الأربعاء، فبراير 24، 2021

زهير الجزائري و(هُم).. تشابه الظلم وربط المنشأ بالاستبداد

 

 

الجزائري وكتابه

 

مع تنوع الأقطار تحسّ أن عشرات الملايين بل أكثر من الأحياء والأموات جمعهم الوقوع تحت سوط الظلم وتغوّل الفرد وصندوق مغلق من الرعب والقهر.

في  كتاب (أنا وهم) للكاتب العراقي (زهير الجزائري) الذي وضع فيه لمسة الأديب كونه كاتب روايات، مخلوطة بأسلوب الصحفي، وهو الذي امتهن الصحافة زمنا طويلا، وعمل مخرجا تلفزيونيا أيضا، ومزجها بفكره؛ كونه تأثر بأخواله الشيوعيين، وانخرط في الحركات اليسارية، وما كان لتجربته الشخصية المليئة بالخوف والهواجس والحقد الذي لا يخفيه أن تغيب عن صفحة من صفحات الكتاب إلا لتعود بكثافة في صفحات أخرى.

الكتاب صادر عن (دار المدى للثقافة والنشر) في بيروت وأولى طبعاته كانت في 2013 أي بعد سنتين من ثورات الربيع العربي وبداية الثورات المضادة، وعدد صفحاته 144 من القطع المتوسط.

زهير الجزائري من مواليد النجف (1943م) وعاش غربة قسرية عن وطنه مدتها 24 سنة وهو حاصل على شهادة في الأدب الألماني من جامعة بغداد ودرجة أخرى في اللغة الإنجليزية من جامعة كامبريدج.

وهذه الثقافة والسيرة ستنعكس على كتابته وإيمانه بقيم ومفاهيم الديموقراطية من المنظور الغربي كقيمة معيارية، ولكنه لم يلتزم هذا المعيار من ناحية أخرى كما سنرى.

 

   القرى النائية والصحراء

 

يشير الكاتب إلى أن الضباط الذين حكموا دولا عربية عدة قد جاءوا من مناطق صحراوية أو قرى نائية منسية، وكانت المدن شيئا مكروها عندهم لهذا السبب، فعملوا على هدم وتخريب ما فيها من مؤسسات وتنوّع وغير ذلك، فهم سعوا إلى فرض ما أسماه الجزائري (التماثل القسري) على المجتمع.

تتكرر فكرة أصول ومنابت الحكام وتأثيرها على سلوكهم وسياساتهم في مواضع عدة في الكتاب وكأن الكاتب يريد تثبيت هذه الفكرة/النظرية في وعي القارئ أو يحرص بشدة على تأكيدها في تقييمه وتحليله لدوافع الحكام النفسية، بل يذهب بعيدا في هذا الإسراف عند حديثه عن قصر صدام حسين ومحتوياته من الرياش مثلا في ص112 يقول((...الذوق السوقي للطبقة الريفية التي اجتاحت المدينة وتولعت بالأشياء معزولة عن محيطها)) وقد يكون زهير الجزائري ليس أول من سلط الضوء على موضوع (حكم الريفيين للمدينة) فقد سبقه أحد المقربين من صدام(أظنه مترجمه) الذي وصف نزول (التكارتة) إلى بغداد بأنه قد حوّل المدينة العريقة إلى قرية كبيرة.

ولكن لا يمكن للمرء أن يغض الطرف عن النفس العنصري البارز، بل الذي يسعى الكاتب لإبرازه، بجعل منشأ الفرد حاكما على سلوكه؛ علما أن لكل بيئة (ريفية أو صحراوية أو مدنية) خصالها العامة الحسنة، مثلما ثمة صفات مرذولة لأي تجمع، وليست المشكلة مع الحكام أصولهم، بل سياساتهم وسلوكهم الاستبدادي، وقدراتهم الفردية المثلومة التي لا تؤهلهم لرئاسة مجلس بلدي بله قيادة وحكم ملايين الناس يعيشون على أراض شاسعة لها تاريخ عريق وتتمتع بثروات هائلة...مع عدم إهمال الجانب(السوسيولوجي) في بحث ظاهرة الاستبداد بطبيعة الحال.

 شرب الخمر...أين زين العابدين؟!

