السبت، أكتوبر 09، 2021

الجمهور الفلسطيني بين المقاومة ومستقبل سياسي- اقتصادي موعود

 أحرر هذه المقالة في وقت تصطبغ فيه الضفة الغربية بدم الشهداء الطاهر؛ في بيتا/نابلس  وبرقين/جنين وبدو وبيت عنان/شمال غرب القدس، وتلوح في الأفق بوادر تصعيد في مناطق مختلفة من الضفة الغربية، وقد يرتقي مزيد من الشهداء وتتفاقم الأوضاع.

كنت في المقالة السابقة قد استعرضت جوانب من أوضاع الضفة الغربية قبيل أوسلو وبعيد تنفيذ أجزاء منه؛ ولكن ماذا عن أهالي الضفة الغربية، أي جمهورها الذي هو مفتاح وخزّان المقاومة؟ كيف نظر إلى الأوضاع في وقت تصاعدت فيه عمليات المقاومة التي تنفذها حركتا حماس والجهاد الإسلامي، ووجود اتفاق تسوية مع الاحتلال برعاية دولية قوية؟

لقد وفر الجمهور الفلسطيني في الضفة الغربية حاضنة للمقاومة وأيّد -عمومًا- عمليات حماس، خاصة أنها جاءت ردًّا على جرائم الاحتلال والمستوطنين؛ ولكن في ذات الوقت عانى الجمهور كثيرًا من إجراءات الاحتلال الانتقامية وسياسة العقاب الجماعي، والتي أخذت طابع التجويع. صحيح أن الأمور لم تصل إلى درجة نزعم فيها أن الناس، أو حتى بعضهم، صاروا مثل بعض الشعوب الأفريقية التي كابدت المجاعات بسبب الجفاف والحروب الأهلية، ولكن كانت الأوضاع الاقتصادية صعبة جدًّا.

فبعد كل عملية تنفذها حماس أو الجهاد الإسلامي كان الاحتلال يفرض إغلاقًا وحصارًا يمنع بموجبه العمال من التوجه إلى داخل (الخط الأخضر)، وأعداد هؤلاء مع الأسر التي يعيلونها كبير لدرجة أن الدورة الاقتصادية المتواضعة أصلاً تتعطل بتعطل عملهم.

وهنا يطرح سؤال مؤلم نفسه: ألم يكن من الخطأ، بل الخطيئة، أن يعتمد شعب تحت الاحتلال على العمل عند المحتلين، مما ساهم في بناء اقتصادهم، بل إن الأجور التي يتلقونها ستعود إلى العدو، نظرًا لأن العمال وعائلاتهم سينفقونها  داخل الأرض المحتلة التي تعتمد في السلع الأساسية على ما ينتجه أو يستورده المحتل؟ الجواب:نعم، كان هذا خطأ وهو يتكرر حاليًّا بطريقة أخرى، ولكن كان لا بدّ من خطة شاملة، ولا تلقى على عاتق الفرد العادي مسؤولية قد تكون أكبر من تفكيره، وهو يريد إعالة نفسه وأسرته، وأيضًا كان يفترض بشعب واقع تحت الاحتلال أن يتبع نمط حياة متقشف وأن يكون شعاره (اخشوشنوا)، وسواء قبل أوسلو أو بعده، فإننا دخلنا نمط حياة استهلاكي يجعلنا أسرى قرارات الاحتلال وتحت رحمته؛ فماذا لو قطع عنا التيار الكهربائي؟ وماذا لو توقف الاحتلال عن توريد المحروقات؟ أقول هذا وأنا مثل سائر الناس، اعتدت نمط معيشة يصعب عليّ التخلي حتى عن جزء منه.

