الاثنين، يوليو 18، 2022

هل أزالت الثورة المضادة في تونس الأوهام؟

 

الانقلاب على مؤسسات الدولة ومنجزات الثورة والحياة السياسية وحتى الاجتماعية، الذي نفذه رئيس الجمهورية التونسية (قيس سعيّد) وما تبعه من إجراءات متواصلة اتخذها وما زال لصناعة دولة بوليسية دكتاتورية، لا تقل وحشية واستبدادا عن حكام من خلفيات عسكرية وأمنية.

وهو الرجل الذي تفاءلت به الجماهير كونه من خلفية قانونية وأكاديمية مدنية صرفة، وليس كبعض أقرانه، ولا مثل المخلوع الهارب زين العابدين، القادمين من مجاميع عسكرية وأمنية، بل دأب وحرص على عدم استخدام الدارجة التونسية في خطاباته، مستخدما عربية فصيحة، يضغط على حروفها وكلماتها، لا كما القادمين من الجيش والأمن ممن حتى حين يقرؤون كلمات مكتوبة، وربما تدربوا عليها يخطئون وتجتاحهم التأتأة، وتداخل الدارجة مع الفصيحة في كلامهم.

بل كان الرجل محل تندّر في مبالغته في استخدام نصوص مرقومة بخط اليد والحبر العادي، في محاكاة لحكام قرون خلت، تمتاز بطولها مع أنه كان يمكنه استخدام التقنيات الحديثة واختصارها.

وإذ به يسعى حثيثا للسيطرة على كل السلطات (التنفيذية والتشريعية والقضائية) وتهميش الحياة النقابية، وصار بيدقا واضح المعالم للثورة المضادة التي أعقبت ثورات (الربيع العربي) ووصل به الحال إلى العمل على كتابة دستور مفصل على مقاسه، ومقاس دولة بن علي العميقة، بطريقة مستفزة فاق بها آخرين من مدبجي الدساتير المعززة للاستبداد المرسخة للتنكر لمبادئ الثورة على الطغيان والفساد.

وعلى ذكر الدساتير وكتابتها والاستفتاء عليها، والتي صارت أشبه بـ(موضة) في بعض الدول العربية، لدرجة تبدو المسألة وكأنها قضية القضايا، ومسألة مركزية ملحة، والإيحاء ضمنا أن كتابة دستور وإقراره والاستفتاء عليه وحصوله على أغلبية سيقود الدولة المعنية إلى مرحلة من الازدهار والمؤسساتية الحقيقية، وإشغال الرأي العام بهذه الجزئية، فأنا أستغرب هذه الهمروجة (الدستورية).

فها هو الكيان العبري وهو دولة حداثية مقارنة مع جواره العربي ليس فيه دستور، ولا يبدو هناك توجه لدى القوم لكتابة دستور، وهم يحتكمون إلى أنظمة ولوائح وقوانين بعضها مدني وبعضها بإدارة الحاخامات، وعدم وجود دستور لم يحل دون تفوقهم العسكري والتقني والطبي وغيره، مع مراعاة العامل الخارجي بطبيعة الحال، ولكن لو أنهم -مع أن مجتمعهم فسيفسائي تماما- رأوا في كتابة دستور حاجة ملحة، بل شيئا من كماليات وترف الدولة لكتبوه، مع أن كيانهم بلغ من العمر بضعا وسبعين سنة.

لا يأس من الثورات وحركة الشعوب

لا يفوتني التنويه اللازم بأن ما حققته الثورات المضادة من نجاح ملحوظ، وأعادت به الأوضاع ليس فقط إلى ما كانت عليه قبل موجة الثورات في 2011 بل إلى حال أسوأ، دفع بعض من طحنهم بؤس الأوضاع إلى الترحم على أيام ما قبل تلك الموجة، فلا يفوتني أن أؤكد أن الصراع لم يحسم لصالح أعداء الحرية، وأن المنطقة بل العالم يعيش سيولة وتدافعا وتغيرات سريعة، وشعوب فيها غالبية من الشباب، لن تستقر في بلادها أوضاع مستبدين فسدة، مع شعوري بالكمد بعد سنوات مضت من القهر والظلم ووقاحة واستعلاء أرباب الثورات المضادة وأدواتهم التنفيذية والإعلامية وغيرها.

وتنتاب النفس حالة إحباط، ونحسّ نحن الذي عشعش الأمل في قلوبنا بأن الاستبداد سيصبح وراء ظهورنا وسيكون بالنسبة لأطفالنا وأحفادنا مجرد تاريخ أسود، بأن الحالة ستطول كثيرا، ولكن منطق الأشياء والمؤشرات، بل حتى تصرفات الثورات المضادة، تقول إن تعطل مسيرة انتزاع الحرية والجراح التي أصيبت بها، لا تعني توقفها، وقطار التغيير الذي انطلق لن يتوقف مهما واجه من عقبات، بناء على الثقة بالله أولا وأخيرا، ثم التأمل والنظر في التقلبات السريعة والتغيرات الدراماتيكية المتسارعة في العالم والمنطقة.

وتونس التي كانت باكورة الحراك والثورة على الطاغية ليست استثناء.

نموذج الغنوشي

الأستاذ راشد الغنوشي السياسي المثقف والمفكر الناشط ورئيس البرلمان المنحل بقرار من (قيس سعيّد) وبإيعاز من داعمي الثورات المضادة، كان يقدّم على أنه رمز ومدرسة على الإسلاميين أن يحذو حذوه، ويستلهموا نهجه، وأنه (قصة نجاح) في العمل الإسلامي الحركي، وغيره من النماذج قصص فشل بامتياز، ودخلوا في مقارنة طويلة بينه وبين الرئيس الدكتور محمد مرسي -يرحمه الله- باعتبار الغنوشي رمزا للمرونة السياسية والحنكة والحصافة في التعامل مع الأوضاع السياسية، بينما كان مرسي على عكس الغنوشي، وفق رأيهم الغريب، مع أن الغنوشي نفسه قال إن جغرافية مصر (ثقيلة) ولا تقارن بتونس ولم ينسب لنفسه ما ينسبونه له!

مردّ ذلك تنازلات كبيرة قدمها الغنوشي وحركة النهضة حتى قبل اندلاع الثورة في تونس، وصلت إلى حدّ الاقتراب من أمور شرعية، واتهم نظراء النهضة في دول عربية عدة بأنهم يفتقدون الذكاء السياسي المتمتع به الغنوشي، وأن الغنوشي مثال الاعتدال ومراعاة ظروف العصر الحديث، وغيره رموز للتطرف والعيش في الماضي، وأن ما جرى لهم وما أصابهم وحلّ بهم من محن وكوارث وتهميش، هم وحدهم يتحملون مسؤوليته وليس من قاموا بدعم الثورات المضادة وسقوا شجرتها الخبيثة.

وقد لاقت هذه النظرية رواجا وازداد عدد المؤمنين بها حتى وقعت الفأس في الرأس، وصار الغنوشي خارج منصبه بقوة السلاح، ومنع من دخول مبنى البرلمان الذي يترأسه ووصل إليه عبر صندوق الاقتراع، هذا الصندوق الذي لطالما روّج له المصفقون للثورات المضادة كأيقونة مقدسة، وكحكم وحيد بين الفرقاء، وإذ بهم ينقلبون على نتائجه بصفاقة واستكبار.

وحتى حين كان الغنوشي يجلس على منصة رئاسة البرلمان، قامت (عبير موسي) بتحويل المكان إلى سيرك أو ساحة تهريج، وهي المرأة التي تتفاخر بأنها من أتباع دولة بن علي!

ومع أن الرجل صبر واحتمل هذه الفوضى والتشويش والتعطيل المقرف لعمل البرلمان، فإن الآخرين، لم يكتفوا بذلك ورأوا أن يحلّ البرلمان بعد تجميد العضوية لأعضائه.