 

مع أن غلاف الكتاب حوى صورة بالأبيض والأسود ضمت(زين العابدين بن علي وحسني مبارك ومعمر القذافي وعلي عبد الله صالح وصدام حسين) إلا أن الكتاب تناول في فصوله سير هؤلاء باستثناء زين العابدين، علما بأن أول ثورة شعبية قامت ضد نظام عربي في هذه الألفية وأسقطته كانت في تونس؛ فلم لم يخصص له ولو بضع صفحات؟

إن ما بدا لي تفسيرا لعدم تخصيص عنوان وبعض السطور لبن علي في الكتاب هو أنه  لم يأت من صحراء قاحلة أو قرية نائية، بل أتى من (حمام سوسة) وهي منطقة تختلف عن منابت المستبدين الآخرين في الكتاب، وقد بنى الجزائري نظرية تفسيرية لاستبداد الضباط تجعل أصولهم ومناطق ولادتهم ونشأتهم الأولى الدافع والمحرّك لما ظهر من طغيانهم؛ وفقط وبمرور عابر في ص10 يشير الكاتب إلى إحراق الشاب محمد البوعزيزي نفسه مما أدى إلى ثورة شعبية أطاحت بحكم زين العابدين بن علي، ويدخل بعدها في فصول الكتاب الذي تناول مبارك والقذافي وصالح والأسدين وصدام على التوالي.

 وقد لفت نظري حرص الكاتب غير مرة إظهار أنه يشرب الخمر(تارة ويسكي وتارة فودكا!!) في ليبيا أو اليمن مثلا؛ ولا أدري ما الداعي لهذه المجاهرة بالمعصية في كتاب يفترض أنه يتناول نتفا من سيرة حكام طغاة؛ هل السبب يا تُرى هو نوع من التحدي الذي يمارسه بعض الناقدين لمنظومات اجتماعية أو سياسية، استباقا أو استهتارا بما قد يقال عنهم، على غرار ما فعله الشاعر الأردني مصطفى وهبي التل(عرار) في بعض أشعاره:-

هـات اسـقـنـي قـعـوار ليس يهمني**قــول الوشــاة عــرار ســكـرانـان!!

أم لإظهار ذلك المفهوم والنظرة الليبرالية التي تأتي محمولة على التحلل من كل الالتزامات الدينية الداعية إلى تحرّي الحلال واجتناب الحرام ؟أم لتمرير رسالة رمزية أن هذه الأوطان المسكونة بالاستبداد والرعب دفعت أهلها بمن فيها المثقف والكاتب إلى معاقرة الخمر، هروبا من الواقع، أو سخرية منه؟أم أن زهير الجزائري ذكر شربه للخمر لكل هذه الأسباب مجتمعة وأسباب أخرى، ينبغي أن نسأله عنها؟!

 

صدام حسين...تحامل وحقد

 

لم يرحل صدام عن عرش العراق بثورة شعبية، بل باحتلال أمريكي، ويبدو أن الكاتب خط الكتاب قبل شنق صدام حسين، ولكن بعد أسره من الأمريكان، ويؤكد الجزائري أنه قد كتب عن صدام 1800 ورقة (فولسكاب) ولا يضع قارئه في حيرة، حين يؤكد أن صدام كان هاجسه وكابوسه وكان مشغولا به، وهو –في نظره- الديكتاتور الأسوأ وصاحب السجل الدامي مقارنة مع كل من ذكرهم في كتابه.

ومع ذلك فإن الجزائري وقع في خطأ في ص115 وهو يتحدث عن تماثيل صدام حسين، فواحد منها برأس عليه عمامة قائد عسكري((ربما خالد بن الوليد وهو أيضا من تكريت)) بالطبع القائد الذي ولد في تكريت هو الناصر صلاح الدين الأيوبي وليس الصحابي سيف الله المسلول خالد بن الوليد وهو قرشي مخزومي ولد في مكة المكرمة، وهذا الخطأ برأيي مرده اختلاط التحامل الشخصي بتقديم المعلومة والتحليل، ولا أدري إذا تم تصويبه في طبعات لاحقة أو تنويه من الكاتب.

خمسة نماذج

يرى الكاتب أن حسني مبارك لم يملك مغامرة جمال عبد الناصر ولا مغامرة السادات فتجمدت مصر في زمنه(طبعا لم يمدح سلفيه وإن ذكر تميزهما عنه) وأن الزمن كان شغله الشاغل وكان يتحايل عليه بصبغ شعره، وهاجس الاغتيال جعله غائبا عن الحضور بجسده خاصة مع كبر سنه.