وعامل الضغط الثاني على معيشة المواطنين كان من تبعات حرب الخليج الثانية؛ فقد تم طرد، أو إيقاف عقود عمل، مئات آلاف الفلسطينيين في الخليج، انتقامًا مما اعتبرته هذه الدول انحيازًا فلسطينيًا إلى جانب صدام حسين؛ علمًا بأن الناس هنا وقفوا مع صدام بسبب العدوان الأمريكي ولأنه قصف "إسرائيل" بالصواريخ، وليس شماتة أو تأييدًا لما قام به ضدّ الكويت وشعبها، وهذا يذكرنا بحقيقة مرة، وهي أنّ أيّ نزاع بين مكونات الأمة يدفع الفلسطينيون ثمنًا باهظًا له، وقد كانت تحويلات الفلسطينيين من الخليج، في وقت لم يكن فيه عولمة، وغلاء المعيشة أقل بكثير مما صار عليه اليوم، تعيل أقاربهم، بل بعض العائلات تعتمد عليهم في معيشتها حدّ الرفاهية؛ والآن توقفت التحويلات، بل إن من معه حق الإقامة عاد إلى البلاد، وهذا يعني مزاحمة الناس المقيمين على موارد هشة ضعيفة لأرض محاصرة من العدو ومصادر الرزق فيها شحيحة ومحدودة، بل اندلعت أحيانًا بعض المشكلات الاجتماعية العائلية، بسبب ملكية البيوت التي أراد القادمون الإقامة فيها بحكم ملكيتهم لها كليًّا أو جزئيًّا.

وثالثة الأثافي هي أن العقوبات الخليجية طالت الدعم المقدم إلى "م.ت.ف"، وهذه كانت تقدم عبر قنوات ومؤسسات دعمًا لسكان الداخل، وتوفر منحًا دراسية للعديد من الطلبة، إلى درجة يمكن القول إن كثيرًا من الأهالي لم يكونوا يحملون همّ أقساط الدراسة الجامعية لأبنائهم، سواء في الداخل أو الخارج، ولكن تلك العقوبات أدخلت المنظمة في أزمة مالية شديدة جدًا، فهي كانت تتلقى دعمًا من العراق ودول الخليج، وصار العراق محاصرًا جائعًا، ودول الخليج تمارس الانتقام، وعلينا هنا أيضًا أن نسأل:هل كانت العقوبات الخليجية بإيحاء أو توجيه غربي (أمريكي خاصة) لدفع "م.ت.ف" إلى قبول أي حلّ سياسي، خاصة أنها لم تعد تستطيع توفير رواتب ومخصصات منتسبيها والمتفرغين للعمل في مؤسساتها وأذرعها المنتشرة في البلاد العربية من مدنيين وعسكريين؟ كل المؤشرات تقول بأن هذا وارد جدًا، وقد تكشف لنا الأيام أسرار تلك العقوبات ومن ضغط، ومتى، وماذا كان هدفه!

في ظل الوضع الاقتصادي المذكور كان الاحتلال يزيد من عربدة قواته؛ فينشر الحواجز على الطرقات، والتي يتعرض فيها المواطن للإهانة المتعمدة، وكنت إذا اضطررت إلى دخول مقر (الإدارة المدنية) في أي منطقة لاستخراج بطاقة هوية أو تصريح أو غيره تتعرض إلى التفتيش المهين وصولاً إلى الضرب والشتم البذيء، مع انتظار قد يمتد إلى ساعات تحت أشعة الشمس الحارقة، أو زخات المطر.

وقد ابتكر الاحتلال عقوبات جديدة على المواطنين بهدف خنقهم وحصارهم وتحويل حياتهم إلى جحيم؛ وكنت إذا أردت السفر في حال سمح لك، فعليك استصدار تصريح، برسوم يجبيها المحتل، مدته شهر، وفي حال تجاوزت الشهر تمنع من العودة تسعة أشهر، ومع أن المواطنين قد تمردوا بدعم من قوى الانتفاضة وامتنعوا عن دفع الضرائب لسلطات الاحتلال، والتي كانت قد زادت قبيل انتفاضة الحجارة، ولم تفلح الحملات الأمنية في إجبار المواطنين على الدفع؛ إلا أن الاحتلال ابتكر وسائل عديدة، منها مثلاً إجبار المواطنين على تغيير لوحات سياراتهم الخصوصية العمومية، وهذا الإجراء مرتبط بحصول المواطن على براءة ذمة من الضرائب والرسوم وأثمان الكهرباء والمياه وغيرها، ومن أراد السفر أيضًا عليه فعل ذلك، أي أن سهم المقاطعة والتمرد قد ارتد بطريقة أو بأخرى إلى صدور المواطنين.

وعادت مظاهر الفوضى إلى الشوارع، وصار المواطن العادي يضيق ذرعًا بحالات (الزعرنة) هنا وهناك... كل هذا وهو ينظر بإعجاب إلى ضربات حماس الموجعة للاحتلال، وهي لا شك تفرحه وتسرّه، ولكن ضغط الواقع أقوى وأشد، وما أوردته في السطور السابقة غيض من فيض.

