الثلاثاء، أبريل 28، 2015

عن السودان أتحدث

بقلم:سري سمّور

خطباء مساجد لدينا في زمن ماض أشادوا بالنظام السوداني الذي أقامته جبهة الإنقاذ والذي هو انقلاب عسكري، وبرئيسه عمر البشير، ومجلة إسلامية فلسطينية أجرت معه مقابلة،وقالت بأنه كان صائما لأن من عادته صيام الإثنين والخميس، بل شطح بعضهم وتحدث عن (كرامة) له بأنه حين زار إحدى المناطق القبلية حطت أسراب طيور حوله...إلخ...وطبعا حديث مبطن عن مؤامرة إيرانية لنشر التشيع هناك...واعتبار السودان قلعة سنية منافسة لإيران!
والحقيقة أن عمر البشير حقق إنجازات للسودان لا يستهان بها،ولكنه لم يكن مثل عبد الرحمن سوار الذهب-حفظه الله-كي ينسحب هو وكافة الجنرالات من الحكم والسياسية لبناء دولة عصرية، وهذا كان ممكنا نظرا لثقافة الشعب السوداني، وتجربته الطويلة، وثروات البلد الوافرة.
ومن فرط الإعجاب بالتجربة السودانية نسجت قصة جرى تداولها على نطاق كبير،وبعض من سمعتها على لسانه استشهد عليه رحمة الله؛ ولا أتذكر كافة تفصيلات القصة الهوليودية كاملة ولكن عموما مفادها أن البشير ومجموعته قد خدعوا الأمريكان الذين كانوا يخططون لانقلاب عبر سفارتهم في الخرطوم، فأوهمهم البشير ومن معه أنهم معهم، وخدعوهم في موعد تنفيذ الانقلاب، فأسقط في يد الأمريكان!
ولن أدعي أنني كنت شاذا عن الإعجاب بالتجربة، ولم أكن محبا ولا معجبا بالتجربة السودانية وقتها، بل كنت مثلهم بنسبة كبيرة، من منطلق أيديولوجي من ناحية، ومن ناحية  أخرى من باب التعاطف الطبيعي مع أي دولة يستهدفها الأمريكان ويتهمونها بدعم الإرهاب، ومثلهم الإعلام الإسرائيلي الذي كان يبث تقارير تظهر عداوة للنظام السوداني، ولأن حسني مبارك الغني عن التعريف ناصب جاره السوداني العداء، تارة بسبب موضوع حلايب، وأخرى باتهام السودان بالمسئولية المباشرة عن محاولة اغتياله في أديس أبابا(1995)...كما ارتحت لاحتضان السودان لاجتماعات المؤتمر الشعبي العربي الإسلامي، الذي تمكن في سابقة ربما من جمع التيار القومي العربي مع التيار الإسلامي والخروج بأفكار مشتركة.
وظهر د.حسن الترابي كحليف للبشير، بل إن حسني مبارك قال بأن الحاكم الفعلي للسودان ليس البشير بل الترابي، وبالنسبة لي، كنت أرى ضرورة التحالف مع إيران، وبهذا كنت أغرد خارج السرب، وكانت الصحف-غير الإسلامية-تنشر تقارير وأخبار عن دعم إيراني عسكري للخرطوم هو ما ساعد على تحقيق إنجازات واضحة في جبهة الجنوب.
وكان الشيوخ هنا ينفون بحدة صحة هذه التقارير وكالعادة العبارات والكلاشيهات الجاهزة عن الشيعة ورفض حكومة السودان لعروض إيرانية بالدعم مقابل نشر التشيع في البلاد...وزيادة الكلام المليء بالإعجاب بالسودان وكأنها دمشق في زمن عمر بن العزيز.
