الخميس، ديسمبر 17، 2020

هل سيتوقف التطبيع في عهد بايدن؟

 

                                          بقلم:سري سمور

https://www.youtube.com/watch?v=bCS8Izbh7qM

 

 تم توقيع اتفاقيات كامب ديفيد بين الكيان العبري ومصر في  ظل رعاية ودعم الرئيس الأمريكي (جيمي كارتر) سنة 1979 وكارتر -كما نعلم- من الحزب الديموقراطي، وقد عُرف بلقب(عرّاب كامب ديفيد).

جاء ريغان وبعده بوش الأب من الحزب الجمهوري ولم توقّع اتفاقيات جديدة معلنة مع الكيان؛ ولكن في عهد (بيل كلينتون) الديموقراطي جرى توقيع اتفاق إعلان المبادئ بين م.ت.ف ورابين(أوسلو) في حدائق الأبيض في خريف 1993 وبعد عام وقّعت اتفاقيات وادي عربة بين الأردن والكيان أيضا في عهد ورعاية وحضور  كلينتون.

وشهدت تلك الفترة؛ أي النصف الأول من تسعينيات القرن الماضي حركة انفتاح عربي مع (إسرائيل) مثل حضور مسئولين عرب جنازة إسحاق رابين، وافتتاح مكاتب تبادل تجاري وما شابه، وازدادت وتيرة النشاطات التطبيعية من بعض القطاعات الزراعية أو الطبية أو الفنية، وكل هذا في عهد كلينتون الديموقراطي!

لم يعد خافيا على أحد أن ثمة علاقات سرّية ربطت الحركة الصهيونية حتى قبل تأسيس الكيان الإسرائيلي، ومسئولين من مستويات مختلفة من دول عربية عدّة، ولكن حرص الطرفان على عدم إعلان تلك العلاقات، حتى لو كانت مجرد لقاء عابر، خاصة أن الخطاب الرسمي العربي ظل يظهر عداء وجفاء تجاه إسرائيل في خطابه المعلن، أو التمسك بعبارة(السلام العادل والشامل وفق مبدأ الأرض مقابل السلام على أساس قرارات الأمم المتحدة) و (دعم حق تقرير المصير للشعب العربي الفلسطيني).

ولم يجرؤ أي نظام عربي على الخروج عن نهج مقاطعة إسرائيل علنيا حتى قام السادات بخرقه المعروف لهذا الثابت.

ومع أهمية ودور مصر المركزي في الصراع وفق قاعدة(لا حرب دون مصر ولا سلام دون سورية) فقد قاطع العرب مصر، وتم نقل مقر الجامعة العربية إلى تونس كخطوة احتجاجية،  واستمرت المقاطعة سنوات عدة، وقد حرص خليفة السادات على عدم زيارة إسرائيل نهائيا طيلة فترة حكمه، إلا لحضور تشييع جنازة إسحاق رابين.

ولكن ملك المغرب الراحل (الحسن الثاني) استقبل في مدينة إفران وزير خارجية إسرائيل شمعون بيريز صيف 1986 علنا، ومع أن الملك حاول التخفيف من حدّة الغضب تجاه خطوته، وأنه فقط عرض على بيريز الانسحاب من الأراضي العربية المحتلة مقابل السلام وفق ما جاء في مقررات قمة عربية سابقة، وحين لاحظ أن بيريز غير جاد سارع إلى إنهاء اللقاء، مع هذه المحاولة التي تنطوي على نوع من التماس العذر، إلا أن ردة الفعل العربية الرسمية عموما كانت إعلان رفض جذري لهذا اللقاء خاصة من قبل معمر القذافي ومن قبل حافظ الأسد الذي قطع العلاقات مباشرة مع المغرب.

ومع أن المواطنين الفلسطينيين كانوا في أحاديثهم الخاصة يتحدثون عن علاقات ولقاءات بين مسئولين عرب وصهاينة، وأن ما يظهر في الإعلام لا يعكس حقيقة العلاقات، مع وجود تسريبات محدودة عن مثل تلك اللقاءات أو العلاقات من وسائل إعلام غربية وعبرية، ولكن النظام العربي الرسمي بمجمله لم يتجاوز ما اعتبر خطا أحمرا في طبيعة التعاطي مع الكيان، فهو وإن أقام علاقات سرّية بعيدا عن الأعين، فإنه ظل يحافظ على خطاب نسقه العام رفض العلاقة، إلا وفق مبادئ وخطوط عريضة، وقد توّجت تلك المواقف بتبني قمة بيروت 2002 ما عرف بالمبادرة العربية للسلام والقائمة على تطبيع كامل العلاقات بين الدول العربية جميعا مع إسرائيل مقابل انسحابها من جميع الأراضي العربية المحتلة في حزيران/يونيو 1967.

