الجمعة، مارس 26، 2021

الموقف من إيران وتركيا نموذج واضح لتناقض العلمانيين العرب

 




الموقف من إيران وتركيا نموذج واضح لتناقض العلمانيين العرب

بقلم:سري سمور

 

تناقضات التيار العلماني العربي بكافة تلاوينه وفروعه كثيرة، ولا يمكننا أن نأتي عليها جميعا في مقالة واحدة، وكنت في المقالة السابقة قد تحدثت عن جزء من تناقضات العلمانيين، ولكن التناقض يتجلّى في أوضح صوره، حين ننظر إلى موقفهم من إيران وتركيا، لا سيما في السنوات الأخيرة.

 

إيران بين هجاء ومدح العلمانيين

 

 

حتى زمن ليس بعيدا كان العلمانيون العرب عموما، واليساريون، وطائفة من القوميين خصوصا، يستخدمون مصطلح(الخمينية) كما استخدمت لاحقا مصطلحات أو أوصاف مثل(الطالبانية والداعشية) في سياق الاعتراض على أي ظاهرة إسلامية ومهاجمتها، حتى لو كانت الظاهرة أو المجموعة أو الفكرة لا تتوافق مع إيران والخميني في جوانب مختلفة واضحة للعيان.

وامتزج هجوم تلك المرحلة بسخرية من التشادور الذي تلبسه عموم النساء في إيران، مع طعن مستمر ساخر من ولاية الفقيه، وإعلان رفض (حكم العمائم) وخطورته، وهذا وغيره كان يغلّف بما في جعبة القوم من أعمال فنية أو أدبية، ويضاف إلى ذلك التباكي على ما يرونه مظلومية الحزب الشيوعي(توده) في إيران.

ولكن هذا انقلب تماما بعيد أحداث الثورة السورية، حيث أن من كانوا إلى الأمس القريب يهاجمون إيران ويصفونها في كل مناسبة بـ(جمهورية الظلام) صاروا إلى تأييد غير مسبوق ومستهجن للنظام الإيراني، واحتفاء برجاله وسياساته، مع أن جوهر الإدعاء والشعار المرفوع سابقا، كان رفضهم لما يرونه(ثيوقراطية) أو مرجعية دينية؛ فهل تغير النظام القائم في طهران وغدا علمانيا، أم أن هؤلاء صاروا يتبعون الولي الفقيه؟

طبعا لا ننسى تباكيهم على الأهواز(الأحواز) والتذكير بين الفينة والأخرى بالجزر الثلاث(أبو موسى وطنب الصغرى والكبرى) إلى حدّ وصل فيه خطابهم إلى وضع هذه الأراضي إلى جانب فلسطين المحتلة، وذلك في سياق الخطاب الشعبوي الذي يتحدث عن الوطن العربي الكبير الذي تم احتلال أجزاء منه!

ولكن كل هذا انقلب تاريخا مؤرشفا، فقط لأن إيران قررت دعم ومساندة بشار الأسد؛ فصار معيار الانتماء القومي (العروبي) القويم أو الموقف الرافض للهيمنة في نظرهم هو:من يريد سقوط نظام الأسد، أو حتى يريد نوعا من الإصلاح والتغيير البنيوي فيه، فهو ليس عروبيا ولا مقاوما...وهذا انعكس على رؤيتهم لحركة حماس التي خاضت بعد الثورة السورية حربين مع الاحتلال الإسرائيلي، مع عشرات المواجهات المحدودة الأخرى، انطلاقا من أرض غزة، ولكن هذه الأعمال المقاومة الواضحة، لم تمنعهم من توجه الاتهامات لحماس في جوهر فكرها المقاوم، فقط لأنها لم تقف موقفهم من النظام الطائفي في سورية، وكأن معيار المقاومة ليس ما تقوم به من أعمال ضد الاحتلال بل ما هو موقفها من هذا النظام أو ذاك!

ولأن السيف أصدق إنباء من التهم الجاهزة؛ حيث أن أعمال المقاومة تتحدث عن نفسها،  فقد ابتكروا وأشاعوا عن وجود تيارات داخل حماس، وأن التيار المقاوم فيها يتبع النظام السوري!

وعلى أية حال فإنهم في معرض انقلاب موقفهم في التعاطي مع إيران؛ نسوا أو تناسوا كيف عابوا فيما مضى على من كان يرى-وهم عامة الإسلاميين- وحدة العقيدة والتاريخ والمصير بين العرب والفرس، والآن صار الفرس في دائرة القومية العربية، بمجرد وقوفهم مع نظام بشار الأسد، فأي تناقض عجيب يعيشه هؤلاء؟!

وهنا وجب علينا أن نتذكر سابقة وقوف أحد فروع(حزب البعث العربي الاشتراكي) مع إيران، بينما فرع الحزب الآخر حاربها بضع سنين حربا طاحنة، وكانت أصوات جزء من هذا التيار(العروبي) تتغنى بصدام حسين، باعتباره حامي بوابة العرب الشرقية، ومجدد(القادسية) وشوكة في حلق أطماع(أحفاد كسرى) في الأرض العربية!

وكان جناح البعث في دمشق يقف موقفا معاكسا...ولقد تباكوا على صدام لما شنق، وشنوا هجوما على (عمائم إيران) التي تشارك في احتلال العراق، ثم تخندقوا معها، ونسوا تمجيد ورثاء صدام، بسبب الموقف الإيراني من الأزمة السورية...فهل اكتشفوا شيئا جديدا عن صدام حسين؟أم هل رأوا أن وجهة نظر حافظ الأسد كانت صوابا فيما يخص إيران؟

 

 

مع أتاتورك وضد أردوغان!