أما معمر القذافي فإنه((أحب الجمهور ومسح الفرد)) وأراد أن يكون قائدا لثورة مستمرة مرسخا سلطة أبوية استبدادية، ومسح المؤسسات وأكثر من مشروعات الوحدة الفاشلة.

وعلي عبد الله صالح  هو (دحباش) غير متعلم جاء من منطقة نائية حيث تأكل الغنم الشوك بدل العشب وكان الجيش هو مخرجه من الفقر والفاقة وهو ابن عشيرة حاشد تمكن من دخول سلاح المدرعات وسيحكم اليمن لاحقا، لاعبا على العشائرية والتكنوقراط معتمدا على الأقارب أمنيا، مستخدما الاغتيالات للتعامل مع الخصوم أو المنافسين!

أما حافظ الأسد وابنه فلهما نصيب من حديث الجزائري، ومع أنه عاش 13 عاما في سورية ولكنه لم يلتق بهما، وحافظ تعلم وتدرب كيف تدار الانقلابات ولم يكن شعبويا مثل صدام حسين ولكنه عمد إلى الحضور في وعي الجمهور عبر الصور والتماثيل التي اختيرت مواقعها بعناية، ويعقد مقارنة بين الأب والابن(بشار) الذي نشأ وترعرع في مدينة وكان بعيدا عن أجواء المؤامرات والانقلابات، ولكن لم يكن الابن أقل دموية من أبيه فور اندلاع الثورة، فالسلطة تخلق إدمانا يقود إلى الإجرام.

ولذا كان آخر فصول الكتاب (أكثر من 20 صفحة) مخصصا لنصوص مختارة خطها فلاسفة وأدباء وكتبة أجانب عن (طاغية السلطة إلى النهاية) مثل أفلاطون وتشيخوف وتولستوي وشكسبير وماركيز وغيرهم، وبرأيي كان حاذقا في اختياراته واقتباساته.

 الكتاب سهل اللغة وسلس العبارة، ربما كل ما فيه معروف للقارئ العربي من حيث المعلومة بحد ذاتها، ولكن هناك العظة والاعتبار وتحفيز التفكير، وهي أمور يساهم فيها الكتاب بلا شك، مع ما ذكرته من تحفظات عليه.

،،،،،

تم النشر الثلاثاء  17 رجب 1442هـ ، 23/2/2021م

https://www.aljazeera.net/blogs/2021/2/23/%D8%B2%D9%87%D9%8A%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%B2%D8%A7%D8%A6%D8%B1%D9%8A-%D9%88%D9%87%D9%80%D9%8F%D9%85-%D9%88%D8%AA%D8%B4%D8%A7%D8%A8%D9%87-%D8%A7%D9%84%D8%B8%D9%84%D9%85-%D9%88

 

الاثنين، فبراير 15، 2021

الإسلاميون وخصومهم.. التوظيف الانتهازي للعلاقة بـ"إسرائيل"

 











الإسلاميون وخصومهم.. التوظيف الانتهازي للعلاقة بـ"إسرائيل"                                          

لعلكم تذكرون الضجة والهجوم الإعلامي الشرس على الرئيس د.محمد مرسي-رحمه الله- بسبب رسالة منسوبة إليه موجهة إلى شمعون بيريز رئيس الكيان العبري آنذاك, وبغض النظر هل كانت الرسالة مزورة أم بروتوكولية شكلية..فإن أوداج القوم قد انتفخت وهم يشتمون ويؤنبون د.محمد مرسي بسببها؛ إذ كيف تخاطب بيريز بكلمة(عزيزي) واتخاذ الرسالة المزعومة منصة لتخوين الرئيس هو والإخوان المسلمين وصولاً حتى إلى حركات مقاومة(مثل حماس) كانت ومازالت تضغط على الزناد.

وصلات الردح بسبب تلك الرسالة لم نشهد للقائمين عليها أي موقف له اعتبار أو قيمة فيما جرى بعدها(سنغض الطرف هنا عن مرحلة مبارك) وخاصة رعاية وتشجيع وانغماس عبد الفتاح السيسي في علاقات ودية تحالفية مع الكيان العبري؛ ولا ننسى أن مصطلح(صفقة القرن) كان اختراعاً سيساوياً مميزاً, كما أن اتفاقيات التطبيع أواخر فترة رئاسة ترمب بين الكيان العبري وبعض الدول العربية، كانت تحظى بتأييد فوري علني من السيسي وكأنه يريد أن يحوز على قصب السبق في الترحيب بالتطبيع.