والآن هناك خطر واحتمال قائم أن يجرّ الغنوشي إلى المحكمة والسجن، دون اكتراث بسني عمره التي تجاوزت الثمانين ولا تاريخه الطويل، وأيضا -وهذا الأهم- دون اعتبار أو مراعاة أنه قدم من التنازلات للحلفاء والخصوم، وهو ما أثار حتى غضب قطاع من الإسلاميين عليه.

وأنا في هذه الأيام المباركة أسأل الله تعالى أن يحمي عبده راشد الغنوشي ويحفظه، وهو يقترب من القبر، من الإهانة والإذلال والسجن، ممن لا يرقبون فيه وفي أهله وأحبائه وأنصاره إلاّ ولا ذمة، ويشهد الله أنني أشفق عليه من هذا المصير الذي يعدّه القوم له، ويريدون أن تكون نهايته في شيخوخته وراء القضبان كما حال مرسي!

وهم تبدد

والحال كذلك يفترض أن يكون الوهم قد زال تماما، فقد كانت تونس والغنوشي آخر صفحة في كتاب مزاعم القائلين إن تقديم التنازلات والتهاون في التمسك بالمبادئ، والتسامح مع من يتربصون بالإسلاميين ويحيكون ضدهم المخططات الخبيثة، من ذوي الصلات بجهات أجنبية معروفة ومجهولة، هو الحل للسير والعمل في هذا الزمن، والوصفة السحرية لاجتناب السجون والقمع.. وطيّ هذه الصفحة، يبدد هذا الوهم، أو هكذا يفترض.

ربع قرن والإسلاميون مطلوب منهم كل يوم بل كل دقيقة أن يعلنوا قبولهم بتولي امرأة منصب رئاسة الدولة، أو أن يتولاه شخص من أقلية سكانية ودينية، وأن يعلنوا أنهم لن يغلقوا البارات، ولن (يقطعوا أرزاق) الراقصات، وأنهم وأنهم وأنهم.. والآخر لا يقدم شيئا سوى المطالبة بمزيد من (بوادر حسن النية) والتنازلات، بل لولا أن كتاب الله محفوظ لطالب بتغييره.

ما الذي جناه الإسلاميون الذين قدموا تلك القائمة من التنازلات؟ غدر وتشف لئيم، ووقوف من ادعوا أنهم يحترمون صندوق الاقتراع، وأن هدفهم هو إقامة دولة مدنية ديمقراطية؛ وإذ بهم يدعمون الدكتاتوريات العسكرية، ويسندون أفعالها وجرائمها، ويحرضونها على سحق الإسلاميين.

فهل أدرك الإسلاميون حقيقة الموقف، أو هل سيتعاملون مع الواقع بمنطق الحقيقة التي كانوا يعرفونها ولكنهم لطالما حاولوا التذاكي عليها، أو تجاهلها على أمل تغيير لم يأت!

الصورة بلا رتوش

الحقيقة التي قلّما يتحدث عنها من يدركونها، هي أن الدولة العربية القُطرية، كيان وظيفي له مهمات محددة في النظام الدولي القائم، وهي بنيت وصنعت على أعين المستعمر الأوروبي، الذي ورث دوره السيّد الأميركي (والإسرائيلي حاليا) وهذا يعني أنه من المحال أن يسمح هؤلاء لهذه الدول أن تختار حكامها بحريّة، وإذا حصل فإنهم سيدبرون الانقلابات، أو قد يلجؤون للحصار والحروب وغير ذلك.

وكان نفر من الإسلاميين يحاولون الالتفاف على هذه الحقيقة، بإرسال رسائل، أو حتى بحديث مباشر مع قادة الغرب، بأنهم يستطيعون القيام بالدور الوظيفي الذي اضطلعت به الوحدات السياسية والعسكرية العلمانية، ومع أن هذا التوجه يفقد الإسلاميين أحد مبررات وجودهم، وثمة محاذير شرعية في الأمر، فإن الغرب لم يقبل عرضهم، حتى لو تظاهر بذلك ليجردهم من أشياء كانت تميزهم، وليستغل عامل الزمن، وليزيد من ولاء العلمانيين الذي أصابهم الهلع من كون السيد الأجنبي ربما يفكر في استبدال غيرهم بهم.

الإسلاميون ينسون أو يتناسون أن المشروع الغربي من أهدافه تمييع الموروث العقدي والثقافي للأمة تمهيدا لنسفه نسفا، ولذا فإن الغرب لن يقبلهم لأنهم -ولو بالحد الأدنى- امتداد لهذا الموروث ويمثلونه بطريقة أو بأخرى.

انقلاب قيس سعيّد مزّق آخر صفحة من كتاب الأوهام الذي ظل إسلاميون وغيرهم يقرؤونه علينا ربع قرن وكأنه نص مقدس… كان لا بد من صدمة وصعقة بهذا الحجم كي يفيق القوم، ويفكروا بنهج مختلف تماما… الله غالب.

،،،

تم النشر في 15 تموز-يوليو 2022

https://www.aljazeera.net/blogs/2022/7/15/%D9%87%D9%84-%D8%A3%D8%B2%D8%A7%D9%84%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%AB%D9%88%D8%B1%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B6%D8%A7%D8%AF%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D8%AA%D9%88%D9%86%D8%B3

 

ميخائيل ميلشتاين ودراسته عن الشباب الفلسطيني

 

صدر العام الجاري 2022 عن دار معرخوت الإسرائيلية للنشر ومركز موشيه ديان-جامعة تل أبيب كتاب هو عبارة عن دراسة موسومة بـ "ليس هنا، ليس هناك" أعدها الدكتور ميخائيل ميلشتاين الذي يرأس منتدى الدراسات الفلسطينية بالمركز المذكور، وأيضا -وهذا مهم- هو باحث أول بمعهد الدراسة والإستراتيجية في هرتسليا الذي له دور في صياغة السياسات والقرارات الصادرة عن قادة الكيان الصهيوني، وهو يكتب باستمرار عن الشأن الفلسطيني من زوايا مختلفة سياسية وأمنية واقتصادية، كما يشارك في برامج قنوات فضائية مختلفة متحدثا بأمور في ذات السياق.

وقد قام مركز الهدهد للدراسات الإسرائيلية بترجمة الدراسة أو الكتاب إلى اللغة العربية في مايو/أيار 2022.

لمحة سريعة

النسخة المترجمة إلى العربية، التي أكتب عنها هذه المقالة، مكونة من 116 صفحة من القطع المتوسط، بما في ذلك مقدمة قصيرة وسريعة من مركز الهدهد، إضافة إلى مقدمة المؤلف، ومقدمة إضافية من الفريق احتياط (لفتنانت جنرال) جادي أيزنكوت، وهنا إشارة مهمة إلى أن العسكريين والأمنيين هم أصحاب الكلمة الأخيرة في الملف الفلسطيني؛ وينصح أيزنكوت صناع القرار في الكيان (هو ليس غريبا أو بعيدا عنهم) بالتعرف على التيارات في العمق الفلسطيني كونها التي ستقود المنظومة الفلسطينية مستقبلا، ويؤكد أن الهدف هو إدارة الصراع لا حلّه.

ومن مقدمة الجنرال المذكور يمكننا أن نستنتج ما لا يجب أن يكون فيه شك: لا سلام ولا استقرار ومجرد خطط ومهدئات تحت سقف "السلام الاقتصادي" وما شاطله من أفكار ورؤى لتقطيع الوقت.

وأيضا من نصيحته إلى "متخذي القرار" نفهم أنه ستكون هناك دراسات أخرى، بعضها قد ينشر وبعضها سيكون سريّا يتداوله قادة الجيش والمخابرات ومعاونوهم فقط.

وتنقسم الدراسة إلى 13 فصلا وتختم بـ "الخلاصة والخاتمة".

