الثلاثاء، يناير 26، 2021

التطبيع وفلسطين والموقف الفاصل للحركات الإسلامية

 التطبيع وفلسطين والموقف الفاصل للحركات الإسلامية







هدأت إلى حدّ ما موجة الغضب من حزب العدالة والتنمية بسبب قيام القيادي فيه (سعد الدين العثماني) وهو رئيس الحكومة المغربية، بتوقيع اتفاق التطبيع مع الكيان العبري وتبريره والدفاع عنه قبل حوالي شهر.

لكن الهدوء النسبي يجب ألا ينسينا المأزق، وحالة التيه والضياع التي انحدرت إليها مكونات الأقطار العربية وفعالياتها؛ الرسمية والحزبية والشعبية والإعلامية والنقابية؛ فهي إما في حالة عجز عن الفعل، سوى التنديد والشجب ولو اتخذ مظهر التظاهرات الإلكترونية أو حتى المسيرات في الشوارع، وإما في حالة تماه مقززة مع مسارات النظم الحاكمة، وإن كنا قد قبلنا بل روّجنا  نظرية الفصل بين (ضرورات الأنظمة وخيارات الشعوب) في مراحل سابقة، فقد تبين أن النظم الدولية الحديثة تمكنت من تجريف واحتواء وتجفيف كل ظاهرة لا تسير في ركبها، بما تمتلكه من أدوات الترغيب والترهيب وأساليب المكر الذي تزول منه الجبال.

كون حزب العدالة والتنمية المغربي جزء من الحركة الإسلامية، وهو المصطلح الذي أفضل استخدامه على مصطلح (الإسلام السياسي) أثار موجة أكبر من الغضب، طبعا بعض (المتغاضبين) يحقدون أيديولوجيا على كل ما هو إسلامي، ووجدوا في موقف الحزب ورئيس الحكومة (سعد الدين العثماني) ذخيرة لمهاجمة الإسلاميين جميعا ورميهم عن قوس واحدة، وهؤلاء ليسوا أصحاب مبدأ رافض للتطبيع، بقدر ما هم أصحاب سياسة راسخة تناصب الإسلاميين العداء بمن فيهم حركات المقاومة المنتسبة إلى الفكر الإسلامي (حماس والجهاد الإسلامي مثلا)، وعليه فلنحذف هؤلاء من تقييمنا لواقع الحركات الإسلامية، ولنلتفت إلى الرفض المبدئي للتطبيع مع الصهاينة، وإلى الغضب من أي حركة إسلامية تجاريه أو تشارك فيه، بدافع الغيرة وخيبة الأمل، وليس انطلاقا من الحقد والتصيّد الخبيث.

 

الدفاع عن الهوية كمبرر للوجود 

من المعروف أن انطلاقة الحركات الإسلامية بالمفهوم التنظيمي وبرامج الدعوة والتأطير والاستقطاب، جاءت بعد مرحلة إلغاء الخلافة العثمانية في تركيا بقرار من أتاتورك، وفي ظل هيمنة استعمارية عسكرية مسنودة بغزو ثقافي على البلاد العربية؛ فإلغاء الخلافة فرض تحديا على الأمة، حيث أنها فقدت المرجعية تماما، فقد كانت الخلافة على ضعفها في مراحلها الأخيرة وفقدانها أدوات التأثير، هي الجامع والراية المعنوية للأمة، فكيف إذا اجتمع فقدان المرجعية والرابطة الوجدانية، باحتلال أوروبي ماكر يمتلك وسائل عصرية متطورة، تهدد كينونة الأمة؟