 

 

القوميون العرب، صفقوا للانقلاب الذي نفذته جمعية الاتحاد والترقي وتركيا الفتاة وأزيح بموجبه السلطان عبد الحميد الثاني عن عرش السلطنة العثمانية، وتم الاحتفاء والخطابات المليئة بالمجاملة عند تعيين جمال باشا أحد أعمدة الانقلاب حاكما لبلاد الشام، وكما نعلم لم يطل شهر العسل، حيث سيصبح جمال باشا حائزا عند من صفقوا له بالأمس سفاحا، حيث أرسل العديد من العرب إلى المشانق...أسوق هذا للتأصيل  التاريخي لعشق القوميين العرب للانقلابات العسكرية، ثم حين يكتوون بنارها يولولون، وأيضا تفنيدا لزعمهم بأنهم يقرؤون الخريطة السياسية جيدا ويستشرفون المستقبل!

وكان القوميون العرب وما زالوا يقولون بأن السلطان عبد الحميد مستبد طاغية، ولذا لم يتورعوا عن دعم الانقلاب عليه، ولكن أين هي المشانق التي نصبها عبد الحميد في ميادين بيروت أو غيرها؟

فما تذكره وتشهد عليه أراضي البلاد العربية التي بقيت تحت حكم العثمانيين في زمن هذا السلطان، هو خطوط السكة الحديد، ومنع أو على الأقل تقييد هجرة اليهود إلى فلسطين، مع كل ما يقال عن فساد وتسريب للمهاجرين آنذاك، ولكن الوضع يظل أفضل كثيرا من المراحل اللاحقة.

وصار الهجوم على السلطنة العثمانية ووصفها بالاحتلال، باستدعاء جرائم جمال باشا في سنواتها الأخيرة، ديدن القوميين العرب ومن يتبعهم من علمانيي العرب كاليساريين وغيرهم.

ولكن في المقابل كان هناك احتفاء ودعوات لتقليد نهج كمال أتاتورك فيما يرونه تحديثا للدولة والمجتمع، ومدح أتاتورك وتركيا(الكمالية) في الدول العربية وصل حدّا بالغا من المبالغة، وهو ما أثار حزن وغضب الهاربين الأتراك المتمسكين، من بطش الكماليين إلى مصر وغيرها أمثال الشيخ(مصطفى صبري).

 المستهجن المستغرب هنا أن جمال باشا من مجموعة أتاتورك، وأيضا فإن أتاتورك تنكّر للعرب كثيرا، إلى حد إلغاء الأذان بالعربية، واستبدال الأبجدية اللاتينية بالعربية لكتابة اللغة التركية...ولكن كما قلت في المقال السابق، فإن العلمانيين العرب، ينظرون بإكبار وإعزاز أو على الأقل يبررون مواقف كل من يتخذ من الإسلام موقفا معاديا، قديما وحديثا!

ويحضرني هنا حوار في رواية للكاتب السوري الراحل(حنا مينة) أحداثها إبان الاحتلال الفرنسي يقول فيها  أحد شخصيات الرواية المفترض أنه (مثقف) عند ذكر السلطان عبد الحميد:لا رحمة من الله عليه!...أي هناك رغبة متجذرة في بث الكراهية للسلطان حتى في موته، وحتى إبان مواجهة الفرنسيين الذين هم أعداء دولته، والتي كانت قد انتهت في الزمن الذي تتحدث عنه الرواية...فلماذا يا ترى؟!

عندما نستعرض هذه الأحداث يمكننا بسهولة بناء فهم واضح لحالة الكراهية الشديدة للرئيس رجب طيب  أردوغان، وتمني كل شرّ وسوء له، وهذا ليس لما يتبجح به العلمانيون العرب بسبب (أطماع) أردوغان في الأرض العربية، بل لأنه لم يقف موقف إيران من النظام السوري، ولم يؤيد انقلاب السيسي، وتصدى لعصابات خليفة حفتر في ليبيا، ويسمح لأعضاء وقيادات من الإخوان وحماس بالإقامة في بلاده، وهنا ينبري القوم لاستحضار مظلومية العرب تحت الحكم العثماني، بل حتى تأييد مزاعم الأرمن للطعن في أردوغان.

ولمزيد من (البهارات) الدعائية يكثر العلمانيون العرب من الحديث عن عضوية تركيا في الناتو وعلاقتها بالكيان العبري، وهو ما تحدثت عنه بشيء من التفصيل في مقالي هنا في شباط/فبراير الماضي.

التناقضات المرئية في مواقف العلمانيين العرب من أي دولة أو شخصية، أكثر وأكبر من أن يحويها المقال، ولكن الخيط الناظم لمواقفهم، هو العداء للحالة الإسلامية العامة، ودعم الاستبداد والطغيان، وكل هذا ممزوج بادعاء العداء للإمبريالية والهيمنة الأمريكية...ولا يتسع المجال لتفنيد هذا الادعاء مع سهولة ذلك تفصيليا ولكن أكتفي بالقول أننا لم نجد في نزلاء غوانتانامو من يحمل فكرا علمانيا؛ وقوائم الإرهاب الأمريكية السوداء بشخوصها وتنظيماتها عموما من التيار الإسلامي؛ ولكن المنتفعين من الدعم الأمريكي بكافة أنواعه هم من التيار العلماني سواء على صعيد الأنظمة الرسمية، أو النخب والمجموعات، وأموال الدعم من USAID وغيرها لم تخصص لمن يوصفون بـ(الظلاميين) وعليه فإن على القوم البحث عن شعار جديد غير العداء لأمريكا وسياساتها ومخططاتها!

