الأربعاء، يوليو 31، 2013

أزمة قراءة أم أزمة كتاب؟


أزمة قراءة أم أزمة كتاب؟
بقلم: سري سمّور

هل لدينا مشكلة أو أزمة قراءة حقا؟ هذه مشكلة يؤكد وجودها خبراء ومتابعون وأساتذة جامعيون؛ بل إن بعضهم يقدّر معدل الوقت الذي يخصصه الإنسان العربي للقراءة بعشر دقائق سنويا فقط!
وانتشرت مقولة:أمة إقرأ لا تقرأ، في مختلف الأوساط الثقافية والتعليمية وصولا إلى أحاديث الناس فيما بينهم، وقدم بعضهم أسبابا مختلفة لتراجع أو شحّ القراءة والاطلاع لدى الفرد العربي، منها، على سبيل المثال لا الحصر، ثورة تكنولوجيا الاتصالات والمعلومات، لا سيما انتشار القنوات الفضائية، وشبكة الإنترنت، خاصة مواقع التواصل الاجتماعي مثل فيسبوك وتويتر، وميل الفرد إلى متابعة هذه الوسائل والتعامل معها، وتـفضيلها على الكتاب، بل لربما خلقت عنده نوعا من الفتور أو حتى النفور من الكتاب.
ومع أن الكتاب الإلكتروني هو من مخرجات تكنولوجيا المعلومات الحديثة، وارتباطه بالإنترنت شبه عضوي، إلا أن وجوده لم يحسّن  حركة القراءة كثيرا، حتى مع وجود بيئة صديقة للقارئ والقراءة وفرها الكمبيوتر اللوحي(الآيباد).
من وجهة نظري فإن الأزمة هي أزمة كتاب، أكثر منها أزمة قراءة، وأحد أهم أسباب الأزمة وأبرزها هو الميل نحو قراءة الجمل المختصرة والقصيرة، وهو ما توفره مواقع التواصل الاجتماعي، خاصة تويتر(140 حرفا كحد أقصى للتغريدة الواحدة)، وحتى في فيسبوك الذي يتيح للمستخدم  كتابة منشور(بوست) طويل، إذا أراد، فإن القارئ ربما يشعر بالملل والعجز عن التركيز بعد السطر الثالث، أو الخامس، وحين تلجأ لوضع رابط لمقال معين في مواقع التواصل فإن المتابع قد يفتح الرابط لكنه قد لا يقرأ المقال كاملا...هناك من يرى أن النزوع إلى الاختصار، سواء إجباريا مثلما هي بيئة تويتر، أو اختياريا مثلما هي بيئة فيسبوك -لمعرفة من يكتب أن القارئ سيمل سريعا- تحفز العقل، على عصر الأفكار وتـقديمها بكلمات قليلة، بدل الإسهاب والإطناب، وقول ما يلزم، وما لا يلزم، وتساعد على تـثـبيت المعلومة في الذهن؛ وبالنسبة لي أرى أن الفكرة ليست جديدة تماما، فمثلا أوراق التقويم اليومي(الروزنامة) يوجد على كل ورقة منها معلومة دينية أو علمية أو سيرة ذاتية مختصرة لأحد المشاهير، أو حكمة أو أبيات شعر مختارة أو حديث عن مناسبة تتوافق مع تاريخ معين...إلخ وهي ورقة صغيرة مساحتها حوالي 30 سم2 ومعدل ما يكتب عليها حوالي 100 كلمة؛ ففكرة التغريدات ليست جديدة، لكن التقنية تطورت.
ولكن هذه الاختصارات لا تغني عن القراءة المفصلة، والرجوع إلى الكتب والمراجع؛ فحتى القرآن الكريم فيه سور قصيرة، وأخرى طويلة، وفيه آية الدَّين وهي أطول آية في الكتاب العزيز، وهي في أطول سور القرآن الكريم، سورة البقرة/ آية 282 فهذا حال كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فكيف مع كلام البشر الموسوم بالنقص، مثلما يقول العماد الأصفهاني؟
ولكن لو جمعنا ما يقرأه المفسبكون والمغرّدون، خلال ساعتين من نشرات وتعليقات، نرى أنه لا يقل عن عشر صفحات كحد أدنى، وهم أنفسهم من يشعرون بالملل الشديد عند قراءة صفحتين من كتاب،  هذا عوضا عما يقرؤونه على الشريط الإخباري المتحرك على شاشات الفضائيات المختلفة، والرسائل التي تصل إلى أجهزة هواتفهم المحمولة، ناهيك عن تصفحهم السريع لمواقع إنترنت معينة حسب ميول الشخص...فالشخص يقرأ كثيرا، من حيث عدد الكلمات والسطور، ولكن ليس من كتاب، سواء أكان الكتاب ورقيا أم إلكترونيا، مما يضع علامة استفهام كبيرة حول ما يطرح عن أزمة القراءة، بالمعنى المجرّد، وما يقوم به البعض بنفي صفة القراءة عن الفرد العربي عموما؛ فالعربي يقرأ كثيرا، ولكن ليس من الكتب؛ وهنا قد يقول قائل إن القراءة هنا سطحية، ولا يقرأ الفرد أفكارا مفيدة، أو معلومات ذات قيمة تذكر؛ وهذا أيضا حكم يفتقر إلى الدقة، فمثلا أنا عادة عند كتابة مقال أقوم بتقطيعه إلى فقرات وجمل قصيرة أنشرها على صفحتي في فيسبوك، ولست متفرّدا بهذه الطريقة، وهناك من يقرأ، وهناك من يقتطعون جملا وعبارات من كتب قيّمة وينشرونها بذات الطريقة، فكثير مما ينشر على فيسبوك وتويتر مقتطع من كتب ومقالات، وليس مجرد عبارات وجمل سطحية، ولا ننفي أن البعض يميل للأمور السطحية والفكاهات أكثر من الأفكار العميقة، والحكم والمعلومات المفيدة، والعبارات الرصينة، لكن نسبتهم ليست فوق الحد الطبيعي، وميولهم لا تمنعهم من مطالعة وقراءة ما يخالف هذه الميول.
