدع ويحترف في تحويلها إلى مادة للضحك؛ سواء عبر رسوم كاريكاتورية أو عبر برامج ما يعرف بـ(التوك شو)  أو باستخدام مقاطع من مسرحيات كوميدية معروفة أو أفلام.

وبلا شك، هذه الظاهرة/المسلك تهدف أساسا إلى التعبير عن رفض السياسات ومن يصنعها، والسخرية منهم بهذا الأسلوب، عبر جعل الاهتمام بالشأن العام متاحا للجميع ومحل متابعة واسعة من كافة طبقات المجتمع من بوابة الكوميديا، باعتبار أن تقديم الأمور بقالب جديّ لن يجد اهتماما إلا من قلة نخبوية؛ وبالتالي لربما كانت رسالة القائمين على التعبير عن الرفض لسياسات النظم ورموزها، نشر حالة من الوعي بسوء الأحوال في قالب فكاهي، أو ما يمكن أن نسميه (المضحك المبكي).

ولكن السؤال المشروع والملحّ بعد أن صارت الظاهرة عامة ومنتشرة ولا يكاد أحد لا يتابع ولو نزرا يسيرا منها، ويمكن لمن يمتلك بعض المهارات الشخصية والمعرفة التقنية أن ينخرط بسهولة في سياقاتها، هو:هل أسلوب قلب المآسي والآلام والظواهر والمظاهر السيئة والظروف الصعبة إلى مادة تستدعي الابتسام أو القهقهة من قبل عامة الناس وخاصتهم تقود إلى حراك نحو التغيير الثوري أو الإصلاح ولو بالحد الأدنى، أم أنها في حقيقة الأمر تؤدي إلى التمييع واللامبالاة، والأهم تؤدي إلى التنفيس السلبي وتفريغ شحنات الغضب الكامنة في الوعي الباطن والظاهر للناس، مما يجعلهم يكتفون بالسخرية عبر منابرها(فضائيات وقنوات يوتيوب ومواقع التواصل وغيرها) وكأنهم بهذا قاموا بما ينبغي منهم، فيمرون عن الظرف السيء إلى ظرف أسوأ ومن وضع بائس إلى أوضاع أكثر بؤسا، سيكون مادة جديدة للسخرية والنكات والضحك، ربما بقوالب أكثر احترافية؟!

أعلم أن الإجابة عن السؤال لن تكون واحدة، وهذه مسألة خلافية تتنوع وتتعدد الآراء حولها، ولكن إذا كانت التجربة أكبر برهان، فإننا بعد هذا الزمن الطويل يمكننا القول بثقة:إن تعميم السخرية والنكات والفكاهة بحيث تكون ردّا تلقائيا يتيما على أي إجراء أو مظهر من مظاهر الظلم والفساد والاستغلال...ومؤخرا التطبيع مع الصهاينة، ليست في واقع الأمر إلا مادة مخدرة، أو ما يشبه (مانع الصواعق) أو لعلها نوع من التعبير الضاحك عن الفشل والعجز وقلة الحيلة، وهي لا تؤدي إلى حالة وعي حقيقي يقود إلى تغيير أو محاولة تغيير الواقع المتخم بكل ضروب وأصناف الظلم والاستبداد والخراب والذلّ والتبعية.

ويجب علي هنا التنويه إلى حبي للفكاهة وتبادل النكات، بل حتى مظهري الخارجي قد يوحي بذلك ؛ لدرجة أن ابني يقول لي:بابا وجهك ضاحك!وأحد الأصحاب أخبرني بأن أولاده سألوه:لماذا صاحبك هذا دائم الابتسام؟أقول هذا كي لا يبدو المقال من دوافع شخصية تجهميّة مفرطة في الجدية أو عبوس يراد تعميمه...وغني عن القول بأنني أتفاعل وأضحك مع المواد التي أسلط الضوء عليها هنا، فالأمر ليس شخصيا.