،،،،،،،،

من قلم:سري عبد الفتاح سمّور(أبو نصر الدين الحنفي)-جنين-أم الشوف/حيفا-فلسطين

فيسبوك: https://www.facebook.com/sari.sammour

تويتر: https://twitter.com/SariSammour     @SariSammour  

مدونات:-

https://www.facebook.com/SammourBlog

http://sarisammour.blogspot.com

 تم النشر السبت 6 شعبان 1442هــ ، 20/3/2021م

https://arabi21.com/story/1345763/%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%88%D9%82%D9%81-%D9%85%D9%86-%D8%A5%D9%8A%D8%B1%D8%A7%D9%86-%D9%88%D8%AA%D8%B1%D9%83%D9%8A%D8%A7-%D9%86%D9%85%D9%88%D8%B0%D8%AC-%D9%88%D8%A7%D8%B6%D8%AD-%D9%84%D8%AA%D9%86%D8%A7%D9%82%D8%B6-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%86%D9%8A%D9%8A%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A8

 


الجمعة، مارس 19، 2021

خواطر.. يتيم في مدرسة الوكالة

 



أتمنى أن تنشق الأرض وتبتلعني، تحمر أذناي، ويخفق قلبي بتسارع، وترتجف أطرافي، وأشتهي تحقق معجزة.. زلزال، أو أن يرمي أحدهم حجرا يسقط في غرفة الصف لينشغل الجميع عن الموقف.. وجنتاي تشتعلان، وبالتأكيد لو نظرت إلى المرآة لوجدت أنهما تحوّلتا إلى حبتي طماطم.

يسأل المعلم عن التلاميذ الذين مات آباؤهم؛ أي اليتامى، ولم يكن من بين نحو 50 تلميذا في الصف الثاني الابتدائي أحد تنطبق عليه الصفة المطلوبة سواي.

الصفة سببت لي الارتباك والخجل والخوف، الذي لا مبرر له سوى شعوري بالحرج، حيث لم يكن في كل صفوف المدرسة من الأيتام إلا من هم بعدد أصابع الكف الواحدة، فلم يكن اليتم قد أنشب مخالبه في الأطفال بعد، كما فعل في سنوات لاحقة.

يتطوع التلاميذ، فأنا بقيت متسمّرا في مقعدي، ولم أرفع يدي، بحماسة يشيرون إليّ، مع هتاف استكشافي سري أستاذ.. أستاذ سري.. أبوه ميت.

يناديني المعلّم إلى خارج غرفة الصف، يشير إلي أن أتبعه، وفي غرفة الإدارة يقول لي خذ يا سري، أمد يدي لتناول الغنيمة، إنها بلوزة (كنزة) من الصوف الرخيص لونها أخضر زيتي متدرج، ويطلب مني العودة إلى صفي، وفي الطريق نحو الصف الذي لا يبعد سوى أمتار قليلة، يزداد توتري مع كل خطوة أخطوها، وأشعر بحرارة مع رجفة في كل مسام من مسامات جسدي.

أدخل غرفة الصف وأنا أحمل الغنيمة اللعينة، وأشعر بأن الدم قد نزف من أذنيّ المحمرتين خجلا وارتباكا، فينظر إليّ أبناء صفي، أشعر بأن نظراتهم الممزوجة بالغبطة أو الحسد أو الفضول سهام تخترقني، تحيلني إلى سائل هلامي، فأسرح بخيالات بعيدة، وأتوهم أشياء جميلة وقبيحة؛ لكنها بعيدة عن الموقف.

ينصحني أحدهم أن أضع البلوزة-الغنيمة في حقيبتي المدرسية، ينهر المعلم التلاميذ لانشغالهم بي واستدارتهم نحوي، أجلس، فيتبرع جاري بمساعدتي في حشر البلوزة في الحقيبة، فتصبح حقيبتي أكبر من حجمها ومنظرها يلفت الأنظار.

خجلي لا يبرد، إنما تكوّمت في مقعدي وطأطأت رأسي، لعل التلاميذ أو المعلم ينسون، نظراتهم المشفقة والحاسدة والفرحة التي تحطمني، تجعلني أتناثر كحبيبات سبحة انقطع خيطها الناظم، ألملم الحبيبات بجلستي محني الظهر خافض الرأس محملقا ومتشاغلا بما تحت يدي، دفتر أو كتاب أو قلم.

مشكلتي وقتها أنني أمقت نظرات العطف والشفقة، تحت أي عنوان كان، ولأن هذه البلوزة تجسّد رمزا لليتم، وللفقر، أو لتعاطف ومعاملة خاصة معي، فلن ألبسها في اليوم التالي، وأصلا هم أعطونيها في نهاية الشتاء وبداية الربيع، فلبستها بعد مدة، حين قدرت أن الموقف برمته قد نسي، وحين لبستها خضت جدالا مع أمي، التي كانت تقول هناك دول تتسول، وأنت لم تتسول. وكانت أمي قد اشترت لي بلوزة أفضل منها، وأغلى ثمنا بالطبع.

كان هذا في النصف الأول من ثمانينيات القرن الماضي في مدرسة وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا).

