الأحد، ديسمبر 29، 2013

لغتنا العربية بين الخوف والطمأنينة

لغتنا العربية بين الخوف والطمأنينة
 بقلم: سري سمّور
انعقاد اليوم العالمي للغة العربية في باريس والذي نظمته اليونسكو للعام الثاني على التوالي يوم الأربعاء 18 كانون أول (ديسمبر) 2013م  فتح الباب من جديد أمام أسئلة وهواجس ومخاوف وتحديات قديمة-جديدة تتعلق بلغتنا العربية..لغة الضاد..واللغة التي حباها الله واصطفاها لتكون لغة القرآن الكريم أشرف الكتب السماوية وأعظمها بنيانا وأحكاما وإعجازا.
فهل ما زالت اللغة العربية حيّة في قلوبنا، وعذبة على ألسنتنا، وسلسلة حين تنساب الفكرة من يراعنا إلى أوراقنا، وهل حالها كما قال القائل:-
لغة إذا وقعت على أسماعنا***كانت لنا بردا على الأكباد
أم أن تفاعلنا مع لغتنا ولغة أسلافنا قد فتر أو اندثر؟
والحقيقة أن اللغة العربية تعاني من أخطار عدة لا تنحسر بطوفان العولمة، وغزو التقنيات التي نحن متخلفون في إنتاجها، وفقط نستهلكها؛ بل أرى أن أكبر خطرين على اللغة العربية هما الطمأنينة الزائدة على اللغة العربية كونها محفوظة ضمنا بحفظ كتاب الله العزيز(إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون)، والجمود والانغلاق السلبي، والذي سببته أبيات قالها شاعر النيل حافظ إبراهيم تمترس خلفها حراس أو سدنة اللغة العربية ومنها:-
وسعت كتاب الله لفظاً وغاية *** وما ضقت عن آيٍ به وعظات
فكيف أضيق اليوم عن وصف آلة *** وتنسيق أسماءٍ لمخترعات
أما الركون إلى حفظ اللغة العربية من الاندثار لأن القرآن الكريم محفوظ فهو خطأ وخطر؛ لأنه يجعل اللغة خاصة بالعبادات والصلوات والتلاوة مع مرور الزمن، وفي ظل طوفان العولمة؛ وتأكيدا للفكرة فقد سمعت شيخا أزهريا يقول أنه عمل في بلد أفريقي(ربما نيجيريا) ووجد فيه من يحفظ كتاب الله كاملا، ولكن لا يفهم اللغة العربية مطلقا؛ وضرب مثلا عن صاحب بقالة يريد أن يشتري منه فلا يعرف اسم أي سلعة بالعربية وهو في ذات الوقت حافظ لكتاب الله!
أما  القيد أو الغل الذي وضعه سدنة اللغة على عنقها فيما يخص المخترعات فهو أشد وأنكى؛ فكما نعلم نحن نعيش في القرون الأخيرة حالة انحطاط وتراجع على مختلف الصعد، ولم نقدم للبشرية شيئا ولم نخترع أي اختراع يدخل حياة أمتنا أو الأمم الأخرى، مع بالغ الأسف، فهل أصبح دورنا تحوير ونحت أسماء لمخترعات الأمم الأخرى؟!
إن السكر يطلق عليه بالإنجليزية (Sugar) وهو تأثر بالعربية لأن العرب سبقوا أوروبا في استخدامه حينما كان الأوروبيون  يستخدمون عسل النحل، أما الأرقام المكتوبة بهذه الطريقة:-
0-1-2-3-4-6-7-8-9-10
فاسمها كان وما زال عند الناطقين بالإنجليزية من بريطانيين وأمريكان هو (Arabic Numerals) وذلك حينما كانت اللغة العربية هي لغة العلم، وحينما كنا أصحاب أول جامعة في تاريخ الإنسانية(جامعة القرويين) التي درس فيها كثير من الأوروبيين وأحدهم شغل منصب البابا، وانتقلت كتابة الأرقام التي لا تزال تحمل اسم العرب لهم...أما الأرقام التي نكتبها ونسميها مجازا عربية فهي هندية(1-2-3) فأنت بما تصنع وتخترع لا بما تنحت من أسماء.
وقد كان الانشغال بهذه المسألة عامل جمود ومشكلة تضاف إلى المشكلات التي تواجهها لغتنا الجميلة فمثلا من يستخدم كلمة (المرناة) أي التلفزيون؛ وقد نحت سدنة اللغة كلمة (التلفاز) وهي الأخرى غير دارجة، أما كلمة (المسرّة) فلا أدري من يستخدمها، وأفضل منها كلمة(الهاتف) والتي لاقت سبيلا إلى البقاء حتى الآن، وكلمة (الحاسوب) التي قيل بأنها خطأ شائع والصواب هي كلمة (حاسب) لوصف الجهاز الذي دخل كل تفصيلات حياتنا وحياة الأمم الأخرى أي الكمبيوتر فمن يستخدمهما الخاطئة أو الصائبة؟قلة قليلة.