فهل بات القارئ يحبذ (الوجبات السريعة) أو تناول(الطبق) على دفعات، تماما مثل تناول المريض جرعات الدواء؟ وإذا كانت الإجابة نعم، فما السبب؟ أرى أنه للإجابة على السؤال لا بد من النظر إلى الكتب، والتدقيق في أسباب عزوف ونـفور الفرد عن قراءتها والانتفاع بها وبمحتوياتها، مثلما يقبل على قراءة ما ينشر على الفيسبوك وتويتر، وشاشات الفضائيات؛ والأسباب كثيرة ومتنوعة، ولا شك أن التربية والتشجيع على القراءة عامل مهم؛ وأنا شخصيا أحرص على ابتياع مجلة مطبوعة شهريا لطفلتيّ(10 و 8 أعوام) تحوي قصصا قصيرة ملونة ومعلومات مختلفة ومسابقة ثـقافية، وأقوم بأخذهما إلى مكتبة البلدية العامة وتحديدا إلى الجناح المخصص للصغار، مرة في الأسبوع، فتقومان بالقراءة لمدة ساعة، وتستعير كل منهما بعض القصص المصورة، والنتائج جيدة ولله الحمد، وطبعا طفلتيّ مثل باقي الأطفال تتابعان قنوات الأطفال المتلفزة، وتلعبان ألعابا إلكترونية على الإنترنت، وتلهوان وتلعبان مع بقية الأطفال، فليس بالضرورة أن تلغي عادة القراءة ما بات من يوميات الطفل ونشاطاته المعتادة الأخرى، وأنا أطرح تجربتي الشخصية لأنني رأيت أنها نجحت، وقدمتها لغيري فنجح أيضا.
ولكن مع أهمية الاهتمام المنزلي بحض الطفل على القراءة، فهناك واجبات في ذات السياق تقع على عاتق المدارس وسائر المؤسسات التربوية والتعليمية، فمثلا لماذا لا يعلن عن جائزة مالية، ومالية بالذات، لمن يقرأ أكبر عدد من الكتب ويلخصها من الطلبة، من ضمن قائمة مختارة من الكتب، ولماذا لا يكون هناك نشاطات لمناقشة كتب معينة؟أعرف أن هناك نشاطات ومنتديات تقوم بذلك، ولكنها ليست ضمن المنهج الرسمي غالبا، ونجاحها متواضع، ومن يتفاعلون معها عددهم لا زال قليلا جدا.
والأمر المهم، وربما أهم من كل ما سبق، هو الكتاب نفسه، وطريقة إخراجه وتـقديمه إلى القارئ؛ في الدول الغربية التي فيها نسبة قراءة مرتـفعة، هناك شركات مختصة بإخراج الكتب وترتيبها وطباعتها بطريقة تجذب القارئ وتشدّه وتحضه على الاستزادة، ولا تشعره بالملل؛ ولعلنا نلاحظ أن كتابا في الغرب من تأليف مسؤول عسكري أو أمني سابق، أو موظف أو طبيب أو حتى بائع بسيط يكون مكتوبا بلغة رشيقة جاذبة للقارئ، وكأن من خطّه صحافي متمرس، أو أديب عتيد، ومن المؤكد أن النص الذي نـقرؤه ليس هو النص الأصلي، من حيث ترتيب الأفكار، وعرض العناوين لكل فصل، والتعبير عن الفكرة بجمل معينة...إلخ.
فهناك كتب تفرغ منها رفوف المكتبات، ليس بسبب محتواها فقط، بل لطريقة عرض وتنسيق الفصول، وانسيابية الأفكار، ورشاقة اللغة، والدعاية هنا ليست حاسمة تماما، فكثير من الكتب، حظيت بدعاية وترويج، ولكن القارئ فوجئ أن الدعاية كانت أكبر من قيمة الكتاب الحقيقية، وما أضافه من أفكار ومعلومات، والقارئ ليس غبيا...ولكن الأفضل هو دعاية موزونة للكتاب مع ترتيبه وإخراجه وطباعته بأسلوب جاذب للقارئ ، حريصا على تشويقه وتجنب ضجره وملله...والساحة العربية لا تزال تفتقر إلى هذا الأمر، والحجة الجاهزة لتبرير هذا الافتقار باتت مكرورة ومستهلكة:العرب لا يقرؤون!
هناك انجذاب عربي في السنوات القليلة الماضية للروايات، قراءة ومناقشة، وحتى تأليفا من قبل الشيوخ والشباب، وشراء واقتناء، أو استعارة، وهو أمر جيد، ويجب ألا ينظر له على أن سطحية، أو مجرد (برستيج ثقافي) وفعلا هناك روايات عربية أو أجنبية مترجمة إلى اللغة العربية تستحق عدد القرّاء الذي حازته، وهذا ينم على أن هجران الكتب نسبي، ويمكن علاجه، والإقبال على الروايات يزيد من تأكيد فكرتي:لدينا أزمة كتاب أكثر منها أزمة قراءة وقرّاء!
      ،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،
الأربعاء 22 رمضان 1434هـ ،31/7/2013م