واليتم شيء صعب، خاصة في ذلك الزمن، وفي بيئتي المحيطة تحديدا؛ ويزداد صعوبة وتعقيدا، حين تكون وحيدا لأمك، التي تدللك، وتحرص على أن تظهر بمظهر أفضل بوضوح ممن لم يذوقوا اليُتم، فهذا سيجلب لك غيرة، لا تقوى على تحمل تبعاتها، تتحول إلى حسد يمتزج أحيانا بغلّ، فتتلقى من الإهانة والضرب ما لن ينفع معه تدخل أحد المارين صدفة "حرام هذا الولد يتيم".

ليس اليتم فقط بل الوحدة وقلة (العزوة) تزيد معاناتك، فإذا أضفت لها شيئا من التفوق في الدراسة، فأنت في موقف لا تحسد عليه، خاصة إذا كانت أمك غرست فيك الاعتماد عليها لصدّ العدوان عنك، سيضربونك ويقولون بسخرية هس روح احكي لأمك.. روح اشتكي للأستاذ.

وحقيقة كان الأساتذة يردّون عني الاعتداءات بشدة حين أشتكي لهم، ويعاقبون بضرب يجعلني أشفق أحيانا على من آذاني، ولكن ماذا لو كانت الاعتداءات تفوق قدرتك على الشكوى عنها جميعا؟

سيقودك هذا إلى عالم خاص بك، موازٍ بالضرورة، وممتزج أحيانا مع العالم الحقيقي، وستكوّن مجالا خاصا بك قد يبدو غريبا، أو غير واضح لمن لا يتأمله، ومع أن أمي كانت من النوع الذي يسمى (الهليكوبتر) في تصنيف الآباء والأمهات؛ أي التي تحضر بكثافة في حياتي، بمتابعة ومراقبة وتدخل في كل صغيرة وكبيرة؛ لكن مجالي الخاص، ولو كان محدودا في مخيلتي، وما يمكن سرقته من وقت بعيدا عنها وعن العالم أجمع كان مجهولا بالنسبة لها، وهو المجال والحيّز الذي مكنني من الوقاية وتجاوز ما يمكن أن يصاب به من هو في وضعي من اكتئاب أو مجموعة من الأمراض والعقد النفسية.

قبل دخولي المدرسة كنت أقف وألعب مع مجموعة من الأولاد في عمري أو أكبر قليلا، قاموا بوضع ثعبان مقتول مربوط بسلك معدني على (سنسلة) عجوز تعيش وحيدة، ولما خرجت وسألت من فعل هذا؟ أمسكوا بي، وهم يضحكون بلؤم وتشف ها هو ها هو، فتلقفتني منهم بغضب شديد، وبدأت بضربي، لم يكن ألم الضرب بأقل من خوفي من منظرها، فالوشوم تملأ وجهها مع تجاعيد حفرتها السنون، وصوتها كان مرعبا، وفوق كل ذلك ما يمكنك تخيله حين ترى من أسلموك لها ينظرون لك، وهم يضحكون، وكأنهم تلقوا هدايا العيد، لربما كنت سأكون في حالة نفسية أفضل قليلا لو أنني فعلا شاركت في وضع الثعبان المقتول على جدار بيتها (السنسلة)، وبعد أن تعبت من ضربي هرعت باكيا إلى أمي، وبالكاد فهمت ما جرى، فأخذتني إليها، وهي تبكي وتشرح لها حرام عليكِ، هذا ابني ما ليش غيره، وهو ابن فلان الذي كيت وكيت، والأولاد أغروك به فانظري.. العجوز-رحمها الله- شعرت بندم شديد ربما يوازي ما سببته لي من خوف وألم، فأقبلت نحوي تحتضنني وتقبلني، وهي تقول يا ويلهم من الله غدروك.

حاولت إرضائي بإطعامي شيئا من ثمار شجر في حاكورة منزلها، رفضت الأكل، فأخرجت قطعة نقود معدنية حاولت أن تعطيني إياها، وبضغط من أمي أخذتها، واعتذرت العجوز بشدة من أمي، مع أيمان مغلظة بأنها لو كانت تعرف وضعي لما آذتني، ولو بكلمة، حتى لو هدمت الجدار، وتوسلت لأمي أن تكف عن الدعاء عليها، وأن يقتصر دعاءها على الأولاد الغادرين.

هذه الحادثة مضى عليها حوالي 42 سنة، وما زلت أتذكرها كأنها الآن. الغريب أنني لم أتحول إلى كائن متشكك بكل من حوله بسببها، ولا حقدت على العجوز، ولا على من قاموا بغدري بهذه الطريقة اللئيمة.

لكن الشيء المؤكد عندي أن ما يقال مطلقا عن (براءة الأطفال) يحتاج إلى إعادة نظر، وأن اليتم وعدم وجود شقيق (ذكر) لي أمر متعب للغاية، وسبب الكثير من المحن والمشكلات لي، ربما كانت قصة العجوز من بواكير تلك الإحن والمحن.

هذا الاستحضار للذكريات، والتي فكرت في جمعها في كتاب مطبوع، يدفعني لنشرها شعور طاغ يجتاحني هذه الأيام، وأنا الذي تجاوز مرحلة اليتم، وأصبح أبا وربّ أسرة، بأنني بحاجة إلى أبي، وأزيد أنني كلما تقدمت في السن أشعر بلسعات اليتم.. اللهم ارحم أبي واغفر له، واشف أمي وخفف عنها مرضها.