لذا أنا مع الرأي القائل بأنه لو تم تنظيم استفتاء شعبي حول اتفاق أوسلو فور توقيعه أو بعد التوقيع ببضعة أشهر أو في الأسابيع الأولى لبدء الانسحاب من المدن لكانت النتيجة هي أن الأغلبية ستصوت بـ(نعم) للاتفاق رغم كل ما يعرفه الناس أو يسمعونه عن مثالبه وعيوبه وخطورته على القضية.

فالمواطن أمام واقع معيشي صعب جدًا، مع أمل بإقامة دولة قنطرتها هذا الاتفاق، وليس هذا فحسب بل ثمة وعود برّاقة ليس فقط بتحسن الحالة المعيشية بل برخاء وازدهار وأن (سنغافورة) ستكون نسختها الثانية هنا؛ وكان التعليل الشعبي من المواطنين هو أننا شعب صغير العدد في الداخل، ولدينا عقول مبدعة، وكل العالم معني بنجاح العملية السلمية وخاصة الدول الغنية التي ستصب من خزائنها أموالاً تجعل حياة الفرد هنا مثل نظيره السويسري أو الاسكندنافي؛ ثم إن المدافعين عن الاتفاق في المهرجانات والندوات التي نظمت وكانت تبثها محطات تلفزة محلية وتابعها كثير من المواطنين كانوا يؤكدون على أنه (لا سلام دون القدس) وأن هذه مرحلة مؤقتة وانتقالية وفي حال عدم إيفاء الاحتلال بالتزاماته سوف نعود إلى الكفاح بكافة أساليبه.

وعليه كان المواطن الفلسطيني العادي لا يرى ما يقوله المعارضون دقيقًا بأنهم لو أيدوا الاتفاق فإنهم يستبدلون المال ورفاهية العيش الموعودة بثوابت وطنية.

إجمالا كان هذا حال الجمهور دون رتوش، بل حتى من عارضوا الاتفاق رغبوا في أعماق نفوسهم أن يتخلصوا ولو جزئيًا أو حتى شكليًا من الاحتلال الضاغط على حياتهم، وكان شعار(استراحة المحارب) يجد له تأييدا وصدى.. هذا مع أنك كنت تلاحظ أن المظاهرات والمسيرات والفعاليات المؤيدة والمعارضة للاتفاق في الشوارع والميادين تقريبًا متساوية في أعداد المشاركين، وهذا يعني أن الجمهور الفلسطيني دخل حالة استقطاب حادة صاخبة، للمرة الأولى في الداخل.

أما الفصائل والحركات والقوى الفلسطينية في خضم تلك الأجواء، فهي بمشيئة الله موضوع المقالة القادمة.

،،،،،

تم النشر

الأربعاء 22 صفر الخير 1443هـ، 29/9/2021م

https://alqudscenter.info/articles/%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%85%D9%87%D9%88%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D9%81%D9%84%D8%B3%D8%B7%D9%8A%D9%86%D9%8A-%D8%A8%D9%8A%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%82%D8%A7%D9%88%D9%85%D8%A9-%D9%88%D9%85%D8%B3%D8%AA%D9%82%D8%A8%D9%84-%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A-%D8%A7%D9%82%D8%AA%D8%B5%D8%A7%D8%AF%D9%8A-%D9%85%D9%88%D8%B9%D9%88%D8%AF

الضفة الغربية عشية (أوسلو) وبعيد توقيعه

 في المقال السابق (المقاومة في الضفة.. ملفات شائكة وأسئلة كبيرة) استعرضت وضع الضفة الغربية إجمالاً من الناحية الجيوسياسية من منظور الواقع لا رومانسية الآمال.

وعند نشر المقال السابق كان قد اعتقل أربعة من أسرى (نفق الحرية)، والآن عند كتابة هذا المقال اعتقل الأسيرين (أيهم كممجي ومناضل نفيعات) وبهذا يكون الاحتلال قد أعاد اعتقال الأسرى الستة متباهيًا بتحقيق (صورة نصر) أنفق عشرات ملايين الدولارات في سبيل التقاطها.

وأيضا أظهرت الردود والتعليقات بعيد اعتقال أيهم ومناضل أن ثمة حالة من الجهل أو التجاهل للظروف الموضوعية في الضفة الغربية، ولهذا سأواصل الكتابة الهادئة المتدرجة عن الضفة الغربية ومقاومتها بالبحث والإشارة إلى عوامل مفصلية وظروف تاريخية حاسمة.