علينا التخلص من هذا الانغلاق والجرأة في إدخال أسماء المخترعات إلى قاموس أو مفردات اللغة العربية حتى يأذن الله بأن نخترع شيئا مفيدا للناس، ولا بأس من تحوير يجد له في الحديث أو الكتابة رواجا...وهذا ليس بجرم ولا خطيئة؛ لأن القرآن الكريم وهو المنزل على النبي الكريم بلسان عربي مبين فيه عدة مفردات أعجمية مثل:استبرق وأباريق وجهنم وغيرها، وقرأت لبعض العلماء الذين ناقشوا هذه المسألة أن المفردة تتعرب باستعمال العربي لها وذكرها في القرآن الكريم...فأي دهليز أدخلنا فيه سدنة اللغة بجمودهم؟ فيما رب الأرباب جعل في كتابه المنزه عن كل نقص مفردات غير عربية، والحجة الجاهزة التي يواجهونك بها هي أبيات حافظ إبراهيم، وكأن القرآن الكريم لا يكفي لدحض حجة هذا الشاعر الكبير والذي هو في النهاية إنسان يخطئ ويصيب!
أما ما يجب مواجهته بتشريعات وقوانين صارمة لا تقبل التأويل هو ظاهرة تسمية المحال والمتاجر بأسماء أجنبية سواء أكانت مكتوبة بأحرف عربية أو بالإنجليزية أو الفرنسية؛ هذا أمر يهدد اللغة العربية ويجعل استخدام الكلمات الأجنبية أمرا معتادا؛ وقد لاحظت في السنوات الأخيرة أن (كوفي شوب) باتت مصطلحا مقبولا دارجا على ألسنتنا وعلى واجهات الكثير من المقاهي، وقد وجب التصدي لهذه الظاهرة بأسلوب التوعية المدعوم بقوانين صارمة وقوية.
ولا يفوتني في ذات السياق التحذير من الإسراف في تعليم الأطفال الصغار اللغة الإنجليزية أو الفرنسية قبل تمكنهم من لغتهم العربية، مهما كانت الحجج التي تقدم لتبرير هذا السلوك، وأرى أن إدخال اللغة الإنجليزية إلى المنهاج الفلسطيني مثلا منذ الصف الأول الأساسي بدل الخامس أمر بحاجة إلى إعادة نظر...وللتذكير فقط فإن طلبة عرب ذهبوا ودرسوا في روسيا أو اليونان بعد التوجيهي دون أن يكون لهم أي رصيد من اللغتين الروسية أو اليونانية فأتقنوا اللغة إضافة إلى إتقانهم ما درسوه، وهذا ينسحب على اللغة الإنجليزية والفرنسية بلا شك.
وأمر آخر يحتاج أيضا إلى قوانين صارمة تحظره هو استخدام اللهجات الدارجة المحكية في الصحف أو النشرات الإخبارية في الإذاعات ومحطات التلفزة؛ فلا بأس من بعض الكلمات أو العبارات للضرورة ولكن أحيانا تشاهد نشرة أخبار يقرأها المذيع كاملة بالدارجة، وهذا أمر خطير جدا يجب حظره فورا.
مثلما وجب توبيخ أي عمل درامي يسخر من اللغة العربية وقد شاهدنا كثيرا من هذه الأعمال في الدراما المصرية خاصة، فكل الشعوب والأمم تعتز بلغاتها فكيف نقبل السخرية من لغتنا العربية التي كرمها الله بأن جعلها لغة القرآن الكريم بحجة الفكاهة؟!
أما التوجس من التقنيات الحديثة، لا سيما شبكة الإنترنت التي أفرزت مواقع التواصل الاجتماعي خاصة الفيسبوك وتويتر من حيث أنها تزيد الخطر على اللغة العربية، حيث أن الكل يكتب فيها، والناس يميلون للاختصار والسهولة ولا مانع لديهم من الكتابة باللهجات الدارجة، واستخدام الكلمات الأجنبية؛ حقيقة إنها سلاح ذو حدين فالخوف من هذه المسألة منطقي وله شواهده؛ وفي المقابل لا ننسى أن العرب في شتى أقطارهم مضطرون للتفاهم فيما بينهم باللغة العربية الفصحى قدر الإمكان؛ فكيف يفهم ابن المغرب العربي لهجتي الفلسطينية، وكيف يفهمني وإياه ابن العراق والخليج ومصر، ومواقع التواصل جعلت العرب يتواصلون مع بعضهم في الوطن والمهجر، ولا سبيل لهم إلا الفصحى.
 وختاما فإن لغتنا العربية ليست في خطر ولا في أمان؛ بل تتهددها أخطار عدة، يمكن التغلب عليها بشيء من الجرأة وكسر الجمود، إضافة إلى خطة تتكامل فيها جهود الإعلام والتعليم والأسرة وغيرها...وتبقى لغة الضاد أجمل لغة ويكفيها ما شرفها الله به.
  ،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،
الأحد   26 صفر 1435هـ ،29/12/2013م

