السبت، يونيو 27، 2020

أحلام رومانسية وأفكار طوباوية لما بعد كورونا

أحلام رومانسية وأفكار طوباوية لما بعد كورونا











أحلام رومانسية وأفكار طوباوية لما بعد كورونا

                                     بقلم:سري سمور

تقول أو يقول أو يقولون بأن عالم ما بعد جائحة كورونا, التي يعلم الله تعالى وحده متى ستنتهي, ليس كما قبله.

والأقوال في هذا الشأن كثيرة؛ منها ما يتعلق بالجوانب السياسية والاقتصادية والعسكرية, حيث يرى بعضهم أن العالم ما بعد الجائحة سيشهد تراجع أو حتى تلاشي دول كبرى وعظمى وصعود أخرى بدلاً منها, وبعض آخر يرى أن التداعيات الاقتصادية الناجمة عن جائحة كورونا ستقود إلى حروب ونزاعات عسكرية في أكثر من مكان في هذا العالم, بل قد يعيش الكوكب في النصف الأول من هذا القرن حربا عالمية ثالثة تزهق فيها أرواح عشرات أو مئات الملايين من أهلها، ويتم خلالها أو نتيجة لها تغيير خرائط ووضع قانون ونظام دولي جديد مختلف.

بعيداً عن هؤلاء ثمة شريحة تعيش رومانسية حالمة، وتغرق في طوباوية مفرطة؛ فترى أن الإنسان سيخرج من هذا الجائحة بدروس وعظات, تنعكس على أولوياته في الحياة وعلى نفقاته المادية وتوجهاته النفسية؛ فقد رأى الناس بمختلف أجناسهم وألوانهم وقومياتهم ومعتقداتهم أن الوباء لا يفرق بين إنسان وآخر, وأن دولاً قويةً وغنيةً ومتقدمةً في مجال العلوم والتقنية وقفت عاجزة عن مواجهة فايروس لا يرى بالعين المجرّدة, وأنها (البشرية) ترى أنه كان عليها أن تزيد وتضاعف الإنفاق على الصحة وتطوير مؤسساتها وإعداد الأطباء والممرضين والصيادلة, وأن تكون أولوية الدول بناء المشافي لا السجون، وزيادة أعداد (الجيوش البيضاء) لا التي ترتدي (الكاكي), وسيزداد تعزيز البحوث العلمية المتعلقة بالوقاية والمناعة والعلاج, وسيعم التعاون بين الناس في قارات العالم لأن الخطر الذي يواجهونه وُجوديٌّ لا يعرف الحدود وهذا سيعزز ويقوّي المشاعر الإنسانية ويزيد من التآلف بين الأمم والشعوب وقبلها الحكومات والدول.

وأصحاب هذه النظرية المتفائلة غاب عنهم طبيعة بشرية, تأصلت وترسخت في الإنسان منذ الأزل, فقد قتل ابن آدم أخيه لأن قربانه لم يُتقبّل منه, وتُقبّل من أخيه المقتول, هذا وهما في هذه الأرض ينعمان بخيراتها ومواردها بلا شركاء, ويمكن لهما, إذا لم يرغبا في التعايش, أن يبتعد كل منهما عن الآخر تماماً، ويستمتع ويستقرّ في نصيبه من جزء كبير من الأرض، لكن الأمر يتعلق بالحسد الذي لا يعالج في المشافي!

وأيضاً فإن الحروب تلد بعضها؛ فهل منعت الخسائر الرهيبة للحرب العالمية الأولى اندلاع حرب عالمية ثانية بعد عقدين من الأولى، خسائرها أشدُّ وأعظم بل استخدمت فيها القنابل النووية؟

فالإنسان مجبولٌ على الصراع، وفي نفسه طمع, ولن تسود العقلانية التي يتحدثون عنها، ولن تتبدل الأولويات بسبب فايروس يفتك بالآلاف من الناس حاليا...والدليل أن الأنفلونزا الإسبانية التي قتلت من قتلت من الناس وقبلها الطاعون لم يحدّ من أطماع وتطلعات الأوروبيين العدوانية تجاه بعضهم وتجاه الدول والشعوب الأخرى، فهل سيكون حال فايورس كورونا مختلفا، ولماذا؟!

ولكن هذا لا يعني أن العلماء والباحثين لن يطوروا اللقاحات ويسعوا لابتكار عقاقير  تعالج الأوبئة, فهذه سيرورة وصيرورة, والإنسانية منذ قرون طويلة تطوّر الوقاية والعلاج من الأمراض والأوبئة, وأبحاث أهل الاختصاص في هذا المجال لا تتوقف.