 

الفن والشعر الغاضب

 

استدعت الأحداث الصعبة على الساحة العربية ردات فعل انعكست على الفنون والشعر والآداب المعبّرة عن الرفض والغضب والدعوة المبطنة أو الصريحة إلى التمرد والثورة.

والجيل السابق لجيلي اندمج مع أشعار وقصائد لشعراء من مختلف البلدان منهم مثلا الشاعر العراقي(مظفر النوّاب) الذي حملت قصائده نقدا قاسيا لاذعا للساسة والسياسات والحكام والمحكومين والأحزاب؛ وغدت قصائد مظفر أو مقاطع منها تتردد على الألسن وتحفظ عن ظهر قلب.

وبعد توجه الشاعر السوري(نزار قباني) إلى الشعر السياسي جزئيا، وهو (شاعر المرأة) بامتياز اندمج الناس مع قصائده في سياق الشعور بالغضب أيضا.

وفلسطينيا كانت قصص (غسان كنفاني) التي صوّرت النكبة والمقاومة أشبه بديوان يستفز الوعي الثوري، وبعدها برز رسام الكاريكاتير (ناجي العلي) الذي ظلّت رسوماته حيّة تتناقلها الأجيال حتى الآن، وصار (حنظلة) أيقونة فلسطينية ابتكرها ناجي فصارت رمزا للنكبة وعربدة الأعداء وخلافات الإخوة ومؤامرات القريب والبعيد، وأيضا علامة الصبر والصمود والنقاء الثوري.

واستمرار صلاحية رسومات ناجي العلي حتى الآن لها أسباب عدة منها تمتعه بذكاء استشرافي جعل رسوماته تعبر عن الواقع المؤلم في محطات مختلفة حتى بعد اغتياله في 1987.

وهذا يقودنا إلى الحديث عن صديق الرسام المبدع وهو الشاعر العراقي(أحمد مطر) والذي عاش كصديقه في الكويت ولندن؛ ولقد عرف جيلي (أحمد مطر) عبر (لافتاته) المتسلسلة اللاسعة لجذور الوعي، المحفزة على رفض الظلم والتمرد عليه، وكان بحق يقول ما نريد قوله بفصاحة حاذقة معبرة كاشفة.

النماذج المذكورة وغيرها، لا تخلو من سخرية جادة، مثلما هو حال الثنائي أحمد الفاجومي والشيخ إمام، ولكنها تظل منضبطة رسالتها ثورية لا تنفيسية ترفيهية، أو أنها أشبه بملح الطعام أو البهارات، ولكنها –السخرية والفكاهة- لا تحوز على مجمل المادة المقدمة إلى الجماهير.

 

مرحلة طغيان الفكاهة

 

 

ولاحقا حين وصلنا إلى مرحلة تعميم السخرية، صارت (القفشات) و(الإفيهات) هي (الطعام) الأصلي وما بقي بهارات خفيفة، بل لا تكاد توجد إلا السخرية والفكاهة، وحتى لو شبهنا النّكات بأنها سكر وليس ملحا، فإن أي مشروب يزيد فيه السكر عن الحد يصبح غير مستساغ.

ومن ناحية أخرى فإن أكابر المجرمين والطغاة قديما وحديثا قد راقت لهم فكرة/لعبة إشغال الناس أو امتصاص غضبهم  بإطلاق النكات والسخرية لتفريغ الغضب والسخط وتثبيط العوامل التراكمية للثورة على ظلمهم في النفوس، بدليل أننا رأينا طائفة من مبدعي السخرية من الواقع ينحازون عند ساعة الجدّ إلى الطغاة ويدافعون عنهم باستماتة منفرة.

ومن هؤلاء مشخصاتية(ممثلين) وكتبة أحدهم سطّر كتابا كاملا عن سخرية شعبه من حكامه، فانظر إلى تصريحاتهم ومقابلاتهم الآن، بل انظر إلى متانة علاقاتهم بالمستبدين وأجهزتهم التنفيذية!

