الاثنين، يناير 12، 2026

مع مذكرات أخطر سفير إسرائيلي في مصر (1)


لدي قناعة أن ذهاب أنور السادات إلى خيار التسوية مع

إسرائيل؛ و زيارته المشؤومة إلى القدس في 1977 وصولا

إلى توقيع اتفاقات كامب ديفيد في 1979 هو سبب كل ما كان

بعده من عربدة إسرائيلية في المنطقة واستفرادها بكل طرف

عربي.

وفي خضم المحرقة القائمة في قطاع غزة نتوقف عند حقيقة

تحوّل وتبدّل الدور المصري، والذي تسبب في إمعان إسرائيل

في جرائمها دون حسيب أو رقيب، وهي مطمئنة إلى محدودية

الدور المصري في الصراع.

مذكرات موشيه ساسون

لا بد من العودة إلى الجذور وأساس المشكلة، ولا بد من

مجاهدة النفس المستهلكة في متابعة الأخبار المستجدة

وتحديثاتها العاجلة على مدار الساعة، والعودة إلى الدراسات

والكتب والمذكرات.

واخترت لهذا السبب كتاب ((مذكرات أخطر سفير إسرائيلي في

مصر)) والذي وسمه المؤلف بـــ ((7 سنوات في بلاد

المصريين)) أي أننا أمام ترجمة لمذكرات، كاتبها هو (موشيه

ساسون، 1925-2006) السفير الثاني لإسرائيل في القاهرة،

ولسنا أمام مذكرات كاملة، والتي عادة تتناول سيرة الشخص

منذ ولادته، وحتى الحديث عن تاريخ عائلته؛ بل أمام سبع

سنين تقصّد الرجل الحديث عنها، باعتبارها ربما الأهم في


2

حياته، بدأت عندما مضى من عمره 56 سنة وانتهت وقد مضى

منه 63 سنة، مع إشارات مقتضبة إلى وظائفه ومناصبه

السابقة في الحكومة الإسرائيلية.

و النسخة العربية المترجمة صادرة عن دار الكتاب العربي في

دمشق والقاهرة، وقد صدرت الطبعة الأولى ١٤١٤ هـ - ٩٩٤

م، في ٢٩١ صفحة من القطع المتوسط، أما النص العبري

الأصلي فقد صدر في 1992.

وسنكون معها في ثلاث حلقات متتالية بمشيئة الله تعالى.

مقدمة جيدة وأخطاء إملائية

إن المقدمة(ص1-ص11) الصادرة عن المترجم جيدة ومفيدة

وتساعد القارئ على سبر أغوار النص من جهة، ومن جهة

أخرى ترد على السردية الإسرائيلية.

بيد أن ما يزعج القارئ كثرة الأخطاء الإملائية والمطبعية في

الكتاب/ المذكرات المترجمة والتي لا تكاد تخلو منها صفحة

تقريبا، وبعضها يقلب أو يغير المعنى.

ولست أدري كم طبعة صدرت من هذه الترجمة، لأن ما قرأته

هو الطبعة الأولى، ولا علم لي هل تم تصويب وتصحيح الأخطاء

الإملائية والمطبعة أم لا، في طبعات لاحقة مفترضة.

أما مقدمة المذكرات فقد كتبها (آبا إيبان) السياسي والدبلوماسي

الإسرائيلي النشط والذي له اطلاع ومعرفة باللغة العربية

وآدابها، وهي مقدمة قصيرة جاءت في أقل من صفحة واحدة

(۱۳ص).

شخصي وسياسي


3

يمتاز نص الكتاب/المذكرات بالمزج بين الحديث عن المهمة

السياسية والدبلوماسية للكاتب (موشيه ساسون) بحكم موقعه

الحساس والذي دام سبع سنوات متتالية ١٩٨١ - ١٩٨٨

سفيراً لإسرائيل في القاهرة خلفا للسفير الأول (إلياهو بن

اليسار) والانطباعات الشخصية والملاحظات والاستنتاجات

الخاصة، والحديث عن تفصيلات حياته الشخصية مثل مرض

زوجته(طوفا) بالزهايمر وموتها وموت ابنهما، وهو ما قرر

بسببه -كما يقول- ترك منصبه لكي يعيش إلى جانب ابنته

وزوجها وأحفاده.

وفي تمهيده للمذكرات ينوّه إلى ما يلحظه القارئ فيها؛ حيث لا

توجد هناك صور لأية وثيقة أو مراسلة، ولا صورة فوتوغرافية

واحدة، مع أنه أشار إلى وجود مصوّرين محترفين في بعض

المناسبات التي شارك فيها.