أما أن يقول حالمون أن الأرض ستصبح واحةً غنّاء يسودها الحب والوئام, وتسعى الأمم والدول فيها وراء الصلح والسلام, فهذا فقط في كلمات(د.رامي) في المسلسل الكرتوني (عدنان ولينا) وليس في عالم الواقع الذي يعيشه ابن آدم على هذه الأرض.

 ذلك أن إبليس, قد أقسم لربه -سبحانه وتعالى- بعزّته أنه سيغوي الناس أجمعين, مع استثناء لا يخفى أنه قليل هو عباد الله المخلصين.

فمع تطوير الإنسان للدواء لمواجهة الأدواء سواء التي تتسبب بها البكتيريا أو الفايروسات, أو شيء ربما يكتشف لاحقاً, أو ابتكاره واكتشافه لما يقيه منها,سيستمر في الإنفاق على السلاح والجيوش, بل قد يكون فايروس كورونا سلاحاً من الأسلحة التي تستخدمها الأمم والدول المتحاربة مستقبلاً (وأعلم أن هناك من يرى كورونا سلاحاً يستخدم حالياً) وسيكون هناك رعاية طبية وبناء مشافي, ولكن لن يتوقف بناء الثكنات العسكرية والسجون والجدران العازلة, وسيتوفر دواء بسعر قليل أو كثير لمرض ما, ولكن ستجد من ينفق مالاً يكفي لعلاج عشرات بل مئات المرضى, على تزويج حيوانات أو في صالات القمار، وستجد –كما نجد اليوم- من يبني قصورا ويموت المرضى الذين لا يجد الواحد منهم سريرا في مشفى، ربما مع تغير في المكان لا تغير الحال عالميا، أي الفكرة هي (أين؟) وليس(هل؟) مبدئيا.

 وستجد من الناس من يهدر المال على مظاهر اللهو التي هي من معالم نجاح الشيطان في غواية كثير من الناس؛ وستستمر الحروب وسفك الدماء, مع أنها قد تنحسر في منطقة من العالم لتشتد اشتعالا في مناطق أخرى.

عالم ما بعد كورونا قد يكون مختلفاً عن العالم ما بعده، ولكن لن تتغير طبيعة الإنسان ولن تتهذب النفوس جرّاء هذا الوباء، وقد يوجد لقاح أو عقار يقضي على هذا الفايروس وغيره, ولكن أنّى يوجد مثله لينزع الحسد والحرص والطمع ومن نفس ابن آدم, هذا إلا إذا اختار أن يكون من عباد الله المخلصين, فاتبع هدى الله وسار على الصراط المستقيم, ومن يختار ذلك هم قلّة القلّة, وهم أيضاً لن يكونوا من الحالمين وسيعلمون أن أهل الغواية لن يتركوهم وشأنهم وأن سنة التدافع ربانيةٌ مقررةٌ في الكتاب العزيز وأن عليهم العمل بمقتضاها، وألا ينتظروا فلسفات الحالمين وأوهامهم بأن الإنسان سيخرج عن طبيعته, أو أن إبليس قبل يوم القيامة سيتوقف عن تعهده بغواية الناس...فالتدافع لا مناص منه وأختم بخير الكلام:-

((فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ. وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ)) –سورة البقرة

((....وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا . وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ . إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ))-سورة الحج

،،،،،

تم النشر الجمعة 5 ذو القعدة  1441هـ ، 26 /6/2020م


الاثنين، يونيو 22، 2020

بل تطبيع مع الضم… والصهيونية قد تعلن انتصارها على العرب

بل تطبيع مع الضم… والصهيونية قد تعلن انتصارها على العرب













 المقال الذي أثار بعض الضجة وردّات الفعل، والذي نشره سفير الإمارات العربية المتحدة في واشنطن(يوسف العتيبة) وهو أيضا وزير شؤون الدولة، مثّل نقطة تحوّل؛ فهو ضمنا يعني الانتقال من مربع العلاقة الغامضة، أو غير المعلنة، بين الإمارات وإسرائيل، إلى ما يمكن أن نقول عنه(اللعب على المكشوف).

ذلك أنه حين يخصّ مسؤول عربي (يديعوت أحرونوت/آخر الأخبار)وهي صحيفة إسرائيلية ربما تعتبر الأهم والأبرز في الصحف العبرية بمقالة، حتى لو كان محتواها شتما وتقريعا، فهذا يعتبر خطوة تطبيعية متقدمة....فكيف والمقال يحوي عكس ذلك؟!