لا أقول بأن كل من يسخر ويستخدم الفكاهة له ارتباط بمنظومة الاستبداد وينفذ بالضرورة سياسة الامتصاص والتنفيس المدروس والتخدير المتواصل؛ فهناك من رؤوسهم مطلوبة للأنظمة بسبب هذه السخرية في البرامج والأنشطة على مواقع التواصل، ولكن المشكلة أن الفكاهة والسخرية لم تفجر ثورة، ولم تصنع وعيا جميعا حقيقيا يمكن التعويل عليه.

وأيضا فإن الساخرين المنتسبين إلى مدارس سياسية وفكرية مختلفة، ويجمعهم رفض الاستبداد-كما يفترض- ينشغلون أحيانا بمناكفة بعضهم وتحويل دفة السخرية أحيانا ضد بعضهم بعضا، بسبب عدم رضا طرف منهم عن أداء الطرف الآخر، أو عدم قناعة هذا الطرف بتحليل ذاك الطرف للأوضاع، فيصبح حالهم هو المضحك في غرف مراقبة الطاغية حين يراهم يتراشقون مواد السخرية فيما بينهم.

أعلم أن هذه السطور لا تكفي لتغيير نهج وظاهرة تضخمت منذ سنوات، وتضم إعلاميين وبرامج وقنوات فضائية وحسابات على مواقع التواصل لها جمهور يقدر بالملايين، والذين لن يقرأ أغلبهم هذه الكلمات، ولكن لن أضيع أمانة التحذير والمحاولة وسأقرع الجرس وأقول:دعكم من الغرق في السخرية والنّكات في التعامل مع طبائع الاستبداد، ولتكن كالملح على الطعام، أو السكر على الشاي كحد أقصى فقط. ،،،،،

تم النشر الأحد  10 صفر 1442هـ ، 27/9/2020م


الاثنين، سبتمبر 21، 2020

حالة يوسف الصديق هل تنطبق على مظلومي زماننا؟

 حالة يوسف الصديق هل تنطبق على مظلومي زماننا؟



















حالة يوسف الصديق هل تنطبق على مظلومي زماننا؟

                                         بقلم:سري سمور

  أنا وكثير من المسلمين نحب قراءة سورة يوسف وينتابنا شعور من نوع خاص عند سماع آياتها الكريمة من فيّ قارئ عذب الصوت مجوّدة.                                                        

إضافة إلى ذلك فإن السورة تتناول قصة نبيّ كريم(يوسف) ابن أنبياء كرام          (يعقوب وإسحاق وإبراهيم) عليهم السلام وكيف لا وقد قال الله تعالى في آيتها الثالثة(نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَٰذَا الْقُرْآنَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ) وبالطبع علمنا أن القرآن الكريم لا يورد قصص الأنبياء ولا الأفراد ولا الأمم للتسلية وتزجية الوقت, بل لاستخلاص العبر, وتمثل النموذج, واتباع النهج القويم.

لذا فإن ثمة علماء ومفكرين كثر قد سطروا كتباً ودراسات ومقالات مدارها  قصة يوسف كما جاءت في القرآن الكريم، مع بعض الأخذ المفرط أو الحذر من أهل الكتاب، واجتهدوا لإخراج ما في السورة من كنوز دعوية وجهادية وأخلاقية وحتى اقتصادية وسياسية ثمينة...ومثل كثير غيري تابعت مسلسل(يوسف الصديق) الإيراني المدبلج لبنانيا، مع تحفظات لا مجال لسردها على المسلسل.

ولكن ما أريد تسليط الضوء عليه ها هنا مختلف -في حدود ما أعلم – ولا أقول بأنه خارج عن المألوف والمتواتر بقدر ما هو محاولة لفهم أوسع لأحداث القصة التي تتناولها السورة, وهل يجدر دوماً استحضارها عند البلاء والمحنة, مثلما صار هذا ديدن  كثير من الملتزمين بالخط الإسلامي؟

فمثلا حين فاز د.محمد مرسي برئاسة الجمهورية في انتخابات نزيهة في مصر, قال بعض الدعاة والوعاظ وغيرهم, إن هناك شبه بين حاله وحال يوسف الصديق من حيث أن يوسف سجن ظلماً, ثم خرج معززاً مكرماً وجعله الملك على خزائن الأرض, وكلا المظلمتين وما بعدهما من تمكين على أرض مصر, وهي بالمناسبة البلد الوحيد الذي ذكر الله سجونه وخصّها بالظلم!