ولكن الأبواق والشخصيات التي كانت تلبس ثوب الوطنية والقومية, ولم تبق في قاموس الشتم والمزايدة كلمة أو وصفاً قبيحاً إلا وأضافوه إلى اسم مرسي ومن معه أو من يحبه, أو من يرى ضرورة أن يعطى فرصة؛ وذلك بسبب الرسالة المزعومة, وأيضاً لأنه-وفق المزايدين- كان عليه أن يعلن الحرب على إسرائيل وإلغاء اتفاقيات كامب ديفيد.

وكأن مخزون الوطنية والقومية قد نضب وجفت منابعه عند القوم منذ وصول السيسي بانقلاب عسكري مكتمل الأركان إلى حكم مصر, فليس هناك أي انتقاد أو همس ولو ببنت شفة ضد الخطوات والإجراءات التي قام بها السيسي في التقارب السرّي والعلني مع إسرائيل والذي أصلاً بدأ بتنفيذها فعلياً بالتزامن مع انقلابه, حيث فرض حصاراً محكماً على قطاع غزة, وأنشأ مناطق عازلة على الحدود, وفي استغفال أو(استهبال) كان متشدقو المزايدة على مرسي, يروّجون أن السيسي يريد من حصاره لقطاع غزة الحفاظ على أمن مصر القومي وسيادتها... إلخ تلك الشعارات الواهية.

ولكن أمام تأييد السيسي العلني للتطبيع العربي مع الاحتلال, رأى القوم أن الأفضل حالياً هو الصمت، ولكن أمام هذه الحالة وجبت المقارنة بين تصرفاتكم وأقوالكم أيام مرسي, وبين موقفكم الحالي الصامت لأن السيسي لم يترك لكم مجالاً ولا ثغرة تتأولونها لتدافعوا عنه أو تزينوا له كما فعلتم بعيد انقلابه, اللهم إلا باعتبار أن هذه خطوات اضطرارية تكتيكية إلى حين تمكن السيسي من النهوض بمصر وحلحلة مشكلاتها؛ وكأن التكتيك والمناورة, حلال ومباحة فقط لمن أتى بانقلاب مشبوه, ومحرمة على المنتخب بطريقة نزيهة...مع أن السيسي هذه استراتيجيته وأكسجين بقائه، ولا علاقة بالمناورة والتكتيك بما يفعله.

في ظل هذه المعادلة البائسة لابد لنا أن نقول إن موقفكم المعادي لمرسي وتياره وأحبته, مرّده حقد أيديولوجي وسياسي, وليس بدافع العداوة للمشروع الصهيوني ونزعات وطنية وقومية عروبية, والدليل ما أوردته في السطور السابقة وهو غيض من فيض.

وعليه لا يمكن قبول ادعاءاتكم ومزايدتكم على أي طرف نعلم يقيناً أنه مبغوض عندكم بسبب أيديولوجيته أو مواقف سياسية معينة, فتقومون بفتح ملف علاقاته مع إسرائيل ومحاولة إظهار أن كراهيتكم له تعود إلى هذه المسألة وأن المكروه والمبغوض لو اتخذ من إسرائيل موقفاً متصلباً فلا عداء معه، ولا مشكلة.

ولكن هذا الادعاء يسقط ويصبح غير ذي قيمة، عندما نعيد مراجعة الموقف من د.محمد مرسي، فهذا هو الميزان والمعيار الذي يبرهن على زيف دعوى القوم...وأنا قياسا على ذلك أقول، أنه لو نجح الانقلاب العسكري في تركيا صيف 2016-والعياذ بالله- فإنه من المؤكد أن الانقلابيين سيكونون في حالة عشق مع الكيان، ويبنون معه تحالفا معاديا للمقاومة، بل لأي شيء من شأنه الدفاع عن كرامة الأمة، وما كنا سنجد القوم يعيبون على الانقلابيين، مثلما حالهم مع أردوغان اليوم والأمس، حيث يسلكونه بألسنة غلاظ...فإذا قلتم:أوترجم بالغيب؟ قلت:بل أضع ميزان القياس المناسب للمزايدين باسم العداء للكيان العبري بدثار القومية أو الوطنية، وأي ميزان أصلح من الموقف من د.محمد مرسي، مقارنة مع موقف القوم من تحالف السيسي المكشوف الذي لا يقبل المراء مع الكيان العبري، بحيث تبدو كامب ديفيد شيئا بسيطا مع ما قام ويقوم به...فبهذا نفهم موقفهم من أردوغان...فالقوم أعماهم الحقد، ولكنهم يريدون التستر بمقاومة لا يخوضون غمارها، بل ينتقصون ممن يقبض على جمرها.