من قلم:سري سمور(أبو نصر الدين)-جنين-أم الشوف/حيفا-فلسطين

الثلاثاء، ديسمبر 24، 2013

ناصر اللحام...القسطنطينية

http://www.maannews.net/arb/ViewDetails.aspx?ID=659310

ناصر اللحام...القسطنطينية
(خاص بوكالة معا)
كتبه: سري سمّور
تابعت مساء الأحد 22-12-2013م برنامجا وثائقيا أعده وعلق عليه بصوته رئيس تحرير وكالة معا الأستاذ ناصر اللحام، حول تركيا ووضعها وتجربتها، وسياستها الخارجية والداخلية وخاصة موقفها من القضية الفلسطينية، وحمل البرنامج اسما مميزا هو القسطنطينية، وهو كما نعلم اسم مدينة اسطنبول حاليا التي كانت عاصمة السلطنة العثمانية قرونا من الزمن.
ما أود التعقيب عليه هو تعليق الأستاذ ناصر اللحام على حزب العدالة والتنمية بأنه حزب تركي يعتز بقوميته بعكس الأحزاب الإسلامية العربية، وأن العدالة والتنمية حقق ازدهارا لتركيا على نقيض الحركات الإسلامية العربية، والإيحاء واضح بأن الحركات الإسلامية العربية فشلت فيما نجح فيه حزب العدالة والتنمية بزعامة رجب طيب أردوغان عبر حزب يرفض أن يسمي نفسه حزبا إسلاميا بل حزبا تركيا؛ ولي هنا بعض الملاحظات على هذه الفكرة التي جاءت ضمن أفكار أخرى في البرنامج أؤيدها بعكس هذه المقارنة التي أراها غير موضوعية وغير منصفة وهي:-
1) إن طبيعة المجتمع التركي الذي شهد حكما علمانيا عسكرتاريا صارما منذ أواسط عشرينيات القرن الماضي تختلف كثيرا عن مجتمعات الأقطار العربية، فمع أن العرب حكمتهم نظم مستبدة فاسدة، إلا أن هذه النظم حافظت على مظاهر التدين العادي، بعكس تركيا التي كان من يصلي داخل عمله يفصل، وكم سمعنا عن ضباط تعرضوا للفصل من الخدمة لأنهم زاروا مساجد تاريخية في تسعينيات القرن الماضي، في حين أن معسكرات جيوش معظم الدول العربية فيها مصليات بل لها مفتين وأئمة، وهذه العلمانية المتطرفة في تركيا صبغت الناس بصبغة لن تخرج حزبا قويا بارزا مختلفا عن المحيط الاجتماعي، كما أن النعرة القومية التركية بدأت في أواخر القرن التاسع عشر وهي ما عرفت بالطورانية، وزادت نزعات الانفصال عند الأكراد من المبالغة في الاعتزاز بهذه القومية.
2) إذا كان حزب العدالة والتنمية يقدم نفسه على أنه حزب تركي ويرفض –حسب تعليق الأخ اللحام- وصفه بالإسلامي فلم هذه المقارنة أساسا؟فالمقارنة تكون بين أحزاب إسلامية لا بين هذه وحزب تركي أو باكستاني أو هندي..إلخ.
3) تركيا كانت وما زالت تحلم بعلاقة مميزة مع أوروبا وهي عضو في النادي الأوروبي وعضو في حلف الناتو، ولذا فإن الوضع فيها كان متأثرا بهذه الرغبة، حيث أن هناك معايير أوروبية لطبيعة الدولة المنضوية أو التي ترغب في دخول المجموعة الأوربية تتعلق بالحريات واحترام صناديق الاقتراع، بل حتى العقوبات؛ فمثلا لم ينفذ    حكم الإعدام بحق عبد الله أوجلان تجنبا لردة فعل أوروبا، ولم يتعرض حزب العدالة والتنمية إلى حرب مكشوفة معلنة من قبل الدول الغربية مثل أحزاب إسلامية عربية، وحينما انقلبت المؤسسة العسكرية على نجم الدين أربكان اعتمدت أسلوبا ملتويا تجنبا لإغضاب الغرب، بعكس ما جرى في مصر حيث تدخل العسكر مباشرة وعزلوا الرئيس المنتخب، وكان تعقيب جون كيري بأن الجيش فعل ذلك لحماية الديموقراطية، فهل يقبل الغرب ذلك في تركيا من حيث الطريقة والأسلوب؟!
4) بناء على النقطة السابقة تنبع أسئلة عدة منها:هل يقبل الغرب بحكم ديموقراطي في البلاد العربية سواء أكان بزعامة حزب إسلامي أو قومي أو ليبرالي أو غير ذلك؟وهل أعطي الإسلاميون العرب فرصة للحكم بدون عقوبات ومضايقات وحصار غربي، والأمثلة كثيرة منها قطع الطريق على إسلاميي الجزائر ووقف العملية الانتخابية هناك، ومحاصرة وقصف السودان وصولا إلى تقسيمه، وفرض شروط على حركة حماس من قبل ما يسمى بالرباعية؟ألا نلحظ أن هناك رغبة في تدمير أي تجربة ديموقراطية عربية من قبل الغرب بأدواته المختلفة القوية؟فهل تعرضت تركيا خلال العقد المنصرم إلى ما تعرضت له أي دولة عربية يصعد فيها أي حزب إسلامي مهما أبدى من مرونة وطرح تصورا للمشاركة؟ وأمامنا تونس ففيها ريس ليبرالي تحالف مع حزب قيل أنه شبيه بحزب أردوغان ومع ذلك فإن الغرب لا يفتأ عبر وسائله الخفية والمعلنة بتخريب التجربة.
5) رئيس وزراء تركيا رجب طيب أردوغان لا يخفي تأثره بالشيخ راشد الغنوشي زعيم حركة النهضة في تونس، فالهجوم أو الانتقاص من الحركات الإسلامية العربية فيه إجحاف.
6) أما القومية فلا ننسى أن د.حسن الترابي قد أسس الجبهة القومية الإسلامية في السودان، وهو ليس اسما فقط فقد وصل الحال بأن يتحالف الترابي مع جون جارانج(وهو أمر أنا شخصيا ضده بالمناسبة)...ونائب رئيس حزب الحرية والعدالة في مصر المنبثق عن الإخوان المسلمين هو مسيحي قبطي هو د.رفيق حبيب المفكر المعروف، أما تحفظات الإسلاميين العرب على التوجهات القومية العربية فهي ردة فعل طبيعية على تطرف كثير من القوميين العرب الذين جعلوا القومية العربية فوق العقيدة الإسلامية، بدل المزاوجة بينهما، مثلما زاوج الأتراك بين انتمائهم للإسلام عقيدة ودينا والقومية التركية وطنا ولغة...وسلوك الإسلاميين العرب لا يعادي القومية العربية؛ فالعربية هي اللسان، وأكثر الناس اتقانا للحديث والكتابة بلغة الضاد هم قادة وكوادر وعناصر الحركات الإسلامية العربية، لدرجة أن خصومهم يسخرون منهم في أعمال درامية نعرفها جميعا بسبب حرصهم على اللغة العربية الحاضنة الحقيقية للقومية العربية، وهي لغة القرآن الكريم.
7) وإضافة إلى الملاحظة السابقة(6) فإنني قد تابعت قبل حوالي سنتين مقابلة أجرتها الإعلامية المصرية منى الشاذلي مع السيد أردوغان لم يظهر فيها أن انتماءه للقومية التركية يغلب على انتمائه للإسلام، بل أكد على انتمائه الإسلامي، بل حتى مفهوم العلمانية الذي توصف به تركيا أبدى تحفظه عليه وقال أن القانون هو الذي يحكم في تركيا.
8) من الواضح أن البرنامج قد تم إعداده قبل الأزمة الحالية في تركيا بشهور عدة، ويبدو أنه حتى الأنموذج التركي المنفتح لا يرضي الغرب وما تهديد أردوغان لسفراء أجانب بسبب تدخلهم في شؤون بلاده الداخلية وسرعة نفي السفير الأمريكي، مذكرا إيانا بالمثل الشعبي المعروف:اللي عراسو بطحة بحسس عليها، أو بالفصحى:كاد المريب أن يقول خذوني، إلا دليل ملموس على أن أردوغان من وجهة نظر دهاقنة واشنطن بدأ يغرد خارج السرب...والبقية عندكم.
وأخيرا وليس آخرا فقد استمتعت كثيرا بهذا البرنامج، ولا بد من تحية وشكر كل القائمين عليه، وأكثر ما أؤيده فيه هو خاتمته التي أشارت إلى الحريات في الكيان العبري وفي تركيا، ولمحت إلى انعدامها لدى العرب؛ واعتبار الحرية أساس الازدهار والتقدم...وهذا صحيح فالعبيد لا يبنون أوطانا حقيقة.
ولا شك أن التجربة التركية مع اختلاف ظروفها الموضوعية عن وضع العرب غنية وتستحق الدراسة المكثفة...أما فيما يتعلق بنا أهل فلسطين؛ فالأمل معقود على دور تركي فاعل في إنهاء الانقسام الفلسطيني خاصة في ظل انشغال مصر بوضعها الداخلي، ونظرا لأن تركيا لها علاقات دافئة بطرفي الانقسام فالرئيس أبو مازن يزورها ثلاث مرات سنويا كما جاء في البرنامج، وهي تستقبل الأستاذ خالد مشعل، وطرفا الانقسام يشعران بأنهما مرحب بهما في (القسطنطينية) الجديدة!
ملاحظة خارج الفكرة:ونحن تلاميذ صغار كانوا يختبروننا فيمن يكتب كلمة (القسطنطينية) دون أن يخطئ لصعوبتها بالنسبة لتلاميذ ما زالوا في مرحلة التهجئة...وقد نجحت في الاختبار بلا فخر آنذاك!
  ،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،