ولكن د.محمد مرسي-رحمه الله- عاد إلى السجن من جديد بعد سنة لم يتمكن فيها حتى من أن تكون له كلمة على مجرد مقدم برامج, عوضاً عمن يفترض أنهم حراسه المكلفين بحمايته, بل حتى هوجم مقر الرئاسة(قصر الاتحادية) بالجرافات من قبل البلطجية, ومات مرسي مظلوماً في سجنه.

إن لبّ الفكرة أنه كلما تعرض امرئ من أهل الحق الواقفين في وجه الطغيان والاستبداد، استحضروا, أو ثمة من يستحضر لهم قصة يوسف, بأنه سجن ظلماً وبهتاناً, ثم خرج بعد بضع سنين ليتبوّأ أرفع الدرجات وينقذ مصر وما حولها من الجوع وتبعات القحط.

 ولكن هل هذا المثل أو هذا الاستحضار دوماً يلائم الحالة؟ أليس هناك من ماتوا في السجون من المظلومين المقهورين؟ أليس هناك من أفنوا بدل بضع سنين, بضع عشرات من السنين وراء القضبان، وما يكادون يخرجون من السجن حتى يعودوا إليه من جديد؟ وإذا خرجوا  يكونوا قد بلغوا من الكبر عتيّا وأجسادهم تنهشها الأوجاع والأمراض، وبقي الظلم معشعشاً ويسرح الظالمون في الأرض ويمرحون, ولم يمكّن هؤلاء الذين لا يكادون يعوفون غير الزنازين مسكنا في حياتهم؟ لماذا يغفل الذين يأتون بيوسف الصديق مثلاً على التمكين وظهور الحقيقة بعد الظلم والسجن ببضع سنين, على أن الظلم يستمر في زماننا والزيف وتغييب الحقيقة هي الماركة المسجلة لهذا العصر؟ قد يبدو كلامي دعوة لبث اليأس والإحباط؛ ولكن ما قصدت هذا والله أعلم، بقدر دعوتي إلى الزهد في جعل يوسف مثلاً لما يقع ولهذا تحضرني عدة أفكار مهمة في هذه في هذا السياق:-

1- إن يوسف هو نبيّ كريم من أنبياء الله, وحسبه الأنس بالله والقرب منه, وهو يوقن بمصيره ولو قضى عمره كله مسجوناً, بل حتى لو قتلوه كما حصل مع أنبياء بعده, وقد يقال إن الاستحضار هنا لذات السبب الذي تراه غير مناسب, وهو إذا كان نبيّ كريم ابن أنبياء كرام قد حصل معه ما حصل, والأنبياء هم خيرة وصفوة النّاس عند الله تعالى، فليصبر من هو دونهم, قلت: الصبر مطلوب عند المحن، ولكن هل بعد الصبر تمكين بالضرورة؟ ثم إن النبيّ-أي نبيّ- لمجرد أن علاقته بالله سبحانه وتعالى هي الرسالة والنبوة فقد أوتي أفضل ما يؤتى أي إنسان ولو ذاق من الإبتلاءات مالا يطيقه غيره.

2- في القصة ما يفيد بأن السجن ليس دوماً هو الخيار المفضل, فقد كان يمكن ليوسف أن يدعو الله وهو بإذن الله مستجاب الدعاء أن يخلص من فتنة النّساء وغيرها لكن هو قال(ربِ السجن أحب إليّ...) ولعل هذا درس لغيره, فأهل الحق يجب أن يسعوا إلى حماية أنفسهم بما يستطيعون بوسائل مادية و بالدعاء إذا كانوا كالأنبياء ممن يستجيب الله لهم, ولننظر إلى أصحاب الكهف والرقيم كيف فرّوا بدينهم, دون أن يرتدوا وأيضاً دون أن يتعرضوا للقتل والتعذيب والتنكيل, فاختاروا أن يأووا إلى الكهف.

