الاثنين، مايو 24، 2021

الحرب الرابعة على غزة…المقاومة تنتصر والمعركة التالية على الأجندة

 الحرب الرابعة على غزة…المقاومة تنتصر والمعركة التالية على الأجندة










صرح نائب رئيس حركة حماس د.موسى أبو مرزوق في مقابلة تلفزيونية الأربعاء 19 أيار أنه يتوقع أن يكون هناك وقف لإطلاق النار في غضون يوم أو يومين، ويضاف إلى تصريحات أبو مرزوق تصريحات متزامنة أو سابقة أو لاحقة تشير إلى أن التوصل إلى تهدئة بات وشيكاً…ولكن على الأرض حتى كتابة هذه السطور كان القصف المتبادل متواصلاً. فمنذ العاشر من أيار/مايو للعام الجاري 2021 الذي وافق الأيام الأخيرة من شهر رمضان المبارك وجبهة غزة مشتعلة؛ حيث بدأت المقاومة الفلسطينية بإطلاق رشقات من الصواريخ على المدن والمستوطنات وتجمعات الجيش الإسرائيلي، رداً على العدوان الإسرائيلي في مدينة القدس خاصة أهالي حي الشيخ جراح المهددين بالتهجير والطرد من بيوتهم، وفي باحات المسجد الأقصى حيث تعرض المصلون والمعتكفون إلى هجمة شرسة من قوات الاحتلال، أسفرت عن إصابة المئات منهم بجروح مختلفة.

المقاومة الفلسطينية وتحديداً حركة حماس على لسان محمد ضيف، رئيس هيئة أركان جناحها العسكري (كتائب الشهيد عز الدين القسام) أنذرت وحذرت الاحتلال من التمادي وضرورة الإفراج عن المعتقلين على خلفية الأحداث في الأقصى والشيخ جراح وسحب قوات الشرطة والجيش وغيرها من المسجد الأقصى، ولمّا لم تستجب سلطات الاحتلال، بدأت موجة القتال في التاريخ المذكور أعلاه، لتكون عملياً الحرب الرابعة على غزة بعد حروب 2008/2009 و2012 و2014 على التوالي.

وتأتي هذه المواجهة أو الحرب أو موجة التصعيد (لا داعي للخلاف حول المسمى) في ظل ظروف مختلفة إلى حدّ كبير عن سابقاتها، وشروط وقف المواجهة لكلا الطرفين، والوضع الدولي والإقليمي، وبالطبع طبيعة وحجم وشكل المواجهة/الحرب. سنحاول هنا استعراض المعطيات المهمة للخروج بتقدير موقف، مع ضرورة التأكيد أن الأمور ليست ثابتة وقابلة للتدحرج وتغير كل الحسابات والمعادلات.

أولا: الولايات المتحدة الأمريكية

حتى صباح الأربعاء 19/5/2021م كان قد جرى الاتصال الرابع بين بايدن ونتنياهو، وتنقل مصادر إعلامية على ما يبدو وكأنه لهجة آمرة لنتنياهو بأن يوقف العدوان على غزة، وهو ذات موقف وزير الدفاع الأمريكي لويد أوست في حديثه مع نظيره الإسرائيلي بيني غانتس، فالظاهر أن الأمريكيين يريدون وقفا لهذه الجولة من التصعيد في أقرب وقت، ويضاف إلى ذلك أصوات من داخل الكونغرس تنتقد إسرائيل، ومظاهرات ووقفات احتجاجية تعم ولايات أمريكية عدة ضد العدوان الإسرائيلي، ولكن هذا جزء من الصورة، ولا بد من الخوض أكثر في مواقف الأمريكيين.

نلاحظ أن الحروب على غزة تنشب في ظل حكم الديموقراطيين؛ ربما نستثني الحرب الأولى (27 كانون أول/ديسمبر 2008-18كانون الثاني/يناير 2009م) حيث أنها كانت في الفترة الانتقالية، فقد فاز باراك أوباما بانتخابات الرئاسة في نوفمبر 2008 وكان في إطار التحضير لتسلم مهام منصبه رسمياً في العشرين من يناير/كانون ثاني 2009 كالمعتاد في بروتوكولات التسليم والاستلام في البيت الأبيض، ويبدو أن إسرائيل قد مُنحت فرصة مواصلة الحرب حتى قبيل ذلك الموعد ، ولقد ظهرت تحليلات عبر شاشات العديد من الفضائيات تعتبر تلك الحرب آخر حروب الحزب الجمهوري وتحديداً حروب الرئيس جورج بوش الابن، الذي اتسم عهده بالحروب والعنف عبر ولايتين، سواء ما قامت به الولايات المتحدة مباشرة(احتلال أفغانستان والعراق) أو ما قامت به إسرائيل كونها ذراع أمريكا الضاربة في المنطقة(مثل حرب لبنان صيف 2006)، وكان هناك ثمة تفاؤل بأن عهد أوباما سيشهد كبحاً لتوجهات إسرائيل العدوانية، بل لربما بالغ بعضهم بالقول بأن إسرائيل أرادات إحراج أوباما ووضع عراقيل في طريقه وتفجير ألغام سياسية في وجهه بقيامها بالعدوان على غزة قبيل تسلمه مهام منصبه.