الأوضاع قبيل أوسلو

مرت منذ أيام ذكرى توقيع اتفاق إعلان المبادئ بين "م.ت.ف" والكيان الصهيوني (13/9/1993) أو اتفاق أوسلو، وقد كان للاتفاق وما زال تأثير وتداعيات وتغيرات وتبدلات على واقع الضفة الغربية وبالتأكيد على طبيعة المقاومة فيها.

ولكن كيف كان حال الضفة الغربية عشية التوقيع على اتفاق أوسلو، والمراحل الأولى لتطبيقه؟

  • من المعروف أن انتفاضة الحجارة التي اندلعت في كانون أول/ ديسمبر 1987 واستمرت بوتيرة غير ثابتة حتى غداة توقيع اتفاق أوسلو في أيلول/ سبتمبر 1993 مع بقاء بعض جيوب المواجهات التي اتسمت بها تلك الانتفاضة (رشق الحجارة على جنود الاحتلال والإضرابات وكتابة الشعارات على الجدران...إلخ) قد خلقت وبسرعة وربما منذ الأسابيع الأولى لاندلاعها واقعًا جديدًا مختلفًا عمّا سبقه (لا داعي لاستعراض المرحلة السابقة للانتفاضة) في الضفة الغربية وقطاع غزة، ولكن غزة ليست محور حديثنا؛ فقد صار المواطنون يتجرؤون كثيرًا على سلطات الاحتلال التي كانت تعدّ عليهم أنفاسهم وتتحكم تمامًا بكل مناحي حياتهم المدنية قبل الانتفاضة، وتغيرت نظرة المجتمع إلى الأفراد ومكانتهم؛ فقد أصبحت قيمة الفرد ليس بارتباطه بهذا النظام العربي أو ذاك ولا بما معه من مال أو تحصيل علمي أو إلى الحسب والنسب، بل بما يقدمه من تضحيات واستبسال في ميدان المواجهات، وصارت الشهادة والإصابة والاعتقال هي أرفع الأوسمة الاجتماعية بوضوح.

وقد برزت قيادات جديدة حازت على محبة الجمهور وثقته من بوابة الانتفاضة، لا من الخلفية العائلية أو غيرها من الخلفيات التي سادت قبل الانتفاضة، كما أن الانتفاضة أنهت أو قلصت إلى درجة كبيرة ملحوظة مظاهر اجتماعية سيئة كانت موجودة علنًا في العديد من المدن والتجمعات السكانية مثل تعاطي المخدرات وشرب الخمور وبث الأفلام الإباحية في دور السينما (أغلقت دور السينما جميعها في بواكير الانتفاضة) أو ممارسات غير لائقة في المناسبات وحفلات الأعراس، وبعد الانتفاضة كان ينظر إلى من يمارس الممارسات غير الأخلاقية والمحرمة دينيًّا مثل شرب الخمر على أنه مشبوه أمنيًّا وفق قاعدة جرى تعميمها على الجمهور (الساقط أخلاقيًّا من السهل أن يسقط أمنيًّا).

لكن مع التراجع الملحوظ في حدة المواجهات وتدهور التعليم بسبب إغلاق سلطات الاحتلال للمدارس والجامعات فترات طويلة متواصلة، وما تولّد من أحقاد عائلية وشخصية بسبب ملف تصفية العملاء واستجواب المشبوهين، وتأثيرات حرب الخليج الثانية التي دمرت القوة العسكرية العراقية؛ طفت على السطح مظاهر جعلت قطاعًا لا يستهان به من الناس يطالب سرًّا وعلنًا بالعودة إلى روتين الحياة العادية مهما كان الثمن أو الحصاد السياسي.

ففي خضم المواجهات طلبت قوى الانتفاضة من عناصر الشرطة الفلسطينيين المنخرطين في سلك الشرطة الإسرائيلية تقديم استقالاتهم فورًا، ومن رفض الاستجابة كان يصنف في دائرة الخيانة، ويتعرض للملاحقة الخشنة من شبان الانتفاضة ونشطائها، وامتنع الفلسطينيون في عموم الضفة الغربية عن تقديم شكاوى إلى الأجهزة والمؤسسات الإسرائيلية، وشكلت لجان محلية لفض النزاعات وإحلال ثقافة الصلح والتسامح بين المتخاصمين، مع التنويه إلى أن النزاعات والخلافات كمًّا ونوعًا كانت أقل بكثير جدًّا مما باتت عليه اليوم، بل اعتبرت أي خلافات لا تنتهي بالصلح والوئام، خدمة للاحتلال وإعاقة لأهداف الانتفاضة.