وقد مرت 16 سنة دخل فيها البيت الأبيض رئيسان جمهوري وديموقراطي(بوش الابن وأوباما) وبقي الوضع على حاله، أي علاقات غير معلنة أو لقاءات عابرة بين مسئولين صهاينة ومسئولين عرب(مثل لقاء سيلفان سالوم وزير خارجية الكيان مع نظيره التونسي في عهد بن علي فترة بوش الابن) بل حتى كان هناك نوع من الفتور والتراجع في بعض مستويات العلاقة مثل خطوة سحب السفيرين المصري والأردني لدى الكيان، وإغلاق مكتب التمثيل التجاري في قطر، بعيد انتفاضة الأقصى التي شهدت وقوع جرائم بشعة من قبل جيش الاحتلال الإسرائيلي في الضفة وغزة.

التحوّل الملحوظ ظهر منذ وصول (دونالد ترمب) مرشح الحزب الجمهوري إلى المكتب البيضاوي في 2016 حيث كثرت الأحاديث عن وجود لقاءات واتصالات على أعلى مستوى بين دول عربية وإسرائيل، ووجود تعاون أمني وثيق، ناهيك عن تبدّل وتغير الخطاب العربي الإعلامي والرسمي؛ ذلك الخطاب الذي كان الجمهور العربي يعيب عليه اكتفاءه بعبارات شجب واستنكار ممارسات الاحتلال الإسرائيلي، وإذ به ينتقل إلى ما يشبه التماهي مع الاحتلال، وتحريض من قبل بعض المحسوبين على أنظمة عربية ضد الشعب الفلسطيني ومقاومته.

وقد تم تتويج هذا التراجع العربي غير المسبوق بإعلان اتفاقيات تطبيع علنية بين الكيان وكل من البحرين والإمارات، واتفاق (تطبيع جوي) ولقاء بين مسئولين عسكريين سودانيين وبنيامين نتنياهو.

وصار المسؤولون الإسرائيليون ووسائل الإعلام في الكيان في حالة تسابق وتفاخر للإعلان عن أي لقاء أو تواصل أو اتفاق علني أو سرّي مع أي دولة عربية؛ فإسرائيل في عهد ترمب لم تعد تريد العلاقات تحت الطاولة، بل دفعت العرب إلى مجاهرة بما كان يعتبر كافيا للنبذ والمقاطعة في زمن سابق.

كما أن اتفاقيات التطبيع الجديدة تختلف عن سابقاتها في جوانب عدّة أبرزها أن الدول المنضمة إلى التطبيع مؤخرا صارت في حالة حلف مع إسرائيل، مع تفاخر بهذه العلاقة الشاذة، ودفع أوساط شعبية وإعلامية إلى الدفاع عنها، وضمن أدوات الدفاع توجيه السباب المقذع للشعب الفلسطيني، وتبني روايات تلمودية ثمة حتى في إسرائيل من يرفضها.

ومؤخرا انضمت المملكة المغربية وهي دولة مهمة عربيا إلى مسار التطبيع العلني، ويقال أن الثمن هو اعتراف أمريكي بسيادتها على الصحراء الغربية..وإجمالا فإن كل اتفاقيات التطبيع مع الكيان تأخذ ثمنا سياسيا أو ماليا لا يقارن بما تجنيه إسرائيل على كافة الصُعد السياسية والأمنية والاقتصادية.

وكما ظهر ويظهر وسيظهر في قادم الأيام فإن الجديد فقط هو إعلان ما كان مخفيا و(رسملته) فكما قلنا فإن العلاقات بين الدول العربية وإسرائيل ليست جديدة، ولكنها كانت أشبه بالزواج السرّي!

ولكن هناك من سؤال ممزوج بدهشة واستغراب مفاده بأن ترمب سيغادر البيت الأبيض في غضون أسابيع قليلة، فلماذا تسارع أقطار عربية إلى تطبيع العلاقات مع الكيان إرضاء له واستجابة لضغوطه؟ وكأنهم بهذا يميلون إلى وجهة نظر يجري تسويقها مفادها أن بايدن وإن كان ملتزما بأمن  إسرائيل وتفوقها فإنه لن يمارس مثل ترمب ضغوطا على العرب كي يواصلوا التطبيع، بل إن مسار التطبيع-وفق هذا التفكير- في سباق محموم مع الزمن!