فلا اعتبار لحديث القوم عن العلاقات التركية-الإسرائيلية وحجم التبادل التجاري بين الكيان وتركيا في عهد أردوغان، أو التذكير بما هو معروف من كون تركيا عضو في حلف الناتو وجيشها ثاني أكبر جيش فيه...ولا اعتبار لحديثهم عن قاعدة العديد أو السيلية في قطر، أو هجومهم الأخرق على د.يوسف القرضاوي، بعرض صور له مع حاخامات من ناطوري كارتا وهي حركة ضد الصهيونية أساسا، في وقت تجاهلوا تأييد ودعم الشيخ للمقاومة وأدواتها وأساليبها العسكرية.

فلو أن الرئيس أردوغان والأمير تميم طردوا قادة وعناصر حماس والإخوان المسلمين، وأغلقا مكاتبهم ومؤسساتهم في تركيا وقطر، وأعلنا أن هؤلاء باتوا في قائمة ما يسمى الإرهاب، ثم صارا ضيفين دائمين على نتنياهو وسائر الصهاينة، ودشن كل منهما تحالفا عسكريا مع الجيش الإسرائيلي، بالتزامن مع التواصل الدافئ مع السيسي، فإن المزايدين على تركيا وقطر الآن سيصمتون وقد يبررون، فهم لا يتكلمون بدافع كراهية الصهاينة، ولكن ميزانهم هو أن كل من يبني علاقة ودية أو حتى حيادية مع حماس والإخوان المسلمين عدوّهم بالضرورة، ويتم استحضار ذخيرة لهذا العداء غلافها العداوة للتطبيع...وأذكّر بما كان مع مرسي ثم ما صار مع السيسي!

وهنا لا بد لي من التأكيد، منعا لأي تأويلات؛ بأن التطبيع بل أي علاقة من أي مستوى بين أي طرف من الأمة والكيان الصهيوني مرفوضة قطعا، ولا يجوز لي أنا الفلسطيني تبريرها، سواء قام بها عربي أو تركي أو كوسوفي، تحت أي ظرف، فهذا شيء ثابت تماما عندي، إنما لن أكون مغفلا، بحيث أصطف في خندق من ليس مبدؤه الأساس رفض التطبيع، بل تحركه الكراهية التي يحاول أن يزينها بصبغة تبدو وكأنها تتوافق مع مبدئي الثابت.

أما بعض هؤلاء القوم بعدما انكشفوا فقد لجأوا إلى أسلوب المساواة والتعميم بالقول:كل الأنظمة مثل بعضها في تعاطيها مع شعب وقضية فلسطين؛ وأرد عليهم بلا تردد:والله ما أنصفتم ولم تنطقوا بالحق؛ فشتان بين من يذل المسافرين ومنهم المرضى والطلبة ويبتزهم ويتعمد جعل مشوار من بضع ساعات، عذابا يستمر أياما، ومن يحاول قطع شرايين الحياة عن غزة بإغلاق المعبر وإغراق الأنفاق، ومنع قوافل المساعدات، وبين من يقدم لها شيئا تسد رمقها، ولا نساوي بين من يتعامل معنا باحترام كرامتنا الآدمية عوضا عن رابطة الدين والعرق، وبين من يمعن في إذلالنا، ومن الحماقة والظلم أن نساوي بين من يسمح بشتمنا من سفهائه(وربما هو حرّضهم) وبين من يجعل منابره الإعلامية ساحة لنا لفضح الاحتلال وإبداء وجهة نظرنا.

فأصحاب النوايا الطيبة الغاضبون من التطبيع عليهم أن يحذروا ويميزوا بين من يهاجم التطبيع بدافع الحقد على سياسات وعلاقات معينة، وبين من موقفه المبدئي الثابت هو رفض التطبيع، وألا ينجروا إلى حماقة المساواة بين المواقف ووضع الجميع في سلة واحدة، حتى يأتي أمر الله.