يشير المؤلف إلى أن عنوان الدراسة "ليس هنا، ليس هناك" مأخوذ من فيلم "بر بحر" من إخراج ميسلون حمود، وهي مواطنة من مناطق فلسطين المحتلة عام 1948 (دير حنا) ولدت في المجر لأسرة محسوبة على التيار الماركسي، والفيلم المذكور الصادر عام 2017 حصل على جائزة في مهرجان حيفا السينمائي، وملخصه هو صراع الهوية والمعاناة من المجتمع اليهودي الإسرائيلي في تل أبيب، يتناول حياة 3 نساء فلسطينيات إسرائيليات يعشن في شقة مستأجرة في تل أبيب.

والدراسة مليئة بالمقابلات والاقتباسات من كتبة وباحثين ونشطاء وأكاديميين وصحافيين وغيرهم، سوادهم الأعظم من فلسطين، حتى يمكن أن تتخيل للوهلة الأولى أن باحثا فلسطينيا أو عربيا يمكن أن يعد الدراسة بذات الأسلوب والاقتباسات، مع فارق الاستنتاجات والتصورات والتوصيات بطبيعة الحال.

اهتمام يجب أن يوازيه مثله

هذا الاهتمام الإسرائيلي البحثي بالشأن الفلسطيني، بل وبشريحة هي الفاعلة والناشطة في الميدان (الشباب) طبيعي من احتلال يعمل ليل نهار على تهويد الأرض الفلسطينية بالمستوطنات والمصادرة، ومشغول بسياسة "كيّ الوعي" لدى الجمهور الفلسطيني، ويضع سيناريوهات عمل مرنة تكتيكيا، ثابتة إستراتيجيا، يجب أن يوازيه اهتمام مماثل فلسطينيا.

وأحسن مركز الهدهد بترجمته السريعة للدراسة، لأن كثيرا من الترجمات من العبرية إلى العربية يكون قد مضى على النص الأصلي (العبري) وقت يصبح فيه تاريخا.

وينبغي الاستفادة منها من زاوية "كيف يفكر بنا العدو؟ وما هي خططه التي يمكن أن نقرأها بين السطور؟ بل أحيانا يفصح عنها ضامنا أننا لا نقرأ، أو لا نفهم، أو أن القارئين ليسوا أصحاب القرار في الوحدات السياسية والمجتمعية المؤثرة". هذا على عكس الكيان الذي يتواطؤ فيه الصحفي والباحث والأكاديمي مع الجندي والضابط بالجيش والمخابرات لبلورة السياسات والسير نحو الأهداف التي يريد هذا الكيان تحقيقها.

ونلحظ من فكرة الدراسة بحد ذاتها اتباع المنهج العلمي الذي تبنى عليه القرارات والخطط والسياسات، وليس الانطباعات التي يخال بعضنا أنها هي المتحكم بتصرفات الكيان الصهيوني وقادته وجيشه وأمنه.

فبعضنا قد يسمع كلمات من جنود على حاجز، أو من (معلمه) الإسرائيلي اليهودي في الداخل بورشة العمل، أو أي مكان آخر، تتعلق بالصراع والفكرة عن العرب وغير ذلك، فيظن أن القوم يتخذون السياسات ويصوغون القرارات بناء على مثل هذه الانطباعات التي سمعها من هنا وهناك، وليس بناء على معلومات استخبارية أولا (الأشخاص وما يتعلق بهم وصولا إلى المجتمع وما يخصه من سياسة واقتصاد وظروف مختلفة) وثانيا: دراسات وأبحاث أكاديمية تحلل الظواهر وتسعى لتفسيرها وتضع التساؤلات، بما يخص عمق مجتمع وبنية العدو (العدو هنا بالنسبة إليهم نحن بلا ريب).

وأشير إلى أن الترجمة حوت على العديد من الأخطاء الإملائية والنحوية، والتي آمل أنه في نسخ قادمة أن يعمل مركز الهدهد على تصحيحها.

ومن الأمور التي يجب أن توازي الاهتمام المشار إليه ضرورة وجود دراسات تتعلق بمجتمع الكيان الصهيوني لا تقوم على الأفكار القديمة (لأن هناك تغييرات حادة في مجتمعهم) مع علمي بصعوبة ذلك؛ فالأمر يحتاج إلى تمويل كبير نسبيا، وهناك حاجز اللغة مع إمكانية تجاوزه، كما أنهم مجتمع عنصري بجميع مكوناته يمتاز بالاستعلاء العنصري ومسكون حتى أخمص قدميه بالهواجس الأمنية الصرفة.

من هو جيل الشباب الفلسطينيين؟

تستهدف الدراسة جيل الشباب الفلسطيني من فئتين عمريتين، في الضفة الغربية وقطاع غزة، مع تركيز أعلى على هذا الجيل في الضفة :-

  • أ: من ولدوا في ثمانينيات وتسعينيات القرن العشرين.
  • ب: من ولدوا بعد عام 2000

وتتناول الدراسة كيفية تبلور وعي وفكر هذا الجيل بطريقة مختلفة عن آبائهم وأجدادهم، ودور وتأثير مواقع التواصل الاجتماعي والقنوات الفضائية، وانتشار التعليم العالي.

هبة القدس

يتحدث ميلشتاين عن هبة القدس عام 2015، وميزات جيل الشباب الذين قاموا بها، مستندا بالطبع إلى آراء صحافيين وخبراء فلسطينيين، ويخلص إلى أن هؤلاء "شباب ليس لهم ماض أمني أو جنائي، عاديون… طلبة وأبناء عائلات مستقرة".

وحسب رأي المؤلف فإنه ورغم كون العمليات موجهة ضد إسرائيل، ولكنها تعبر عن معارضة شديدة للسلطة الفلسطينية (ص59).

ويخلص الكاتب إلى: احتمالات عودة الأحداث التي جرت عام 2015 لا تزال قائمة، وربما أكبر مما كانت عليه في الماضي (ص61).

ملاحظة: للتذكير فإن هبة أو انتفاضة القدس اندلعت في أكتوبر/تشرين الأول 2015 بعد أسابيع من إحراق عائلة دوابشة على يد مستوطنين في قرية دوما قرب نابلس، وتكثيف الاعتداءات والاستفزازات بالمسجد الأقصى بعد جريمة الحرق، وقد تميزت الهبة بعمليات طعن ودهس وأحيانا إطلاق نار ضد جنود الاحتلال والمستوطنين، وتراجعت حدة وكثافة واستمرارية الأحداث بعد شهور، ولكن ظلت العمليات تقع بين الفينة والأخرى.

أرقام مختلفة

يقدم الكاتب العديد من الأرقام والنسب المئوية المتعلقة بموضوع الدراسة، وما يتفرع عنها مثل:-

  • في الضفة الغربية وقطاع غزة يعيش ما يقارب 5 ملايين فلسطيني، منهم 2.76 مليون في الضفة و2.1 مليون في غزة.
  • %48 من هؤلاء من الفئة العمرية 19 عاما فما دون.
  • %67 من السكان من الفئة العمرية 29 عاما فأقل.
  • نسبة الشباب 38%.

ويشير بناء على استطلاعات رأي وغيرها من أدوات القياس والبحث أن الشباب من الفئة العمرية (15-29 عاما) يعانون من عدم الاستقرار في حياتهم وعدد هؤلاء 800 ألف في الضفة الغربية، و580 ألفا في قطاع غزة.

  • هناك 40 ألف خريج سنويا، بينما نسبة التشغيل للخريجين أقل من النصف.
  • %54 من الخريجين إما عاطلون عن العمل، أو أنهم يعملون في مجالات ومهن لا تتناسب إطلاقا مع تخصصاتهم.
  • %60 من الفلسطينيين يتلقون الأخبار من فيسبوك وتويتر، و30% من التلفزيون. ويتحدث ميلشتاين في هذا السياق عن الدور البارز للعالم الافتراضي في هبة القدس.

النساء والناشطات

يتطرق ميلشتاين الدراسة إلى النساء والشابات الفلسطينيات ودورهن في النضال ضد الاحتلال، ويتحدث عن نسبة حضورهن في سوق العمل والتعليم والوظائف المختلفة.