لذا كان مبرر وجود الحركات الإسلامية غاية في المنطق، بل هو ضرورة للتصدي ومواجهة التهديد الذي يستهدف كينونة وهوية الأمة، وبكلمات أخرى فإن الحركات الإسلامية بلورت مقاومة مادية ومعنوية لخطط التغريب التي اجتاحت أرجاء الأقطار العربية والإسلامية، فالأمر ليس فقط دعوة إلى عودة الخلافة الإسلامية وتحكيم الشريعة، مع حضور هذين العنوانين بكثافة في الخطاب التعبوي لعموم الحركات الإسلامية؛ بل الأمر يتعدى ذلك إلى التصدي بحزم إلى اتجاهات التغريب التي طالت الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية بل حتى أثرت على المؤسسات الدينية التي بنتها الأمة وطورتها ورعتها وحرصت على  استقلالها منذ قرون (مؤسسات الوقف والتعليم الشرعي وما يلحق بها) وعليه فإن الحركات الإسلامية في مبرر وأصل وجودها هي كيانات صدّ للتغريب، أو تخفيف فاعليته في أضعف الحالات.

 

إسرائيل أبرز مظاهر التغريب 

وقد كان إنشاء (إسرائيل) وما سبقها من تمهيد لهذه الخطوة السامة، وما تلاها حتى الآن من دعم لهذا الكيان من الغرب ممثلا بأكبر وأهم دوله ومنظوماته السياسية والمالية والإعلامية وقبلها العسكرية، هو أكبر وأهم المظاهر التغريبية في المنطقة العربية والإسلامية؛ ذلك أن إسرائيل أقيمت فوق أرض فلسطين المغتصبة، ومعروف أهمية هذه البقعة لدى المسلمين، كما أن كل ما حيك من خطط ومشروعات في المنطقة كان بهدف تثبيت إسرائيل وجعلها أمرا واقعا في وعي الأمة، أو على الأقل في ممارساتها السياسية، وجعلها صاحبة اليد الطولى والتفوق النوعي على محيطها المختلف عنها دينيا وثقافيا واجتماعيا.

وبالتالي كان من الطبيعي أن يكون لعموم الحركات الإسلامية موقف رافض قطعياً ومبدئياً لوجود إسرائيل وضرورة تحرير فلسطين؛ وقد اجتهدت الحركات الإسلامية في ذلك اجتهادات قد نتفق أو نختلف معها؛ فهناك من أرسل المتطوعين في حرب 1948 وهناك من انضوى تحت لواء آخر بهدف المقاومة، وهناك من رأى أن الأفضل تغيير النظم السياسية العربية كممر إجباري للتفرغ لمناجزة الكيان، وهناك من رأى ضرورة ممارسة الضغط الناعم على الأنظمة كي تتخذ مواقف صلبة تجاه الصهيونية، وهناك من عمل وفق المتاح بتوفير ما يمكنه من دعم معنوي ومادي للفلسطينيين .. وغير ذلك من المواقف التي يجمعها الرفض المبدئي لوجود الكيان الصهيوني وضرورة تحرير المسجد الأقصى وفلسطين.

 

لا مبرر للتساوق مع التطبيع 

أداء الحركات الإسلامية السياسي في غير قُطر عربي، لم يكن على ما يرام، ولكن قد يقبل التبرير ولو على مضض؛ فثمة حركات إسلامية كانت مثل (الماكياج) الذي يغطي وجه الاستبداد، وعموما لم تفلح مشاركة الحركات الإسلامية في النظم السياسية في محاولات الإصلاح على أي صعيد، ولدينا كثير مما يمكن قوله عن هذه الحركات، من زاوية أدائها عموما، ولكن كما قلت يمكن قبول التبريرات على مضض، أو التماس الأعذار!

لكن لا يمكن بأي حال وتحت أي ظرف قبول التساوق مع تيار وموجة التطبيع مع الكيان الصهيوني التي تجتاح عدة أقطار عربية، فهذا ما لا يُلتمس فيه عذر، ولا يخضع لمقولة اتساع باب الاجتهاد، أو غير ذلك، فهذا يفقد الحركات الإسلامية مبرر وجودها، ولو أن الخيار كان أن تحل نفسها، أو تترك العمل السياسي وتتفرغ للنشاط الدعوي بأبسط أدواته، أو تتساوق مع التطبيع، لكان خيرا لها ترك العمل السياسي، ما دامت لا تستطيع تحدي تطبيع الأنظمة مع الصهاينة، ذلك أن (التقية) هنا لا محل ولا مكان لها، وكلامي لا ينطبق فقط على العدالة والتنمية المغربي وسعد الدين العثماني، وإن كانا محل التركيز الأكبر، بل هي رسالة إلى كل حركة أو تجمع إسلامي مفادها المختصر: ساحة العمل السياسي ومراوغاته ومرونته وضروراته شيء لا تدخل فيه فلسطين والأقصى ولو بكلمة أو همسة، ورفض التطبيع قولا وفعلا لا مساومة فيه وعليه، ولا يحتمل الكلام حمّال الأوجه!