من قلم:سري سمور(أبو نصر الدين)-جنين-أم الشوف/حيفا-فلسطين

الأربعاء، يوليو 10، 2013

تحالف الإخوان مع إيران...لماذا الآن؟!



تحالف الإخوان مع إيران...لماذا الآن؟!
بقلم: سري سمّور
هذه المقالة ستغضب وتثير قصيري النظر، وبعضا من الإخوان الذين لم يتعلموا من خطئهم وقصر نظرهم حين قاموا  بمجاملة السلفيين ومجاراتهم، ولكني أخاطب فيها العقل والعاطفة الصادقة، لا الناجمة عن قراءة قاصرة محدودة لمجريات السياسة.

(1)

ذبح الإخوان المسلمون  في مصر أيام الملكية، وأيام الجمهورية، وسجنوا وعذبوا، وتم حظر نشاطاتهم واعتبرت العضوية في الإخوان جريمة كبيرة تستوجب السجن وربما الإعدام، وذبحوا في سورية على يد حافظ الأسد، وبقراءة سريعة لما تعرضوا له من ذبح وتنكيل نلحظ أنه لم يكن لهم أي قوة محلية أو إقليمية أو دولية تسندهم وتشد من أزرهم، وتحمي بيضتهم، وتمنع البطش عنهم، وليس لأنهم اقترفوا بعض الأخطاء كما يتصور البعض؛ لأن الأخطاء لا تستحق هذا الغلّ والاستئصال، ففي ذروة الحرب الباردة لم يكونوا من المرضي عنهم من واشنطن ولا من موسكو، مع أن التهمة التي كانت ولا زالت تلصق بهم هي العمالة لأمريكا، مع أنهم لو كانوا كذلك لما تجرّأ عليهم أي نظام بهذه الوحشية ، ويكفي فقط أن نعلم أن الجامعة الأمريكية في القاهرة لم يتم تفتيشها بحثا عن مؤلفات سيد قطب، وقد قمع جمال عبد الناصر الشيوعيين مع الإخوان، ولكن الشيوعيين ما لبثوا أن أفرج عنهم وتم تعيينهم في مناصب في الدولة المصرية بضغط من روسيا مقابل الدعم العسكري، فيما قدم الإخوان إلى المشانق والسلخانات.
إن الإخوان بدوافع عقيدية وسياسية وعاطفية، وأيضا خوفا من انتقادات إعلامية أو شعبية، أو مزايدات من قوى إسلامية أو قومجية، لم يسعوا لعقد أي تحالف مع قوة يمكنها أن تسندهم، وربما يكون لهم سند في بلد طبيعته قبلية مثل اليمن، وهذا إسناد محلي لا يستهان به، ولكنه لا يصلح في بلدان نظامها بوليسي وقديمة.

(2)

وتبرير الإخوان لعدم السعي لحليف أو سند يستند إلى فهم سطحي للنصوص والسيرة والعقيدة الإسلامية؛ بالقول:إذا كان مع خصمنا الدولة الكبرى كذا، فنحن معنا الله...لا إله إلا الله...وهل الله –سبحانه وتعالى- يطلب منك القعود وعدم السعي لحماية نفسك؟ وهل تظن أن ملائكة ستقاتل معك أو طيرا أبابيل ستأتي لترجم خصمك وأنت قاعد لا تتحرك؟لقد انتزع القرامطة الحجر الأسود من مكانه وخلعوا باب الكعبة وقالوا ساخرين:أين الطير الأبابيل وأين حجارة السجيل؟!لم يحدث لهم شيء من هذا القبيل لحوالي 22 سنة حتى جاءهم التهديد والوعيد من القاهرة، وقبل ذلك، ألم يكن بعض الصحابة رضوان الله عليهم يستجيرون بالمشركين؟وسيدنا ومعلمنا ونبينا محمد-صلى الله عليه وآله وسلم- يسعى للتخفيف عن أصحابه وما يلاقونه من بلاء، فيطلب منهم الهجرة إلى الحبشة، ولا هجرة بعد الفتح، والفكرة أن الإسلام لا يقول للمسلم أن عليك الاكتفاء بالقول:الله معي، ويترك نفسه بلا سند ولا حول ولا قوة، وتبين أن الركون للسند الشعبي والجماهيري وحده غير كاف على الإطلاق!

(3)

جرى ما جرى، واستيقظ العالم على انقلاب عسكري في مصر، أيده من أيده، وعارضه من عارضه، وتحفظ عليه من تحفظ، وينتظر ويراقب من ينتظر حتى الآن، ولا تزال تداعياته تتفاعل، والله وحده يعلم إلى أين ستصل الأمور، ولكن ما يحاك هو سيناريو أبشع من 1954 و 1965 وغيرها من المحن والمعضلات.
وبصراحة الإخوان استعذبوا خطاب المظلومية، وعرض مآسيهم على الناس، لاستجلاب التعاطف، والتعاطف لم ينقذ قطبا من حبل المشنقة، ولم يغلق السجن الحربي، ومظلومية الإخوان سطرت في كتب، كتبوها هم، أو أناس آخرون، بمباركة أنور السادات، لاعتبارات سياسية وإعلامية خاصة به، بل إنه سمح للدراما ببث بعض من فصول محنة الإخوان، وعرض مظلوميتهم، ولكن أن تصبح المظلومية حالة مازوخية، فتلك والله طامة كبرى، وكأنهم لم يتعلموا من تجربة عمرها يقارب قرنا من الزمان.
إن التحرك السلمي وعدم الانجرار إلى العنف ضروري، وهو حقق العديد من الأهداف، ولكن ومع أننا في عصر الإعلام المفتوح، فإنه لا يوجد إعلام مضاد للانقلاب داخل مصر، بل حتى قبل الانقلاب كان الإخوان يفتقرون لوجود فضائيات، وليس لهم إلا اليتيمة مصر25، وبعد الانقلاب أغلقت كل القنوات، وطبيعة المصريين التأثر بإعلامهم أكثر من إعلام غيرهم، وإذا كان الداخل المصري أغلق فضاؤه أمامهم، فلم لا يكون لهم فضائية مصرية كاملة في الخارج، لأن الفضائيات التي تتعاطف مع د.محمد مرسي ليست مصرية، وهذه وصفة أو مدخل للطعن فيها من قبل خصومهم والانقلابيين.
من جهة أخرى فإن موضوع مصر لم يعد في مصر وحدها بل مفاتيحه في أمريكا وبعض دول الخليج، كما يعلم كل متابع لمجريات الأمور، تماما مثلما أن مفاتيح الحل في سورية موجودة في طهران وموسكو، مع فارق الظروف الموضوعية للبلدين، لكن الفكرة أن المفتاح في الخارج!