تسليم السودان لأحد الشخصيات التي لطالما أثارت إعجابي شخصيا-في صباي وبداية شبابي- وهو (كارلوس) أثار امتعاضي وحيرتي، والتسليم تم بالتعاون مع المخابرات الفرنسية صيف سنة 994 ...وبما أن الثقافة التبريرية هي مرض شيوخنا المستحكم المتأصل؛ فقد برروا الأمر بأن كارلوس عميل ووجوده في السودان كان يهدف إلى إيجاد مبرر لضرب السودان بدعوى وجود إرهابي دولي فوق أراضيه، فسارعت السودان لاتخاذ إجراء يقيها من المؤامرة الدولية...لم يقنعني هذا الكلام طبعا...ولاحقا عرفنا قصة الشيخ أسامة بن لادن الذي ما بخل على السودان حكومة وشعبا بماله ، فسحبوا منه 150 مليون دولار ولما قرروا طرده طلب استرداد ماله فعرضوا عليه صمغا كي يبيعه...وصارت حسابات الدولة مختلفة عن حسابات التطلعات الثورية، والوقائع مختلفة عن الأحلام.
حزب التحرير كعادته هاجم وانتقد حكومة السودان، ونقض مشروع دستورها، وتقديمه الدستور المعتاد المستمد من القرآن والسنة، وفق فكر الحزب، وهذا ديدن الحزب مع إيران قبلها، ومع أي دستور لأي دولة تتبنى نهجا إسلاميا معلنا...لكن وللأمانة والدقة فإن حزب التحرير قد سبق كل المحللين بتوقع ما أسماه (طلاقا) بين البشير والترابي، وجاء هذا التوقع في مجلتهم(الوعي)  إبان دفء العلاقة بين الإثنين.
العلاقة الطيبة –سابقا- بين مفكر كبير بحجمه المعرفي والحركي وقوة تأثيره هو د.حسن الترابي وبين الجنرال عمر البشير، ليست سابقة في التاريخ العربي والإسلامي، والعالمي كذلك، وقد تعتبر ظاهرة صحية، أن يجتمع الحاكم مع الحكيم، والسيف مع القلم، ولكن طبيعة العسكرتاريا العربية الحديثة تقوم على الاستحواذ والإقصاء، والتحالفات المؤقتة لحين التمكن، ولا تعتبر العلاقة بغيرها استراتيجية، بل تكتيكا مؤقتا...ولكن هذا لا يعفي الترابي من المسئولية عما آلت إليه الأمور.
د.حسن الترابي دوما اختط لنفسه خط عدم التقيد بالمدرسة الإخوانية التقليدية، عبر طرح مواقف وأفكار تستفز القائمين على هذه المدرسة، وآمن بخصوصية الإقليم مبكرا، وهو بهذه(الخصوصية) محق، ولكنه كان يبدي آراء تتعلق بأقاليم ودول أخرى، كالجزائر مثلا، معتبرا رأيه صوابا فيها، فهو يؤمن بالخصوصية فيما يخص السودان، ويتجاوزها في نفس الوقت مع غيره.