ولا يفوت الكاتب التحدث عما يسمى "العنف داخل الأسرة" مستشهدا بحادثة شغلت الرأي العام الفلسطيني عام 2019 وهي مقتل الفتاة إسراء غريب والتي اتهم أفراد من أسرتها بقتلها لعدم رضاهم عن نشاطها، وعرضوا على القضاء الفلسطيني.

كما يتحدث عن الاحتجاج على وثيقة سيداو.

ويورد أسماء شخصيات نسوية بارزة في مجالات مختلفة: ليلى غنام التي تتقلد منصب محافظ رام الله والبيرة، وهي المرأة الوحيدة التي تتبوأ هذا المنصب، وأمل جادو وحنان الحروب.

شخصيات ناشطة.. خطأ

حتى لا يظنن أحد أن الدراسات والباحثين الإسرائيليين لا يقعون في الخطأ ليس فقط في الاستنتاجات بل المعلومات المقدمة؛ ففي الفصل العاشر في معرض الحديث عن شخصيات فلسطينية شابة قيادية وميزاتها يتحدث عن أحمد أبو ارتيمة من قطاع غزة وهو كاتب وناشط، فيقول إن الشاب المذكور هاجر إلى الولايات المتحدة (ص82) وواصل العمل لخدمة القضية الفلسطينية.

والحقيقة أن "أبو ارتيمة" سافر في زيارة ضمن نشاطه إلى الولايات المتحدة ومكث مدة قصيرة نسبيا وعاد إلى غزة، ونوّه إلى ذلك في صفحته على فيسبوك بعد اطلاعه على ما أوردته الدراسة بشأنه.

ولا يقتصر حديث ميلشتاين عن شباب قادة أحياء بل عن شهداء مثل: باسل الأعرج وأحمد نصر جرار.

النكبة حاضرة بوجدان الشباب الفلسطينيين

يقرّ ميلشتاين في الفصل 12 بأن النكبة رمز وطني جامع لكل الفلسطينيين، وأنه كلما ابتعد الفلسطينيون عن الحدث التاريخي نفسه (عام 1948) فإن قوة الذاكرة تزداد على الأغلب لدى الأجيال التي لم تعش التجربة عمليا (ص 92) وأن ذكريات النكبة تنتقل من جيل إلى جيل.

ولكنه يرصد تقلص عدد المشاركين في إحياء ذكرى النكبة، ويعزو الأمر إلى ما يعتبره ظاهرة الابتعاد عن الأيديولوجيات السائدة (ص98).

ولكنه يحذر من "القوة الكامنة في الذاكرة الجماعية للنكبة لا تزال ساكنة في عمق الوعي الجماعي للفلسطينيين، وفي أوقات مناسبة قد تنفجر هذه الذاكرة من جديد" (ص 99).

الربيع العربي والفلسطينيون

وفي الفصل 12 أيضا تناقش الدراسة أسباب عدم انطلاق أو اندلاع موجة ربيع عربي على غرار الدول العربية المجاورة والبعيدة في الضفة والقطاع، ويرى أنها تشبه عدم اندلاع انتفاضة ثالثة، مع الخوف من الفوضى التي عمت أجزاء من العالم العربي والذاكرة المردوعة.

ولكن هناك سبب آخر -حسب الدراسة- وهو أن الربيع العربي قد يكون امتدادا للانتفاضات الفلسطينية، وأنه لا داعي أن يقلد الفلسطينيون شيئا هم أول من بادر إلى صنعه وسبقوا به الآخرين.

خلاصة وخاتمة

بعد الاستعراض المطوّل -الذي شمل 13 فصلا في الدراسة، وما حواه من معلومات وأرقام وأسماء وآراء وتعريج على أحداث شتى- يخلص ميلشتاين إلى أن جيل الشباب الفلسطينيين الحالي مختلف عن الأجيال التي سبقته لأسباب عدة أهمها :-

  • الانكشاف على العالم الخارجي وتأثير العالم الافتراضي وتراجع تأثير الأسرة (الأب والأم والحي والقبيلة).
  • هذا الجيل لا يتبنى الأيديولوجيات والنظريات الثورية، وهو غير مؤدلج وغير مسيس، وهو جيل يزداد تأييده لمبدأ الدولة الواحدة.
  • مع الفارق الكبير بين الجيل الحالي والسابق في مجالات الثقافة والتوظيف، إلا أنه يواجه صعوبة في النجاح بتحقيق أهدافه وفق التحصيل العلمي إضافة إلى مشكلات اجتماعية واقتصادية.

وتخلص الدراسة إلى أن الشباب الفلسطينيين ليسوا مؤثرين على المستوى العام، خاصة السياسي، كما أن هذا القطاع ليس له إطار تنظيمي جامع أو قيادة تديره وهو ليس مجموعة متجانسة.

ويعترف ميلشتاين بأن فرضية ميل الجمهور الفلسطيني إلى الانشغال بالحياة اليومية سيستمر فترة طويلة من الزمن هو (وهم) لأن نظرية السلام الاقتصادي قد تختفي بسرعة.

وكدأب مجموعة من الكتبة وحتى الساسة وضباط الأمن الإسرائيليين، يتبنى ميلشتاين سيناريو سيطرة حماس على كل الضفة الغربية أو اجزاء منها. بالطبع هذا السيناريو يهدف لإطالة أمد الانقسام وإذكاء نار العداوة داخليا، حيث إن الضفة لا يسيطر عليها أي حزب فلسطيني لأنها محتلة مستباحة وتتعرض لنهش الاستيطان المتمدد، حتى في ظل وجود سلطة فلسطينية عمودها الفقري فتح، ولا يكف الإسرائيلي أيا كانت صفته عن تنقيط السمّ في كل مناسبة.

ويرى ميلشتاين أن جدول الأعمال الفلسطيني ينعكس إستراتيجيا على إسرائيل، ويشير إلى عدة ملفات فلسطينية داخلية.

ويرى الكاتب أن على إسرائيل التعاون، مع جهات فلسطينية وعربية ودولية، لإيجاد ردود حصرية على التحديات المتعلقة بالشباب الفلسطينيين.

ويقترح ميلشتاين حلولا تستند إلى عدة مركبات:-

  • تخفيف الضائقة الاقتصادية لأبناء الجيل الشاب من خلال توفير مزيد من تصاريح العمل في إسرائيل، والمستوطنات والمناطق الصناعية أو في دول الخليج النفطية. نلحظ هنا نَفَس السلام الاقتصادي، وفكرة إلهاء الشباب عن مقاومة الاحتلال، وأيضا التهجير الطوعي لهم.
  • توسيع اللقاءات بين قطاع الشباب الفلسطيني والإسرائيلي هي دعوة للتطبيع ولقاء الجلاد بالضحية قبل الإجهاز عليها، فكل شباب إسرائيل جنود في الجيش بواقع الحال القائم في الكيان.
  • التأثير بالوعي العام من خلال المناهج، هو يقصد الوعي الفلسطيني، وكما قلت في موضع سابق من مقالتي هذه: هم منشغلون بفكرة كيّ وعي الفلسطينيين.
  • تحسين وضع الشباب في غزة، وهو لم يقدم فكرة متكاملة وترك الأمر مفتوحا على احتمالات شتى.

وفي النهاية يؤكد ميلشتاين أن استقرار المنظومة الفلسطينية مصلحة إسرائيلية، وهذا يعني بالضرورة تدخلات إسرائيلية لتحقيق ما تراه استقرارا.

ويبقى الرهان على نفس الفئة (الجيل الشاب) الذي كان موضوع ومحور الدراسة التي أنصح كل من له اهتمام بالشأن الفلسطيني أو الإسرائيلي قراءتها، متوخيا الحذر، فهؤلاء سواء ميلشتاين أو غيره في النهاية يخدمون المشروع الصهيوني وأهدافه.