وهذا المقال لم يكن أول موقف تطبيعي للعتيبة، بل سبقه حضوره إعلان خطة ترمب المعروفة بصفقة القرن أواخر الشهر الأول من العام الجاري، مع اثنين آخرين ممثلين عن دولتين عربيتين إضافة لحضوره شخصيا باسم الإمارات، وقد نوّه إلى هذا الحضور في المقال.

وقد نشر المقال المذكور يوم الجمعة 12/6/2020م تحت عنوان (إما الضم وإما التطبيع) وحمل في مضمونه تحويرا وتبديلا واضحا لأساس (المبادرة العربية للسلام) مع أنه أشار إليها؛ فالمبادرة أساسها انسحاب إسرائيلي كامل إلى حدود الرابع من حزيران/يونيو 1967 مقابل السلام أو التطبيع، وليس التطبيع مقابل امتناع إسرائيل عمّا تنوي فعله بضوء أخضر من ترمب، أي ضم أجزاء من أراضي الضفة الغربية التي احتلت في 1967، وكأن العتيبة يقدم ما يشبه مبادرة جديدة!

ومع أن مبادرة السلام العربية التي بعد إقرارها في 2002 اجتاحت دبابات شارون الضفة الغربية ودمرت معظم مباني المجمع الرئاسي(المقاطعة) في رام الله حيث كان الرئيس عرفات، وهدمت الجرافات الضخمة مئات البيوت في مخيم جنين، قد احتوت على عرض سخيّ غير مسبوق، بل هناك تعديل أو تطوير عليها بجعلها (إسلامية) بحيث يكون ثمن الانسحاب هو تطبيع الدول العربية ومعها الإسلامية للعلاقات مع الكيان، بعدما كانت العروض السلمية السابقة تقتصر على الدول التي لها حدود مع فلسطين المحتلة.

 مع هذا فإن السخاء العربي قوبل باستعلاء صهيوني لا أدلّ عليه من عدم ذكر هذه المبادرة على لسان أي مسؤول من أي حزب صهيوني، اللهم إلا برفض وغرور.

فكما قلت في مقالي الموسوم بـ(حين تحولت "إسرائيل" إلى أمر واقع.. نكبة حزيران 1967

) إن إسرائيل ترسخت عندها قناعة بأن التعامل مع العرب يكون بالقوة وإذا لم يتم تحقيق النتائج المطلوبة فالحل البديل، هو المزيد من القوة، وليس قبول مبادرات سلمية!

غني عن القول أن مقال العتيبة ليس وجهة نظر فردية وشخصية، فهو رجل يمثل دولته رسميا، وقد سبق نشر المقال مواقف تطبيعية من دولته منها ما هو معلن مثل ما يمكن تسميته بـ(التطبيع الجوي) ومنها ما تتحدث عنه بعض الصحف والمواقع الإلكترونية، ناهيك عن علاقات في المجال الأمني يتم نشر بعض التسريبات حولها، والتي لا يمكن الجزم بدقتها، ولكن من الواضح أن الإمارات قد سارت بالتطبيع خطوات تتجاوز روح وجوهر مبادرة السلام العربية، طبعا أنا هنا لا أدافع ولا أتبنى تلك المبادرة ولست من عشاقها ولا من الذين تأملوا بها خيرا، ولكن ما دام زعماء العرب قد جعلوها أساس علاقتهم مع إسرائيل، أمام بعضهم وأمام شعوبهم وأمام المحافل الدولية، فلماذا يتم الانقلاب عليها الآن؟

وليت هذا المقال  أتى بردّ (إيجابي) ولو مجاملة وحفظ ماء الوجه من طرف الصهاينة؛ فمثلا مستشارة سابقة لبنيامين نتنياهو اعتبرت المقال (تهديدات فارغة) وقالت(كارولين كليغ) في مقال لها في صحيفة (إسرائيل اليوم)  بأن (كل تعاون بين الإمارات وإسرائيل نتيجة لتقاسم المصالح، وإسرائيل هي الجانب القوي من المعادلة)، إضافة إلى عبارات سخرية واستعلاء واتهام ضد الإمارات وحكامها، ووصفت مقال العتيبة بأنه (بلطجي)!