،،،،

،،،،،

تم النشر الخميس  4 شعبان 1442هـ ، 18/3/2021م

https://www.aljazeera.net/blogs/2021/3/18/%D8%AE%D9%88%D8%A7%D8%B7%D8%B1-%D9%8A%D8%AA%D9%8A%D9%85-%D9%81%D9%8A-%D9%85%D8%AF%D8%B1%D8%B3%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%88%D9%83%D8%A7%D9%84%D8%A9

 

 

 

 

الخميس، مارس 11، 2021

هل نحن فعلا عالة على الغرب والعالم؟!

 

هل نحن فعلا عالة على الغرب والعالم؟!

بقلم:سري سمور

 

 جائحة كورونا زادت من حدة جلد الذات في أوساطنا؛ وصرت تسمع عبارات ساخرة من قبيل:نحن ننتظر(الكفار) كي ينتجوا لنا لقاحا كي نعود إلى المساجد لندعو الله أن يخلصنا منهم ويهلكهم!

مثل هذه العبارات المسنودة بل العائمة فوق بحر من منهج ثقافي كامل، يصورنا دوما في موضع النقص والاستجداء والجهل، وأننا عالة أو حمولة زائدة مرهقة على هذا الكوكب                                        وأننا نهاجر إلى بلاد الغرب، ونأكل من خيرهم، ثم نتبنى(الإرهاب).

وتجد عند بعض أوساطنا (الثقافية) روحا عنصرية لا تجدها حتى عند عتاة اليمين العنصري في أوروبا أو أمريكا الشمالية ضد المهاجرين المسلمين والعرب، وتمتد السخرية والازدراء حتى تصل مقدساتنا، وتلك المقارنة السخيفة التي سبق وأن كتبت عنها هنا، بين علماء الدين وبين علماء العلوم التطبيقية والأطباء وغيرهم.

وتأخذ مرحلة جلد الذات مسارا أكثر سوداوية بوصفنا مجرد كائنات تستهلك ما ينتجه الآخرون، ويصل الحال ببعضنا، ومنهم مع بالغ الأسى من هو محسوب على التيار الإسلامي من يقول:لو أفاق العالم وكنا في خبر كان، فلن تخسر البشرية شيئا بل على العكس ستزول عنها أعباء وأفكار عنصرية واستنزاف موارد...إلخ!

وكي نناقش هذه الأفكار التي تجد رواجا وقبولا لا يستهان بحجمه لدى شرائح متنوعة عندنا، فهناك حقائق أقوى من ضجيجها.

  

   وظيفة الإنسان

 

لا بد في حمأة الغرق في التفكير المادي الجاف التذكير، بأن الإنسان استخلفه الله في هذه الأرض وأنه مخلوق لعبادة الله -جل وعلا- وليس فقط ليأكل ويتمتع كالأنعام:-

 

وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ(سورة الذاريات)

وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ(سورة محمد)

فيجب ألا تغيب هذه الحقيقة عن ذهننا، وهنا قد يقول قائل بأن العلم و العمل عبادة، نعم ولكن حسب مفهومك للعلم والعمل، ولكن تخيل لو أنك مشرك بالله، أو إنسان وثني أو لا تؤمن بوجود الله الخالق، أو تنكر البعث والنشور، وأنت تحوز على درجة الأستاذية في أي علم تطبيقي أو نظري من أعرق جامعات العالم، هل وضع كهذا يرضيك؟..فكر مليّا.

  

مَن سبب جهلنا وتخلفنا؟

بلا تردد أو طول تفكير فإن سبب الجهل والتخلف وعدم مواكبة عجلة التطور العلمي والتقني في بلادنا، سببه هو الغرب المتسلط؛ فأوروبا احتلت بلادنا، ونهبت ثرواتها وأذلت شعوبها وأزهقت ملايين الأرواح فيها، ولم تعمل على تطوير الصحة أو التعليم فيها، بل سلمتها إلى طغم دكتاتورية ترعى مصالحها، وورث الأمريكان دور الأوروبيين فحرصوا منهجيا على تقوية قبضة الاستبداد وتغوّل أجهزة أمنه وطغيانه، وحال هذا بالضرورة دون تطور المجتمعات والمؤسسات، وما زال الأمريكان والغرب عموما خير من رعى الاستبداد...وفوق ذلك أقاموا إسرائيل وما زالوا يدعمونها، ولكم أن ترجعوا إلى أي مصدر علمي رصين للاطلاع على حجم الكارثة التي تسببت بها هذه الخطوة الكارثية، وتأثيرها على مستويات التنمية المختلفة(سياسية واقتصادية وتعليمية واجتماعية...) في المنطقة...والكارثة مستمرة.

وفي حين ينعم الغرب بنظم عمادها الديموقراطية وتكافؤ الفرص والشفافية،يمنع الغرب  بوسائل تأثيره الناعمة والخشنة، أن يكون لنا شيء من هذه الأشياء التي نمدحها ونتمناها عندنا.

فسياسة الغرب الثابتة- ولو سمعنا منه تصريحات إعلامية مخادعة- هي بناء وتبني الأنظمة الديكتاتورية وتقديم كل الدعم لها سياسيا وأمنيا واقتصاديا، وإذا كانوا يعطون لبعض منا حق اللجوء السياسي، فإنهم في المقابل يسندون من كانوا السبب بتحوّل هؤلاء إلى لاجئين مشردين من أوطانهم...تذكروا هذه الحقيقة.

 مساهمتنا ليست بسيطة

المجهود الحربي لبريطانيا ساهمت فيه الهند ومصر اللتان اكتوتا بنيران احتلال الإنجليز؛ والمساهمة كانت في الموارد والثروات المنهوبة والعناصر البشرية التي كانت ضرورية في الحرب، وفي الحربين الكونيتين فإن الأفارقة ومنهم مسلمون وعرب شمال أفريقيا دفعوا من ثرواتهم ودماء أبنائهم ثمنا باهظا لا يمكن أن يعوّض في مجهود فرنسا الحربي.