3- كان يوسف الصديق يهيأ إلى ما صار إليه, وتهندس له حياته, وقد أوتيَ علم تأويل الأحاديث(الرؤى والأحلام وغيرها) والحكم والعلم، ولكن ماذا عمن لا يعرف أصلاً ما هو سائرٌ إليه؟ هل أقول بأن يوسف كان يعلم الغيب, لا, ولكن بالتأكيد بما أوتي من علم ووحيّ, فإن له ما يأنس به وتطمئن به نفسه, فماذا عن المظلومين في هذا الزمان؟

4- الأنس بالله بلا ريب يغلب على الشوق والحنين إلى ما دونه، وهذا حال يوسف النبي, فهل هذا حال المظلوم الذي يعيش في السجن سنوات طوال دون رؤية أهله الذين قد يموتون وهو مسجون وتفتك به الأمراض وقد يصاب بالجنون أو الأمراض النفسية؟ بل إن يوسف بقي أباه يعقوب عليه السلام حيّا حتى بعد أن أصبح على خزائن الأرض, بل حصلت معجزة أن يرتد بصر أبيه إليه بقميصه, فيما يخرج بعض الذين قضوا سنوات طويلة في السجون ليذرفوا الدموع على قبور الأمهات والآباء أو أن يجدوهم على وشك الدخول إلى المقابر...ومن ناحية أخرى ثمة روايات بأن أعمار الناس ومنهم الأنبياء في تلك الأزمنة كانت طويلة، وليست في السبعين في المعدل نصفها صراع مع المرض!

5- الأنبياء لديهم قدرة خاصة على تحمل البلاء والألم والعذاب وأذى النّاس من ملوك وحكام ابتداءً ونهايةَ بالرعاع والساقطين، أكثر من غيرهم وكما قلت حسبهم الرسالة والوحي والأنس بالله، فلا يقارنون بغيرهم.

وماذا بعد؟ هل نترك الاعتبار والاتعاظ واستخلاص الدروس من قصة يوسف التي جاءت في سورة طويلة تحمل اسمه؟ لا أقول هذا على وجه الإطلاق, ولكن المبتلى والممتحن في زماننا لا تقاس عليه حالة يوسف للأسباب التي ذكرت ولأسباب أخرى لم يفتح الله لي كل أسردها أو لا يتسع المجال لذلك.

وسورة يوسف فيها كثير من العبر والدروس بلا شك،ولكن على من يقع عليه الظلم ألّا يظنن نفسه  يوسف العصر وألّا يقال له مثل هذا، على الأقل في جزئية السجن والتمكين بعده.

والله تعالى أعلى وأعلم.     

،،،،،

تم النشر الأحد  3 صفر 1442هـ ، 20/9/2020م


الاثنين، سبتمبر 07، 2020

غزة التي تعيد ضبط البوصلة دوما

 غزة التي تعيد ضبط البوصلة دوما








غزة التي تعيد ضبط البوصلة دوما

                                         بقلم:سري سمور

   من مظاهر معاناة أهالي قطاع غزة الذين يعيشون حصارا محكما منذ 13 سنة أن التيار الكهربائي لا يعمل عندهم إلا بنظام (4 ساعات وصل فقط في المعدل) ولذا يضطر الذين تسمح لهم مواردهم المالية-وما أقلهم ضمن مليوني إنسان في القطاع- إلى البحث عن مصادر طاقة بديلة.

والكارثة تتجسد في فقراء يلوذون بإنارة بيوتهم المتهالكة البائسة بالشموع، فتشتعل الحرائق التي تحصد الأرواح والممتلكات، وكان آخرهم ثلاثة أطفال من عائلة الحزين، احترقوا وتفحمت أجسادهم الغضة في مخيم النصيرات بسبب شمعة مطلع أيلول/سبتمبر الجاري، والسبب طبعا انقطاع التيار الكهربائي جرّاء الحصار الإسرائيلي الجائر الظالم.