(4)

نعم أقول بأن على إخوان مصر أن يتحالفوا مع إيران، ولا شأن لحديثي ببقية فروع الإخوان، وحتى لا نبتعد ولا نشرّق ولا نغرّب فإن الفرع الإخواني في فلسطين وهو حركة حماس، قد اتخذ من دمشق مقرا له سنوات عدة، وكان في حلف معها، علما بأن نظام الأسد يحظر حركة الإخوان، ويحكم بالإعدام على العضو السوري فيها، وحركة حماس تربي عناصرها على مؤلفات سعيد حوّى و مصطفى السباعي وأشعار مروان حديد...هكذا هي السياسة، ولكل طرف ما يكسبه.
سيقولون لك:وما فعلته إيران في العراق هل ننساه؟بل أننسى ما تقترفه بيد حزب الله في سورية؟أننسى طمعها وشعوبيتها ووو...إلخ؛ قلت:لا، ولكن الحال في مصر مختلف، ومقاطعة إيران أو رفض التحالف معها، لإنقاذ ما يمكن إنقاذه،  لن يفيد سنة العراق ولا سنة سورية ولا سنة لبنان، ولن يفيد في ترك إيران لأفكارها.
وقد يقول قائل:إن إيران تدعم حمدين صباحي، وقنوات فضائية ممولة إيرانيا تشمت في الإخوان ومرسي، وتبارك الانقلاب وتتماهى تماما مع منفذه، فكيف يكون هكذا تحالف؟نعم سؤال وجيه، بخصوص الفضائيات فإن تغيير سياستها سهل ولا تحتاج سوى مكالمة هاتفية من مسؤول إيراني أو ربما سفير إيران في بيروت، ولا يستهينن أحد بإنقاص عدد الفضائيات المناوئة، فهذا بحد ذاته إنجاز...وأما صباحي فإيران ليست غبية لتترك حليفا مثل الإخوان كرمال صباحي، وهي تعلم أنه بفضل الإخوان تمتع بمقعد في البرلمان مرتين، ولو خيرت بين صباحي والإخوان ستختار الإخوان لأنها تعرف حجمهم وشعبيتهم وحسن تنظيمهم، وعلى كل هي ليست مخيرة لأنها يمكن أن تكسبهما معا.
وهناك من يراهن على تغير الموقف الأمريكي، وهذا وهم وأصلا منذ أن عينت آن باترسون سفيرة في القاهرة هناك من توقع أمرا سيئا، والانقلابيون يلعبون على وتر دعاية عمالة الإخوان لأمريكا، دون أن يستفيد الإخوان من أمريكا شيئا، وهناك كثير من العامة يصدقون ذلك، وينسون أو ربما لا يعلمون أن أمريكا تقدم للجيش المصري مساعدات سنوية، وأمريكا تراقب وستعلن تأييدها للمنتصر.
وهناك من يقول علينا الإفادة من تركيا فقط، سبحان الله، أنسيتم المثل الشعبي«زيادة الخير خيرين»؟ لم حشر النفس هكذا، وعلى كل تركيا لها مشكلات كثيرة حاليا في الداخل والخارج، وتبين أن طريقة الإصلاح التي اتبعت في تركيا والتي حاول مرسي محاكاتها، لا تصلح في مصر ولا في بلاد العرب جميعا!

(5)

ولكن ماذا يمكن أن تفيد إيران الإخوان وبالعكس؟وهل ستسامحهم أو يسامحوها على ما كان؟أجيب عن الثاني:السياسة ليست حب وكراهية، بل منافع متبادلة.
أما الإخوان فإنهم باتوا يدركون أن إيران لا تتخلى عن الحليف، وأفضل أوقات عقد الصفقات المربحة للطرفين هي حين يكون الطرفان في مأزق!
فإيران تورطت في سورية وتدرك أن بشار الأسد راحل وأن نظامه يصارع للبقاء، ولقد خسرت كثيرا في سورية، وتتحدث بعض المصادر عن مليارات الدولارات، وخسارة أكبر بتوريط حزب الله في الصراع الدائر في سورية، مما هبط بشعبية الحزب، وخسر في هذا الصراع ما لم يخسره في حربه مع إسرائيل، وظهرت إيران دولة طامعة مسكونة بأحقاد مذهبية وقومية، ومن دبروا الانقلاب في مصر هم خصومها وأعداؤها الدوليون والإقليميون كما يعلم الجميع، ودعكم من تشفي وفرح إعلامها العربي بالانقلاب، وهؤلاء الخصوم والأعداء يريدون بعد تصفية نظام بشار محاصرتها وإعادة مصر أداة لمواجهتها كما كانت أيام مبارك، فلا أفضل لها من التحالف مع حركة راسخة مثل الإخوان، والبحث عن المشترك وتأجيل المختلف عليه أو حوله.
أما الإخوان ففي ظل التعتيم الإعلامي، والدعم الإقليمي والدولي للانقلاب العسكري، لدرجة استخدام كلمة (قلق) تعقيبا على المجزرة من قبل أمريكا، وهي الكلمة المستخدمة عقب مجازر إسرائيل، وهي بمثابة موافقة ضمنية على المجزرة وما قد يعقبها من مجازر، وصمودهم في الميادين مع أنصارهم ومن يتواءم معهم سياسيا لن يمنع عجلة انقلاب مموّل بالمليارات ومؤيد من قوى دولية من الدوران، وتقديمهم للمشانق والرصاص والسجون بطريقة أفظع من العقود الماضية، إلا إذا كان لهم سند إقليمي أو دولي يحمي ظهرهم...وعلى كل الإخوان معنيون بتوجيه صفعة لمن يساعد الانقلاب من الدول، وإيران تريد الانتقام من هذه الدول التي تدعم الإطاحة بحليفها السوري، فالخصم مشترك مع اختلاف الأسباب.
ولكن ماذا غير الإعلام وربما بعض المال يمكن أن تقدم إيران؟حقيقة إن إيران حين تفاوض القوى الكبرى سرّا وعلنا، تعرف كيف تحفظ حلفاءها وتخرجهم بأقل الخسائر، ولا نضمن هنا قدرة إيران على إعادة الرئيس مرسي بتحالفها مع الإخوان، ولكن المؤكد أن مثل هذا التحالف سيحميهم من الاستئصال والإقصاء، ويخرجهم بربح لا يستهان به يغيظ خصومهم، وقابل للزيادة إذا أحسن استثماره، أما ركونهم إلى حشودهم القابلة للفض أو النقص بمرور الوقت، ومواقف دولية وإقليمية ترفض ولا تفعل شيئا، وفوق ذلك التواكل بالاعتقاد أن مقولة:الله معنا، دون عمل تكفي، فهذه وصفة جاهزة لمحنة جديدة ستكون أشد من سابقاتها، وليس أحمى للظهر من حليف قوي متمرّس مثل إيران.