أما الصحفي الإسرائيلي (إلداد باك) فردّ على العتيبة في مقال في صحيفة (إسرائيل اليوم) أيضا بأن(المطلوب منكم أكثر من مقال في صحيفة إسرائيلية لإقناع الرأي العام الإسرائيلي بتوجه الإمارات للاعتراف والتسليم بوجود إسرائيل) بل انتقد (باك) ما جاء في مقال العتيبة من أساسه، لأن على العتيبة أن يتوجه بكلامه إلى الفلسطينيين لا الإسرائيليين وختم (باك) مقاله بعبارة(مع الاحترام الشديد وعلى أمل اللقاء قريبا في محادثة أكثر عمقا في الكنيس الذي يتم بناؤه في أبو ظبي أو في أي مكان آخر).

أكتفي بهذه الاقتباسات السريعة من مقالتي المستشارة والصحفي، ومعها مضي إسرائيل قدما في مخططات الضم، غير آبهة بمقال العتيبة، الذي يفاخر بوسم حزب الله بالإرهاب وبرفض ما وصفه بـ(تحريض )وعمليات حركة حماس.

تبرير العتيبة لنشر المقال هو التبرير الذي دأب عليه بعض العرب منذ عقود، وقد بدأ به بعض الكتبة والأدباء ورجال الأعمال، ثم وصل إلى الساسة والمسؤولين الرسميين ومنهم العتيبة، وهو (ضرورة مخاطبة الجمهور الإسرائيلي مباشرة) وشرح وجهة النظر العربية له.

ذلك أنه وفق اعتقاد أصحاب هذا الفكر والتنظير، فإن الجمهور الإسرائيلي حين يسمع وجهة النظر العربية من العرب لا من مسؤوليه الذين (يضللونه) فسيضغط على حكومته لإعطاء فرصة للسلام والتعايش وإعادة الحقوق...إلى كل مفردات هذا الهراء، وكأن الصراع بين حماة وكنتها أو بين جيران على اتساخ سلم بناية سكنية، وليس على مقدسات وكينونة ووجود...على كل فقد ناقشت هذا الطرح قبل شهور في مقالي هنا الموسوم بـ(هل يمكن اختراق المجتمع الإسرائيلي حقا؟!).

فهل غاب عن العتيبة وهو يبرر نشر مقالته في صحيفة صهيونية أن هذا المجتمع من الطفل الرضيع وحتى الشيخ الكبير هو إما جندي مستقبلي أو حالي أو سابق في جيش معبأ بأيديولوجيا حاقدة وقناعة تامة بأن القوة والمزيد منها فقط هي اللغة التي يجب أن يخاطب بها(العربي الهمجي)؟

وبعيدا عن كثير مما قيل أو يمكن أن نقوله في معرض رفض وانتقاد العلاقات بين الإمارات وإسرائيل، وعلى قاعدة (من يدق الباب يسمع الجواب) فإن العتيبة قد نشر مقالته ثم سمع ورأى ما قيل بحقه وحق دولته في المحافل الصهيونية، فهل سنراه ينشر مقالا في صحيفة فلسطينية أو غيرها من الصحف العربية، يعلن فيها عن موقف جديد، يقول بخطأ هذا التوجه الذي لم يجلب إلا مزيدا من الصلف والكبر الصهيوني؟هل سنرى موقفا جديدا يعيد النظر في مسار التطبيع؟ولا أقول هل سنرى مقالا ثوريا يحيد عن مسار نهج قد تبناه النظام العربي الرسمي، فذاك محال، ولكن على الأقل التراجع خطوة أو أكثر في مسيرة التطبيع والعلاقات مع الكيان العبري!

أم  ستصدق نبوءات ونظريات المسئولين والكتبة الصهاينة بأنه يمكن الجمع بين الاحتلال والتهويد والاستيطان وحاليا الضم مع علاقات دافئة علنية أو سريّة مع الدول العربية؟...وبذلك يمكن أن يخرج نتنياهو أو غيره من قادة الحركة الصهيونية المعاصرة للإعلان رسميا عن انتصارهم النهائي على العرب!

ولكن حتى لو حصل هذا فإن العرب ليسوا جميعا غساسنة ومناذرة، ومثلما وجد في مصر (شاور) وجد شيركوه وصلاح الدين...والرائع أن الصهاينة يعون ويدركون هذه الحقيقة أكثر مما يدركها المهرولون المطبعون.