ولكن هل يختلف الديموقراطيون عن الجمهوريين في مسألة جعل العلاقة بين إسرائيل والعرب طبيعية بل تحالفية أو حتى تبعية قائمة على هيمنة وتفوق إسرائيل؟قد يقال بأن أمام بايدن ملفات أخرى أهم...وقد قيل عن ترمب شيء كهذا، فكان أكثر رؤساء أمريكا تفرغا لدعم وتقوية شوكة إسرائيل...وتاريخ بايدن مع إسرائيل واللوبي الصهيوني في أمريكا صار معلوما.

وبرأيي فإن ثمة ملاحظات ونقاط يجب أن نضعها في الاعتبار عند قراءة هرولة العرب نحو التطبيع، والذي جاء على هذه الهيئة الصادمة في زمن ترمب، بحيث لا نقصر الأمر على شخص ترمب وعلى الحزب الجمهوري(أوضحت أن أبرز الاتفاقيات كانت في عهد الديموقراطيين) وهي:-

1) احتلال العراق وقبله منذ 1991 تراجع دوره العسكري وثقله الاقتصادي والسياسي المؤثر شجع من كانوا يترددون.

2) الأزمة السورية ومخرجاتها؛ فالنظام السوري يحكم على الورق وتتقاسم البلاد دول عدة ومحاور مختلفة، مع التذكير أن دعم قضية فلسطين يعود إلى عهد شكري القوّتلي وليس مرتبطا بالأسد الأب والابن كما يروّج المدافعون عنه، بل إن سياساته هي التي أخرجت سورية من دورها المحوري في الصراع مع الكيان.

3) إضافة إلى خروج العراق وسورية وقبلها مصر من حلقة الصراع جاءت الثورات المضادة وهي مدعومة ماليا وسياسيا وإعلاميا من دول التطبيع الحالي، مما جعل هذه الدول كونها راعية لمسار الثورات المضادة أن تمضي دون قلق نحو أحضان الكيان؛ فالثورات المضادة تحاصر وتهدد التجربة التونسية وتبتزها، واستقرّ لها في القاهرة نظام يبارك كل خطوة تطبيعية فورا، وجعلت ليبيا البلد الغني شاسع المساحة ساحة حرب بدعم علني لميليشيا حفتر...فخلا لها الجو بحيث لا تجد معارضة قوية لتوجهاتها.

4) الثورة على حكم البشير في السودان لم تأخذ في الحسبان تأثير قوى دعم الثورة المضادة والقوى الدولية، والتي لن تسمح بوجود نظام في الخرطوم يعادي إسرائيل مرة أخرى، حتى لو أدى ذلك إلى حرب أهلية جديدة.

5) الوضع الفلسطيني الصعب الذي يعاني من انقسام وعدم توافق على برنامج سياسي مشترك يطبّق على الأرض، شجّع المطبعين وأثار فيهم الطمع بإنهاء القضية الفلسطينية، مع التأكيد الضروري على أن العرب يتحملون قسطا كبيرا مما آلت إليه الحالة الفلسطينية، وعدم تعليق الانهيار العربي على المشجب الفلسطيني.

6) دعم وتقوية إسرائيل سياسة أمريكية ثابتة، وصار من ضرورات هذا الدعم تطبيع دول عربية علاقاتها معها حدّ التحالف، ولا يوجد ضمان بل حتى تلميح من بايدن بأنه سينقلب على هذا المسار، أو حتى لا يشجعه؛ أما التساؤل عن استباق توليه مهام منصبه بتطبيع العلاقات، فلربما تكون هذه طريقة جديدة في تقديم أوراق اعتماد أو بوادر حسن نية؛ قد يتجاهل بايدن خطة ترمب، ولكنه لن يتردد في السعي إلى تطبيع العلاقات بين العرب والصهاينة.

أخيرا لا بد من تكرار ما نقوله دوما:يجب أن تعتمد قوى الأمة الحيّة الرافضة للتطبيع ومخرجاته على الله أولا ثم على زيادة أوراق قوتها وتمتين وزيادة تحالفاتها وتأجيل النبش في ملفات خلافاتها، بدل المراهنة أو حتى الأمل بتغير في خيارات وسياسات الإدارة الأمريكية أو غيرها.