 

مرسي وإخوان مصر ودفع الثمن

ولكن في ظل حديثنا الرافض والمستنكر والمحذر من مداهنة أي حركة إسلامية لمسار التطبيع، ألا نتذكر مواقف د.محمد مرسي والإخوان المسلمين في مصر، والذين برأيي يدفعون ثمن موقفهم من القضية الفلسطينية؛ فنحن قد نتفق أو نختلف حول بعض أو كثير من أدائهم السياسي في مصر، ولكن المؤكد أن موقفهم من فلسطين وقضيتها كان وما زال موقفا نشعر بالحنين إليه، بل البكاء عليه؛ هذا الموقف الذي عمل المغرضون والأغبياء والمدفوعون من المطبعين الحاليين، إلى اختزاله برسالة إلى شمعون بيريز، بينما الأمة حاليا تتذكر موقف مرسي -رحمه الله- من العدوان على غزة في 2012

 

 

بل نتذكر كيف أن المقاومة في غزة انتعشت في فترة حكمه، بينما فور الإنقلاب عليه ضُرب حصار مستمر خانق على قطاع غزة، ناهيك عن ملاحقة البحرية المصرية للصيادين غزة واعتقالهم وقتلهم وهم يبحثون عن لقمة عيشهم بينما يدخل الصهاينة إلى سيناء بكل راحة وأمن!

هذا كله يجعلنا على يقين أن من يتخذ موقفا مشرّفا من فلسطين في ظل الوضع العربي البائس الحالي لن يكون له مكان في الحكم أو الإدارة وقد يعتقل أو يقتل، وهذه إشارة إلى الحركات الإسلامية العربية، فقد يكون هناك خيار ثالث غير الاستئصال والاجتثاث أو السير في ركب الخيانة والتطبيع، وهو الانسحاب التكتيكي من العمل السياسي، خاصة في ظل أزمات النظام الدولي والنظم العربية التي ستظهر مفاعيلها قريبا، فعليكم الاحتفاظ بطهارتكم من دنس التطبيع، والإبقاء على مواردكم وطاقاتكم من أجل مرحلة نقترب منها، والله أعلم.

 

هل باع الفلسطيني أرضه؟

 هل باع الفلسطيني أرضه؟









من نكد الدنيا على المرء، أو عليّ كما أشعر وأحس، هو الاضطرار إلى مناقشة بدهيات، أو إعادة التأكيد على مسلّمات، وصرف الوقت في إثبات ما هو مثبت ومقطوع به أصلا.
ذلك أن مدرّس طلبة مرحلة متقدمة ليس مضطرا إلى إعادة شرح الأبجديات أو الألفباءات، باعتبار أن الطلبة لديه قد وصلوا إلى مرحلة صارت هذه الأمور عندهم مستوعبة ومفهومة، ولا تحتاج شرحا أو توضيحا، ولا يسأل ولا يُسأل عنها؛ تماما مثل المهارات الأولية العادية في حياة إنسان تجاوز مرحلة الطفولة الأولى؛ فالطفل الصغير مثلا، يعلمه أهله أو من يقوم على تنشئته مهارات تجميع الحروف لتكوين الكلمات، وترتيب الكلمات كي تصبح جملا مفيدة، حتى يستطيع التعبير عن نفسه بعد سنوات، دون الحاجة إلى تعليمه تركيب كلمات أو جمل مثل حاله وهو صغير، وغير ذلك من أمثلة في حياتنا اليومية.