اصطدم الترابي بالبشير، ولكن الترابي ذهب بعيدا حينما قام بتوقيع مذكرة تفاهم مع الحركة الشعبية بزعامة جون جارانج، مما دفع البشير لاعتقاله، ولكن الترابي برر الأمر، بأن شباب حركته هم الذين يقاتلون في الجنوب، وأنه يسير في خطين متوازيين في مسألة الجنوب، لكن اعتقال الترابي وقبله حل البرلمان أثبت بما لا يدع مجالا للشك أن السودان ليس الدولة النموذجية التي طبل لها المشايخ وزمروا، بل هي استنساخ بطريقة أو بأخرى للنظم العسكرية العربية، مع فارق أن البشير يرفع شعار الإسلام، وتلك النظم ترفع شعارات القومية والتقدمية.
أمريكا وضعت السودان على قائمة الدول الراعية لما يسمى الإرهاب، ولم يشفع للخرطوم تسليمها لكارلوس، وهذا ما توقعه محمد حسين فضل الله-رحمه الله- حينما تم التسليم، وأمر  كلينتون بقصف مصنع للدواء في السودان، وصارت لقاءات جارانج وزياراته للكيان العبري علنية، وبات واضحا بأنه لن يسمح للشمال بحسم المعركة، رغم الانشقاق في الحركة الشعبية، والتقدم الملحوظ للجيش السوداني، وأن الجنوب ليس سوى مصدر صداع واستنزاف، وأن من الأفضل التخلص من هذا الصداع، ومع الخلاف بل النفور بين البشير والترابي إلا أن الترابي أيد انفصال الجنوب.
متأخرين أفاق مشايخنا ومريديهم من الحلم السوداني الذهبي، وأدركوا بأن إيران دولة عصرية قوية، لا يمكن أن تكون السودان ندا لها، أو بديلا عنها، وغن بقوا على موقفهم المعادي لإيران في التنظير.
 وظهرت مطامع الأمريكان في ثروات السودان بنوايا فصل الغرب(دارفور) وابتزاز البشير بالمحكمة المسيسة، ولكن البشير أدار الملف بحنكة بعقود تجارية وامتيازات منحها للصين، وإجمالا تحسنت الأوضاع الاقتصادية في البلاد نظرا لأن الاستنزاف في الجنوب قد انتهى، ولكن دخل الفرد السوداني ظل شحيحا مقارنة مع ما تملكه البلاد من ثروات هائلة،وإجمالا فإن تأثر النيل السوداني من سد النهضة الأثيوبي يظل محدودا بعكس مصر.
الفريق أول عمر البشير  متزوج من اثنتين، ولم يرزق بأولاد، أي لا توريث، ويحكم السودان منذ 1989م ولم يجر انتخابات إلا مرتين الأولى في 2010 والثانية في 27/4/2015م وحصل على 94% من الأصوات، وطبعا معروف ما يعنيه طول العهد بالحكم والاستئثار من سيئات تغلب الحسنات، حيث هناك تراجع في ملف الحريات، وتصحر في الممارسة السياسية،وفساد إداري ومالي متزايد...والدرس الكبير أن الانقلابات العسكرية شرها غالب على خيرها،ولو تلبست لباس الإسلام،وأنه إذا كان الانقلاب العسكري شر لا بد منه،فليكن على طريقة سوار الذهب...وأنه لا يجوز التحمس والاندفاع في تأييد أي تجربة قبل مضي خمس سنوات كحد أدنى عليها،إن لم يكن عقدا كاملا، حتى تتضح الصورة كاملة.
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،
الثلاثاء 9 رجب 1436هـ ،28/4/2015م
من قلم:سري عبد الفتاح سمّور(أبو نصر الدين)-جنين-أم الشوف/حيفا-فلسطين