،،،،

تم النشر يوم الإثنين 29 ربيع الآخر 1442هـ ، 14/12/2020م

https://arabi21.com/story/1321584/%D9%87%D9%84-%D8%B3%D9%8A%D8%AA%D9%88%D9%82%D9%81-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B7%D8%A8%D9%8A%D8%B9-%D9%81%D9%8A-%D8%B9%D9%87%D8%AF-%D8%A8%D8%A7%D9%8A%D8%AF%D9%86%D8%9F

 

من قلم:سري عبد الفتاح سمّور(أبو نصر الدين الحنفي)-جنين-أم الشوف/حيفا-فلسطين

فيسبوك: https://www.facebook.com/sari.sammour

 

تويتر: https://twitter.com/SariSammour     @SariSammour  

مدونات:-

https://www.facebook.com/SammourBlog

http://sarisammour.blogspot.com

http://blogs.aljazeera.net/sammour

الأربعاء، ديسمبر 16، 2020

نبيل فاروق بين المخابرات وانطباعات القارئ وعواطفه

 



نبيل فاروق بين المخابرات وانطباعات القارئ وعواطفه

                                          بقلم:سري سمور

https://www.youtube.com/watch?v=uJtJRvmsERw

 

 في التاسع من كانون أول/ديسمبر 2020 الجاري مات د.نبيل فاروق بعد حياة استمرت 65 عاماً إلا شهوراً قليلة.                                                         

هناك جيل كامل- أنا منه- في مصر والأقطار العربية عرف نبيل فاروق من خلال سلسلة(رجل المستحيل) و(ملف المستقبل) وهي روايات صغيرة(جيب) سعرها منخفض بحيث يمكن لأي فتى في ذلك العصر اقتناءها؛ حيث كان سعر النسخة بمعدل جنيه مصري وعندنا في فلسطين حين كانت تصل النسخة إلى مكتباتنا فالسعر أعلى  ولكنه يظل معقولاً ويمكن لطالب المدرسة بشيء من توفير بسيط أو إذا طلب من أهله أن يشتريها، وقد نالت تلكم الروايات الإعجاب بل العشق في زمانها.

 وأتذكر كيف كنّا نقرأ الرواية أكثر من مرة أحياناً ونحفظ عبارات منها, مع حركات قتالية نؤديها تقليداً لبطل الرواية(أدهم صبري) وأزيدكم بأن هناك من حمل اسم(أدهم) لأن أباه أو أمه أو كلاهما أعجب بالشخصية؛ والشخصية الروائية كما نعرف تقود إلى تقدير صانعها وبانيها أي الكاتب(نبيل فاروق) الذي التزم بالتصدير شبه الثابت على غلاف السلسلة أي التشويق والرعب والغموض والإثارة.

روايات رجل المستحيل جذبت قطاعاً واسعاً من الفتية والشباب ذكوراً وإناثاً إلى علاقة دافئة مع عالم النص المكتوب, في وقت كان فيه انتشار أجهزة التلفزة وشيوع التلفزيون الملوّن وأجهزة الفيديو آخذ بالتصاعد الطاغي على المرقومات, وهي مكتوبة بلغة عربية لا بالمصرية الدارجة ولعل هذا هو فضلها البارز الباقي الأول على ذلك الجيل.

ومن خلال رف مخصص لروايات الجيب المصرية تعرفت على سلسلة(ما وراء الطبيعة) لأحمد خالد توفيق وبطلها(د.رفعت اسماعيل) فجذبتني أكثر هي وكاتبها, وستمضي أعوامٌ طويلة قبل أن أعرف أكثر عن سيرة الكاتب الذاتية, وأعرف أن نبيل فاروق هو من أدخله(رسمياً) إلى فضاء الكتابة وإلى(المؤسسة العربية الحديثة) التي كانت تصدر هذه الروايات.

لقد كنت والعديد من أقراني مع الإعجاب بالروايات البوليسية عن(أدهم صبري) لا تخلو تعليقاتنا من حسّ نقدي فيه قدر من السخرية.

فجزء كبير من الأعداد كانت تتحدث عن صراع بين المخابرات المصرية والموساد الصهيوني في وقت كنّا نرى تبادل سفراء وزيارات مسئولين صهاينة من(تل أبيب) إلى القاهرة وبالعكس.