من قلم:سري سمور(أبو نصر الدين)-جنين-أم الشوف/حيفا-فلسطين

الجمعة، ديسمبر 13، 2013

حماس(26)...بين تعقيدات الواقع وارتباكات الإقليم

#حماس26...بين تعقيدات الواقع وارتباكات الإقليم
كتبه: سري سمّور
في العام الماضي وفي مثل هذه الأيام كتبت سلسلة مقالات بعنوان «ربع قرن على تأسيس حماس...ماذا بعد؟!» وقبل بضعة شهور كتبت «مأزق حماس وحدها أم مأزق فلسطيني عام؟» وما بين هذا المقال والمقالين من وقت أحداث كثيرة ومتغيرات متسارعة، وهكذا هي الدنيا، وخاصة الشأن السياسي؛ حيث حركة مستمرة وتغيرات متلاحقة، ومن الوهم الظن بدوام الحال...في مادتي المذكورة في ذكرى حماس (25) أسهبت في الحديث عن أحداث ماضية وتتبع مسيرة حماس وتسليط الضوء على محطات تاريخية مهمة أو مفصلية في مسيرتها منذ البدايات الأولى.
الآن وبعد سنة مثقلة بالأحداث، لن أسهب في الاستعراض التاريخي حتى القصير منه، ولقد رأيت في مقال د.أحمد يوسف قبل أيام ما يكفي وزيادة، فسأكون مباشرا وصريحا –بعون الله تعالى- و أعلم أن الناس تمل وتضجر من الإطالة، ولعل مقدمتي هذه تعتبر طويلة، في زمن التغريدات القصيرة، ولكن الموضوع لا يعالج بتغريدة أو منشور فيسبوكي قصير، فأخذت بأوسط الحلول.
وطبعا أحتاج إلى تكرار مقولتي الثابتة أن شأن حماس وفتح يخص الكل الفلسطيني، من هو معهما ومن هو ضدهما، لأن حالهما ينعكس على حالتنا وقضيتنا، فالقضية الفلسطينية لها جناحان تطير بهما هما فتح وحماس، بغض النظر عن التحفظات على كل منهما.

(1)الحكم والفساد واجتراح الحلول

واقع معقد تحياه حماس، وهي فيزيائيا تحكم قطاع غزة منفردة منذ سنوات، ولا تشرك معها في الحكم حتى من هم من نتاجها أو حلفائها أو المتماهين معها(حركة الأحرار مثال صارخ)، ومؤخرا طرحت حماس الشراكة، ولكن الأمر تأخر وجاء في ظروف صعبة ففسر على أنه ضعف، ولكن أن تأتي متأخرا خير من ألا تأتي، ويجب الخروج من ثنائية بديل حماس هو فتح أو العكس في كل شأن حتى لو كنا نتحدث عن ناد رياضي أو مؤسسة خدماتية أو شركة كهرباء...هذا أمر بات يسبب الضجر، لا سيما وأن عجلة المصالحة متوقفة وبات الشارع يائسا من حدوث انفراج في هذه المصالحة التي طال الحديث عنها بلا نتيجة، وعادت المناكفات الإعلامية وكأن الأزمة في بدايتها!!...وبصراحة يمكن لحماس أن تنتهج نهج حزب الله في الحكم، وألا تبقى في الصورة بطريقة تسبب العناء لنحو مليوني مواطن في قطاع غزة، وإذا كانت حماس تكرر أنها في السلطة لحماية المقاومة، فلتقم بإيجاد صيغة تطبق بها هذا الطرح؛ لأن الناس تحملوا الحصار والتضييق حينما كان شاليط في قبضة المقاومة، وهذا طبيعي ففي سبيل حرية الأسرى فليسقط الشهداء، وليصبر الناس على الحصار؛ أما الآن فإن معاناة الناس بسبب موقف حماس السياسي، وليس مطلوبا منها أن تغيره، ولا أن تسلم رقبتها وترمي سلاحها، ولكن لتتعلم من حزب الله، وطبعا أنوه أن تقليد أو محاكاة حزب الله في هذا الشأن لا تعني موافقته وتقليده في شؤون أخرى معلومة.
ولم نسمع بأن حماس تعاملت مع أي ملف فساد في إدارتها، ولا يمكن الركون إلى نفي حماس المتكرر وجود فساد؛ فالمال يغير النفوس، وحتى في خير القرون كان هناك حالات فساد، فكيف في القرن الخامس عشر الهجري؟ فلماذا تترك حماس نفسها نهبا لأحاديث الإنترنت والوشوشات التي بالتأكيد لا تخلو من مبالغات وقصص تشبه أفلام جيمس بوند، وتكون صريحة وتعلن عن كشفها لملفات فساد ومحاسبة المتجاوزين، سواء أكانوا من الإداريين أو رجال الأمن؟ الجواب برأيي أن حماس ما زالت تتصرف بعقلية التنظيم التي تتعاطى مع هذه الأمور بالسرية والتكتم، وقد يكون العقاب شديدا وقاسيا، ولكن لم يشهده الناس، لأن حماس تخشى أن يستغل من خصومها السياسيين ويوظف ضدها، وهذا خطأ؛ ففي قضايا التنظيم لتتبع حماس ما تشاء من أساليب الحساب والعقاب، ولكن يجب أن يرى الناس ضابط الأمن المسيء يعاقب، أو من اختلس مالا من مؤسسة تعنى بشؤون الناس يشهر به ويحاسب...فهل سنرى مثل هذا خلال العام القادم؟!