الموت البطيء أو الاستسلام أو الحرب

 

الفقر والبطالة يفتكان بأهل غزة، والحصار يقتلهم بأسلوب الموت البطيء، وأتتهم جائحة كورونا التي كانوا في راحة منها كي تزيد مآسيهم وآلامهم، وبدون فذلكات أو استدعاء تعبيرات مزركشة؛ فإن المطلوب من غزة أن تقوم فصائل المقاومة فيها، وفي مقدمتها(حماس) بتسليم أسلحتها خاصة الصواريخ والقذائف، كي يتم تخفيف هذا الحصار إلى حد يسمح لأهالي غزة، بممارسة أمور طبيعية روتينية يقوم بها أي تجمع سكاني آخر في القرن الحادي والعشرين، وإلا فالموت البطيء على ظهر الحصار سينهش الناس، والفصائل المقاومة، ليسوا غرباء أو طارئين، بل هم أبناء القطاع الذين ولدوا وترعرعوا فيه.

والخيار الثالث بعد الموت البطيء أو الاستسلام المذل المهين، هو حرب طاحنة ينوي فيها قادة الاحتلال قتل أكبر عدد ممكن من الغزيين خاصة الأطفال والنساء والمدنيين العزل، والتجارب معروفة، مع فارق أن عدد القتلى وحجم الدمار سيكون أضعاف ما كان عليه الحال في الجولات السابقة!

 

طرق الجدران بالبالونات

 

لكن غزة رفضت الاستسلام وستظل ترفضه بعون الله حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا، ونفذ صبر أهلها على الحصار والموت البطيء المنظم الذي يقضي على آمال الشباب الذين يشكلون الشريحة الكبرى من سكانها، وأيضا فإن خيار الحرب مؤلم وأكلافه باهظة، ولا ضمان لأن تسفر عن رفع الحصار، في ظل وضع عربي اختار إما التفرج أو الهرولة لتطبيع العلاقات مع (أعداء الأمس)، ووضع دولي ينحني لقادة الاحتلال خوفا أو طمعا أو حقدا على هذا الشعب.

ورأت المقاومة في غزة أنه في حال فرضت عليها الحرب فستخوضها ببسالة، ولكنها ستحاول تجنبها، أو على الأقل تأجيلها، لأن كل يوم يمر يصب في رصيد تعزيز ومراكمة قدراتها القتالية، كما صار معروفا للقاصي والداني.

فقررت غزة، التي لطالما أبهرت العدو والصديق والمراقب، بإبداعاتها وأفكارها، طرق جدران خزان الحصار، فانطلقت بالونات حارقة تكلفتها بسيطة جدا، ولكن كان مفعولها كبيرا؛ فاشتعلت مئات الحرائق التي سببت أضرارا مادية كبيرة في منطقة مستوطنات غلاف غزة والنقب الغربي، ومعروف أن الاحتلال لا يكترث كثيرا للخسائر المادية، فصنابير أموال الغرب تحت تصرفه المطلق، وحاليا قد تفتح عليه حتى صنابير المال (العربي) ولكن الأهم هو تهديد المنظومة الأمنية في جنوب فلسطين المحتلة ليس بصواريخ وقذائف وعمليات تسلل، بل بأسلوب بسيط لم ينفك قادة الاحتلال وإعلاميوه عن وصفه بالبدائي!

تصعيد وصولا إلى تهدئة هشة

 

وهنا قرر  الاحتلال التعامل بأسلوبه المعروف(السهم المرتد) بحيث يغير المعادلة ويقلب قواعد اللعبة المستمرة منذ سنوات، فقرر التعامل مع البالونات الحارقة كتعامله مع الصواريخ بالرد بإطلاق الصواريخ على مواقع المقاومة وأراض زراعية وغير ذلك باستخدام الطيران الحربي والدبابات، مع تشديد الحصار بمنع الصيادين من الإبحار لالتقاط أرزاقهم، وإغلاق المعابر ومنع إدخال المواد الشحيحة أصلا عبر المعابر، بما في ذلك الوقود اللازم لتشغيل محطة الكهرباء.