ولكن هنا ربما يكون الفضل الثاني الأبرز ولعله بقي حتى الآن لتلك الروايات؛ وهي أن هذا(السلام) الناجم عن اتفاقيات(كامب ديفيد) ليس هو حقيقة العلاقة بين الطرفين وقد نوّهت بعض الروايات إلى هذه الجزئية, وبالتالي فإن الجيل الذي تشبع بهذه الروايات ظل ينظر إلى إسرائيل على أنها عدوّ يتآمر عليها ويسعى لنهب آثارها وثرواتها, وقتل علمائها وضباطها وتخريب علاقاتها الدولية والإقليمية.

والروايات مسكونة بفكرة تفوّق الرجل أو الفرد لا تشاركية المؤسسة, مع أن أدهم كان يعمل مع زميلته(منى توفيق) وزميله(قدري) خبير التزوير, ولكن كان أدهم هو كما يقال(الكل في الكل) عملياً بميزاته الأسطورية التي ربما داعبت خيال القارئ وتمنى نفسه مثل هذا الضابط الأسطورة الذي يدافع عن الحق ويخوض الصراعات في كل أرجاء المعمورة مع المجرمين بشتى أطيافهم، من عملاء مخابرات معادية أو منافسة أو رجال مافيا وعصابات وغيرهم, والنتيجة العميقة ترسخ مفهوم الإدارة والعمل الفردي, كون القائد يعلم كل شيء وله قدرات مميزة بل خارقة, مع أن أدهم كان غالباً يتلقى تعليمات المهمات من رئيس المخابرات أو وزير الدفاع ولكن هذا لا يلغي فكرة التشجيع على الفردانية شبه المطلقة.

أدهم صبري كان وسيماً في خلقته, ويتقن نصف دزينة من اللغات الحيّة إتقاناً تاماً, ويجيد كل فنون القتال كالكاراتيه والجودو وغيرهما ويستطيع قيادة السيارات بكافة أنواعها إضافة إلى المراكب البحرية والطائرات ويتقن استخدام جميع أنواع الأسلحة النارية من المسدسات إلى الصواريخ وهو أيضاً يصلي الأوقات الخمس بخشوعٍ تام... وحتى عندما فقد الذاكرة ظلَّ محافظاً على أداء هذه الفريضة...إنه رجل المستحيل!

وهو أيضاً لا يشرب الخمر بلا لا يدخن السجائر, ولم تستطع أية حسناء من المخابرات الأخرى أو المافيا أن تغويه, وكانت(منى) حبه الوحيد, وهذا أيضاً من معالم إرساء وإدخال فكرة عمل الرجل مع المرأة حتى في مجال الخطر, مع أن أدهم بداية لم يهضم وجود(منى) معه ولكن لاحقاً-كما في الأفلام- تقبّل وجودها وصارت أساسية في حياته وعمله.

وطبعاً لن نغفل عامل الطبقية وإن كان مستوراً في الروايات؛ فأدهم والده ضابط أيضاً وشقيقه طبيب يقيم في السويد ويسكن في حي المهندسين الراقي بمقياس زمن إصدار الروايات على الأقل.

وتبين وفق اعتراف نبيل فاروق بعد خلع مبارك أن رواياته كانت خاضعة إلى التوجيه المباشر؛ ولربما خطر في بال(المعلم الكبير) أن يغرس فكرة إمكانية(التعايش) مع الصهاينة حين تزوج أدهم من امرأة الموساد التي خاض معها صراعا عنيفا سعت فيه إلى قتله مرات عدة (سونيا جراهام) وأنجب منها ولداً وهو فاقد الذاكرة, ولكنها عادت إليه ودخلت مصر(هذا من نتاج كامب ديفيد طبعاً) وجلست معه ومع زميلته منى من بعد عودة الذاكرة إليه، وقرر ترك منى ومصر،والعيش مع سونيا من جديد, ولكن كان(المشغل) كما يبدو يجسّ نبض القرّاء الذين كانوا يتفاعلون بالرسائل وغيرها,ليعود(أدهم) من جديد إلى مقاتل شرس ضد الموساد.

وعودة إلى فكرة الشخصية الفردية الطاغية فإن إيجاد بديل لأدهم كان أيضاَ ضابط فرد(حسام حمدي) وحتى هذا قتل لاحقاً دفاعاً عن أدهم!

كما رسخت الروايات مفهوم الوطنية الشوفيني وصدّرته إلى الشباب المصري والعربي؛ فحتى حين كان هناك تعاون بين أجهزة مخابرات عربية أخرى فهو بمفهوم تبعية –ولو مستترة- لتلك الأجهزة للجهاز المصري، ومع حبّ الشباب العربي للروايات، ولكنها تدفع باتجاه تعميق تمركز الفرد المصري حول ذاته منبتّا عن العرب!