لكن مع تراجع زخم الفعل الشعبي في الانتفاضة والعوامل السياسية والاجتماعية التي ذكرتها آنفًا، عادت النزاعات والثارات بطريقة ملحوظة وبزخم لم يشهده الشارع الضفاوي لا قبل الانتفاضة ولا في أوجها، وانتشرت الأسلحة النارية بيد عائلات وأفراد، وتفشت مظاهر الاستزلام، مما جعل الشعور بفقدان الأمن والأمان طاغيًا على عامة الناس... وأيضًا لم يعد النضال وما يتولد عنه هو القيمة الوحيدة للتميز، فقد عادت المكانة لمن يملك المال أو الدرجة العلمية مثلاً، لتزاحم مكانة المناضلين التي كانت مطلقة في تسيّدها للمشاعر والاهتمام الشعبي!

  • بالتوازي مع ذلك كانت هناك ظاهرة (عسكرة الانتفاضة) والتي يمكن القول أنها برزت بوضوح في 1990 ولاحقًا له، في حالة تطغى على ما سواها من مظاهر العمل ومشهد الانتفاضة العام، وتزايدت مظاهر العسكرة بعد ذلك حتى لربما صارت هي المظهر الوحيد للانتفاضة، وتتلخص الظاهرة بإفراز الفصائل الفلسطينية الرئيسة مجموعات وخلايا مسلحة بمسدسات وبنادق، تقوم بعمليات مثل تصفية العملاء والجواسيس وإطلاق النار على قوات الاحتلال والمستوطنين، وطبعا يصبح أفرادها على رأس قائمة المطلوبين لسلطات الاحتلال التي كانت تقوم بتصفية واعتقال أفراد هذه الخلايا.

ولكن التحوّل الأبرز كان تشكيل حركة المقاومة الإسلامية "حماس" جناحًا عسكريًّا ضاربًا عمل في الضفة الغربية وقطاع غزة ومناطق فلسطين المحتلة عام 1948 واتسم عمله بالسرّية الشديدة والتمحيص الدقيق عند اختيار العناصر، ورغم تعرض هذا الجهاز الضارب لحماس لحملات شرسة محمومة من مخابرات الاحتلال وجيشه، كان قادرًا على تجديد نفسه باستمرار والعودة إلى الضرب  من جديد وبقوة أكثر مما سبق.

وقد أدخل على العمل المقاوم داخل فلسطين المحتلة أعمالاً نوعية غير مسبوقة تقريبًا؛ مثل خطف جنود إسرائيليين للمطالبة باستبدالهم بأسرى فلسطينيين خاصة الشيخ أحمد ياسين الذي كان معتقلاً ومحكومًا بالمؤبد، ومع أنه لم تنجح أية عملية تبادل في تلك الفترة، ولكن هذا النوع من العمليات (أغلبها نفذتها خلايا حماس من الضفة والقدس) رفع الروح المعنوية للفلسطينيين كثيرًا، وأيضًا عمليات اختراق لجهاز المخابرات الإسرائيلية (الشاباك) حيث يتظاهر أفراد من حماس بأنهم صاروا عملاء ويستدرجون ضابط المخابرات ويتم قتله والاستيلاء أحيانًا على وثائق بحوزته، ومن أبرزهم ماهر أبو سرور من مخيم عايدة قرب بيت لحم، وعبد المنعم أبو حميد من مخيم الأمعري، في رام الله، وبالمناسبة عبد المنعم شقيق الأسير ناصر أبو حميد الذي كان ناشطا في مجموعات (الأسد المقنّع) التابعة لفتح في منطقة رام الله، واعتقل وكان أسيرًا عند استشهاد عبد المنعم وأفرج عنه بعد أوسلو، وأعيد اعتقاله وما زال قابعًا في الأسر بسبب نشاطه في كتائب شهداء الأقصى، ولهما أيضا شقيق (إسلام) محكوم بالمؤبد منذ 2019 بعد قيامه بقتل جندي إسرائيلي بلوح رخام في مخيم الأمعري. 

اختراق عناصر من حماس في الضفة الغربية  للشاباك، جعل الأجهزة الإسرائيلية في حالة هلع وقلق، فهي تعتمد كثيرًا على العملاء والجواسيس، وكسر في أعين الجمهور أساطير تفوق العدو الاستخباراتي.