،،،

تم النشر في 27 حزيران-يونيو 2022

https://www.aljazeera.net/blogs/2022/6/27/%D9%85%D9%8A%D8%AE%D8%A7%D8%A6%D9%8A%D9%84-%D9%85%D9%8A%D9%84%D8%B4%D8%AA%D8%A7%D9%8A%D9%86-%D9%88%D8%AF%D8%B1%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D9%87-%D8%B9%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%A8%D8%A7%D8%A8

 

تحرير فلسطين ضروري وممكن وقريب.. خطوات مهمة على الطريق

 

دون تحرير فلسطين وتصفية الكيان العبري، لن تعيش المنطقة أية نهضة وسيزداد التمزق بكافة مستوياته، ولن يتوقف الأمر على الاكتفاء بالقُطريات التي غالبها منتج أوروبي سقته ورعته أميركا، بل سيتولد عن التمزقات والانقسامات الحالية، مزيد ومزيد أشبه بمتوالية هندسية، لدرجة ربما تعلن بعض العشائر عن دول خاصة بها مع علَم وجند وغير ذلك.

وليس ثمة أمل بأن ينصلح الحال على أي صعيد ما دامت إسرائيل موجودة، ولكن ما أقوله يبدو من الصعب إقناع قطاعات وشرائح لا يستهان بحجمها من الناس في المنطقة به، فهناك ممن يرى إسرائيل عدوّا ولكنه لا يراها سببا في معظم مشكلات المنطقة، وهناك من يتجاهل وجود إسرائيل وهمّته في قضايا ومسائل أخرى يراها أكثر إلحاحا.

وما درى هؤلاء أن إسرائيل سبب الاستبداد، وأنها سبب الفساد المالي والإداري والمشكلات المجتمعية، وارتفاع معدلات الفقر والبطالة، وانتشار التلوث والمشكلات البيئية سببها الحقيقي هو وجود إسرائيل على أرض فلسطين.. لذا لكي تكون الحياة عادية وطبيعية في المنطقة يجب أن تزول إسرائيل.

وصول الناس أو لنقل نسبة معقولة منهم إلى هذه القناعة، هو مسمار في نعش إسرائيل، قد يكون الأخير؛ ولذا وجب على من يسعون إلى تحرير فلسطين أن يجعلوا من هذا الهدف (إقناع الناس بهذه الحقيقة) باستخدام مختلف الوسائل.

حملة مخططة ومستمرة لتغيير قناعات الناس

ولحسن الحظ أن الوسائل العصرية تترك مجالا واسعا لهم، كي يقوموا بحملات متواصلة مدروسة بسقف زمني محدد، فالإعلام لم يعد حكرا على فئات سياسية بعينها، وكهنة إعلام الأنظمة في هذا الزمن محل سخرية وغضب بسبب ما يعرضون من ترهات وحماقات، مع كل ما ينفق عليهم من أموال طائلة، وكذلك محاولات (أفيخاي أدرعي) وغيره من سدنة إعلام الصهاينة.

ويجب توظيف الوسائل العصرية السريعة، فأنا أدرك مثلا أن كلماتي هذه قد يقرؤها عدد قليل جدا من الناس بتمعن، وقليل بمرور سريع، مقارنة مع مشاهدة مقطع فيديو قصير بتقنيات احترافية، أو عرض إنفوغراف، أو رسم كاريكاتيري أو ما شابه من الوسائل السريعة المؤثرة خاصة في شريحة الشباب.

مهمات المقاومة الفلسطينية

اتفقنا بأن الفلسطينيين ظهرهم مكشوف ولا يمكنهم وحدهم تحرير فلسطين، ولكن مقاومتهم ضرورية وبدونها لا يمكن أن تقوم للأمة قائمة، فوجب دعم وتطوير هذه المقاومة والحفاظ عليها.

وفي ظل الوضع العربي المتردي حاليا فإن مهمة المقاومة الفلسطينية صعبة، ولكنها ليست مستحيلة على صعيد تغيير جذري في الفضاء العربي، فاستمرار المقاومة، التي ستجابه بشراسة ودموية وتكشير عن الأنياب من الجانب الصهيوني، يجب أن تكون نتيجتها وقوف أطراف عربية رسمية (الفعاليات الشعبية والجماهير مضمونة) ضد الصهيونية علنا، أو على الأقل عدم التحالف معها والكف عن مضايقة الفلسطينيين، وأيضا ذهاب أطراف عربية أخرى إلى نهاية الطريق بعدم التحجج بالسعي نحو (السلام) أو العمل على وقف (سفك الدماء) والمزاعم الكاذبة بأن ما يجمعهم بالصهاينة من علاقات يصب في صالح القضية الفلسطينية، بل سيقفون علنا وصراحة في المعسكر الصهيوني بلا رتوش، وهذا جيد لمصلحة انكشاف الحقائق وقطع التردد عند قطاعات شعبية لا تزال تتأمل في هؤلاء خيرا.. ومثل هذه الفئة هزيمتها مؤكدة بالسند التاريخي، مهما بلغت من قوة، ومصيرها كمثل مصير جيش أنطوان لحد أو أسوأ.. وكل هذا منوط بتقدم المقاومة الفلسطينية وتصاعدها.

والمقاومة الفلسطينية وأدوارها يمكن أن نقسمها كالتالي مع دور كل قسم في الصمود والتحرير والنكاية بالعدو:

  • الضفة الغربية والقدس

استمرار الصمود في الأرض، ومناكفة العدو، مع صعوبة الأوضاع بسبب السيطرة الأمنية المعززة بأحدث التقنيات، ولكن مناوشة العدو تربكه وتستنزفه، ولأن القدس والمسجد الأقصى هما أبرز وأهم عامل في الصراع، فإن المقدسيين وفلسطينيي 48، ومعهم أهل الضفة الغربية، أثبتوا وسيثبتون أنهم يفدون المسجد الأقصى بدمائهم بلا تردد أو حسابات، ووجب على المقاومة في غزة، وأيضا في لبنان أن تسندهم في الأزمات، مثلما فعلت غزة العام الماضي في مايو/أيار 2021 في شهر رمضان 1442هـ، وذلك عند خطر تهجير عائلات مثلما كان يحدث لأهالي حي الشيخ جراح، أو ما يخطط له من محاولة انتزاع جزء من المسجد الأقصى أو محاولة تكرار ما جرى في المسجد الإبراهيمي في الخليل، وأن يكون التدخل كما كان العام الماضي بتوجيه إنذار له مطالب محددة آنية.

أما في حال ذهب الصهاينة بعيدا (وهذا متوقع ووارد في ظل انفلاتهم السائد) وهدموا المسجد الأقصى سواء بفعل مباشر أو نتيجة الحفريات التي تجري تحته، فلا مناص من حرب مفتوحة لا تخضع لاعتبارات أو تسبقها خطوات كالتي نتحدث عنها.

  • قطاع غزة

ما قامت وتقوم به غزة أشبه بمعجزة، بتحويل هذا الشريط الساحلي المكتظ الضيق إلى ما يشبه المعسكر وخوض حروب ومواجهات مستمرة منذ سنوات، ولكن ظل الأمر في نطاق الإستراتيجية الدفاعية، والمرحلة القادمة يجب أن تتحول إلى إستراتيجية هجومية توسعية، ولكن دون مبالغة في الأهداف بأن الهدف هو تحرير كل فلسطين، بل بتطهير منطقة (غلاف غزة) والعمل على الاستحكام فيها والوصول إلى عسقلان والمجدل وخلق واقع جديد أي توسيع قطاع غزة باتجاه الأراضي التي تحتلها إسرائيل، وهذا في حال حدث فإن نتيجته المؤكدة انقلاب الموازين دوليا وإقليميا وفلسطينيا وتولّد معادلة جديدة بناء على الواقع الجديد الذي سيكون له ما بعده من نتائج متوقعة وغير متوقعة إيجابيا في خدمة هدف التحرير الشامل.. اختصار ليس مطلوبا من غزة تحرير فلسطين، بل فقط مناطق محاذية للقطاع ذات أهمية إستراتيجية، وحماية القدس والأقصى من عدوان دراماتيكي كما العام الماضي، وكذلك منع العدو من الاستفراد بجنين أو غيرها بحيث يعيد الأمور إلى نقطة الصفر.