أكتفي بهذا القدر من الاستعراض لروايات اجتاحت كيان جيل كامل مصرياً وعربياً, لدرجة أن نبيل فاروق وإن لم يكن من الكتاب والروائيين المشهورين أو العمالقة(عاصر نجيب محفوظ وإحسان عبد القدوس مثلاً) ولكنه كان ذا تأثير واسع خاصة على الجيل الذي اكتهل حالياً.

والمثير للغضب كان شعور هذا الجيل بأنه قد تم خداعه؛ فلا يوجد لا رجل مستحيل ولا ملف مستقبل, وجهاز المخابرات كان مخصصاً لحماية النظام البوليسي ويتعاون مع أجهزة المخابرات الأخرى بما فيها الإسرائيلية ضد ما يسمى(الإرهاب) وأفاق النّاس ليجدوا أنفسهم تحت بساطير العسكر؛ و نبيل فاروق كان يلعب دور التخدير للجيل الشاب وبجدارة كي يظلوا في وهم التفوق وأن قادة البلاد-عموما كان تأييد نظام مبارك واضحا في النصوص- أدرى بما يفعلون ويستحقون الثقة المطلقة.

ومع ذلك أعيد ما قلته أن السلسلة أبقت قطاعاً كبيراً من الشباب والفتيان على علاقة محبة مع الكتاب الورقي ولو كان رواية, وحافظت على شعلة التحفز والعداء مع الصهاينة...فضلان للكاتب ينبغي أن نسجلهما.

وصدمة أخرى لا تقل عن السابقة هي فيما يتعلق بالكاتب نفسه؛ فإذا كان نبيل فاروق ذو فضل على (العرّاب) أحمد خالد توفيق، مثلما صرّح الأخير, فإن الأخير لم يؤيد الطغيان ورفض مخرجات الانقلاب العسكري خاصة جرائم ومجازر رابعة والنهضة، وتقوقع الطبقة الحاكمة في العاصمة الإدارية الجديدة.

لكن نبيل فاروق وهو أيضا في الأساس طبيب من طنطا-وقد ترك الطب وتفرغ للكتابة- مثل  أحمد الذي زاوج بين الطب والكتابة( مع أنه ظل يمدحه) انحاز إلى الطغيان والاستبداد، أي كان نبيل فاروق بمعنى أو بآخر من كتبة السلطة على عكس (العرّاب).

 كيف(لا) وهو الذي ارتبط بإبراهيم عيسى صاحب المواقف المتقلبة والتي انتهت به إلى تأييد القمع وقتل المتظاهرين، طبعاً عدا عن تهجمه الشديد على  السنّة المطهرة, هذا في الوقت الذي يطبّل فيه بأسلوب مبتذل للسيسي, وإبراهيم عيسى ونبيل فاروق ينهلان من نفس المصب العلماني الذي سيطر على فضاء الثقافة والفنون والآداب والإعلام في مصر منذ عقود، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

إجمالا رحيل نبيل فاروق يذكرنا بافتقاد جزء جديد من قوة وتأثير مصر؛ فمصر أمدّت الأمة بالعلماء والمشايخ الأزهريين، وعلّمت الأطباء والمهندسين والمحامين، وكانت بؤرة الإعلام المتوهجة عربيا، وصولا إلى هذا النوع من الروايات الذي كان يقرؤه ابن بلدة في أقاصي اليمن أو المغرب العربي مثل شقيقه في العروبة والإسلام في قرية من قرى الصعيد أو الدلتا، وهذا نوع من الوحدة العاطفية والشعورية صنعته مصر في ظل تعذّر الوحدة السياسية، لينقلب الحال إلى ما يشعرنا بالحزن والتأسي على ما آلت إليه أوضاع مصر وحجم تأثيرها أو (قوتها الناعمة) ولا يسعنا سوى أن نرجو الله تعالى أن تعود مصر كما كانت أي كنانة الأمة ومخزن ثريّ لعلومها.