الأحد، أبريل 26، 2015

حمار رومل السويطي وقناة العربية!

http://www.ekhbaryat.net/?newsID=60346
 بقلم:سري سمّور

في شهر أيلول/سبتمبر 2012م ركب المواطن (رومل شحرور السويطي- أبو محمد) حمارا من منزله في بلدة حوارة جنوب مدينة نابلس، وتوجه إلى عمله في نابلس، حيث أنه يعمل مديرا لمكتب صحيفة الحياة الجديدة اليومية، ومديرا لموقع شبكة إخباريات، واستغرقت الرحلة ما بين منزل السويطي ومدخل البناية التي يوجد فيها مكتبه ساعة كاملة؛ وقد فعل أبو محمد ذلك كنوع من التعبير عن التذمر من غلاء أسعار الوقود في الأراضي الفلسطينية...وفي ذلك الوقت حظيت خطوة السويطي الاحتجاجية بتغطية إعلامية واسعة نسبيا من بعض القنوات الفضائية، والمواقع الإخبارية، ومرت الأيام حتى صار الخبر في الأرشيف الإخباري، وفي ذكريات رومل السويطي وأهله وزملائه وأصدقائه، ومن أيدوا ما قام به ومن عارضوا ومن هم بين بين.
لكن يبدو بأن قدر السويطي أن تخرج صورته وهو يركب حماره على شارع حوارة، ليس كإعادة نشر للخبر، ولا تحت بند الطرائف والنوادر الإخبارية حول العالم، بل ليس بذكر الواقعة وصاحبها رومل السويطي هذه المرة!
قناة العربية الفضائية الغنية عن التعريف، والتي تعتبر من أهم القنوات الفضائية في العالم العربي بثت خبرا قصيرا ضمن برنامج (أنا أرى) تحدث عن موظف يمني ترك سيارته وامتطى حمارا وتوجه إلى عمله، والصورة المرافقة لهذا الخبر كانت الصورة الخاصة بالإعلامي رومل السويطي وهو يركب حماره متوجها الى نابلس قبل ثلاث سنوات!
رومل شحرور السويطي-أبو محمد فلسطيني أصله من بلدة ترقوميا شمال الخليل ويقيم في حوارة شمال الضفة الغربية منذ عشرات السنين، ويعمل في الصحافة، وربما تعود جذوره إلى اليمن، شأنه شأن كثير من الفلسطينيين والعرب، فاليمن أصل العرب، لكن لا علاقة مباشرة بين الموظف اليمني والصحفي رومل السويطي، سوى علاقة العروبة والإسلام، ولم يتسن لنا رؤية صورة الأخ الموظف اليمني فربما للشبه بينه وبين رومل وقعت قناة العربية في هذا الخطأ الفادح فبثت خبرا وأرفقت به صورة  لا تخص الأخ اليمني، لا زمانيا (رومل فعلها عام 2012) ولا مكانيا فالفرق بين اليمن وفلسطين أكثر من 2000 كيلومتر!
هل هذا معقول؟كلا طبعا، ولكن لم أجد شيئا يبرر خطأ قناة العربية، وتبعات هذا الخطأ هي وضع علامة استفهام حول كل الصور ومقاطع الفيديو التي تبثها قناة العربية، وبات من حق المشاهد التشكيك والسعي إلى التثبت، أي أن مصداقية القناة صارت على المحك، وصار من حق أي متابع للقناة أن يتساءل: هل هذه الصور والمقاطع من المكان الذي تتحدث عنه القناة فعلا أم من مكان آخر، وهل هي في الوقت الحالي أم من وقت سابق؟ إلى غير ذلك من الأسئلة المنطقية.
نحن نتحدث عن قناة فضائية كبيرة، تمتلك إمكانيات مادية وطواقم فنية محترفة، ولديها وسائل كثيرة للتثبت مما تبثه للمشاهدين، ولو فرضنا جدلا أن الصورة الخاصة بالسويطي قد بثتها القناة مع خبرها عن الموظف اليمني كنوع من تقريب المشهد في ذهن المشاهد، فقد كان الأولى بالقناة أولا أخذ موافقة السويطي على ذلك، وثانيا أن تكتب على الشاشة بأن الصورة من الأرشيف  ولا تخص الموظف اليمني.
بناء على ذلك صار من حق رومل شحرور السويطي اللجوء إلى القضاء لمحاسبة قناة العربية على هذا الخطأ، ولست أملك صيغة التكييف القانوني للأمر، فهذا شأن الأساتذة المحامين، ولكن المؤكد أن للسويطي حق قانوني وأخلاقي لدى قناة العربية، ومن حقه المطالبة بهذا الحق بالوسائل القانونية المتاحة... والأمر عائد إليه.
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،
ا،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،
الأحد 7 رجب 1436هـ ،26/4/2015م
من قلم:سري عبد الفتاح سمّور(أبو نصر الدين)-جنين-أم الشوف/حيفا-فلسطين