أما الأسلوب النوعي الثالث الذي أدخله الجناح العسكري لحماس على العمل المقاوم في فلسطين، والذي ظل حكرًا عليها وعلى الجهاد الإسلامي طيلة تسعينيات القرن الماضي فهو (العمليات الاستشهادية) وبروز ظاهرة المهندسين وأبرزهم كما نعلم الشهيد المهندس (يحيى عياش) الذي ظل كابوسًا مؤرقًا لرابين ثم بيريز وهيئة أركان الجيش الصهيوني ولأجهزة الأمن الصهيونية بضع سنين.

تيجة تصعيد حماس والجهاد الإسلامي للعمل العسكري، فقد تحولتا إلى هدف يُضرب ويلاحق بشراسة من قبل سلطات الاحتلال، وصار رابين لا يلقي كلمة أو خطابا إلا ويتوعدهما بالانتقام، وقد نفذ الاحتلال عمليات اغتيال واعتقالات وإبعاد إلى مرج الزهور بحق كثير من قادة وعناصر وأنصار الحركتين، ولكن تلك الحملات كما لوحظ لم تستطع النيل من تصاعد الفعل العسكري الحمساوي في أرجاء فلسطين كلها.

بالتوازي مع هذا التصعيد الملحوظ المرتبط بانكماش العمل الشعبي الذي ميّز سنوات الانتفاضة الأولى، والذي تصدرته حركات إسلامية لا تخفي أيديولوجيتها ولا هدفها بإزالة "إسرائيل" من الخريطة، كان هناك توجه أمريكي وأوروبي ودولي عمومًا نحو إيجاد صيغة تسوية وتوليد عملية سياسية ولو مؤقتة، وجاءت مصطلحات مكافحة الإرهاب والأصولية دافعًا لهذا التوجه، وكانت المفاوضات في العاصمة النرويجية أوسلو قد نضجت وتوّجت بالإعلان عنها وتوقيع البنود الأساسية لها في 1993.

وقد صعدت حماس -غير آبهة بنتائج الاتفاقيات التي رفضتها- من وتيرة عملياتها العسكرية بطريقة لم يسبق لها مثيل، لا سيما بعد قيام مستوطن يهودي بتنفيذ مجزرة بشعة راح ضحيتها عشرات المصلين في المسجد الإبراهيمي في الخليل أثناء سجودهم في صلاة فجر يوم الجمعة منتصف رمضان في شباط/ فبراير 1994، أي بعد شهور قليلة على توقيع الاتفاق في واشنطن، وقد طالبت حماس قيادة "م.ت.ف" بنفض يدها من الاتفاق وملحقاته، ردًّا على المجزرة، ولكن كان الدفع الشديد باتجاه إنجاح الاتفاق ولو جزئيًّا  أوسع و أقوى من المجزرة ومن ردود حماس القوية عليها.

وقد تم الانسحاب أو ما سمي إسرائيليًّا بإعادة الانتشار من مدينة أريحا وقطاع غزة (لا يشمل المستوطنات) في أيار/ مايو 1994، ثم في خريف 1995 انسحبت قوات الاحتلال من مراكز مدن الضفة الغربية وأخلت مقراتها التي تسلمتها قوى الأمن الفلسطينية بناء على اتفاقيات بعد مفاوضات ماراثونية، قلّما التزمت "إسرائيل" بشيء منها.

هذا الاستعراض المطول نسبيًّا للأوضاع عشية توقيع أوسلو وبعده وبعد تنفيذ بعض ما جاء فيه، يضعنا في صورة تتضح أكثر فأكثر لتداخلات وتعقيدات الأوضاع خاصة في الضفة الغربية وتشابكات؛ آمل أن يبصرها القارئ.

 

في المقال القادم بمشيئة الله سأتحدث أكثر عن نظرة الجمهور الفلسطيني للأمور في تلك المرحلة المفصلية، وعن الأوضاع الجديدة التي فرضتها مرحلة أوسلو.

جميع الحقوق محفوظة لمركز القدس © 2018 - 2021.

مع مذكرات أخطر سفير إسرائيلي في مصر (1)

لدي قناعة أن ذهاب أنور السادات إلى خيار التسوية مع إسرائيل؛ و زيارته المشؤومة إلى القدس في 1977 وصولا إلى توقيع اتفاقات كامب ديفيد في 1979 ه...