وفصائل المقاومة لا تتبنى إطلاق البالونات وتعتبرها نوعا من المقاومة الشعبية الرافضة للحصار، ومطلقوها يستخدمون أسماء تنظيمات ومجموعات ليست معروفة، ولكن الحقيقة أن فصائل المقاومة هي التي تمسك الدفة ولا تنطلق البالونات دون علمها أو تمويلها أو مشاركتها الفعلية، ولا تتوقف إلا بإشارة منها.

هنا قامت فصائل المقاومة بقصف صاروخي مدروس بدقة كما يبدو، مع تصريحات إعلامية بعيدة عن الإفراط في الشعارات الفضفاضة، وتمثل موقفها برفض لا يقبل التفاوض أو الدراسة لتغيير قواعد اللعبة وأن معادلة (صاروخ مقابل بالون) لا محلّ لها فيما سيكون عليه الحال، وأن الحصار قد طال أمده ولم يعد بالوسع تحمله أكثر، وأعلنت استعدادها لخوض مواجهة عسكرية واسعة مع الاحتلال.

هنا تحرك الوسطاء وأتى وفد أمني مصري لتبادل الرسائل بين المقاومة والاحتلال، وجاء السفير القطري(محمد العمادي) وبلغت القلوب الحناجر، حتى أعلن العمادي عن التوصل لاتفاق يقضي بوقف التصعيد، شارك فيه عن قطر –إضافة للعمادي- نائب رئيس مجلس الوزراء الشيخ عبد الرحمن آل ثاني.

ويدرك القطريون والفلسطينيون وقادة الاحتلال والمستوطنون الصهاينة أن الاتفاق نزع فتيل الأزمة فقط، وأسفر عن تأجيل لانفجار الأوضاع، بانتظار جولة جديدة لا ندري كيف ستنتهي، بعد أسبوعين من التصعيد والتسخين.

وقادة الاحتلال كانت لهم حساباتهم في ظل أزمة كورونا والأزمة السياسية الحزبية الداخلية عندهم، وقرب موعد الانتخابات الأمريكية، والتوتر مع حزب الله في الشمال، ورغبتهم بعدم تكدير أجواء التطبيع مع الإمارات وغيرها حاليا...ولكن بقيت غزة شوكة في حلق المشروع الصهيوني، ولغزا مستعصيا على الحل؛ فضعفها هو قوتها، وهي ليست دولة كبرى ولا عظمى (شريط ساحلي ضيق مساحته 365 كم2).

 

 

غزة تعطي ما بات مفقودا  

 

كثيرة هي القصائد التي تتغزل بغزة وبطولتها ومقاومتها، وأكثر منها المقالات والمنشورات والمرئيات، هي تستحق هذا الإطراء والغزل وأكثر منه...وأكثر!

ولست هنا في معرض الغزل وكيل المديح لغزة ومقاومتها وأهلها، وأيضا لست أملك مَلكات من فعلوا ويفعلون وحسن بيانهم.