  • فلسطينيو الداخل

هؤلاء انتصروا في معركة الحفاظ على الهوية، بصمودهم فوق أرضهم، وتمسكهم بما أمكنهم من عادات وتقاليد شعبهم، وعدم ذوبانهم وتحولهم إلى هنود حمر، ولأن إسرائيل كيان عنصري لئيم لم تعمل على دمجهم، فتحولوا إلى ما يمكن أن نسميه (مواطني الدرجة الثانية أو الثالثة) مع أن نسبتهم 21% من مجموع السكان وهم أصحاب الأرض الأصليون، وفوق مصادرة أراضيهم، وتحويل معظمهم إلى مجرد عمال في منظومة الإنتاج الإسرائيلي، أو عاطلين عن العمل ولو حازوا على مستويات تعليم من الجامعات الإسرائيلية نفسها، ومؤخرا نشر الاحتلال في أوساطهم جرائم القتل اليومية، أو شجع عليها وتغاضى عن معالجة جذرية لها، بعدما تبين له أن نشر الأخلاق السيئة في أوساطهم مخطط فاشل في ظل تصاعد الوعي الديني في أوساطهم، فقد سعى لسنوات إلى جعلهم كائنات ليست يهودية في دينها ومكتسباتها، ولكن بلا هوية، وشجع على تقليدهم الإسرائيليين في اللباس  والمظهر والسلوك والتعامل ومفردات اللغة العبرية، فحدثت صحوات متتالية بلورت وأبرزت هويتهم العربية والإسلامية.

وهم يعيشون ضائقة اقتصادية كبيرة، صحيح أن وضعهم المادي يبدو أفضل من أهل الضفة وغزة بفرق واضح ولكن هذا ليس المعيار فهم في داخل كيان أسعار السلع والخدمات ومقدار الضرائب فيه أشبه بل أعلى من دول غربية.

ولذا فرضت عليهم المواجهة، فالكيان العنصري يضيق بهم ويريد التخلص منهم، وهم لن يرضوا بذلك وقد احتملوا كثيرا وهم سينفجرون، وهي مسألة وقت فقط، ومنذ هبة (أكتوبر/تشرين الأول 2000) وما قبلها ولكن على فترات زمنية متباعدة متقطعة نسبيا (أشهرها أحداث يوم الأرض 1976) تبين أنهم ليسوا بعيدين عن الهمّ الوطني الفلسطيني، وفي مواجهات العام الماضي 2021 اتضح أنهم يمكن أن يقلبوا المعادلة ويغيروا مسار الصراع.

وهم الذين عاشوا عقودا في فلسطين المحتلة يعرفون لغة العدو العبرية ويفهمونه أكثر من غيرهم، ويدركون نقاط ضعفه وقوته، وحين يتحرك هؤلاء لا يحتاجون مسيّرات ولا صواريخ ولا رشاشات ثقيلة، فيكفيهم الحجارة والعصي والسكاكين وأسلحة نارية خفيفة لجعل الكيان في حالة خطر حقيقي وجودي، مع الأخطار الأخرى التي ذكرتها وسأذكرها.

ومتوقع من العدو وقتها -وربما جهز الخطط لذلك- أن يستخدم قوته الباطشة فيقصف المدن غير المختلطة بالطائرات والدبابات ويرتكب المجازر، وهذا أيضا سيزيد وتيرة الصراع ويوسعه ويصهر آخرين في بوتقته، ولا خوف من نكبة جديدة بعون الله.

  • فلسطينيو الخارج

بصراحة لا تكفي المسيرات والمظاهرات ولا الهاشتاغات (الوسوم) على مواقع التواصل، فوجب على أبناء الشعب الفلسطيني في الخارج -وهم أكثرية الفلسطينيين- المساهمة في مسيرة التحرير وجهود إنهاء النكبة المستمرة منذ 74 سنة؛ فمنهم أثرياء يجب أن يجودوا مثل أثرياء اليهود في العالم، وإلا صارت تعريتهم وفضحهم واجبا وطنيا، ولا داعي للمجاملات التي سادت عقودا، أما من الناحية العسكرية فيجب أن ينظم الفلسطينيون في الخارج مجموعات تناوش العدو عبر كل الحدود ولو كان نتيجتها في أذى العدو ضئيلا في البداية، وهنا قد يقول قائل: ليفتح العرب لنا الحدود سترون أننا سنقاتل قتالا دونه النصر أو الشهادة…عبارة سمعناها وقرأناها مليون مرة، كفى، كفى، كفى!

فأنتم تعلمون أن الدول العربية بوضعها الحالي صارت أشبه بحارس للحدود الإسرائيلية تحت يافطات وشعارات ومبررات مختلفة، بل إن نظام (الممانعة) في دمشق يُقصف بضع مرات سنويا ومؤخرا أخرج القصف الإسرائيلي مطار دمشق الدولي من الخدمة، وكالعادة اكتفى النظام بالشجب والاستنكار والتوعد بالرد في المكان والوقت المناسبين، ربما يوم القيامة سيرد!

وقد يتهمونكم بالعمالة للموساد من أجل جرّ هذه الدول إلى دمار وخراب.. فليكن لديكم مخططات وعمل على إعادة دوركم في الكفاح المسلح دون انتظار شيء من العرب حاليا، اللهم إلا من أراد منهم مساعدتكم والانضمام إليكم.

ولا تتحججوا ببطش وقوة النظم العربية، فإخوتكم في غزة والضفة يواجهون كما ترون أقوى جيش في المنطقة، أما القول إن بطش الأنظمة العربية، وإن كانت أضعف عسكريا وأمنيا من الكيان العبري، أكبر، فليس المطلوب منكم خوض حرب معهم بل الالتفاف على إجراءاتهم وأمنهم، فالمال ليس فقط يستطيع تهريب سلع وغيرها، بل يستطيع توفير أرضية أو ممرات لمقاومة العدو.

وبصراحة فإنه وإن كان قمع الأنظمة العربية أكبر وأكثر لؤما من إسرائيل حاليا، فإن إجراءات إسرائيل أكبر وأضخم ومعقدة جدا؛ ولتوضيح الفكرة: إسرائيل تصدر أحكاما بالسجن المؤبد على من يقتل إسرائيليا، وأحكاما أخف (من بضعة أشهر إلى بضع سنين) على من يقوم بأعمال لا تؤدي إلى إصابات بشرية، بينما النظم العربية قد تحكم بالسجن 10 أو 15 سنة على من سار في مسيرة أو خطط وحاز سلاحا، ولكن إسرائيل إجراءاتها الوقائية أشد مئة مرة أو أكثر من الدول العربية بحكم امتلاكها تقنيات أمنية متطورة بعضها معروف وبعضها مجهول، مع عيشها هاجس الأمن والخوف وانعدام الثقة المطلق بأي كان، ولننظر كيف تبني أسوارا محصنة بينها وبين دول وقعت معها اتفاقيات سلام، لأنها تتوقع الأسوأ.

وإذا امتلك الفلسطينيون في الخارج الإرادة ونظموا مجموعات عنقودية سيفقد الكيان أمن حدوده، بالتزامن مع فقدانه الأمن الداخلي، وعندها سيكون جاهزا للمعركة الفاصلة التي ستجعله في خبر كان.