بالتأكيد لا يمكن اعتبار الرجل مجرد سفير، وقد شغل منصب

سفير سابق في روما قبل القاهرة، وعمل في وزارة الخارجية؛

فهو أساسا خدم في شبابه في استخبارات الهاغاناه، أي أن

ساسون عسكري ورجل مخابرات صهيوني في الأساس، كما أن

كل السفارات الإسرائيلية، هي بالضرورة أفرع عمل للموساد

إلى جانب مهمتها الدبلوماسية المعلنة.

ومما لا شك فيه أن (موشيه ساسون) كان معنيا كما يتضح من

المذكرات أن يتغلغل في المجتمع المصري، بالتزامن مع توطيد

العلاقات مع المسؤولين المصريين؛ والذين أكثر الإشادة بهم

خاصة الرئيس السابق أنور السادات وكمال حسن علي (وزير


4

خارجية) ويوسف والي (وزیر زراعة و نائب رئيس وزراء) و

غيرهم.

نجيب محفوظ وأنيس منصور

في المقدمة التي خطّها المترجم، انتقاد لنجيب محفوظ الذي

تجاوز دور الأديب ودخل ما لا يعنيه، وهو نقد مهذب من

المترجم مردّه ربما مكانه نجيب محفوظ الذي نقل الأدب

المصري بل العربي الحديث إلى العالمية.

وقد طال الأديب الشهير (نجيب محفوظ) والكاتب الصحفي

(أنيس منصور) مدحا وإشادة واضحة من (موشيه ساسون)

لأنهما أظهرا تأييدا للسلام والتطبيع مع إسرائيل، وتحدث

ساسون عن لقائه بهما، وتطرق إلى مواقفهما التي كانت معلنة

وصريحة.

وهنا وجب السؤال المشروع: هل ساهم موقف نجيب محفوظ

المتماهي مع السادات في العلاقة مع إسرائيل في سهولة أو

لنقل إزالة العقبات المفترضة وحصوله على جائزة نوبل في

الآداب في 1988 ؟

مما يتبين لنا في السياق ذاته أن الحاكم ونظامه لا يستغني عن

رجال وشخصيات من الوسط الثقافي يروّجون لخطواته

السياسية.

وفي حالة السادات فإن الأمر أكثر تعقيداً فهو استخدم أدیبا بارزاً

مخضرما، وصحفيا معروفا لتسويق فكرة السلام والتطبيع مع

إسرائيل التي كان بينها وبين مصر حروب منذ أيام الملكية

وخلال فترة الجمهورية المصرية الأولى، وجزء من فترة


5

الجمهورية الثانية التي كان السادات على رأسها، أي أنك أمام

تاريخ حافل من الحروب التي يردف فيها النشاط العسكري،

تعبئة يشارك فيها الوسط الثقافي والفني والإعلامي، ولا يغيب

هذا عن السادات، ولكنه باستخدام نجيب وأنيس أراد (خرق

الجدار) وإحداث صدمة وتهيئة نفسية لتوجهاته التطبيعية.

تمجید السادات

يتحدث موشيه ساسون عن أنور السادات، وعن زوجته جيهان

التي التقاها وتبادل الحديث معها مرارا، بل لم تفوّت جيهان

فرصة دعوته إلى زيارة منزلها في خواتيم أيام مهمته كسفير

في مصر، وقد لبّى الدعوة.

وواضح تماماً أن السادات، كان يريد (سلامًا دافئا) مع إسرائيل،

وهو من الذين تأثروا أو اقتنعوا بالفكرة السخيفة، التي تقول أن

الإزدهار والرخاء سيعمّ مصر والمنطقة إذا (توحّدت) الكفاءات

العلمية والتقنية الإسرائيلية مع الموارد المصرية (والعربية

طبعا) سواء البشرية أو الطبيعية مع المخزون والإرث التاريخي

والحضاري لمصر والعرب.

ومع أن أكثر فترة مهمة موشية ساسون في مصر كانت بعد

اغتيال السادات فهو سافر إلى القاهرة من مطار بن غوريون

في 18 أيار-مايو 1981 كما أوضح ( ص ١٩) أي أن

معاصرته كسفير للسادات لم تتجاوز بضعة أشهر فقط، وبقية

المدة في زمن حسني مبارك.

ولكنه أكثر من الإشادة وكيل المديح والتمجيد للسادات

وزوجته، وأكد أن موقفه من السادات هو موقف دولته، وخاصة

رئيس الوزراء آنذاك(مناحيم بيغن).

،،،

من قلم:سري عبد الفتاح سمّور(أبو نصر الدين)-جنين-أم الشوف/حيفا-فلسطين

تم النشر في 20/8/2024م

مدونات الجزيرة

مع مذكرات أخطر سفير إسرائيلي في مصر (1)

لدي قناعة أن ذهاب أنور السادات إلى خيار التسوية مع إسرائيل؛ و زيارته المشؤومة إلى القدس في 1977 وصولا إلى توقيع اتفاقات كامب ديفيد في 1979 ه...