بل سأذهب مذهبا مختلفا نسبيا فأقول:غزة ليست حالة مثالية؛ ففيها من المشكلات ما يثقل كاهل البيانات الإحصائية، وتفتقر إلى حسن الإدارة والحكم الرشيد، وهي طاردة بحكم واقعها لكثير من الشباب الطامح إلى العيش كباقي نظرائهم في العالم، بل لربما في الجوار، وتقع في غزة جرائم وجنايات بشعة في بعض الأحيان، مثلها مثل أي منطقة أخرى، ويرغب أهلها في التمتع بخدمات التعليم والصحة المناسبة لحاجتهم وعددهم، وهم يشعرون أنهم في سجن كبير، يمتاز بأنه أكثر مناطق العالم من حيث الكثافة السكانية ويريدون أن يعملوا بعد التخرج، ومن لا يتعلم يريد أن يعمل في قطاع يناسب قدراته، ويريدون الجلوس والتنزه على شاطئ البحر لشوي السمك، و(نقرشة) البزورات                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                    والعودة إلى بيوت لا تنقطع عنها الكهرباء...يريدون كل شيء يريده الناس، ولا يرغبون أن تكون نهايتهم –في العموم- أشلاء متناثرة بفعل قصف الإف16 ودبابات المركافاه...ولكن ببساطة لا يريدون أن يكون هذا مقابل الخنوع والاستسلام للاحتلال والتنازل عن الحقوق، خاصة حق العودة...للتذكير فإن حوالي ثمانين في المئة من سكان القطاع من اللاجئين.

غزة بغض النظر عن كل مشكلاتها والمآخذ عليها هي رأس الحربة في التصدي للمشروع الصهيوني، وتجترح المعجزات للنكاية بالاحتلال، وهذا ما يميزها عن غيرها.

وهناك شيء امتاز به العربي، وكان مبنيا على عصبية مقيتة، فجاء الإسلام وأعاد صياغته وشحنه باتجاه الاعتقاد ألا وهو العزة والكرامة...فالعربي مهما (تعولم) يعشق العزة والكرامة، ويسعى إليها ويراها تستحق التضحية، وهي موجودة في غزة في زمن التخاذل والتطبيع والخذلان...وهذا ليس كلاما إنشائيا عاطفيا.

قد يكره العربي حماس والإخوان المسلمين التي هي فرعهم الفلسطيني، وقد يكون لبعض العرب موقف ليس وديّا تجاه الإنسان الفلسطيني لسبب أو لآخر، ولكن العربي(ما لم يتصهين) يحب ما تبقيه غزة للعرب، وهو أهم ما حرصوا عليه وآلمهم فقدانه أو نقصان منسوبه، في زمن ما أو مكان ما في ظرف ما...أي الكرامة والعزة، وعدم الخضوع لإملاءات العدو مهما بلغت قوته وقوة من يقف وراءه ويسنده...هذا قدر غزة في هذا الظرف وهذا العصر.

قبل موجة التصعيد الأخيرة وأثناءها وبعدها تواصل المقاومة إطلاق الصواريخ التجريبية نحو البحر؛ وهي صواريخ ليست بقوة وفعالية (سكود أو كروز) وغيرها، ولكنها تستطيع أن تضرب تل أبيب وغيرها دون التمترس وراء عبارة (حق الرد في الوقت والمكان المناسب) بل إن مقاومة غزة حتى حين كان هناك اتفاق على وقف القتال كانت تقصف في الدقائق الأخيرة لبدء موعد التنفيذ...فغزة هي التي دوما تضبط البوصلة في اتجاه الحق الذي لا مراء فيه، فكيف في زمن صارت فيه بوصلة أخرى تشير نحو التطبيع وقبول الدنية في الدنيا والدين؟!

غزة صارت آخر قلاع العزة العربية، بل والإسلامية، وهي الأمل الوحيد حاليا، الذي قد تتولد منه آمال، فرغم الفقر والبطالة والبنية التحتية المهترئة والبؤس وانسداد الأفق، يجزم أي منصف أنها  أكثر أسباب الأرق عند قادة الاحتلال ومستوطنيه، وأنها لا تقف عن مطاردة الاحتلال بكل الوسائل التي تتجدد وتتغير حسب الظروف...كان الله في عون غزة، وحفظها الله وهي تبلور للأمة أنموذج الكرامة والعزة.

،،،،،

تم النشر الأحد  18 محرم 1442هـ ، 6/9/2020م


مع مذكرات أخطر سفير إسرائيلي في مصر (1)

لدي قناعة أن ذهاب أنور السادات إلى خيار التسوية مع إسرائيل؛ و زيارته المشؤومة إلى القدس في 1977 وصولا إلى توقيع اتفاقات كامب ديفيد في 1979 ه...