(2)محيط عربي مرتبك ومتقلب

أحسنت حماس حينما خرجت من سورية على مستوى القيادة، ومن يعيب عليها ذلك فهو مخطئ أو مغرض؛ فلو بقيت القيادة هناك لتعرضت للتصفيات الجسدية، وتبادل الاتهامات بين النظام والمعارضة بالمسئولية...وعلى كل حال فإن دور سورية الإقليمي لم يعد كما كان، والأزمة السورية قد تطول لسنوات، وأصبحت ذات طابع دولي وإقليمي...ولكن بعض إعلاميي وقادة حماس يخطئون حينما يتحدثون عن الأزمة السورية، وكان خطأ رفع علم الثورة السورية على منصة الاحتفالات في العام الماضي، ليس حبا في نظام يبيد شعبه، ولكن من باب التأكيد على أن البوصلة نحو القدس، والنأي بالنفس ولو حتى بالمظهر عن الصراعات الأخرى في المنطقة.
أما إيران فلم يتبين بعد تفصيلات اتفاقها مع الدول الكبرى وانعكاساته على الملف الفلسطيني وعلى حماس، وثمة ارتباك في طبيعة العلاقة بين طهران وحماس، ما بين تصريحات عن عودة العلاقة والدعم، وبين ما يتسرب عن رفض إيراني بسبب موقف حماس من سورية، وهذا أمر لن يطول كثيرا، ولكن يجب اتباع الصراحة والشفافية، أو الصمت والتكتم.
أما مصر فإن دورها الإقليمي متوقف حتى إشعار آخر، وأزمتها قد تستمر شهورا أو بضع سنين، ولكن ليس من المعقول أن يستمر إغلاق معبر رفح مثلا حتى تحل أزمة مصر الداخلية، وما يرافق الحالة العدائية من هجوم عدة وسائل إعلام مصرية على حماس، وإن كان هذا الهجوم يدفع في كثير من جوانبه إلى الضحك، فهو يؤكد أن مصر غير المستقرة تسعى إلى مضايقة حماس، ليس فقط لأنها إخوان مسلمين، بل لحسابات إقليمية ودولية...ولنتخيل مشهد اندلاع حرب جديدة على قطاع غزة في هذا الظرف، فقد رأينا قبل خمس سنوات مشهد أحمد أبو الغيط  المقزز مع تسيبي لفني، ومع ذلك فإن مبارك لم يغلق الأنفاق ولم يوقف- عبر المخابرات- الاتصالات السياسية؛ وعليه لا تطمعي يا حماس بأي حال بحالة التعاطف لدرجة وصول رئيس وزراء مصر السابق هشام قنديل إلى غزة إبان حرب حجارة السجيل، ولا حتى بحالة أحمد أبو الغيط المقززة، فالمأزق صعب، وتجنب الحرب أو تأجيلها أصعب، وهو المحور الختامي لمقالي.

(3)لا مفر من حرب جديدة!

لم يتنبه العالم كله وعلى رأسه الإسلامي والعربي إلى حالة الشعب الفلسطيني قبل انتفاضة الحجارة التي نعيش أيضا ذكراها، وكذلك الحال قبل انتفاضة الأقصى، وبعد الحربين علىى قطاع غزة أصبح القطاع أيقونة ورمزا يتمسح به حتى من يخالف حماس أيديولوجيا، وباتت غزة محجا وقبلة لكثير من شعوب الأرض، فيما يتعلق بالصمود والتضحية والمقاومة...إلخ.
إن اتفاق التهدئة ينص على وقف الأعمال العدائية، أوليس الحصار والتضييق عملا عدائيا؟ وما الحجة الآن وشاليط قد أغلق ملفه؟وحديث الجيش الإسرائيلي عن تدريبات لاجتياح واسع لقطاع غزة يجب أن ينبه حماس ألا تتصرف مثل تصرف صدام حسين الذي ترك 33 دولة تجتمع وتحشد وتبادره بالقصف والتدمير، بل إن الرأي هو رأي نابليون:خير وسيلة للدفاع الهجوم، وقبله قول علي-كرم الله وجهه- في خطبته المشهورة:ما غزي قوم في عقر دارهم إلا ذلوا!!
وإذا كان شعار حماس في ذكراها الـ(26) هو:اليوم نغزوهم ولا يغزونا، فليكن الشعار فعلا لا تصميما فنيا فوتوغرافيا وخطبا تنطلق من الحناجر وحسب...فهذه معركة قادمة لا محالة وتأجيلها لا يصب البتة في صالح حماس ولا الجهاد ولا أي فصيل مقاوم، حتى لو كانت الحجة الاستعداد والتأهب...ومن يخرق التهدئة هو الاحتلال بحصاره واعتداءاته.
أما النظام الدولي المجرم المنافق، والنظام العربي الرسمي المدموغ بدمغة«يسارعون فيهم!!» فسيسرع إلى التوسل والمداهنة مع المقاومة حينما يرى القصف يطال تل أبيب، ومناطق أخرى، ومعلوم أن الثمن سيكون أرواحا وشهداء وتدمير، ولكن هذا التدمير يجري اليوم مجانا عبر الحصار بلا ألم في الطرف المقابل، فلتكتب المعادلة بطريقة جديدة...عندها فقط ستستطيع المقاومة أن تطلب رفع الحصار تماما  ومعها أوراق ضغط قوية، وستطهر بعض التكلسات التي سببها الوضع الراهن على جسدها...إما هذا وإما انتظار سيطول كثيرا لتغيرات إقليمية في مصر أو سورية ورهانات على واقع محكوم بمكر دولي كبير، وقد كان الفلسطيني دوما هو كاتب الصفحات الأبرز في تاريخ المنطقة الحديث، فليعد كذلك عبر تفجيره الحرب المضطر لها!
 ،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،
الجمعة  10 صفر 1435هـ ،13/12/2013م