     ،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،
الأربعاء 1 رمضان 1434هـ ،10/7/2013م
من قلم:سري سمور(أبو نصر الدين)-جنين-أم الشوف/حيفا-فلسطين

السبت، يوليو 06، 2013

أسباب خفوت الهمة وتراجع الحماسة لإقامة الدولة الإسلامية(5-5)


أسباب خفوت الهمة وتراجع الحماسة لإقامة الدولة الإسلامية(5-5)
-الجزء الخامس-
بقلم: سري سمّور

سادسا:كثرة الاجتهادات حول طبيعة ومفهوم الدولة وطريقة إقامتها:-

هل نظام الدولة الإسلامية العتيدة رئاسي أم برلماني؟ أم أنه نظام الخلافة؟ وما هي صلاحيات الخليفة؟وهل الشورى معلمة أم ملزمة؟ثم ما هو مفهوم الدولة الإسلامية فعلا؟هل من الضروري أن تحمل اسم الإسلامية؟وهل الدولة الإسلامية هي الدولة المدنية؟وهل الدولة الإسلامية فقط تلك التي تطبق فيها أحكام الشريعة؟وهل تقتصر أحكام الشريعة فقط على الحدود والقصاص مثلما انشغلت بعض المجموعات في هذه المسألة؟وكيف نتعامل مع الدول الغربية، خاصة أمريكا التي ستسعى لإحباط أي تجربة إسلامية؟وهل المهم أن تكون الدولة بدستورها وقوانينها وفكر من يحكمها إسلامية دون مراعاة فكر المجتمع؟والمجتمع هو إسلامي بالفطرة، ولكن ما مدى تقبله لتجربة إسلامية قد تجلب عليه عقوبات دولية؟ ثم إن الدول والنظم القائمة قامت على أساس غير إسلامي، بل في عقيدتها محاربة الإسلاميين، والتصدي لكثير من المفاهيم الإسلامية، فكيف سيمكن «أسلمة» نظم هذا هو حالها؟هذه أسئلة تتفاعل وكثيرا ما تطرح، ولكل حركة أو جماعة إسلامية إجابة أو وجهة نظر حولها، أحيانا تكون صريحة واضحة، وأحيانا مبهمة أو متروكة للظرف الزماني والمكاني...ثم هل الحل لإقامة الدولة الإسلامية يكمن بحمل السلاح والتصدي العنيف للأنظمة العلمانية المدعومة من الغرب؟أم بالإصلاح التدريجي للدولة والمجتمع؟خلال السنين الماضية انحسر وتراجع إلى حد كبير أنصار الرأي القائل بالحل القائم على القوة، بل إن حركات وجماعات تبنت هذا الحل ومارست العنف أعلنت تغيير أساليبها، وتوجه الإسلاميون نحو الشراكة السياسية، وأبدت حركات إسلامية مرونة منقطعة النظير في التعاطي مع الحركات العلمانية واليسارية والقومية، بإقامة تحالفات، والقبول بالآليات المتاحة للمشاركة في الحكم والدولة، وذلك بناء على اعتبارات عدة؛ منها أن الإسلام قائم على مصلحة البلاد والعباد، ومنها أن تراكمات عصور تراجع للدولة الإسلامية عبر قرون، واستعمار غربي، تلاه نظم استبدادية مدعومة من الاستعمار، أمور ومعضلات تحتاج إلى وقت طويل لعلاجها، والصدام يجلب الدمار والضرر على العاملين في الحق الدعوي.
وكانت النتيجة المتوقعة هي أن الإسلاميين من خلال صندوق الاقتراع يحصدون فوزا واضحا، ولكن القوى العلمانية ومن خلفها الدول الغربية تقدّس الانتخابات وصناديق الاقتراع بشرط ألا تحمل الإسلاميين إلى سدة الحكم، وهو أمر ملحوظ، وكان له تداعياته على العاملين والأنصار، بحيث أنهم يشعرون بأن لا العنف يأتي بنتيجة، ولا القبول بالمشاركة تحت الدساتير والأنظمة القائمة يأتي بنتيجة، وفي كلتا الحالتين نرى أن مصير العاملين هو أنهم يعانون من القمع والتعامل الأمني العنيف معهم، مما ولّد لديهم شعورا بأن عليهم الحفاظ على أنفسهم، وتراجعت رغبتهم في تغيير المجتمع والدولة، وهذا طبيعي في ظل استنفاذ الوسائل المتاحة للتغيير.
وإذا استمر الانقلاب العسكري في مصر، فإن فكرة المشاركة السياسية ستصبح أشبه بملهاة، وسيتعزز التفكير الصدامي، حتى لو كانت عواقبه وخيمة، لأن من اختاروا المشاركة والمرونة لم يسلموا من القمع والإقصاء والاستئصال...فالوضع الآن على المحك والأعين تتجه نحو مصر، وتجربة مصر ستقرر وجهة الحركات الإسلامية في العالم أجمع، وليس فقط حركة الإخوان المسلمين.