،،،،،،،،

من قلم:سري عبد الفتاح سمّور(أبو نصر الدين الحنفي)-جنين-أم الشوف/حيفا-فلسطين

فيسبوك: https://www.facebook.com/sari.sammour

تويتر: https://twitter.com/SariSammour     @SariSammour  

مدونات:-

https://www.facebook.com/SammourBlog

http://sarisammour.blogspot.com

 تم النشر الجمعة 30 جمادى الآخرة 1442هــ ، 12/2/2021م

 

https://arabi21.com/story/1335545/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%D9%8A%D9%88%D9%86-%D9%88%D8%AE%D8%B5%D9%88%D9%85%D9%87%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%88%D8%B8%D9%8A%D9%81-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%86%D8%AA%D9%87%D8%A7%D8%B2%D9%8A-%D9%84%D9%84%D8%B9%D9%84%D8%A7%D9%82%D8%A9-%D8%A8%D9%80-%D8%A5%D8%B3%D8%B1%D8%A7%D8%A6%D9%8A%D9%84

 


الخميس، فبراير 11، 2021

كيف ستواجه المنظّم بغير المنظّم؟

 كيف ستواجه المنظّم بغير المنظّم؟















كيف ستواجه المنظّم بغير المنظّم؟  

                                          بقلم:سري سمور

كثرة وتتابع الإخفاقات، وتضخم الإحساس بالإحباط، والشعور باللاجدوى، ومرارة طعم الهزيمة، وألم العجز، عوامل وأسباب تدفع طيفا أو أطيافا من الناس إلى ما يرونه ابتكارا سينقذ السفينة من غرق محتوم، أو هو دواء لكل داء.

ومن ذلك الدعوات إلى التخلي عن التنظيمات، وأقصد بها هنا أي تشكيلات لها عمل منظم، مثل الحركات والأحزاب، التي تعمل ضمن إطار له هيئاته ولوائحه وقيادته وطبقاتها، والركون بدل ذلك إلى العمل الفردي، أو ما يرونه النشاط المستقل.

مع تفهمنا لدوافع  هذه الدعوة أو الفكرة، والمذكورة في صدر المقال، يضاف لها الرغبة في التجديد، والخروج عن نمطية صبغت العمل والنشاط المنظّم، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه تلقائيا:كيف يمكن مواجهة قوى ومؤسسات منظمة قلبا وقالبا، ولها هياكل تنظيمية مرعبة، بجهد فردي عفوي؟فإذا كانت التنظيمات قد فشلت وعجزت، حتى الآن، عن تحقيق اختراق أو إنجاز يتناسب مع التضحيات والحقبة الزمنية للعمل، فكيف سيكون حال من ليس منظّما؟أم أن دعاة هذه الأفكار لديهم ترف التجربة كي يعيدوا إنتاج اليأس؟!

طبعا هناك ظنون بأن نوايا وارتباطات بعض أصحاب دعوات (اللاتنظيمات) ليست بريئة، ولكن بعيدا عن ذلك دعونا نتناول في السطور التالية نموذجا حيّا قريبا لعله يقيم الحجة على القوم!

 

 

محمد علي وكسر حاجز الخوف

 

حين ظهر الفنان والمقاول المصري(محمد علي) عبر مواقع التواصل في فيديوهات تحدث فيها عن فساد المؤسسة العسكرية في مصر، وفضح قيام السيسي ببناء قصور رئاسية فخمة، في ظل الفقر والمعاناة التي تـنهش عموم المصريين، لفت الرجل نظر جميع المتابعين ليس للشأن المصري فقط، بل الباحثين والمهتمين بقضايا التغيير والعمل السياسي، وقد توّجت هذه الظاهرة غير المسبوقة بنجاح دعوات للتظاهر في أيلول/سبتمبر 2019 في عدة محافظات مصرية، في مشهد كان الأول من نوعه منذ سنوات، خاصة أن المتظاهرين هذه المرة طالبوا علنا بسقوط السيسي ونظامه، وليس بتحسين ظروف الحياة والمعيشة فقط.

نعم، لقد نجح فنان ليس من نجوم الفن البارزين، ومقاول كان ينفذ أعمالا لصالح الجيش، وغير معروف بوجود نشاط سياسي له، بدفع مجموعات لا يستهان بها من المواطنين، إلى رفع صوتها، وكسر حاجز الخوف، وهزّ ثقة النظام البوليسي بنفسه، وهو الذي استنفر كل أدواته الأمنية والأعلامية لتثبيط الدعوة إلى التظاهر، في وقت لاقت فيه الوسوم/الهاشتاغات التي كان محمد علي يطلقها عبر فيسبوك وتويتر وغيرها انتشارا وصدارة وكأن الرجل الذي يظهر في فيديوهات يبثها بجهاز هاتفه النقال من برشلونة  بأبسط التقنيات، ودون حتى مراعاة عوامل الإضاءة أو استخدام مؤثرات، هو مؤسسة أو دولة بحد ذاته.