ولكن يبدو أن الله -سبحانه وتعالى- كتب علينا أن نحيا في زمن ضرورة مناقشة المسلّمات وإعادة التأكيد على البدهيات، وما كنت أحسب أن أحيا إلى زمن أضطر فيه إلى شرح ما حسبته لا يحتاج شرحا، وإلى مناقشة ما لا يحتاج نقاشا عقلا وعرفا .. ولا حول ولا قوة إلا بالله.

إن حالة التفاهة والسطحية الطاغية التي صبغت المرحلة وأتاحت لأرباب الجهل أو التجهيل المبرمج اعتلاء منابر الإعلام والتعليم لها دور بارز في وصولنا إلى هذه المشكلة بل إلى هذه المرحلة الكارثية.
ومن تمظهرات هذه الحالة وضع الفلسطيني الذي هو بديهة صاحب حق أبلج، وقع عليه ظلم لا يتجزأ ولا يتقاسمه مع الظالم، في موضع إثبات هذه المسلّمة في ظل طوفان الهجوم عليه، وقد تبين له أن قطاعا لا يستهان به، يميل فعلا إلى تصديق الافتراءات والأكاذيب الصغيرة والكبيرة، حول حقوقه المشروعة، بحيث ينظر إليه شقيقه -كما يفترض- العربي نظرة متشككة ويضعه في قفص الاتهام، بل يصل الغلو أن يلوم العربي المقتول على ما قتله بسيف الظالم، بل يُمدح الظالم بلسان عربي دون حياء أو وازع من أخوة في الدّين أو العرق، أو أخلاق وعادات عربية وجدت حتى أيام الجاهلية الأولى.

 

الفلسطيني يتهم ببيع أرضه! 

ومن ذلك اتهام الفلسطيني بلا خجل، بأنه باع أرضه إلى الحركة الصهيونية، وصار يطالب المشتري بحقه فيما باعه وقبض ثمنه؛ وقد حسبت في مرحلة سابقة أن هؤلاء قلة بائسة مضللة تعيش في ظلمة الجهل، ويضاف لهم موظفون في أجهزة مخابرات إسرائيلية يتسترون وراء أسماء ومعرّفات عربية ويبثون سمومهم كي يشوّشوا علينا ويعكروا صفاء نبع إيمان عربي مطلق بحقنا، ولكن الأمر ليس كذلك مع بالغ الأسف والحزن والأسى.

فهناك من يؤمن ويصدق هذه الفرية التي تجد لها رواجا وقبولا، وأيضا فإنه من العار أن يكون الإيمان بها عربيا أقوى من الإيمان بها صهيونيا؛ فالصهاينة لم يزعموا أن الأرض التي يغتصبونها قد اشتروها بالمال، حيث أن حجتهم في الاحتلال والاستيطان بوحشية السلاح تتستر وراء ادعاء بحق ديني في تملكها بالدرجة الأولى.

ولكن ألا يوجد من الفلسطينيين من باع أرضه أو بيته لمستوطنين يهود؟ بلى، ففي أي بلد يقع تحت الاحتلال ثمة من يسقط في وحل الخيانة، فيتحول إلى جاسوس على شعبه وعينا تنقل الأخبار إلى العدو، وثمة من يبيع ما يملكه بدوافع مختلفة، ولكن كم نسبة هؤلاء؟ وإذا قلنا للحركة الصهيونية خذي ما تم شراؤه، واتركي ما تم احتلاله بالقوة فكم سيبقى لها؟ حقيقة لا شيء يذكر .. هذا ناهيك عن عمليات الاحتيال في عمليات البيع بحيث يظن البائع أنه باع لابن شعبه وإذ بهذا وسيط للعدو، وهذا ما يسمّى عندنا بالتسريب.

هناك كثير من الفلسطينيين الذين عرض عليهم بيع قطعة أرض صغيرة أو بيت قديم بمبالغ من ذوات الأصفار الست أو السبع فأبوا ولو قبلوا لتملكوا بها عقارات/متاجر/مزارع/شركات في حواضر العالم الغربي بل والعربي .. ومن بالغ الحنق أن أحد هؤلاء وأتمنى أن يكون صهيونيا يتستر بمعرّف عربي قال: بل بعتم ولكنكم لم تفلحوا في استثمارها وأنفقتموها، وعدتم إلى البكاء والتوسل والتسوّل .. أستغفرك ربي وأتوب إليك .. يا ليتني متّ قبل أن أسمع أو أقرأ هذا الهراء.