وإذا كان علينا نسيان هذا الماضي، مع أنه يجب ألا يغيب لحظة عن ذاكرتنا، كي نتخلص من عقدة النقص، ونتوقف عن جلد الذات؛ فلنتذكر الرئيس الفرنسي ماكرون في خضم جائحة كورونا حين سأل مجموعة من الأطباء من أين أنتم فتبين أن معظمهم من العرب والمسلمين:-

https://www.youtube.com/watch?v=4zbY4Ft8-Ig

هذا المشهد غيبه بعض المتثاقفين عندنا، وشرعوا يدافعون عن ماكرون، وينتقدون دعوات مقاطعة المنتجات الفرنسية، بعد تطاول ماكرون على أعظم إنسان، بإصراره على نشر الرسوم المسيئة له، صلى الله على سيدنا محمد...وهو بهذا يسيء إلى شريحة من مجتمعه وليس فقط إلى جزء مهم من العالم، وهذه الشريحة تساهم في علاج المرضى، وتحريك عجلة الاقتصاد.

وبالتالي ليس كل المهاجرين إلى بلاد الغرب ينتظرون صرف بدلات البطالة من الدولة، ويعيشون عالة هناك، فهم لهم مساهمات وبصمات واضحة في العلوم والطب والاقتصاد في البلاد الغربية التي هاجروا إليها...ولولا ويلات الاستبداد والفقر التي سببها الغرب لما وجدت ما نسبته واحد في الألف منهم يفكر في ترك وطنه.

كما أن البلاد الأوروبية هرمت وشاخت وتحتاج إلى دماء جديدة، فالمنفعة متبادلة، كما أن هناك أعمالا أو مهنا يقبلها المهاجرون ولكن يأنف أو يتعالى عليها الغربيون؛ وهذا ما صرخ به مسؤولون ألمان قبل ثلاثين عاما في وجه النازيين الجدد...وبالتالي هم لم يفتحوا أبواب بلادهم للمهاجرين العرب والمسلمين حبا وكرما بقدر ما هي مصلحة لهم...والدليل أن بعض الدول الأوروبية تعاملت أجهزتها بل حتى صحفيين منها بكل وحشية وعنف مع المهاجرين حتى الذين يمرون مرورا من أراضيها...ولكن لدينا من لا يرى في (الروم)  إلا وجها مشرقا ويدا حانية ومدينة فاضلة!

الثمن مدفوع...والبضاعة صينية

في ثمانينيات القرن الماضي وما قبلها كنت تجد كثيرا من البضائع اليابانية، والأوروبية والأمريكية في بلادنا، طبعا علينا التذكير أن اليابان لا تستقبل المهاجرين، ولكن حاليا لم تعد ترى سوى البضائع الصينية، وقلّما تجد سيارات أمريكية، فقد جاءت الكورية مكانها، لأن الأمر يتعلق بالتسويق والأسعار والحاجات، وبضائع الصين غزت أوروبا وأمريكا أيضا، ومن يذهب منا إلى الصين هدفه التجارة لا اللجوء هناك، كما نعلم، فهل نحن عالة على الصين مثلا؟

وسواء كانت البضائع أمريكية أو ألمانية أو صينية أو غير ذلك، فنحن لا نأخذها مجانا بل ندفع ثمنها، وندفع أيضا ثمن هيمنة الشركات العابرة للقارات على حريتنا السياسية، وقدرتنا على إدارة مواردنا والتصرف بثرواتنا.

وللتذكير فإننا معتدى علينا وحقنا مغموط، فيستكثر بعضنا أن ندعو على من ظلمنا وتسبب في نكبتنا، وزاد بؤسنا، ونحن هنا لا ندعو على من يسعى لابتكار شيء يفيد الإنسانية، بل على من يدعم إسرائيل، ويسند الطغاة عندنا، ويرسل طائراته لتقصف وتقتل أطفالنا.

كما أن لنا منجزات علمية عظيمة  لما قبلها، وبنى الأوروبيون على منجزاتنا، فهذا صنو الحضارة الإنسانية، ولا أقوله من باب التفاخر الفارغ.

لدينا مشكلات وعيوب كثيرة أفرادا ومجتمعات، ولكن يجب ألا نضع أنفسنا في خانة الخواء المطلق، ولنثق أننا لسنا عالة على العالم ولا عبئا على الكوكب، وثبت عمليا أنه حين نأخذ فرصتنا أو قليلا منها نسهم كثيرا في الحضارة الإنسانية، مع فارق أن إسهامنا لا يقوم على الاعتداء والسرقة والنهب، ويستظل بإيمان بالله تعالى وحملا لما كلفنا الله به في الحياة الدنيا.

 

،،،،،

تم النشر الأربعاء  26 رجب 1442هـ ، 10/3/2021م

https://www.aljazeera.net/blogs/2021/3/10/%D9%87%D9%84-%D9%86%D8%AD%D9%86-%D9%81%D8%B9%D9%84%D8%A7-%D8%B9%D8%A7%D9%84%D8%A9-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D8%A7%D9%84%D8%BA%D8%B1%D8%A8

 

 

الثلاثاء، مارس 09، 2021

تناقضات التيارات العلمانية العربية في موقفها من التيار الإسلامي

 


 

 لعل أحد أبرز معالم تيار أو جماعات أو نخب القومية واليسار العربي عموما، هو تبنيهم موقفا وخطابا مضادا للحالة الإسلامية العامة، أيا كان من يمثلها، وظهور حالة تناقض بين الشعارات المرفوعة، أو حتى الحجج والمبررات التي يجعلون منها تعليلا لمواقفهم المتناقضة وبين المسالك والسُبل التي يمشون فيها في واقع حالهم.