من قلم:سري سمور(أبو نصر الدين)-جنين-أم الشوف/حيفا-فلسطين

الجمعة، ديسمبر 06، 2013

الدور السياسي لعلماء الدين


الدور السياسي لعلماء الدين
بقلم: سري سمّور
ليس في الإسلام «رجال دين» بل علماء دين، علما بأن مصطلح «رجال الدين» ظهر بعد الثورة الفرنسية، وكان في أوروبا ثمة نقمة على هؤلاء بسبب مساوئ حكمهم شبه الفعلي وتزاوج مؤسسة الكنيسة مع طبقة الإقطاع والنبلاء، في حين أن عالم الدين المسلم لا يحصل على مكانته بالطريقة التراتبية القائمة في الديانة المسيحية أو اليهودية أو البوذية أو الهندوسية، وإذا كان هناك مؤسسة أو مؤسسات لعلماء الدين فهي ليست مؤسسات كهنوتية، كما أن عالم الدين المسلم ليس مطلوبا منه أن  يعترف أمامه المذنب بذنبه بل هذا ليس للنبي-صلى الله عليه وآله وسلم- بل إن ما حصل مع ماعز والغامدية في واقعة الرجم المعروفة أنهما توجها للنبي باعتباره الحاكم المنفذ لشرع الله وليس باعتباره وسيطا لتوبتهما أمام الله، لأن علاقة العبد بربه في الإسلام مباشرة ولا تحتاج وسيطا،  ويجب عدم التهاون في تداول المصطلحات خاصة الوافدة من الغرب، ولو بذريعة وقف الجدل.
والبعض يحاجج بأن كلمة «عالم» تطلق على من ابتكر شيئا جديدا في أحد العلوم التطبيقية أو الإنسانية، فما الذي ابتكره علماء الدين؟ وهذا الطرح ينم عن جهالة؛ فعلماء الرياضيات أو الفيزياء المعاصرين ليسوا مثل رول أو آينشتاين من حيث فكرة الابتكار وتأسيس النظريات، ولكن لديهم أبحاثا أو فهما للنظريات والقوانين في مجال اختصاصهم، فهم بذلك علماء، كما أن علماء الدين الذين درسوا العلوم الدينية المختلفة علماء في هذا المجال؛ فمثلا المتخصص في علم الحديث الشريف لديه علم في تخريج الأحاديث وتفصيلات المتون والأسانيد والجرح والتعديل، بل إن الجرح والتعديل بحد ذاته علم له أصوله وقوانينه.
وطريقة تحصيل العلم الشرعي قد تكون بالتلقي عن شيوخ أو علماء متمكنين مجازين، أو من خلال الدراسة في كليات وجامعات ومعاهد، وقد يقوم البعض بالدراسة الذاتية من الكتب الموجودة، ولكنه يبقى بحاجة إلى إجازة يحصل عليها من علماء آخرين في حال رغب في الإفتاء أو ما شابه.
وقد كانت علاقة العديد من علماء الدين في بلاد الإسلام مع الحكام عبر العصور يشوبها التوتر، إما بسبب الرأي من مسائل دينية مثلما حصل مع الإمام أحمد بن حنبل فيما عرف بفتـنة القول بخلق القرآن، حيث أن السلطة السياسية التي كان يمثلها العباسيون قد لجأت إلى استخدام سطوتها وجلد ظهر الإمام الجليل لأنه رفض النزول عند رأيها الذي تبنى فكر المعتزلة، وهي بالمناسبة مدرسة فقهية لها علماؤها ومتكلموها، وكما حصل مع ابن تيمية في مسائل عدة ومنها ما تعمل به المحاكم الشرعية جميعا من كون الطلاق في جلسة واحدة لا تحسب منه إلا طلقة واحدة لا ثلاثة وإن تلفظ الزوج بها، وقد مات ابن تيمية في السجن، على خلفية رأيه المعمول به حاليا!
والسبب الآخر لاصطدام العلماء بالسلطة السياسية القائمة في عصورهم سياسي؛ حيث أنه في مراحل معينة قد يخالف رأي أو موقف الحاكم موقف العالم المستند إلى نصوص شرعية أو إلى اجتهاد مغاير، وقد رأينا أن بعض العلماء كان صمودهم وإصرارهم سببا في إنقاذ الأمة من أخطار داهمة مثلما حصل من العز بن عبد السلام إبان حكم المماليك، وكان موقفه كما يجمع غالبية المؤرخين سببا في انتصار مصر على الغزو المغولي في معركة عين جالوت.
ولا يمكن القول بعدم تدخل علماء الدين في الشأن السياسي؛ لأن النصوص تمتلئ بما يرتب وينظم الحالة السياسية للأمة، من آيات كريمة أو أحاديث شريفة، فهل الذين يطرحون هذه المقولة جهلة بهذه النصوص، أم أنهم يرغبون بحذفها وتجاهلها؟!
كما أن هؤلاء الذين يتشدقون بمثل هذه المقولة لا مانع لديهم من أن يكون عوفاديا يوسف مثلا زعيما دينيا وسياسيا في الكيان العبري، وأن يفتي فتاوى سياسية لخدمة حزبه وطائـفته الدينية، باعتبار أن إسرائيل دولة علمانية خالصة بزعمهم، فيركزون هجمتهم على العلماء المسلمين...اللهم إلا إذا وافقوا أهواءهم وآراءهم السياسية!!!