سابعا:إهمال القضية الفلسطينية:-

هناك سؤال مطروح وهو:لماذا لم تتحدث عن تجربة حماس وحكمها لقطاع غزة؟والجواب أن فلسطين تحت الاحتلال، وليست دولة مستقلة ذات سيادة وحدود مفتوحة، وفي جزء صغير من فلسطين وهو الوسط الشرقي(الضفة الغربية) باستثناء مدينة القدس، وقطاع غزة(1% من مساحة فلسطين الانتدابية) هناك نوع من الحكم الذاتي الخاص بإدارة شؤون المواطنين، وقد دخلت حماس في السلطة لأسباب معروفة،  وحماس أعلنت وما زالت أنها ملتزمة بالقانون الأساسي الفلسطيني، وأنها لا تريد إقامة إمارة خاصة بها في غزة، ومع أنها سلطة أمر واقع في غزة، إلا أن هذا لا يغير من أنها ليست حزبا سياسيا...وعلى كل تقييم تجربة حماس مرتبط بالقضية الفلسطينية، وبها كحركة فلسطينية، وهو يجب أن يكون منفصلا عن الحديث عن التجارب الأخرى.
والحديث عن فلسطين يقودنا إلى النقطة الأخيرة والأهم في المقال، وقد جعلتها متأخرة، بل ترددت في طرحها، كي لا يحكم عليّ وفق النظرية الجامدة «الفلسطينيون يعتبرون مشكلتهم أكبر من كل مشكلات العالم!» ولكن أنا هذه المرة مسلح بالتجربة؛ فإيران عبر استثمارها بحزب الله، ها هي تفرض معادلاتها على الأرض وبقوة، كما أن فلسطين قضية جامعة للأمة، لو أحسن التجييش حولها، بل هي قضية كافية لتأجيل الكثير من الملفات، التي ستحل تلقائيا بعد تحرير فلسطين.
والأهم من كل ذلك، إن الغرب حينما ينظر إلى أي مشروع إسلامي، فإنه يكون مسكونا بهاجس الثنائية المعروفة «إسرائيل والنفط» ولهذا فإنه في ماليزيا لم يعرقل، وسمح لتركيا أن تصعد، أما مصر فالمشهد أمامنا...فلو أن المشروع الإسلامي قام على جعل فلسطين نقطة انطلاقته لكان أفضل.
ومشكلة الحركات الإسلامية، أنها اتبعت نظرية تقوم على تقوية نفسها في أراضيها ودولها، على اعتبار أن هذا سيفيد فلسطين وشعبها مستقبلا، وقرأت بطريقة خاطئة سيرة صلاح الدين الأبوبي-رضي الله عنه- والذي كان يبني دولته ويبني مؤسساتها العلمية والاقتصادية، دون أن يترجل عن حصانه وهو يقارع الصليبيين ويجاهدهم ويسترد منهم الحصون والقلاع والمدن المسلوبة، بل إن بعض الإسلاميين، ظنوا أنهم يمكن أن يساوموا أمريكا بتأجيل ملف فلسطين، حتى تغض الطرف عنهم، وتبين أن كل هذا خطأ، وأنا على يقين أن الحركات الإسلامية لو جعلت فلسطين بوصلتها، وأعلنت أن هدفها تحرير فلسطين، قبل أي شيء آخر لرأت ما يشبه المعجزات، فلهذه الأرض بركات من الله تعالى، ولم نبتعد، فحماس التي انبثقت عن الإخوان المسلمين، حققت خلال بضع سنين تقدما ونجاحا، علما بأن الإخوان في فلسطين عمرهم عشرات السنين قبل تأسيس حماس، وهذا ليس لأن حماس حركة فلسطينية فقط، ولو أن إخوان الأردن وسورية ولبنان فعلوا ذلك لرأوا الأمور تتغير لصالحهم، فلم لا يجربون ذلك؟لقد خاضوا تجارب كثيرة، ألا يستحق مسرى محمد-صلى الله عليه وآله وسلم- أن يجربوا؟
السؤال كيف ذلك، ونحن نرى حماس محاصرة ومقاطعة ومدموغة غربيا بالإرهاب، ومثلها الجهاد الإسلامي؟ صحيح، ولكن لو أن التركيز كان على فلسطين بالدعم المالي السخي وإدخال السلاح، وعدم التذرع بالمحيط العربي، لأنه ثبت أن الإرادة السياسية تخترق كل الحواجز الأمنية، وجعل القضية حاضرة في كل بيت عبر إعلام ذكي، لأحدث المشروع الإسلامي اختراقات لا يستهان بها، ولكان وضع فلسطين أفضل.
ولكن رأينا خذلانا لفلسطين أو تأجيلا مستهجنا لقضيتها، بدعوى التمكين للمشروع الإسلامي في دولة ما تمهيدا لتحريرها، وهذا ما ثبت إخفاقه،كما ذكرت...ونعلم أن الإخوان المسلمين لم يتحمسوا في البداية لخطوة الشيخ الشهيد أحمد ياسين بتأسيس حركة حماس، متذرعين بعدم قدرتهم على توفير الدعم الكافي لإنجاحها، ولولا بعد نظر الشيخ، وتصميمه، لبقيت فلسطين في ملف فرع الشام داخل الجماعة!
إن فلسطين هي كلمة السرّ لنجاح المشروع الإسلامي، وما دون ذلك ملهاة، وأنا واثق أن الحركة الإسلامية العالمية ستتوصل إلى هذه النتيجة في نهاية المطاف، ولكن لم إضاعة الوقت؟ فقد جرّبتم كل شيء، حاولوا في فلسطين، فلها قدسية مبهرة، تجعل خلافات كثيرة تذوب أو تؤجل!
الخلاصة:  هذه سبع أراها أهم عوامل الفتور تجاه إقامة دولة إسلامية، والانشغال بتطويع النصوص والالتفاف عليها، وكأننا نريد «علمنة الإسلام»...يجب عدم التخلي عن هدف إقامة دولة إسلامية قوية تزيل حدودا رسمها الغرب، ولكن يجب  أن تكون فلسطين نواة المشروع، وألا تنشغل الحركات الإسلامية عنها، بدعوى التمكين والمنعة تمهيدا لتحريرها، لأن النتيجة هي كالمنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى، ولا بدأن يحسن العاملون قراءة الواقع، وأن يكون لهم مؤسسات بحثية علمية تفيدهم في قراءته، وألا يتعاملوا بردات الفعل وثنائية الأبيض والأسود....والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
     ،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،
السبت  27 شعبان 1434هـ ،6/7/2013م