هل عليّ أن أفصل بين اليسار وبين القوميين؟لا، بالتأكيد، بل أضيف إليهم بلا تردد من يسمون أنفسهم بالتيار المدني الذين يرفعون شعارات ويجاهرون بفلسفات مأخوذة من اللليبرالية الغربية...وعلى كل حال فإنه مهما كانت الفروق والخلافات وحتى الخصومات بين هؤلاء فإن ما يجمعهم هو العداء أو الخصومة أو النفور من التيار أو التجمع أو المسار الإسلامي الغالب قديما وحديثا.

ولقد أظهرت ثورات الربيع العربي وما بعدها من ثورات مضادة طبيعة تقديم هذه التيارات أو الجماعات (قومية ويسارية ومدنية...إلخ) عداوتها وغلّها وحقدها على الإسلاميين وما يمثلون على كل شيء آخر، بما في ذلك ما دأب منظروها على التظاهر بأنه شغلهم الشاغل وهو مقدم على ما سواه؛ كالعداء للإمبريالية والرجعية بكافة تلاوينها.

فقبل الربيع العربي أو عقدين من الزمان، ظهرت بوادر تبشر بإيجاد أرضيات مشتركة يقف عليها هؤلاء مع  الإسلاميين، نظرا لتزايد وتعاظم الأخطار التي تتهدد الأمة في جوهر وجودها وكينونتها، والتي تتطلب وحدة الحال لمواجهتها وصدّها؛ وقد تم تنظيم فعاليات وبناء أجسام ومؤسسات تجسّد حالة التعاون المشترك، خاصة رفض التصهين والتطبيع الذي أتى محمولا على أجنحة وهم (تحقيق السلام العادل والشامل) وبناء شرق أوسط جديد تكون فيه إسرائيل هي المهيمن، وقد كانت تلك الدعوات محمومة في عهد الرئيس الأمريكي (بيل كلينتون).

ولقد أبرم الإسلاميون والقوميون واليساريون آنذاك بروتوكولات تفاهم وصيغ توافقوا عليها، من منطلق رفض التصهين أولا والرغبة في الخلاص من من الاستبداد والفساد وتغوّل الدولة القُطرية العربية ثانيا، وقدموا تصوّرا عاما أو مفصّلا حول ما يجب أن يكون عليه حال البلاد والعباد؛ ولعل جهود د.حسن الترابي-رحمه الله- في هذا التعاون كانت ملحوظة.

وكي لا أكون مجحفا وتجنبا لأن أبخس الناس أشياءهم؛ فثمة من كان منتسبا وناشطا في تلك التيارات وحافظ على الصيغ التي جرى التوافق عليها مع الإسلاميين، ولم يتنكب ولم يقدّم الخلاف الأيديولوجي على المساعي لإيجاد آليات وبروتوكولات تفاهم وتعاون مشترك؛ وأكتفي هنا بذكر الرئيس التونسي السابق أو الأول بعد الثورة على نظام الطاغية بن علي، د.محمد المنصف المرزوقي، كحالة مميزة وبارزة في هذا السياق، لا سيما وأن الرجل قد تعرض وما زال لحملة مسعورة وهجمة لا أخلاقية من قبل من يفترض أنهم ينتسبون إلى العلمانية مثله، وقذفوه بكل ما في جعبتهم من تهم، مما كان دليلا على أن هؤلاء معيارهم ومقياسهم وميزانهم هو حجم العداوة والبغضاء للإسلاميين بل حتى العداوة للإسلام ذاته، وليس ما يحمل المرء من أفكار ولو كانت هي جوهر شعاراتهم المزعومة.

أما عن التناقض الذي يميز هذه التيارات فستجد العجب العُجاب، ولكن سيزول العجب إذا أدركت حقيقة أن همّ القوم وشغلهم الشاغل، هو محاربة ومناكفة ومعاداة الحالة الإسلامية العامة أو السائدة.

فمثلا هم أبدوا تأييدا ظهر في أدبياتهم لحركة أو دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب في نجد، مع أن الدعوة والحركة وما نتج عنها لا تلتقي مع العلمانية لا في المنشأ ولا في الفكر ولا المسار، والعلمانية هي الأيقونة المقدسة عند هذه التيارات، التي دوما يقولون بأنها قد شوّهت من التيارات الإسلامية...تجدهم يحتفون بالحركة أو الدعوة الوهابية فقط لأنها تصادمت مع السلطنة العثمانية، والسلطنة كانت تجسّد الحالة الإسلامية الغالبة والسائدة، حيث تجتمع الأمة حول رايتها بمختلف أقاليمها وأعراقها؛ فقد نظر القوم إلى تلك الدعوة على أنها عربية ضد(التسلط أو الاحتلال التركي) كما دأبوا على تسمية العهد العثماني.

وإذا شئت ألق نظرة على كتاب(تاريخ العرب الحديث) لمؤلفه الأستاذ الجامعي (د.رأفت الشيخ) الصادر عن (دار عين للدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية-مصر) وهو كتاب معتمد للتدريس في غير جامعة عربية، كيف يحتفي بدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب وما نتج عنها احتفاء ظاهرا صريحا.