   هل هو طفرة سياسية؟

 

كعادة النظام وأدواته في طرق التعاطي مع كل صوت معارض؛ فقد صنّفه إعلام السلطة على أنه(إخوان)  أو مدفوع منهم.

وواصل أسلوبه المعتاد بابتزاز ذوي المعارضين، فأحضر أباه إلى فضائية تابعة للنظام ليتبرأ مما يقوله ابنه، وقام بتنظيم مظاهرات مفتعلة وممولة لتأييد السيسي، وإجراء آخر متوقع هو رفع قضية على محمد علي ولكن هذه المرة ليس بتهمة العضوية في جماعة محظورة بل بتهمة (الخيانة العظمى)!!

هذا عن النظام، أما عن المعارضين له، فمنهم من لا يفارقه الشك والتوجس من كل ظاهرة جديدة، فألمحوا أو صرحوا أن محمد علي، قد يكون مدفوعا من النظام(أو أحد أجنحته المتنافسة) لاحتواء المعارضة وتوجيهها وتفريغ الكبت الكامن في الجمهور بطريقة تحت السيطرة والتحكم، أو تحقيق مكاسب سياسية لجهة أو شخصية في المجلس العسكري، مستندين في ذلك إلى عدم تصديق قدرة الرجل على مغادرة مصر إلى إسبانيا بهذه السهولة، وأن من يعمل في مجال مقاولات الجيش أو أي شيء يخصه يكون تحت المراقبة الشديدة، ولو أحسوا بوجود ذرة من عدم الولاء عنده لتصرفوا معه، وفي أحسن الأحوال فإن محمد علي تحوّل إلى معارض بسبب استحقاقات مالية يطالب بها الجيش أساسا، وليس لقناعة راسخة بفساد النظام وظلمه.

وجهات أخرى في المعارضة –أغلبية ظاهرة منها- فضّلت استغلال ظاهرة محمد علي وتجييرها لصالحها، بغض النظر عن بعض الأسئلة المنطقية، فشاركت في نشر الوسوم وفتحت له المجال عبر ما تمتلك من وسائل إعلام، ودبّج معارضون مقالات ترحب بالظاهرة الجديدة.

آخرون وجدوا في محمد علي فرصة وذريعة لمهاجمة التنظيمات والأحزاب السياسية التقليدية، ويضاف لها حتى من كانوا قد صاروا يعرفون باسم(شباب الثورة) نظرا لأن حال هؤلاء ليس على ما يرام؛ فمنذ مذبحة ميداني رابعة والنهضة صيف 2013 لم ينجح أهم حزب معارض، والذي كان منه أول رئيس جمهورية مدني انتخب بطريقة ديموقراطية لأول مرة، وهو حركة الإخوان المسلمين ومن لف لفيفها، في القيام بأي نشاط مؤثر يهزّ ويربك النظام، سوى وقفات هنا وهناك، ومعارضته للانقلاب العسكري صارت عبر الإعلام من فضائيات ومواقع تواصل، أما (شباب الثورة) فقط فوجئنا بما آل إليه حال (وائل غنيم) مثلا، والبقية إما اعتزلوا أو يقبعون في السجون أو يندبون حظهم، ويشتمون الإخوان بتحميلهم مسؤولية كل ما جرى!

والآن هذا محمد علي ليس عضوا في أي تنظيم أو تجمع استطاع القيام بما يمكن أن نسميه ثورة جديدة، وللرجل مزايا وصفات تختلف عن كل النشطاء السابقين:-

1) تلقائية في الكلام، وتصرفات تبدو خالية من أي كلفة، فهو يظهر وهو يدخن سيجارته، ويشير إلى أنه قبل البث كان يستحم لذا تظهر حمرة في عينيه، ردّا على ما روجته أبواق النظام من شربه للخمور، بل يهاجمهم ويقول ألا علاقة لكم بي إذا شربت أم لا...فهو –كما قالوا-يشبه عامة المصريين وسوادهم الأعظم، بعيدا عن المجتمعات النخبوية السياسية بكافة تلاوينها.