،،،،،

تم النشر السبت 28 شوّال  1441هـ ، 21 /6/2020م

 


السبت، يونيو 13، 2020

مخالب الفلسطيني المقلمة.. لماذا نغفل عن سلاحنا الاستراتيجي؟

مخالب الفلسطيني المقلمة.. لماذا نغفل عن سلاحنا الاستراتيجي؟








مخالب الفلسطيني المقلّمة.. لماذا نغفل عن سلاحنا الاستراتيجي؟

بقلم:سري سمور

 

 كتب القيادي (صلاح خلف-أبو إياد) كتاباً معروفا حتى عند من لم يطلع عليه هو (فلسطيني بلا هوية) تحدث فيه عن تجربته في اللجوء والمقاومة وأبدى فيه ملاحظاته وخواطره واستشرافاته، وقد طبع الكتاب أول مرة في أواخر سبعينيات القرن الماضي.

ولو فتشنا جيداً عن السبب الذي جعل الفلسطيني (بلا هوية) لوجدناه افتقاره إلى الأنياب والمخالب الضرورية كي يدفع بها الخطر الذي كبر وتعاظم عبر مراحل مختلفة, وصار الخطر على الفلسطيني الآن أكبر بأضعاف المرات من المراحل التي كتب عنها(أبو إياد) والمراحل التي عقبت ما كتب عنه وما تلاه حتى رحيله (اغتيل صلاح خلف في تونس سنة 1991م).

أو أن ما امتلكه الفلسطيني من الأنياب والمخالب لم تكن من العدد والقوة كي تحمي هويته وأرضه وكينونته, وهو لم يملك حالة إجماع على أن امتلاك (الأنياب) ضرورة مقدمة على كل ما سواها، في عالم سياسة شرعة الغاب السائدة في هذا الكوكب منذ أن استفرد(الرجل الأبيض) بالثروة والعلوم والأنياب الأكثر سمّية، فوضع القواعد والخطط والقوانين التي حتما تناقض هوية الفلسطيني وتهدده في أبسط حقوقه الفطرية التي منحها الله تعالى لبني آدم أجمعين.

والفلسطيني حين يمتلك ناباً ومخلباً ولو صغيراً ؛ ترى البعيد والقريب يتملقه سرّاً وعلانية ويتّبع معه أسلوب التحايل والخداع والمساومة, ولا يجرؤ-كما هو حاصل- على التواقح معه لدرجة وصل الحال إلى العمل العلني على تصفية وشطب قضيته ولو في جوانبها المعنوية البروتوكولية دون ذرة من حياء أو ضمير، ودون وازع من خلق عربي تحلّى به حتى مشركو مكة في بعض محطات حربهم مع المسلمين...دعك من القول:دون مراعاة لشرع الله ونهج الإسلام، فذاك أمر قد صار بينه وبين القوم أمد مما نعلم وما لا نعلم!

ولقد قال لنا معلمون وآباء ومربّون إنكم حين تمتلكون ناصية العلم بمفهومه التحصيلي المنهجي وتحصلون على الدرجات العلمية المعاصرة؛ ستحصلون على الحرية والاستقلال, لأن هذا العالم يحترم المتعلم وينبذ الجاهل, مع ضرب أمثلة متنوعة من هذا العالم.

حصلنا على التعليم والشهادات وصرنا في ترتيب متقدم في قائمة الشعوب في هذا الأمر، وما زال أبناؤنا وبناتنا يكدّسونها فوق بعضها، والنتيجة هي أن جندياً إسرائيليا قميئاً ربما لم يحصل على تعليم متوسط يقوم بتكبـيل وإهانة بروفسور جامعي يشار إليه بالبنان، وأبحاثه منشورة في شتّى الدوريات العلمية الغربية قبل العربية, لماذا؟ لأننا لم نمتلك الأنياب والمخالب, وهذا العلج امتلكها، فما قيمة تحصيلنا للعلوم والمسميات والشهادات الأكاديمية ونحن بلا هوية؟!

ربما أنا مضطر إلى التوقف هنا لأوضح أنني لا أدعو إلى الجهل والتجهيل وترك العلم والتعليم، فنحن في زمن يغلب فيه سوء الفهم وقراءة (ولا تقربوا الصلاة) بلا تتمة فلا بد من التوضيح :أتحدث عن الاستراتيجية والأولوية لشعب ظرفه مثل ظرف شعبي.