،،،،

تم النشر يوم الإثنين 29 ربيع الآخر 1442هـ ، 14/12/2020م

https://www.sasapost.com/opinion/nabil-farouk/

 

من قلم:سري عبد الفتاح سمّور(أبو نصر الدين الحنفي)-جنين-أم الشوف/حيفا-فلسطين

فيسبوك: https://www.facebook.com/sari.sammour

 

تويتر: https://twitter.com/SariSammour     @SariSammour  

مدونات:-

https://www.facebook.com/SammourBlog

http://sarisammour.blogspot.com

http://blogs.aljazeera.net/sammour


السبت، ديسمبر 05، 2020

لماذا نفرح بأرناط ونحن بلا صلاح الدين؟

 




لماذا نفرح بأرناط ونحن بلا صلاح الدين؟

                                          بقلم:سري سمور

 إبان الانتفاضة الأولى(1987-1993م) قال لي من صار شهيدا بإذن الله في الانتفاضة الثانية أنه يحب ويتمنى أن يتولى (أرئيل شارون) رئاسة وزراء الكيان العبري لعلكم أدركتم ما السبب...وهو أن شارون وغيره ممن يظهرون العداء قولا وفعلا ويفكرون بصوت مرتفع، ولا يتحلّون بمعسول الكلام مع عدوهم(وهو نحن) كفيل بجعل الصراع واضح المعالم، ولا طريق إلا مناجزته، بعيدا عن كل أوهام السلام...ذلك أن أمثال (شمعون بيريز) مثلا كانوا مثل من يصافحك ويعانقك ويضمك ويطعنك بخنجر مسموم في ظهرك!

هذه الفكرة كانت تستولي على قطاع واسع من أبناء الأمة؛ ومنها كاتب هذه السطور؛ فعدو مكشوف لا يراوغ ولا يناور، أفضل من عدو يستخدم الكلام اللين غالبا، ويقدم بعض الفتات ضمن تكتيك لا يمسّ الاستراتيجية التي تجمعه مع الأول.

وخلال الأيام الماضية ثمة من تمنى فوز (دونالد ترمب) بولاية ثانية لهذا السبب، طبعا هناك خصوم بل أعداء لمن ديدنهم الحرقة على الأمة ممن فكروا بهذه الطريقة، تمنوا ذات الشيء ولكن لسبب مختلف تماما، وهو ربط مصيرهم بترمب وصهره كوشنير وسياسات واشنطن بقيادة هذا الرئيس الأمريكي الذي لا يشبه في أقواله وأفعاله وأطروحاته أيا من أسلافه (44 رئيسا) الذين جلسوا في المكتب البيضاوي.

لكن دعونا من هؤلاء الذين بدا أن ترمب حبلهم السري حيث سأعود لهم في مكان آخر من هذا المقال؛ ولنركز حديثنا على الذين يحبون أن تكون أمريكا وإسرائيل وغيرها من الدول والكيانات المتغطرسة الظالمة المستكبرة في الأرض، تحت قيادة زعماء لا يتحلّون بأي ذرة من الدبلوماسية، ويكشرون عن أنيابهم، ولا يرتدون جلود الضأن على قلوب الذئاب، أو من الذين يستخدمون سياسة العصا دون جزرة..أو من سمته البلطجة السياسية.

فهؤلاء –كنت منهم- لم يستوعبوا الدرس ولم يستشعروا سقوط رهاناتهم على حالة نهضوية تستنفر الأمة، وتقلب التوازنات وتغير المعادلات، مع أن الأمثلة أمامهم كثيرة، ولنكتفي بدونالد ترمب؛ فقد اعترف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة إليها، ولم تتحرك جموع الأمة، وتفاخر بهذا (الإنجاز) وأعلن عن صفقة القرن، وأجبر دولا عربية على المجاهرة بفاحشة كانوا يخفونها أي التطبيع مع الكيان العبري علنا، وتحدث باستكبار ساخر عن بعض زعماء العرب وأنه يقوم بأخذ الجزية أو(الخاوة) منهم، كما أنه حتى قتل بقصف معلن قائد فيلق القدس قاسم سليماني، وأعلن عن منع سكان عدة دول مسلمة من دخول الولايات المتحدة...إلخ؛ فهل كانت أحوال الأمة أفضل، وهل خرجت الأمة ضد الاستبداد أم أن المستبدين ازدادوا في عهد ترمب وحشية ودموية، وشعورا بأنه يحق لهم فعل ما يشاؤون في شعوب يرونها قطيع أغنام يحق لهم التصرف به بالبيع أو الذبح والسلخ أو الحجز في حظائر؟...الإجابة ما نرى لا ما نسمع، وحسابات وظنون قامت على أن نهضة الأمة واستنفار طاقة الغضب الكامنة فيها ضد من يعتدي عليها، مدماكها الأول هو وجود قائد أو زعيم للأعداء أو المعتدين يجاهر بعدائه ويهاجم دون أن يتظاهر بأن (دمنا لوّث حدّ سيفه) تبين في زماننا أنها خاطئة ومجرد أوهام ورهانات خاسرة، بل إن الخسائر في ظل هؤلاء أكبر وأعظم، على الأقل في المدى المنظور والواقع المعيش.