2) البعد عن الدبلوماسية التي كانت وما زالت سمة السياسيين المعارضين، خاصة انتقاء الألفاظ والأوصاف، فمحمد علي سخر بكلمات وألفاظ بالمصرية الدارجة من شخص السيسي ومؤيديه، بطريقة لاقت استحسانا وإعجابا.

3) واضح أن محمد علي خال من أية خلفية أيديولوجية، بل تبدو معرفته وثقافته السياسية بسيطة جدا، مما يعني أنه يمثل حالة وطبيعة كثير من الجماهير.

كل هذا شجع دعاة (اللاتنظيم) إلى التبشير بمرحلة جديدة وطريقة غير مسبوقة في الحراك، مع التذكير أنهم سبق وأن بشروا بها عند الحديث عن نشطاء شباب شاركوا في ثورة يناير 2011 وحاولوا بكل طريقة القول أن هؤلاء هم البديل الأنسب للأحزاب والحركات والجماعات والنظام القائم، متذرعين بأنهم متعلمين، وكأن قادة الأحزاب جهلة، وليسوا أساتذة جامعات وأطباء، وأنهم عصريون يتقنون استخدام التقنيات الحديثة، وكأن كوادر الأحزاب والحركات يعيشون في الكهوف أو الغابات حياة بدائية، وأنهم لا يحملون أيديولوجية، وكأن الأيديولوجية شيء معيب، وعار ينبغي غسله.

على كل بشّر هؤلاء بظاهرة محمد علي وأنها هي التي ستنهي النظام العسكري، وتذيب الأيديولوجيات وتعلن فعليا انتهاء عصر التنظيمات!

 

الإحباط وحقيقة الحاجة إلى تنظيمات

 

ولكن (الجمعة المشمشية) سرعان ما انقضت وذلك حين لم يكن هناك تجاوب مع دعوات محمد علي للتظاهر في 25/1/2020م وهو ما سبب له شعورا بالفشل، وأعلن اعتزاله، وبالطبع خرجت أبواق النظام متشفية بلؤم بعدم خروج مظاهرات، وحركات وأحزاب المعارضة التي تساوقت مع دعوات التظاهر ولو من زاوية نشرها والتحريض الإعلامي عليها، أصيبت بخيبة أمل.

هذا الاستعراض لظاهرة محمد علي نستخلص منه، ضرورة العمل المدروس والمنظم، وإذا ظهرت حالة غير منظمة، فهي شاذة، وستضطر إلى إيجاد صيغة تنظيمية(محمد علي كان يطرح سيناريوهات ومبادرات معظمها يشبه أفكارا سابقة) وإلا ستنتهي وتندثر، حتى لو لاقت وهجا وتحمس لها بعض أو كثير من الناس.

المشكلة ليست في التنظيم بحد ذاته، بل في أدواته وطريقة عمله وشكله(عنقودي أو هرمي) وهيكله وقيادته...وأكرر الفكرة التي أوردتها سابقا:لن تتمكن قوى غير منظمة من مواجهة كتلة منظمة ويشرف على تنظيمها ويمولها دهاقنة المخابرات الدولية ذوي الخبرة في الإجرام.

وجدير بالذكر أن أي شخص غير منظّم يمتلك مزايا أو كاريزما أو شجاعة، يكون الفضل أو الدورالأبرز لانتشاره والتعريف به، للقوى المنظمة الضليعة وصاحبة الخبرة في العمل...ومحمد علي وغيره أمثلة وشواهد...عموما قد أتحدث إذا اقتضى الأمر أكثر عن (بدعة) ترك العمل المنظم مرة أخرى، بمشيئة الله.

 ،،،،،

تم النشر الأربعاء  28 جمادى الآخرة  1442هـ ، 10/2/2021م

https://www.aljazeera.net/blogs/2021/2/10/%D9%83%D9%8A%D9%81-%D8%B3%D8%AA%D9%88%D8%A7%D8%AC%D9%87-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%86%D8%B8%D9%91%D9%85-%D8%A8%D8%BA%D9%8A%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%86%D8%B8%D9%91%D9%85%D8%9F

 





مع مذكرات أخطر سفير إسرائيلي في مصر (1)

لدي قناعة أن ذهاب أنور السادات إلى خيار التسوية مع إسرائيل؛ و زيارته المشؤومة إلى القدس في 1977 وصولا إلى توقيع اتفاقات كامب ديفيد في 1979 ه...