فالولايات المتحدة الأمريكية احتلت أفغانستان وهو بلد نسبة الأميّة بين أهله-بمفهومها القديم حتى- مرتفعة, ومع ذلك لأن هناك من امتلك الأنياب والمخالب وأشهرها في وجهها, جلست وحاورت واستسلمت, نعم استسلمت الامبراطورية الأمريكية لحركة طالبان وليست هناك تسمية أنسب من هذه لوصف الوضع في ظلّ موازين القوى المعروف، بل لا يوجد موازين ولا مقارنة بين أعتى امبرطورية معاصرة وبين إمكانيات هؤلاء الأفغان الفقراء الضعيفة، ولم يقل رجال طالبان:دعونا نقلّص نسبة الأمية أولا، ودعونا حتى نستفيد من البعثات الدراسية إلى بلاد المحتل فنتعلم منه فنتحرر...كلا، بل قالوا:دعونا نخدش المحتل بمخلبنا بقدر المتاح، لأن الأولوية هي دحره وطرده من بلدنا!

ما كنت أحسب أن أحيا إلى زمن يتسابق فيه أشقاء على التطبيع مع العدو, ويتفننون في شتم الفلسطيني وتكرار التهمة الباطلة الخرقاء الممجوجة بأنه(باع أرضه), وقد عشت زمناً كانوا يتسابقون - ولو بالكلام- في إظهار رفضهم للمشروع الصهيوني...لماذا؟ لأن الفلسطيني ليس له أنياب ومخالب يردع بها المتمادين والمتطاولين, ويقوّم بها اعوجاج المعوجين, دون حتى أن يستخدمها فيكفي مع هؤلاء التلويح بها.

ذلك أن الأنياب والمخالب فقط للذبِّ عن الأرض والعرض ممن سلبها وانتهكها من شذّاذ الآفاق, ولكن ما يجزّ في النفس أن هؤلاء الشذّاذ يستقوون على الفلسطيني بمن انحرف وضلّ عن سواء السبيل من إخوة العروبة، وصاروا علنا يتباهون بعلاقاتهم مع هؤلاء، ويعتبرونها إنجازا يوازي ما حققوه في المجال العسكري في الحروب الفاصلة، ومفخرة ومادة منافسة فيما بينهم!

وإذا كان التبرير القائم منذ أكثر من أربعين سنة هو أن لا قوة لدينا معشر العرب لمواجهة الأعداء المغتصبين, مع التحفظ على  هذا الطرح, ولكن-لو قبلناه- هل معنى ذلك هو التحوّل المخزي إلى التغزّل بهم ودعوتهم إلى مزيد من التنكيل والإجرام بالفلسطيني؟هل معنى ذلك ربط مصير الوحدات السياسية العربية بهذا السرطان؟أي خراب هذا وإلام سيقود من يدفعون الأمة نحوه؟

الفلسطيني يتبلور عنده وعي بحقيقة أهمية امتلاك الأنياب والمخالب كخيار استراتيجي وضرورة مقدمة على سواها, فقد بات لا يؤمن بشرعة  دولية جلبت أقواماً غرباء من اللصوص إلى أرضه ومزقتها وصادرت هويته وامتهنت كرامته, ولم يعد لديه إيمان بمكونات سياسية عربية بدأت بالمتاجرة بشعارات تحريره, دون فعل حقيقي, ووصلت إلى ما وصلت إليه من تطبيع وسعي دؤوب لتصفية قضيته، مع عملية قلب للحقائق بتصويره مجرما مفرطا في أرضه ناكرا (لفضلها) عليه, وحين يتبلور هذا الوعي تماماً في عقل الفلسطيني فلن يعدم الوسيلة التي سيكون فيها مسلحاً بأنياب ومخالب تقلب كل الموازين، وتكتب المعادلة من جديد...صحيح أنه من المحال وجود إجماع على فكرة واحدة عند أي شعب في العالم، ولكن من يؤمنون وسيؤمنون بفكرة مركزية امتلاك الناب والمخلب يكفون ويفون بالغرض إن شاء الله.

،،،،،

تم النشر الجمعة 21 شوّال  1441هـ ، 13/6/2020م


الأحد، يونيو 07، 2020

حين تحولت (إسرائيل) إلى أمر واقع.. نكبة حزيران 1967

حين تحولت (إسرائيل) إلى أمر واقع.. نكبة حزيران 1967






حين تحولت (إسرائيل) إلى أمر واقع...نكبة حزيران 1967

بقلم:سري سمور

الوقوف عند ذكرى حدث معين لأخذ العبر أو لاستشراف المستقبل, أو لتقويم المسار شيء جيد وإيجابي, وأيضاً الوقوف لتقييم ووصف الحدث وآثاره بعيداً عن الغلو يمنة أو يسرة أمر في غاية الأهمية.                          