وسلطة علماء الدين كانت وما زالت وستظل أدبية أخلاقية، وليست تنفيذية إلا في بعض المجالات مثل مؤسسات الوقف وإدارة المساجد مثلا، ولكن ليس هناك ما يمنع عالم الدين من لعب دور سياسي، فلا مانع من ترشحه لانتخابات ذات صبغة سياسية، أو تعيينه في منصب سياسي، فكما يحق لمن درس الرياضيات أو الاقتصاد أو العلوم العسكرية، بل من لم يدرس شيئا أن يتبوأ هذه المناصب فلا مانع من أن يتولاها عالم دين، والقول المكرور بأن عالم الدين سيعتبر نفسه مقدسا وما يصدر عنه كأنه وحي السماء في مسائل دنيوية هو قول سخيف؛ فإذا كان رأي العالم أو حتى الصحابي والتابعي في علوم الدين يؤخذ ويرد فكيف في شؤون الدنيا؟ولم نعلم أن علماء الدين، بسوادهم الأعظم، قد طلبوا أو تصرفوا على أن ما يطرحونه حق ما سواه باطل من منطلق القداسة والمكانة.
ولمعرفة الحكام عبر العصور بمدى تأثير العلماء والمشايخ على الناس وأهمية دورهم فقد قربوا بعضهم من بلاطهم، ونشأ مصطلح «وعاظ أو علماء السلاطين» ومن الناحية الشرعية والمبدأية لا مانع ولا ضير في أن يتقرب الحكام من علماء الدين والمشايخ، بل إن هذا أمر مندوب محمود، ولكن المشكلة تكمن في استخدام هذه الفئة في الترويج لأمور محرمة يفتي هؤلاء بأنها حلال، أو بمبالغتهم في مديح الحكام بما ليس فيهم، وتضليل الناس عبر المنابر والكتب والفتاوى فيتحولون إلى ما يشبه شعراء البلاط...وقد أخذ الإمام مالك بن أنس مالا من هارون الرشيد، ولكنه رفض أن يغادر المدينة المنورة لتعليم أولاد الرشيد، وقد كان لحسن علاقة الإمام بالخلافة العباسية أثر طيب في أمور شتى منها إقناع الإمام للخليفة بعدم إعادة بناء الكعبة كي لا يسن سنة تجعل البيت لعبة بيد الحكام، فتسقط هيبته من قلوب الناس، ولكن مالكا وأمثاله لم يجاروا الحكام في مخالفة الشرع أو إصدار فتاوى مفصلة على مقاس أهواء ورغبات الحكام، مثلما فعل بعض العلماء؛ فالعلماء ليسوا سواسية مثلهم مثل الفئات الأخرى في هذا الأمر.
ولكن المشكلة الأكبر التي واجهت علماء الدين هي اعتمادهم على المال الذي بيد الحاكم في معيشتهم، مما سهل له التحكم بالمؤسسة، وتجنب غضبهم أو دعوتهم للتصدي له؛ فمحمد علي باشا والي مصر في القرن التاسع عشر تمكن من تحويل مؤسسة الأزهر الشريف القائمة ذاتيا من تبرعات ومساهمات الشعب منذ قرون إلى مؤسسة تتبع الدولة عبر إغداقه المال عليها وإغواء المشايخ –بدهائه المعروف- بأن مال الدولة أكثر وربما أفضل من مال التبرعات، فصار تعيين رئيس مشيخة الأزهر أمرا منوطا بالسلطة السياسية وقد سار من بعده على نهجه حتى الآن.
وقد حاول شاه إيران لعب نفس الدور مع علماء الشيعة وإتباع الحوزات العلمية إلى مؤسسة حكمه سنة 1906م بإلغاء اعتماد الحوزات على أموال الخمس وغيرها مما تحصل عليه الحوزة من العامة فتنبه علماء الحوزة إلى الأمر ورفضوا الفكرة بقوة أجبرت الشاه على التراجع عن قراره، وهو أمر جعل الحوزة مستقلة بل خرج منها بعد عشرات السنين من يقود ثورة تطيح بالنظام الشاهنشاهي وهو الخميني.
والعلماء في التعاطي مع الشأن السياسي ينقسمون إلى ثلاثة أقسام؛ الأول وهم الغالبية يلتزمون الحياد وعدم الخوض في القضايا السياسية الراهنة وينكبون عن الوعظ والترغيب والترهيب، وسرد سير السلف الصالح بلا ربط يذكر مع الواقع، وذلك خوفا من بطش النظم الحاكمة أو سلطة الاحتلال الأجنبي، ويعللون ويبررون بأن إصلاح القلب والنفس مقدم على القضايا الأخرى، أو درء الفتنة، أو أن الأمة تعاقب من ربها بسبب معاصيها!
وقسم ثان يمالئ النظم الحاكمة أو حتى الاحتلال الأجنبي، ويـصبح صوتا لها ويفتي بما تريد، أو بما يعلم أو يحس أنها تريد، مع مدح مبالغ فيه، فقد سمعت أحدهم يقول لزعيم عربي مات قبل سنين:والله إنك لأعدل من عمر!...وهو أو زميله ذكر أبا بكر وعمر وغيرهما من كبار الصحابة والخلفاء ثم توجه بكلامه لذاك الزعيم قائلا:كانوا مثلك! ويحظى هؤلاء عادة بامتيازات ومنافع شخصية ومعنوية، ولكن ذكرهم يمحى بزوال الحالة السياسية التي يحيونها حتى لو كانوا حائزين على درجات علمية متقدمة.
وقسم ثالث قليل يواجه النظم الاستبدادية سواء بالنصح أو بتجييش الناس ضد سياسات الحكام، أو بالوقوف في وجه الاحتلال الأجنبي بالجهاد بالسنان أو اللسان؛ ولنا في التاريخ القريب والبعيد أمثلة على ذلك، مثل وقفات ابن تيمية والعز بن عبد السلام ضد التتار، وفي عصر الاستعمار الغربي الحديث كان بعض العلماء والمشايخ مثل  عبد الكريم الخطابي في المغرب وعمر المختار السنوسي في ليبيا وعبد الحميد بن باديس في الجزائر وعز الدين القسام في سورية وفلسطين مواقف رجولية مشرفة ضد المحتل الإسباني أو الإيطالي أو الفرنسي أو الإنجليزي، وقد استشهد عز الدين القسام في معركة مع جيش الانتداب الإنجليزي في أحراش يعبد بفلسطين وهو الشيخ القادم من جبلة السورية الأزهري التعليم، وكان الشيرازي وهو عالم دين شيعي قد أفتى بالثورة ضد الإنجليز مما ساهم في اشتعال ثورة العشرين بقوة في العراق(بعكس موقف السيستاني من احتلال الأمريكان)، مما يعني أن عالم الدين بغض النظر عن مذهبه ومدرسته يمكن أن يقوم بهذا الدور المهم.