من قلم:سري سمور(أبو نصر الدين)-جنين-أم الشوف/حيفا-فلسطين

الثلاثاء، يوليو 02، 2013

أسباب خفوت الهمة وتراجع الحماسة لإقامة الدولة الإسلامية(4-5)


أسباب خفوت الهمة وتراجع الحماسة لإقامة الدولة الإسلامية(4-5)
-الجزء الرابع-
بقلم: سري سمّور

ثالثا:نجاح تجارب أخرى:-
ومما زهّد الإسلاميين في التجارب الإسلامية القائمة على الإعلان الرسمي الصريح عن الهوية الإسلامية، والتي تتخذ إجراءات على الأرض تتعلق بتطبيق بعض أحكام الشريعة، وجود تجارب أخرى نجحت دون ذلك، وهي تحسب على المشروع الإسلامي، ومنها تجربة ماليزيا والتجربة التركية الصاعدة، وقد كان للثانية نصيب أكبر من الاهتمام، نظرا للعلاقات التاريخية، والجوار مع العرب، وتحمّس المحبطون من التجارب السابقة لها، وبدؤوا يتبنون خطابا فكريا جديدا موائما لها في محاولة لاستنساخها.
فماليزيا دولة آسيوية من مجموعة النمور، ومع أن 40% من سكانها ليسوا مسلمين، إلا أن ثمة تعايش داخلي، وتطور ونمو اقتصادي، واستقرار أمني...ولكن ماليزيا ما زالت متأثرة بكونها مستعمرة بريطانية سابقة، وهي عضو في الكومنولث، وخصائصها الثقافية تختلف عن الدول العربية والإسلامية الأخرى، حتى مع كونها عضوا في منظمة التعاون الإسلامي.
أما تركيا التي أصبحت منذ بضع سنين مصدر إلهام لكل الطامحين إلى مشروع إسلامي ناجح، فلا ننسى أنها عضو في حلف الناتو، ولا ننسى أن وزير خارجيتها أحمد داود أوغلو صرح بعدم إمكانية استنساخ تجربتها، ولا ننسى أن العلمانيين هناك سكتوا عشرة أعوام كانت كافية كي يشتد عود التجربة، وأنها لم تتعرض لحصار وعقوبات، وأن التجربة مرت بمراحل عدة خلال سنوات طويلة، وأن أوروبا والغرب، وإن كانوا يتخوفون من الإسلاميين إلا أنهم ضد فكرة الانقلاب العسكري التي باركوها سابقا، كما أن تركيا تعتمد على أن تصبح قوة اقتصادية ناجحة أهم من الأمور الأخرى.
التنظير والتبشير بالتجربة التركية أخشى أن ينقلب إلى ضده؛ فمن الطبيعي تشجيع التجربة ومباركتها، ولكن اعتبارها أنموذجا يحتذى، وضالة وجدها الإسلاميون بعد صراع طويل فتلك سذاجة يقع فيها حتى مفكرون، وأكرر هنا ضرورة التروّي وعدم التسرّع...ولا يمكن بسهولة تغيير ثقافة عمرها عشرات السنين قامت على ضرورة إقامة دولة إسلامية تشربتها كل القواعد الحركية، وإلا حدث انسلاخ بين فكر النخبة وفكر القاعدة الحركية.

رابعا:عدم دفاع الناس عن خياراتهم:-

مع أن العديد من المفكرين الإسلاميين نبهوا إلى أن الناس لهم حدود يقفون عندها، واستعدادهم للتضحية من أجل خياراتهم أو الناس والأشخاص الذين أحبوهم ضئيل غالبا، إلا أن هذه الحقيقة تغيب؛ فننسى أن الحسين بن علي سبط الحبيب –عليهم السلام- قتل ومثّل في جثته ولم تتحرك الأمة، وابن تيمية مشى في جنازته 50 ألفا على أقل تقدير كان مئات منهم يستطيعون إخراجه من القلعة المحبوس فيها.
الإسلاميون أحبطوا وهم يرون الجنرالات في الجزائر ينقلبون على خيار الشعب، فيما لم يخرج من صوّتوا لجبهة الإنقاذ لوقف المهزلة، وأحبطوا وهم يرون نجم الدين أربكان يسجن دون حراك شعبي لإنقاذه، وأحبطوا حين رأوا أن قادتهم الذين يفوزون بمقاعد في البرلمانات والنقابات لا يجدون أنصارا يقتحمون السجون لتحريرهم، أو يضربون عن العمل أو الدراسة في سبيل ذلك...الإحباط سيد الموقف من الجمهور، وفي المقابل ثمة ثقة بالأدوات التنفيذية البشرية والقانونية، فالقوة مكنت أردوغان من جرّ كنعان إيفرن إلى المحكمة، وقبله مكنت الخميني من حسم الصراع مع الشيوعيين والليبراليين، واليوم نرى اختبارا مماثلا في مصر وغيرها...ولكن عدم التفاف الناس حول خيارهم الديموقراطي يضعف الهمة ويسقط في روع العاملين أن الناس ليسوا جادين في إقامة المشروع الإسلامي، أو لا يريدون التضحية.