 يوم الخامس من حزيران/يونيو1967 (صفر 1387 هـ) كان يوماً له ما بعده، وترتبت عليه آثار وتداعيات وتبعات لا تزال أمـتنا تعيشها, ولا أبالغ إن قلت بأن معظم ما نعيش اليوم هو نتاج ذلك اليوم!

في ذلك اليوم وُضعت النقاط على الحروف؛ وتبين فعلياً أنه لم يكن ثمة توجه جدّي وحقيقي عند العرب لإزالة السرطان الصهيوني, ذلك السرطان الذي كان قد أكل 78% من أرض فلسطين بما فيها غربي مدينة القدس, وقد اكتمل احتلال كل فلسطين الانتدابية من النهر إلى البحر بما في ذلك شرقي القدس وهو الشطر الذي يضم أولى القبلتين وثالث المسجدين، أي أن الحدث فيما يخص فلسطين برمزيته أكثر مما يتعلق بحجم ومساحة الأرض المسلوبة, ويضاف إلى ذلك احتلال شبه جزيرة سيناء ومرتفعات الجولان.

بهذه الهزيمة أو النكبة الجديدة أو كما اصطلح على تسميتها (النكسة) مع أن تلك التسمية خداع للنفس أو للجماهير ولا تعبر عن حقيقة ما جرى, بهذه الحالة (سمّها ما تشاء) تحوّلت توجهات العرب المعلنة على الأقل، من مشروع تصفية الكيان العبري إلى قبوله أمراً واقعاً ينبغي التعايش معه، وانتهاج التفاوض الجماعي أو الفردي ليقبل الكيان بالتنازل عن بعض ما سلبه.

 أما لاءات الخرطوم المعروفة ( لاصلح ولا تفاوض ولا اعتراف) فقد ثبت بالدليل العملي والمرئي أنها مجرد شعارات لا محلّ لها من الممارسة الفعلية.

فقد تأكد لقادة الكيان وجنوده نظرية (مالا يأتي بالقوة يأتي بمزيد من القوة!) وأن حدود (إسرائيل) كما رأى مناحيم بيغن حيث تصل  (بساطير) جيش إسرائيل.

مرت 53 سنة على تلك الفاجعة المؤلمة, وكبر جيل واكتهل جيل ومات جيل ونحن نعاني آلامها وتبعاتها وحين نرى أن عاصمة اللاءات الثلاث صارت منخرطة في التطبيع المعلن مع الكيان العبري الذي لاحدود مشتركة معه، فتقدم لها خدمات جوية, وحين صار الفلسطيني المنكوب بنكبات متتالية متهماً باتهامات باطلة يرددها أشقاء عرب, وحين نرى التحوّل من مقاطعة بلغت في بعض الأحيان مقاطعة شركات أجنبية لأنها تتعامل مع شركات تستورد أو تصدر للكيان,  إلى حالة معاكسة يقاطع فيها أجانب الكيان ويتعامل معه عرب بيعا وشراء وغير ذلك، وحين نرى كيف صارت اللقاءات والاجتماعات والمعاملات علنية يعلن الكيان أنه لا يرضى أن تكون سريّة, بل يفاخر  ويتبجح بها بعض العرب ممن يقترفها بلا ذرة حياء أو ضمير، حين نرى ذلك وغيره وغيره فإننا ندرك أن آثار هزيمة 1967 أعمق وأوسع مما حسب السابقون أو اللاحقون؛ هي هزيمة لم تكن فقط في الميدان العسكري, بل تعدته إلى ما كان يظن أنه حصن حصين, وهو الحالة المعنوية والنفسية الرافضة لوجوده ولو تغلّب عليها في معركة أو معارك فإنه ليس مطروحا أن يقبل الكيان العربي هزيمته في الحرب والصراع، وإذ به لا يتعامل فقط بمنطق المهزوم في الحرب بل يتصهين قطاع منه ويتبنى الرؤية الصهيونية بما يثير القرف!

لم يتم التعامل مع الهزيمة وفق منطق المراجعة والمحاسبة الذي أكّد عليه القرآن الكريم بعد أن أصيب المسلمون في أحد بسبعين شهيداً, وهو نهج أي دولة أو كيان أو جيش أو مؤسسة تحترم ذاتها...وللمفارقة فإنه نهج العدو نفسه بعد كل مواجهة سواء خرج منها غالباً أو مغلوباً أو بين بين, ولذلك استمر في تحقيق الاختراقات المتراكمة القائمة على العلم والعمل الميداني والتخطيط المحكم البعيد عن الارتجال والعشوائية الذي لم يحابي ولم يجامل رجاله الذين حفروا أساسات الكيان.