الثلاثاء، أبريل 21، 2015

القدس هي كلمة السر


القدس هي كلمة السر
 بقلم:سري سمّور


محاولة استثارة المشاعر الدينية لن تجدي نفعا لتوجيه بوصلة عموم الأمة نحو قضية فلسطين؛ كون فلسطين قلبها القدس، التي لها قدسية ومكانة كبيرة لدى الأمة...فقبل حوالي 1120 سنة اقتحم القرامطة البقعة الأكثر قداسة عند المسلمين وقتلوا الحجاج وانتزعوا الحجر الأسود من مكانه وبقي بحوزتهم 22 سنة، وخلالها لم تتحرك نخوة الأمة لتصحيح هذا الوضع، وردع الإجرام والمجرمين...وبعدها بحوالي 175 سنة دخل الفرنجة إلى مدينة القدس فقتلوا عشرات الآلاف من أهلها وتحولت بعض جدران المسجد الأقصى إلى مرابط لخيول جنودهم، وعم الصمت المريب في بغداد ودمشق والقاهرة،  واستمر الحال المزري هذا حوالي 90 سنة...وعليه فإن للأمة سوابق في تبلّد الأحاسيس والمشاعر ، ونقص هرمون النخوة  فلن أتعب نفسي بالضرب على هذا الوتر، في هذه المرحلة، وقد يستيقظ هذا الشعور يوما ما، ولكن حتى ذلك الحين لنتحدث بلغة أخرى..
الفلسطيني يظن أن مشكلته أم المشكلات، وقضيته أهم قضية في العالم، ويريد أن يقنع الجميع بهذا الأمر؛ هذا ما قيل ويقال، فأين الحقيقة؟ ألا يشهد العالم صراعات وحروب لا تقل شراسة بل هي أكثر دموية وتدميرا من الحروب التي شنتها الحركة الصهيونية على الشعب الفلسطيني؟ وبخصوص العرب ألا يعيشون ظروفا صعبة وقاسية عموما؟ألا يعانون من الاستبداد السياسي وتغوّل الدولة البوليسية؟ألا ينتشر  في بلاد العرب الجهل والفقر والبطالة والتخلف؟أليس الأجدى خلاص العرب من مشكلاتهم المستعصية، ثم بعد ذلك يتفرغون لتحرير فلسطين، وتخليص المسجد الأقصى من براثن التهويد؟ثم كيف تريد من جموع الأمة أن تحرر فلسطين ودونها أنظمة تعمل على تحقيق أمن إسرائيل بإخلاص يثير دهشة حتى قادة إسرائيل أنفسهم؟أليس الأولى إزالة هذه الأنظمة كمقدمة لتحرير فلسطين؟
والحقيقة أن فكرة محاربة الأنظمة العربية قبل محاربة إسرائيل، كانت مطروحة قبل أكثر من نصف قرن، وظهرت شعارات بأن الطريق إلى القدس يمر عبر العاصمة العربية كذا أو كذا...وكان وقتها التيار اليساري والقومي قد سلب كثيرا من الناس عقولهم وتبنى هذه الفكرة؛ وبعد تغير الزمن وتبدل الأحوال جاء تيار هو نقيض كامل لهؤلاء وهو تيار السلفية الجهادية بنفس الفكرة، أي أن القوميين واليساريين وبعض الوطنيين العروبيين يختلفون عن السلفيين الجهاديين في الفكر والسلوك والمنطق والهدف النهائي، بل هما نقيضان وبينهما عداوة وبغضاء، ولكن يلتقي التياران على فكرة تأجيل التفكير في تحرير القدس!
مركزية قضية فلسطين تتضمن القناعة التامة أن مشكلات المنطقة السياسية والاقتصادية والاجتماعية مصدرها وجود السرطان(إسرائيل) في قلبها، وليس هذا فحسب، بل ضرورة العمل على إزالة الورم السرطاني من جسد الأمة قبل أي شيء آخر...أما الانشغال بمعارك أخرى فكفيل باستنزاف طاقات الأمة البشرية والمادية دون أن يحسم طرف الصراع إلى صالحه؛ سواء أكانت الصراعات عرقية أو مذهبية أو سياسية.