هل التحرير بعيد زمنيا؟

التحرير قريب وإسرائيل تعيش أزمات داخلية مختلفة، وليس لها عمق إستراتيجي، ولن تحضر أميرا لحمايتها لا هي ولا بريطانيا وفرنسا عندما تقع الواقعة، وحتى لو حضرت لن تحميها من مصيرها المحتوم، لأنها مجتمع فسيفساء من المهاجرين الباحثين عن أمن فردي قبل كل أيديولوجيا أو مزاعم توراتية، وأول هزيمة فعلية واسعة لها هي آخر هزيمة.. كما أن الغرب أقام إسرائيل كي تحمي وتدافع عن مصالحه لا أن يقوم هو بحمايتها مثلما دأب عليه منذ تدمير الجيش العراقي عام 1991 حتى الآن، ولا بد أن يصلوا أنها عبء عليهم وفقدت أهميتها المركزية، وبخصوص خوف أوروبا من عودة اليهود إليها وهي التي تنفست الصعداء بخروجهم منها، فإن الغرب يمكن أن يدبر أمرهم في مكان آخر غير القدس ويافا والجليل وأيضا غير باريس ولندن وبرلين!

وتصريحات نفتالي بينيت وما ينتشر عنهم حول ما يسمى (عقدة الثمانين عاما) أي شعورهم بأن كيانهم لن يعيش أكثر 80 عاما أمر يدل على أنهم لا يعيشون عصرهم الذهبي، وسرديتهم تواصل انهيارها، خاصة كذبة أحقيتهم في الأرض أو (أرض بلا شعب لشعب بلا أرض) وترسانتهم الحربية لن تظل متفوقة أو غير قابلة للهزيمة في عالم يشهد تحولات وفي ظل إمكانية امتلاك منظومات عسكرية كافية لمواجهتها وإلحاق الهزيمة بها، في ظل تراجع الروح القتالية عند جنودهم.

هذا ليس خيالا أو حلما بل كل من يستخدم المنطق العلمي سيجد أن تحرير فلسطين صار ضرورة في ظل خطر إسرائيل، وهو ممكن وقريب أيضا بإذن الله تعالى.

،،،،

تم النشر في 14 حزيران-يونيو 2022

https://www.aljazeera.net/blogs/2022/6/14/%D8%AA%D8%AD%D8%B1%D9%8A%D8%B1-%D9%81%D9%84%D8%B3%D8%B7%D9%8A%D9%86-%D8%B6%D8%B1%D9%88%D8%B1%D9%8A-%D9%88%D9%85%D9%85%D9%83%D9%86-%D9%88%D9%82%D8%B1%D9%8A%D8%A8-%D8%AE%D8%B7%D9%88%D8%A7%D8%AA

 

هل يستطيع الفلسطينيون وحدهم تحرير فلسطين؟!

 

يوم الأحد 28 شوال 1443هـ الموافق 29 مايو/أيار 2022 سيظل يوما محفورا في الذاكرة الفلسطينية خاصة، والذاكرة العربية والإسلامية عامة؛ فقد نظم المستوطنون الصهاينة "مسيرة الأعلام" في مدينة القدس (الشطر الشرقي)، ومثلما دأبوا عليه منذ عقود، شتموا النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وسبوا العرب، وأبدوا شماتة بهم، وتفاخروا بالتطبيع مع دول عربية. كان ذلك عصر الأحد، وفي الصباح اقتحمت مجموعات من قطعان المستوطنين باحات المسجد الأقصى واعتدى الجنود على المرابطين فيه، وأغلقوا المسجد القبلي وأطلقوا قنابل الصوت، وغير ذلك من مشاهد بثت بثّا حيّا مباشرا عبر الفضائيات والإنترنت!

وبقدر الألم والحزن من هذه العربدة التي مرت من دون عقاب مكافئ، خاصة أنه سبتقها تهديدات من مختلف الفصائل الفلسطينية بأن المسيرة "لن تمر"، فإن هناك بصيص أمل وتغيرا ظاهرا؛ فقد استنفرت سلطات الاحتلال الصهيوني قوى الجيش والشرطة والمخابرات ونشرت الآلاف من العناصر، ناهيك عن مئات آخرين بلباس مدني (مستعربين) حتى مرّ ذلك اليوم "بسلام".

هذه المسيرة بمناسبة احتفال الكيان العبري بما يسميه (ذكرى توحيد القدس) وفق التقويم العبري؛ ومعلوم أن مدينة القدس احتلت على مرحلتين: الأولى شملت الجزء الغربي في نكبة 1948، والثانية أتت على الجزء الشرقي الذي يحوي المسجد الأقصى وكنيسة القيامة في هزيمة 1967.

هذا الحدث وما سبقه من اعتداءات متواصلة في جنين وغيرها من مدن الضفة الغربية، مع عربدة غير مسبوقة لقطعان المستوطنين في الشوارع والطرقات واعتداءاتهم التي لم تتوقف حتى كتابة هذه السطور على المزارع والبيوت والمدارس، تجعلنا نتساءل: حتى متى ستظل هذه الحال؟ ومتى ستتحرر فلسطين من هذا الاحتلال الذي مضت عليه 74 سنة تغيرت فيها دول وحكومات وشهدت كثيرا من الأحداث عالميا وإقليميا ومحليا؟

والسؤال الذي تناقشه هذه السطور كما في العنوان: هل يمكن للشعب الفلسطيني وحده تحرير أرضه؟

مسؤولية دينية وأخلاقية وسياسية وغيره

لا يخفى عليّ أن هناك ظاهرة انتشرت ملخصها: أيها الفلسطيني، اقلع شوكك بيدك، فهذه أرضك وقضيتك وحدك!

لقد تخلى النظام العربي الرسمي تدريجيا عن مسؤولياته تجاه القضية الفلسطينية، واستطاع تقليص حجم القضية رسميا من قضية عربية إسلامية، إلى قضية تخص دول الطوق، ثم إلى قضية تخص الفلسطينيين وحدهم، ومؤخرا في ظل حمّى التطبيع يحاول بجنون نقل ما كان رسميا إلى الفضاء الشعبي، بغض النظر عن نسبة نجاحه في هذا الأمر.

ضاربا عرض الحائط بما كان متفقا عليه ضمنا بأن خيارات الأمة يجب ألا تخضع لضرورات وإكراهات الأنظمة والحكومات.

ولكن العالم الإسلامي والعربي يتحمل أمام الله أولا ثم أمام الأمة وأجيالها مسؤولية كبيرة لا يمكن القفز عنها تجاه فلسطين.

فالمسجد الأقصى هو أولى القبلتين وثالث المسجدين التي تشدّ لها الرحال، وإلا فليردفوا إعلانهم بأن فلسطين قضية لا تخص العرب، بإعلان أن المسجد الأقصى ملك الشعب الفلسطيني ويخصه وحده.

ولن تجدي محاولات بعض الأنظمة عبر بعض الأبواق التي تردد أن المسجد الأقصى ليس في القدس قلب أرض فلسطين، بل في الجعرانة قرب مكة على طريق الطائف، أو غير ذلك من الترهات التي مهما أنفق عليها وفي سبيلها لن تخترق الوعي الجمعي للمسلمين.

ولا يتسع المجال إلى سرد كل ما تسبب فيه النظام العربي الرسمي من كوارث تجاه فلسطين وشعبها في محطات تاريخية، ابتداء من النكبة حينما منعوا وجود كيان فلسطيني على أي جزء من فلسطين الانتدابية، وليس انتهاء بالتحالف المتواصل مع الكيان الصهيوني.

وبعض الأنظمة هي نتاج انقلابات عسكرية بررها القائمون عليها بأنها احتجاج وثورة على تقاعس النظم السابقة تجاه فلسطين، وأن هدف الانقلابات إزالة إسرائيل، وإذ بهم يتحولون إلى حلفاء للتي زعموا أنهم يريدون إزالتها.