ولا شك أن انخراط علماء الدين في حرب الاحتلال فيزيائيا أو نظريا له أثر كبير جدا في حشد الجماهير ورفع معنوياتها وتحقيق إنجازات على الأرض، حيث أن عالم الدين حينما يخاطب الناس فإنه يربط دنياهم بآخرتهم وبيده نصوص تجعل للمجاهد والشهيد مكانة سامية، وهذا ما استفز المستعمر المحتل وجعله يسعى دوما لتفريغ مؤسسات العلوم الشرعية والمنابر من محتواها التعبوي.
وكان بمكنة العلماء الذين سلكوا هذا الدرب المليء بالصعاب والذي قد يؤدي بهم إلى السجن أو القتل أو العقاب بطرق مختلفة أن يسهبوا في شرح أحكام الوضوء، وأن يغرقوا في تـفصيلات مسائل الحيض والنفاس أو مقدار صدقة الفطر، فيسلمون وهم يقنعون أنفسهم ويقنعون بعضا من العامة أن هذا فقط دورهم، ولكنهم اختاروا أصعب الدروب.
ولهذا خلّدهم التاريخ، وكانوا وما زالوا وسيبقون منارة يهتدي بها من سيسير على نهجهم، مع العلم أنه في زمانهم ليس شرطا أن يكونوا أكثر علما وحفظا للمتون والشروح وتحصيلا للدرجات العلمية من غيرهم، فما خلدهم أن علمهم لم يبق في الإطار النظري المجرد، أو لم يقتصر على مسائل العبادات وشروح العقيدة وغيرها، بل إن كل من لا ينتسبون للمذهب الحنبلي يجلون موقفه وصموده وصبره في مسألة خلق القرآن، مع أن مسنده فيه كثير من الأحاديث الضعيفة مثلما يقول المحققون، فمكانة الرجل عظمت أكثر بسبب موقفه أكثر من رأيه الفقهي في قضايا أخرى أو علمه ونتاجه المكتوب.
بيد أن الأمة جميعا بمن فيها حتى من يتبنون أفكارا غير إسلامية تحترم وتجل العالم والشيخ الذي يقارع المحتل، ولكنها حياله أو حيال أي عالم دين يتصدى للنظم الاستبدادية تكون منقسمة بتأييده سرّا أو جهرا، أو معارضته حد التشكيك بنيته والطعن في شخصه وعائلته، وهي مسألة نلحظها بوضوح.
ولهذه المفارقة أسبابها المختلفة؛ منها أن المحتل يظل أجنبيا غريبا لا يدين بدين الأمة ولا ينطق بلسانها بعكس الحاكم المستبد، ومنها أن الحاكم يتحكم بمجموعة علماء ويظهر أنه مع الإسلام الصحيح، بل يذهب حد الزعم أن من يعارضه يخالف الشرع!
وبعد الثورات العربية انتقل الخلاف إلى أوساط مجموعة العلماء أنفسهم؛ فمنهم من شجع ودعم المقاومة الفلسطينية واللبنانية بالفتوى ومن على المنبر وبالمقال والكتاب، وهؤلاء أنفسهم اختلفوا حول حاكم معين أو نظام سياسي قامت ضده ثورة، ووصل الأمر أن يشهروا ببعضهم على الملأ، وطبيعي أن ينتقل الأمر إلى الجمهور في الشارع العربي والمسلم فينقسم الناس بين مريد لهذا العالم أو ذاك في رأيه مما يجري، أو ناقم عليه ناعتا إياه بأوصاف قبيحة.
ولا بد من خطوط عريضة يجتمع عليها العلماء للخروج برأي موحد، ونبذ أي عالم أو مؤسسة تـبـيح الاستبداد أو تشجع القتل من أي حاكم كان، بأي ذريعة كانت، وهذا يبدو بعيدا لأن الأمة منقسمة مذهبيا وسياسيا، وعلماؤها عموما انخرطوا في هذا الانقسام البغيض بطريقة أو بأخرى.
ومع ذلك يبقى دور العلماء السياسي أصيلا ومطلوبا في هذه المرحلة، ولا بد للعلماء أن يضطلعوا بدورهم فإن رأى بعضهم أن التخلص من المستبد أمر مقدم على غيره، ورأى آخرون أن هذا مجلبة لفتنة أشد تراق فيها دماء كثيرة وجب حقنها، فليجتمعوا على كلمة سواء وميثاق شرف بينهم، كي لا تظل الأمة منقسمة في رأي علمائها مثلما هي منقسمة بين أحزابها وسياسييها ومـثـقفيها، وهذا الميثاق بات حاجة ملحة في هذه المرحلة بالذات...فهل سنراه يوقع قريبا، ويلتزم به من يوقعونه؟!
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،
الجمعة 3صفر 1435هـ ،6/12/2013م

من قلم:سري سمور(أبو نصر الدين)-جنين-أم الشوف/حيفا-فلسطين 

مع مذكرات أخطر سفير إسرائيلي في مصر (1)

لدي قناعة أن ذهاب أنور السادات إلى خيار التسوية مع إسرائيل؛ و زيارته المشؤومة إلى القدس في 1977 وصولا إلى توقيع اتفاقات كامب ديفيد في 1979 ه...