 لقد تمّ تصوير الأمر بطريقة كاريكاتورية وانقسم الناس فيما بينهم، فمنهم من رأى أن الكفر والإلحاد هو طريق الخروج من الهزيمة، وكأن الجيوش العربية ذهبت إلى الحرب رافعة رايات الإسلام؛ ومنهم من قال بأن العدو مادام قد فشل في إنهاء الأنظمة العربية الثورية والقومية فقد باء بخسران مبين, أما ما احتله من أراض, فلا بأس أن نعمل على (إزالة آثار العدوان) وما زالوا العمل جاريا!

ولقد اتضح حجم وعي الجماهير التي خرجت تهتف (أحا أحا لا تتنحى) مطالبة جمال عبد الناصر بالعدول عن قراره بالاستقالة أو التنحي؛ وهي الخطوة التي اعتبرها  أهم وأبرز بوق إعلامي له ( أحمد سعيد) بأنها خطوة محسوبة...نعم فحين تكون أمام 15 سنة من حكم عسكري أعاد هندسة وبرمجة وعي الناس، وقد سبقه استعمار انجليزي ماكر لئيم له أيضاً أدواته في التحكم وقولبة العقول والأدمغة، فلا داعي للدهشة من هذه الحالة, ولا ما تلاها بعد عشر سنين حين ظهر خليفة عبد الناصر في الكنيست يدعو إلى السلام وما بين ذلك كان ضمن التكتيك لا الاستراتيجية، فالاستقراء الواعي كان يشير إلى هذا المسار وما تلاه؛ وقد تبين أن الرجل لم يكن شاذّا في منظومة التكوين السياسي العربي المبرمجة منذ أمد بعيد، وربما فقط هو حرق المراحل أو رضي أن يكون (الطليعي) في مسار صار هو الأساس الذي ينعت بالإرهاب واللاوطنية والعمالة والجاسوسية كل من رفضه أو خالفه!

حال العرب اليوم معروف؛ وللتذكير لا الإعلام فهم في تمزق فوق تمزقاتهم السابقة؛ وليس لهم بين الأمم منبر للسيف أو للقلم, كما في تعبير(عمر أبو ريشة) قبل عقود، وحال فلسطين ومقدساتها محزن, ويستعد الكيان لاستكمال ما بدأه منذ تأسيسه والخروج بإعلان عرض الحلقة الأخيرة!

ولكن هل معنى ذلك أن القصة قد انتهت والمشهد الختامي سيعرض وتسير الحياة على هذا المنوال؟كلا...والذي رفع السماوات بغير عمد.

فحين ترى أهل القدس القابضين على الجمر، يستميتون في الدفاع عن المسجد الأقصى وترى حرائر مرابطات فيه لا يخشين إلا الله ولا يطلبن إلا رضاه بعزيمتهن ورباطهن, وحين ترى الأطفال في شوارع مخيمات ومدن وقرى جنين ونابلس ورام الله والخليل وبيت لحم وغيرها يرشقون جنود الاحتلال المذعورين بحجارة الأرض الطاهرة, وحيت ترى غزة المحاصرة تجترح أساليب وأدوات المقاومة والصمود ولو بحفر الأرض، في مواجهة جيش مدعوم  بكل شيء من الأمريكان والروس  والإنجليز والفرنسيين والطليان والصينيين والهنود, و-ياللحسرة- يستقوي بهوان الوحدات السياسية العربية و(وهنها) والتي تريد أن تقذف في وعي مئات الملايين ألا فائدة, فالهزيمة اكتملت و(ما كان كان)  وعلى مئات الملايين تقديم صكوك الطاعة إلى بضعة ملايين من اللصوص القادمين من أصقاع العالم...حين ترى ذلك تدرك أن الله سبحانه وتعالى لن يضيع الحق، وأن ما يجري هو تمييز الخبيث من الطيّب, وستدرك –لو فكرت قليلا- بأنه قد اقترب الوعد بتصحيح  المعادلة واعتدال الميزان...وتقويم اعوجاج فنيت في ثناياه أجيال وأخرى هرمت.

(وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ)


مع مذكرات أخطر سفير إسرائيلي في مصر (1)

لدي قناعة أن ذهاب أنور السادات إلى خيار التسوية مع إسرائيل؛ و زيارته المشؤومة إلى القدس في 1977 وصولا إلى توقيع اتفاقات كامب ديفيد في 1979 ه...