ولو فكرنا قليلا نرى أن السلاح يدخل مناطق النزاعات المختلفة حولنا بحيث يكون في متناول يد حتى الأطفال الصغار؛ فيما نرى أهل القدس يلجؤون إلى سياراتهم وسكاكين المطبخ ليذودوا عن مدينتهم التي يفترض أن تحريرها مسؤولية الأمة بأسرها...هذه الأمة المشغولة بالاقتتال الذي لن يفضي إلى شيء...أفلا تتفكرون في هذا يا قوم؟فالسلاح محرّم بقوانين دولية جائرة على شعب أرضه محتلة ويتعرض للقتل البطيء والسريع، فيم هذا السلاح أشبه بسلعة رخيصة في مناطق اقتتال أخرى حولها!
وبصراحة أكبر أقول بأنه لو أعلنت القوى السياسية ، خاصة الإسلامية، أنها ستكون في حالة تصالح مع النظم الحاكمة، إذا شرعت هذه النظم بتوجيه بوصلتها نحو القدس، فعلا لا قولا، بل بأنها-أي القوى لمذكورة- على استعداد للتحول إلى جمعيات خيرية، والتخلي عن العمل السياسي تماما، في حال قبلت النظم العرض، فإن الوضع سيكون محرجا للأنظمة ولن تعود إلى تقمص الدور الذي اعتادت عليه منذ عشرات السنين؛ بزعمها أنها مع فلسطين قلبا وقالبا؛ فعندها –على الأغلب- سترفض الأنظمة هذا العرض وتبدأ باختلاق مبررات واضح زيفها تماما، وساعتها تكون هذه الأنظمة قد انتحلت تماما شخصية وكيان سيء الذكر  أنطوان لحد ولن تتمكن بعد ذلك من ادعاء ما تدعيه وما ادعته عبر سنين طويلة...وحتى تقدم القوى السياسية على تلك الخطوة كاستراتيجية لا تكتيك أو مزايدة إعلامية مثل رفع شعارات واهية مثل«افتحوا لنا الحدود للجهاد» وغيرها، فإن الصراع مع الأنظمة تعتريه شبهة من وجهة نظر شريحة لا يستهان بها من الأمة من ناحية، كما أنه يستنزف الوقت والجهد والدم من ناحية أخرى...وعلى سبيل المثال لا الحصر لو أن د.محمد مرسي شنّ حربا سياسية وإعلامية عبر خطابات وتصريحات ضد الكيان الصهيوني، لزاد الالتفاف الشعبي حوله، صحيح أنه لم يكن لديه سلطة حقيقية على مؤسسات الدولة العسكرية والقضائية والإعلامية، لكن لسانه كان طليقا، وعندها كان الانقلاب عليه سيأخذ طابع التعاون العلني مع إسرائيل، وليس –كما يصوره بعض الإعلاميين وجمهورهم-بأنه لصالح قضية فلسطين، ولكن الرجل انتهج سياسة تأجيل قضية فلسطين ليثبت أقدامه في مصر أولا، والنتيجة واضحة...كلمة السر لحل مشكلات العرب المستعصية هي القدس.
ولقد جرب العرب والمسلمون كل شيء، ولكنهم لم يجربوا جعل فلسطين والقدس بوصلة حقيقية لتحركهم، فلماذا لا يحاولون الآن...نعم الآن فالوقت مناسب في ظل التيه والصراعات المذهبية والعرقية، وتصفية الحسابات التي لن تقود إلى شيء يفيد صالح الأمة، والأهم هذا يغضب ربّ هذه الأمة، سبحانه وتعالى!
حينما تتوصل الأمة بعامتها وخاصتها أن أساس مشكلاتها ونكباتها يعود إلى احتلال فلسطين وتعمل على إزالة هذا الاحتلال فإن مشكلاتها الأخرى ستحل وبنسبة كبيرة جدا...وإلا ستظل الأمة تائهة تتصارع على ما دون قدسية القدس؛ من مباريات كرة القدم، وحتى الخلافات المذهبية التي جذورها أحداث مضت عليها قرون وباتت في ذمة التاريخ، ونزاعات تذكرنا بأيام الجاهلية وحروب داحس والغبراء والبسوس وبعاث!

،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،
الثلاثاء 2 رجب 1436هـ ،21/4/2015م
من قلم:سري عبد الفتاح سمّور(أبو نصر الدين)-جنين-أم الشوف/حيفا-فلسطين

تويتر: https://twitter.com/SariSammour     @SariSammour  
مدونات:-

مع مذكرات أخطر سفير إسرائيلي في مصر (1)

لدي قناعة أن ذهاب أنور السادات إلى خيار التسوية مع إسرائيل؛ و زيارته المشؤومة إلى القدس في 1977 وصولا إلى توقيع اتفاقات كامب ديفيد في 1979 ه...