ويجب أن نضع الأمور -ما دامت الوقاحة في قذف الاتهامات والأباطيل وصلت إلى هذا الحد- في نصابها، ونذكّر بأن فلسطين كان بها عائلات من دول عربية أخرى امتلكت أراض باعتها إلى الوكالة اليهودية، وهذا مثبت بالأسماء والأرقام، فلا نأخذ شعوب تلك الدول بجريرة إقطاعي جشع منها، مثلما لا يجوز رمي الفلسطيني وأخذه بفعل من هو ليس منه بالمفهوم الوطني الحديث .. ومن يخون ويبع أرضه يتحول هو وعائلته إلى كائنات منبوذة من عموم الشعب الفلسطيني والشواهد كثيرة!

إن من قام بتسريب عقار وقف عمر بن الخطاب التابع للكنيسة الأرثوذوكسية ليس مسيحيا فلسطينيا بل البطريرك اليوناني، فهو ليس فلسطينيا ولا عربيا حتى .. أما الحاج موسى الخالص -رحمه الله- فقد عرض عليه بيع محله في القدس بالمبلغ الذي يريد، ولكنه قال أنه يقبل بشرط توقيع كل المسلمين (بمن فيهم الأطفال) على هذه الصفقة، وتحمل أذى المستوطنين ومضايقاتهم كي يلقى ربه دون أن يلحق به هذا العار، ومثله كثير.

 

 

وهل مئات الألوف (حوالي 700 ألف فلسطيني) الذين أخرجوا بالقوة والمجازر البشعة من مدنهم وقراهم في الساحل والجليل والنقب قد باعوا أرضهم؟ كيف ونحن نتحدث عن أكثر من 530 قرية تعرضت إلى ما يعرف بالتطهير العرقي .. فهل ما تركه هؤلاء وراءهم من أرض وزروع وبيوت ومضارب قد قبضوا ثمنه سلفا؟!

إنه من العار أن يكون (إيلان بابيه) يهودي الأبوين، والذي حارب العرب حينما انخرط في قوات الجيش الإسرائيلي أكثر إنصافا ومراعاة لحقيقة التاريخ، حين سطّر كتابه (التطهير العرقي لفلسطين-2006) وهو مترجم إلى العربية، ولكن أمة إقرأ لا تريد أن تقرأ .. والله إنني أخال الرجل يجلس أمام حشد من المستوطنين أو رجالات الأمن والجيش يقولون له: هناك عرب يتكاثرون يقولون بأن الفلسطينيين باعوا أرضهم لنا، فلماذا تنبش الوثائق لتظهر أننا أخرجناهم منها بارتكاب المجازر يا (إيلان)، أيكون العربي أكثر تصهينا منك وهو المسلم وأنت اليهودي؟!

ليس هذا فقط، بل ليعلم القاصي والداني أن الصهاينة مع أنهم يحتلون قرى فلسطينية هدموها وغيروا معالمها وأطلقوا عليها تسميات عبرية، لو أتاهم لاجئ في أي مكان من العالم ومعه وثائق ملكية لأرضه المغتصبة فيها، لدفعوا له من الأموال ما يضمن له رفاهية العيش في أي عاصمة عربية أو غربية، مقابل توقيعه صك تنازل عنها .. ولكن الفلسطيني لم يفعل ذلك لا هو ولا ابنه ولا حفيده ولن يفعل بعون الله، ولربما كان يجد نوعا من المواساة المعنوية حينما كان يحمل (كوشان) أرضه المغتصبة أمام صحافة العالم فيجد تشجيعا وبعض الدعاء من أشقائه، فبات اليوم متهما، ويسلكه عرب بألسنة تقطر حقدا وسمّا!