ولكن في المقابل فإنه ما من شتيمة مقذعة إلا وقذفوا بها الدولة السعودية ورموزها الدينية، بل لفترة طويلة كانت صفة(وهابي أو وهابية) تستخدم منهم لمهاجمة أي تيار إسلامي ولو كان على خلاف أو تناقض مع الوهابية، بل وصل الحال إلى مهاجمة أهالي السعودية عامة واستخدام كلمات وألفاظ غير لائقة بحقهم، مثل السخرية من كونهم (بدو) أو رعاة غنم و إبل؛ وذلك في تنكر واضح لقوميتهم المزعومة، لأن الجزيرة العربية هي جذر العرب وموطنهم الأصلي، فهذه سخرية من أصل العرب، كما أن الأنبياء رعوا الغنم.

وقد ظهرت السخرية والازدراء من أهل السعودية في أعمال فنية ودرامية مصرية، ولا داعي للتذكير بأن هذه الدراما تخضع لإشراف وتوجيه الدولة المصرية؛ فمنذ زمن جمال عبد الناصر وهو كما نعلم من الأيقونات المقدسة عند تلك التيارات، عرضت أعمال فنية تظهر الإنسان السعودي والخليجي عموما بأنه جاهل وغبي وشهواني، ووصل الحال إلى السخرية من لباسه الذي يحمل صفة(اللباس العربي)...كل هذا في الوقت الذي تحتفي به كتب ودراسات بالدولة السعودية والحركة الوهابية باعتبارها مظهرا متقدما للاستقلال والثورة على الحكم التركي...وهذه الكتب تصدر من القاهرة أيضا!

ولكي نقرب صور تناقض القوميين واليساريين العرب؛ نتذكر هجومهم على السعودية دولة ومؤسسات دينية وشعبا بسبب موقف المملكة من النظام السوري؛ ولكن لما وقع الانقلاب العسكري في مصر أيد هؤلاء بكل قوة وشماتة حاقدة الانقلاب وصار السيسي أيقونتهم الجديدة إلى وقت قريب، ولكنهم تغاضوا عن علاقة السيسي بالسعودية، بل برروها بأن السيسي يحتاج مال السعودية من أجل استنساخ(ناصرية جديدة) لا مكان لها سوى في مخيالهم؛ ولكن لماذا بررتم حاجة السيسي إلى مال السعودية ولم تبرروا حاجة قطاعات من السوريين وغيرهم لها؟!

وعلى ذكر السيسي وانقلابه، فقد كان هذا أكثر ما فضح انتهازية هذه التيارات وزيف شعاراتها؛ فهم الذين لطالما قالوا بأن الإخوان لا يؤمنون بالديموقراطية وتداول السلطة والشراكة، ومجموعة من التهم والكلمات المعلبة الجاهزة(الظلامية، والطالبانية والداعشية) في وجه(التنوير) المزعوم الذي يمثلونه.

فكيف يلتقي التنوير مع تأييد ومجاراة انقلاب عسكري؟وهل يؤمن العسكر بالشراكة وتداول السلطة؟لقد أيد القوميون واليساريون و(التيار المدني) ومن كان على نهجهم وفكرهم الانقلاب العسكري بل مهدوا له وشجعوا عليه، وتشفوا بشهداء رابعة والنهضة وتبنوا رواية العسكر، على أمل أن يتبنى العسكر مقاربة في الحكم تجعلهم واجهة حكم مدنية أمام المجتمع الدولي؛ أي هم يرضون بلا تردد أن يكونوا طلاء أو واجهة لانقلاب عسكري فاشي، ولما خاب سعيهم، ظلوا على تأييد انقلاب العسكر لعلهم يتكرمون عليهم بشيء من فتات الحكم، ولما تبين أن العسكر لا يعيرونهم اهتماما، وأن دورهم انتهى، وبدأوا بمضايقتهم، لم يعلنوا الاعتذار والبراءة من موقفهم، بل كانوا وما زالوا يقولون بأن ما جرى سببه هو مرسي والإخوان...فأي صفة تليق بهؤلاء؟!

ولا ينتهي الحديث عن تناقضاتهم وزيف شعاراتهم مثل الموقف من إيران وتركيا وغيرها ولكن هذا ما سيكون موضوع مقال قادم بمشيئة الله تعالى.

 

،،،،،،،،

من قلم:سري عبد الفتاح سمّور(أبو نصر الدين الحنفي)-جنين-أم الشوف/حيفا-فلسطين

فيسبوك: https://www.facebook.com/sari.sammour

تويتر: https://twitter.com/SariSammour     @SariSammour  

مدونات:-

https://www.facebook.com/SammourBlog

http://sarisammour.blogspot.com

 تم النشر الإثنين 24 رجب 1442هــ ، 8/3/2021م

https://d2v744ed8i77xg.cloudfront.net/story/1341198/%D8%AA%D9%86%D8%A7%D9%82%D8%B6%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%8A%D8%A7%D8%B1%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%8A%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D9%85%D9%88%D9%82%D9%81%D9%87%D8%A7-%D9%85%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%8A%D8%A7%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%D9%8A#author_1130

 

 

 

مع مذكرات أخطر سفير إسرائيلي في مصر (1)

لدي قناعة أن ذهاب أنور السادات إلى خيار التسوية مع إسرائيل؛ و زيارته المشؤومة إلى القدس في 1977 وصولا إلى توقيع اتفاقات كامب ديفيد في 1979 ه...