كما أن فلسطين احتلت أول مرة من الإنجليز وهي تحت حكم السلطنة العثمانية، وبغض النظر عن أسباب وظروف الهزيمة، فإن ثمة مسؤولية تاريخية وأخلاقية على من ورث السلطنة، وفي نكبتي 1948 و1967 لم يكن هناك جيش فلسطيني ولا حتى كان مع شعب فلسطين سلاح يذود به عن وطنه، وكون الجيوش العربية لم تستطع التصدي للقوات الصهيونية كما ينبغي، يجعل الدول العربية أمام مسؤولية تاريخية وأخلاقية.

ومع أن القُطرية صارت صنما يعكف عليه كثير من العرب بدل ما صدعوا رؤوسنا به من المزاعم القومية، فإن شعب فلسطين شعب عربي أصيل، وجزء من الأمة العربية.

والأهم من كل ذلك أن الكيان العبري خطر على الأمة العربية والإسلامية وزرعته القوى الإمبريالية ليكون كالسرطان في جسد الأمة، ليحول بينها وبين أي مشروع نهضوي على أي مستوى كان؛ فمحاربة الصهيونية ليست خدمة أو "منّة" على الفلسطينيين بقدر ما هي دفاع عن الذات لكل عربي، ولو كان بعيدا عن حدود فلسطين.

ولو أن شعب فلسطين قبل الرشاوى السخية من الكيان الصهيوني عبر عقود، ولم يقاوم ويصمد بما هو متاح له لتمدد المشروع الصهيوني بشكله الاستيطاني العسكري إلى بلاد عربية أخرى، ولكن الفلسطيني قبض على الجمر وقاوم واحتمل القتل والسجون والمنافي والتضييق وما زال.. وهو يتهم اليوم بأنه قد باع أرضه وقبض ثمنها من الحركة الصهيونية.. يا عيب الشوم على كل من تسوّل له نفسه قول هذه الفرية!

كيف يحرر الفلسطيني وطنه؟

الوضع العربي في أسوأ حالاته؛ فحتى حين تنازل العرب وقبلوا وجود إسرائيل على 78% من أرض فلسطين، زادت إسرائيل عنجهية واستعلاء، وحين طرحوا مبادرة للتطبيع الشامل في 2002 مقابل انسحاب إسرائيل إلى حدود 1967 لم يحصلوا على شيء.

وهم اليوم يهرولون إلى التطبيع في ظل تغوّل الاستيطان وفي ظل سعي إسرائيلي محموم إلى تهويد القدس، ومخططات خبيثة معلنة ومخفية لهدم المسجد الأقصى وبناء الهيكل المزعوم على أنقاضه.

وصار بعضهم حليفا لإسرائيل، وقد نرى قطاعات من جيوش عربية تقاتل جنبا إلى جنب مع "تساهال" في ظل استمرار التردي والانحطاط.

ومنذ مدة، تنبه الفلسطينيون -خاصة داخل فلسطين المحتلة- إلى ضرورة الاعتماد على الذات وتفعيل وتصعيد مقاومتهم للاحتلال، وذلك بعدما تبين لهم أن العرب بين عاجز أو متخاذل أو متحالف مع الصهاينة، وأن أمل تغير الواقع العربي يبدو بعيدا في المنظور القريب.

وحققت المقاومة الفلسطينية تقدما وتطورا ملحوظا، تسبب في مشكلات متتالية للمشروع الصهيوني الذي صار يرى أنه في خطر وجودي على لسان بعض قادته ومفكريه.

هل يمكن للمقاومة تحرير فلسطين

من النهر إلى البحر أو حتى جزء منها؟

اندحار الاحتلال الإسرائيلي عن قطاع غزة (1% من مساحة فلسطين الانتدابية) في 2005 وتفكيك المستوطنات على يد أرييل شارون الذي كان يتبجح بأن "نتساريم" مثل تل أبيب؛ أظهر أن المقاومة الفلسطينية تستطيع تحقيق ما لا نبالغ إذا قلنا إنه معجزة.

وتحوّل قطاع غزة الذي يفترض أنه منطقة ساقطة من الناحية الإستراتيجية العسكرية -كونه شريطا ساحليا ضيقا مكشوفا مكتظا بالسكان- إلى منطقة تؤرق إسرائيل بما قامت به المقاومة من تطوير قدراتها العسكرية وفق الإمكانات، وبمساعدات تعد قليلة من العرب، بل هناك تآمر عربي عليها وحصار وتضييق ومعاناة تتعمد بعض الدول العربية فرضها بحجج سخيفة.

وكان آخر تجليات التقدم الكمي والنوعي للمقاومة الفلسطينية في قطاع غزة ما جرى العام الماضي في شهر رمضان المبارك؛ أي "معركة سيف القدس"، التي كان من نتائجها النفسية والمعنوية البارزة زيادة هائلة في حجم القناعة بإمكانية هزيمة إسرائيل ومحوها من الخريطة وتحرير فلسطين.

خاصة أن هذه المعركة جاءت في ظل الوضع العربي الذي تحدثنا عنه، وبعد سنوات من فقدان الأمل في مخرجات تغير موازين القوى في الأقطار العربية بعد نجاح الثورات المضادة بالقضاء على الربيع العربي.

الواقع يفرض نفسه

ولكن إسرائيل كيان قوي يتمتع بقدرات عسكرية وتقنية رهيبة، وإذا كانت دول عجزت عن تحقيق توازن إستراتيجي معه فكيف بمقاومة محاصرة في 360 كيلومترا مربعا، مهما امتلك رجالها من قوة إرادة وشجاعة وذكاء، أو تلقوا دعما يأتيهم بشق الأنفس من بعض الدول أو الشعوب؟

وحين تجد إسرائيل نفسها أمام خطر وجودي لن تتردد في استخدام قوتها الباطشة بلا تردد أو حسابات سياسية.

هذا واقع يبدو أنه في غمرة تحقيق المقاومة انتصارات غير مسبوقة قد غاب عن الوعي الفلسطيني نسبيا، وإجمالا تظل إستراتيجية المقاومة على الأقل حاليا دفاعية مع كل ما وصلت إليه خلال السنوات الماضية.

حين حشد الفلسطينيون الحشود الغفيرة على حدود قطاع غزة، في الذكرى السبعين للنكبة (مايو/أيار 2018)، وتمكن الشبان من إزالة السياج والتوغل إلى خارج حدود القطاع نحو أراضي آبائهم وأجدادهم بلا أسلحة، معتمدين أسلوبا مدنيا سلميا، أطلق جنود الاحتلال النار عليهم، فاستشهد نحو 60 منهم وجرح مئات آخرون.

ذلك لأن الكيان رأى أن خلق واقع بشري جديد بحشود متتالية خطر وجودي.

أضرب هذا المثل القريب نسبيا لمزيد من توضيح الفكرة بأن إسرائيل لها قوة باطشة تستخدمها إذا شعرت بأن الخطر كبير ويتهدد وجودها.

والخلاصة أنه لا يمكن للشعب الفلسطيني تحرير فلسطين خاصة القدس وحده، ولكن هذا لا ينفي دوره المركزي في عملية ومسيرة التحرير.. وعن المطلوب للتقدم نحو هذا الهدف (التحرير) سأتحدث في المقال القادم بمشيئة الله.

،،،،

تم النشر في 1 حزيران-يونيو 2022

 https://www.aljazeera.net/blogs/2022/6/1/%D9%87%D9%84-%D9%8A%D8%B3%D8%AA%D8%B7%D9%8A%D8%B9-%D8%A7%D9%84%D9%81%D9%84%D8%B3%D8%B7%D9%8A%D9%86%D9%8A%D9%88%D9%86-%D9%88%D8%AD%D8%AF%D9%87%D9%85-%D8%AA%D8%AD%D8%B1%D9%8A%D8%B1


مع مذكرات أخطر سفير إسرائيلي في مصر (1)

لدي قناعة أن ذهاب أنور السادات إلى خيار التسوية مع إسرائيل؛ و زيارته المشؤومة إلى القدس في 1977 وصولا إلى توقيع اتفاقات كامب ديفيد في 1979 ه...