 

أكذوبة تضييع الفرص 

أما أن الفلسطيني قد أضاع فرصا كثيرة برفضه حلولا طرحت عليه للتسوية؛ فهذا أيضا كان يفترض أنه من المسلّمات والبدهيات؛ فالفلسطيني لم يبلور هوية وطنية قومية مستقلة عن العرب، مثلما فعل هؤلاء فور اغتصاب أقطارهم من قبل الجيوش الأوروبية، ومن يرجع إلى الأرشيف يجد الاستخدام الواسع غير المتحفظ لتعبير (العرب) لوصف المواطنين الفلسطينيين، وظلت قياداته المحلية، وإن اختلفت فيما بينها حدّ التنافر تعتبر مرجعيتها الدول العربية التي تشكلت منها الجامعة العربية .. أي لم يكن الفلسطيني يتصرف على هواه في مواجهة المشروع الصهيوني.

ولا ننسى كيف أن العرب أجهضوا الثورة الكبرى التي انطلقت في 1936 واضطر الإنجليز إلى جلب عشرات الألوف من الجنود من القطر المصري، وذلك لأن العرب يثقون بحكومة (صديقتهم بريطانيا) وتتابعت النكبات والهزائم، وأقول وأنا الرافض جملة وتفصيلا لاتفاق أوسلو، بأن عرفات لو وجد الدول العربية تميل إلى لخيار المواجهة ما كان لينخرط في هذا المسار، وهو حين حاول الخلاص منه حوصر في مقره حتى شارف على الموت، واشتكى هاتفه من قلة التواصل من زعماء العرب باستثناء يتيم معروف .. ومن ناحية أخرى هي الأهم؛ هل على الفلسطيني التنازل عن حقوقه حتى يقال عنه من بعض العرب بأنه محنك وحصيف ويلعب سياسيا بمهارة؟!

هذا والله شيء عجيب وغريب، كيف لا وعاصمة اللاءات الثلاث (لا صلح ولا تفاوض ولا اعتراف) تجري محاولات لضمها إلى ركب التطبيع مع الصهاينة؟

على كل حال مهما جرى ومهما حصل من عربدة تيار (الليكود العربي) فإن الفلسطيني مع أشقائه العرب سيظل حاله حال المقنع الكندي مع قومه حين قال:-
وإن الذي بيني وبين بني أبي** وبين بني عمي لمختلف جدا
أراهم إلى نصري بطاءا وإن هم**  دعوني إلى نصر أتيتهم شدا
فإن يأكلوا لحمي وفرت لحومهم **  وإن يهدموا مجدي بنيت لهم مجدا
وإن ضيعوا غيبي حفظت غيويبهم **  وإن هم هووا غيي هويت لهم رشدا
ولا أحمل الحقد القديم عليهم  ** وليس كريم القوم من يحمل الحقدا

لفترة طويلة رفضت فعاليات الفلسطينيين الوطنية فتح جامعات كي يظل التواصل بين شبابنا وإخوانهم العرب، ولما فتحت الجامعات حرصوا-لذات السبب- ألا تشمل كل التخصصات .. وثمة بلاد عربية كان من أهلها فرق عسكرية كاملة ضمن قطاعات الجيوش الأوروبية الغازية شاركت في قتال أبناء جلدتها واحتلال أوطانهم ومنها فلسطين، فيما لا تجد مثل هذا في (تساهال) ولا ينظر الفلسطيني إلى هؤلاء إلا كضحايا .. فليس أقل من ترك الكذب والافتراء ولوم الضحية وسيف الجلاد يقطر من دمها .. ختاما أعود و أقول بأنني أشعر بضيق شديد لأنني مضطر لإعادة التعريف بما يفترض أنه معروف ومفهوم ومستوعب.

 

مع مذكرات أخطر سفير إسرائيلي في مصر (1)

لدي قناعة أن ذهاب أنور السادات إلى خيار التسوية مع إسرائيل؛ و زيارته المشؤومة إلى القدس في 1977 وصولا إلى توقيع اتفاقات كامب ديفيد في 1979 ه...