خامسا:الشعور الخفي بالفشل أمام استقرار الغرب:-

احتكاك الإسلاميين بالغرب، وأعني هنا أمريكا الشمالية، وأوروبا خاصة الدول الاسكندنافية وبريطانيا وفرنسا وألمانيا، سواء مباشرة، أو عبر وسائل الاتصالات الكثيرة، كان أحيانا محكوما، بنظرة فيها استعلاء وغضب، انطلاقا من دوافع عقائدية، ونفورا من مظاهر سلوكية غربية يحرّمها الإسلام قطعيا، كالحريات الجنسية، وأيضا لأن الغرب يجسّد الاستعمار العسكري القديم، وما له من ذكريات أليمة في العالم العربي والإسلامي، ولأنه الداعم لأنظمة الاستبداد، والحائل القوي لقيام مشروع إسلامي ناجح، عبر أداوته المختلفة الناعمة والخشنة.
ولكن بمرور الوقت ظهر من الإسلاميين فريق يرى العيب في المسلمين لا في الغرب، وأخذوا ينظرون إلى حسنات ومزايا الغرب، والتي حتى انتفع منها المسلمون:-
1) فالغرب فتح أبوابه للإسلاميين الفارين من جحيم أبناء جلدتهم، وسمح لهم بطرح أفكارهم، وضمن لهم معيشة كريمة، وفرتها الدول التي استقروا بها من دافع الضرائب، فيما في بلدانهم سجنوا وعذّبوا وقطعت أرزاقهم.
2) والغرب تسوده قيم ديموقراطية وفيه تداول للسلطة بسلاسة، بلا انقلابات عسكرية ولا التفاف على نتائج الإنتخابات....مثلما نرى في مصر مثلا.
3)  والغرب يتعرض فيه الحاكم للنقد الحاد الجارح، من قبل الصحافة ومن يريد من المواطنين، دون أن يتعرض لأي مساءلة، فيما هناك حالة تأليه وعبودية فرد في بلاد العرب والمسلمين.
4) وأجهزة الأمن في الغرب مهمتها حماية المواطن وحراسة القانون والدستور، وليس حماية حزب أو عائلة أو فرد حاكم، بعكس الحالة في البلاد التي فرّ الإسلاميون منها.
5) وفي الغرب، الذي يفترض أنه كافر، يجد المسلم علاجا لأمراضه، ورعاية صحية لا يجد مثلها في بلده، حيث أصبحت حياة الإنسان وصحته رخيصة.
6) والغرب يقطع أشواطا في المخترعات المختلفة التي تسهل حياة الإنسان، فيما العرب والمسلمون منذ قرون لم يقدموا للإنسانية أي مخترع ذي قيمة تذكر؛ فالغرب اخترع ما يسهل المواصلات بين الأقطار والأمصار مثل السيارات والطائرات، وما يسهل الاتصال مثل الهواتف بشتى أنواعها، وخدمات الإنترنت، فيما ينشغل العرب بالتذكير بأمجادهم الغابرة أيام كانوا هم أهل العلم والمعرفة، ونسوا أن الغرب سبقهم بمئات السنوات الضوئية.
7) ومع اختلاف اللغات وتاريخ الحروب الدامي فإن الدول الغربية أنشأت نظما للوحدة الاقتصادية والعسكرية وصولا إلى السياسية، فيما لم تنجح مشاريع الوحدة العربية بل قسمت بلاد العرب تقسيمات جديدة.
8) وفي الغرب يتعايش أهل الأديان والقوميات المختلفة، ويعيش في البلاد الغربية أجناس لهم لغات مختلفة وعادات وتقاليد متنوعة، تحت سقف نظام واحد ولا تحدث بينهم حروب ولا نزاعات، بينما هم أنفسهم لو كانوا في بلد عربي أو مسلم لرفعوا على بعضهم السلاح.
9) والغرب ينشغل بالبحث العلمي، وينفق عليه المليارات، بينما ينشغل المسلمون في أمور فقهية جدلية، هي ليست من الأصول وربما ليست من الفروع، وبات حالهم أشبه بحال أهل القسطنطينية أثناء حصارها من جيوش العثمانيين المسلمين.
10)     والغرب يوفر للعاطلين عن العمل بدل بطالة، وفيه رعاية للفقراء والضعفاء، وحتى جمعيات للرفق بالحيوان، وهي قيم إسلامية، تركها المسلمون، وهنا تنبّه الإسلاميون إلى الحديث الشريف في صحيح مسلم-كتاب الفتن وأشراط الساعة:-
«قال المستورد القرشي عند عمرو بن العاص سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول تقوم الساعة والروم أكثر الناس فقال له عمرو أبصر ما تقول قال أقول ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لئن قلت ذلك إن فيهم لخصالا أربعا إنهم لأحلم الناس عند فتنة وأسرعهم إفاقة بعد مصيبة وأوشكهم كرة بعد فرة وخيرهم لمسكين ويتيم وضعيف وخامسة حسنة جميلة وأمنعهم من ظلم الملوك»
وهنا لا ننسى الأمر الأهم وهو أن مشكلات العالم العربي والإسلامي، أغلبها سببه الغرب، الذي دعم الاستبداد، وحارب أي مشروع للنهضة في بلاد العرب، وأيضا قام بجريمة إنشاء (إسرائيل) ودعمها وتقويتها...فأمام النقاط السابقة وهذه الجرائم الغربية فإن عموم الإسلاميين، أو لنقل بعض نخبهم التنظيرية، لم يسقطوا بأي حال فيما سقط فيه العلمانيون والليبراليون الذين رأوا أن الحل هو تقليد الغرب بنبذ الدين وحصره في المسجد، وفهموا أن الإباحية وتقليد الإنسان الغربي في مظهره هي شيء إيجابي يمكن أن يقود على نهضة؛ ولم يهضموا فكرة تيارات إسلامية بأن الغرب يجب أن يكون ساحة للتفجيرات والأعمال الانتقامية؛ بل نشأت حالة تعتبر أن الدولة الإسلامية قريبة من المفهوم العلماني للدولة، وأخذوا يقرؤون النصوص بطريقة تؤدي إلى هذا الغرض، ومع أنه كانت هناك ردّات فعل مناهضة لهم في البداية، إلا أنها تراجعت وبات العديد من الإسلاميين ينساقون وراءهم وتفتر عزيمتهم نظرا لما يحققه الغرب من التقدم وما تشهده بلادنا من كل ما يخطر في البال من مظاهر الفرقة والتخلف... يتبع.
     ،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،
الثلاثاء  23 شعبان 1434هـ ،2/7/2013م

من قلم:سري سمور(أبو نصر الدين)-جنين-أم الشوف/حيفا-فلسطين





مع مذكرات أخطر سفير إسرائيلي في مصر (1)

لدي قناعة أن ذهاب أنور السادات إلى خيار التسوية مع إسرائيل؛ و زيارته المشؤومة إلى القدس في 1977 وصولا إلى توقيع اتفاقات كامب ديفيد في 1979 ه...