ولعل السبب يعود إلى مقارنات تاريخية، تؤكد أن صلف وعجرفة وغطرسة وعدوان بعض قادة الأعداء يعني وفق قانون ردّ الفعل الشهير، وجود حركة مضادة في صفوف الأمة؛ ومن ذلك أن أرناط(رينالد دي شاتيون) الذي كان حاكما لأنطاكية وسجن في حلب 16 سنة وصار بعد مدة أميرا لقلعة الكرك الصليبية إبان غزو الفرنجة واحتلالهم أجزاء من بلاد الشام ومن ضمنها القدس، قد طغى وتجبر ونقض العهود ونكث مرارا وتكرارا ووصل به الحال إلى إرسال حملة لاحتلال مكة المكرمة، ووصل جنوده إلى بعض شواطئ البحر الأحمر على مقربة من مكة فعلا لكن تم دحرهم، ولم يرتدع هذا المجرم فأغار على قوافل التجار وحجاج بيت الله الحرام يقتل ويأسر ويسلب وينهب متباهيا مزايدا على أمراء الممالك الصليبية الأخرى، فكان أن أقسم الناصر صلاح الدين أن يقتله بيده، وهو ما كان فعلا بعد معركة حطين (1187م) حيث اقتيد مع القادة الصليبيين الآخرين إلى حضرة السلطان فضرب عنقه وأعطى الآخرين الأمان...هذه الحادثة التي تبعث على مزيج من الأمل والفخر وأمثالها تجعل قطاعا أو تيارا من الأمة يأمل بأن يسود الأعداء أمثال أرناط؛ ولكن يا قوم:إذا كان لديهم أرناط فأين هو صلاح الدين اليوم؟ألا ترون أن الحال يشبه حالات أخرى في التاريخ لا أريد أن أذكرها كي لا يقال أنني أمعن في بثّ اليأس والإحباط...لماذا نفرح بأن أرناط يهاجمنا فيما نحن نفتقد صلاح الدين ورجاله؟!

أما من تماهوا مع ترمب وراهنوا على استمراره لولاية ثانية لدرجة توحي من خلال إعلامهم وذبابهم الإلكتروني أنهم رغبوا بقوة أن يفوز في الانتخابات، فيثبتون في عهده الثاني أركان استبدادهم ويزيدون في إذلال شعوبهم؛ فأنا ربما أزعم أنهم لا يظهرون حقيقة ما في نفوسهم من رغبة بغيابه وعدم تكرار نموذجه؛ لأنه أمعن في إذلالهم علنا، ولم يتظاهر أمام الكاميرات بشيء من التقدير والاحترام الزائف لهم، ولم يكترث لحفظ شيء من ماء وجوههم، وأجبرهم على إعلان اقتراف الذنب وقد كان من قبله وربما من بعده سيكتفون منهم بارتكابه سرّا...كما أن سياساتهم القائمة على الاستبداد والقهر والاستعباد كانت قبل ترمب وفي ولايته، وعليه لن تتأثر بعد تركه البيت الأبيض، فهم يعرفون أن علاقتهم و(عقود عملهم) مع الدولة العميقة في واشنطن أكثر مما هو مع شخص رئيس يذهب حتى لو استمر ولايتين...ألا ترون أن منهم من تعاقب على وجوده على عرش الاستبداد رؤساء من الحزبين ولاية أو ولايتين؟!

الأمة بخير ولله الحمد، ولكن في الظرف الحالي، لم تزد سياسة أرناط العصر حالة اليقظة في صفوفها، مع بالغ الأسى...ومن الأفضل البحث عن طرق أخرى لتفجير طاقات الأمة بدل تمني استنساخ أرناط ونحن بلا صلاح الدين.

الله غالب.

،،،

تم النشر الأحد  11 ربيع الآخر 1442هـ ، 26/11/2020م

https://www.sasapost.com/opinion/without-salah-edien/

 

 

 


مع مذكرات أخطر سفير إسرائيلي في مصر (1)

لدي قناعة أن ذهاب أنور السادات إلى خيار التسوية مع إسرائيل؛ و زيارته المشؤومة إلى القدس في 1977 وصولا إلى توقيع اتفاقات كامب ديفيد في 1979 ه...