ولكن أوباما كان صاحب الخطاب المنضبط المتوافق مع شخصيته المثقفة، وفي نفس الوقت صاحب الفعل-المغاير لنعومة خطابه وما بثه من تفاؤل- الداعم لإسرائيل التي لم تتراجع ولو خطوة إلى الوراء خاصة في سياسات تهويد القدس وتوسعة الاستيطان، وبالطبع ولايته شهدت حربين على غزة في 2012 و2014، والآن ثمة من يكرر نفس الأسطوانة بأن إسرائيل تريد إحراج بايدن الذي تسلم مهام منصبه قبل بضعة أشهر وورث تركة ثقيلة من دونالد ترمب، وجائحة كورونا وآثارها، ورغبة بايدن بالتفرغ للملف الصيني وتحجيم روسيا.

وحقيقة وجب على أي قارئ للأحداث أن يكف عن التحليل المبني على أمنيات القائم على وجود كراهية من أي رئيس أمريكي لأي زعيم إسرائيلي تدفعه إلى لجم إسرائيل، إلا إذا تغيرت موازين القوى بوضوح، كما أن السياسات الأمريكية لا تُبنى بهذا المنطق الشخصاني أو العاطفي.

والأهم علينا إدراك الدور المركزي لإسرائيل في صناعة سياسات الولايات المتحدة الأمريكية، وأقول إسرائيل وليس التعبير الفضفاض (يهود الولايات المتحدة)، ولقد نشرت مقالة في أيار العام الماضي 2021 تناقش هذه المسألة[1] وفي كل الأحوال فإن حجم الدمار والقتل الذي وقع على سكان قطاع غزة كان في زمن الديموقراطيين (أوباما والآن بادين) بغض النظر عن التفسيرات والتحليلات التي تناقش هذه الحقيقة.

والحقيقة الأخرى المؤكدة أن الدعم الأمريكي، بغض النظر عمن يجلس في المكتب البيضاوي، لإسرائيل ثابت مطلق، ولا تقبل حتى مجرد بيان يوجه لإسرائيل شيئاً من النقد بل اللوم، على جرائم الحرب التي ترتكبها في غزة، فالولايات المتحدة توفر لإسرائيل الغطاء المالي والدعم العسكري (لا يمكن إغفال أن أطفال غزة يقتلون بسلاح أمريكي) والتماهي شبه التام سياسياً مع الكيان. لكن الولايات المتحدة في زمن ترمب اتخذت خطوات غير مسبوقة في دعم إسرائيل بطريقة يفترض أن تحرج حلفاء واشنطن العرب والفلسطينيين الذين يرونها وسيطاً؛ فقد أوقف ترمب الدعم المقدم إلى السلطة الفلسطينية، وأغلق مكتب منظمة التحرير في واشنطن، وقطع الدعم عن الأونروا بل طالب بإلغائها تمهيداً لشطب حق العودة للاجئين واعترف بإسرائيل عاصمة للكيان العبري، ونقل سفارة بلاده إلى القدس، وهي خطوة تجنبها جميع من سبقوه من رؤساء حيث كانوا يتعمدون التأجيل المتواصل (كل 6 شهور) لهذا القرار، وأجبر ودفع دولاً عربية إلى إعلان تطبيع علاقاتها مع إسرائيل بطريقة إظهار التحالف الذي كان سريأ فغدا علنياً، وقدم رؤيته عبر ما عرف بصفقة القرن التي هي من الناحية الفعلية إعلان تصفية القضية الفلسطينية.

أما إدارة بايدن وما يميز الإدارات الديموقراطية، فهي تتخذ غالباً سياسة مختلفة شكلياً من حيث الدعم لإسرائيل وتنصيب يهود صهاينة أو مقربين منهم في مواقع مهمة في مؤسسات الحكم، مع الحفاظ على الدعم المالي والسياسي للسلطة الفلسطينية، والحفاظ على الأونروا ودعمها، وإبقاء فرصة لما يسمى عملية السلام، بحيث يستمر التفاوض ولو دون تحقيق نتائج.

بالطبع ليس بمكنة بايدن(هذا لو فرضنا رغبته أصلاً بشيء كهذا) التراجع عن قرار نقل السفارة إلى القدس، وغير ذلك مما تعتبره إسرائيل مكاسب جنتها من إدارة ترمب، بعبارات أخرى: يحرص الديموقراطيون على الحفاظ على نوع من إدارة الصراع بشيء من ضمان الهدوء، أو بوجود تصعيد لا يخرج عن السيطرة،  إلى حين تستكمل إسرائيل مشروعاتها الاستيطانية، وخلق واقع جديد في ظل وجود حديث عن السلام والمفاوضات.

الآن في ظل الحرب على غزة فإن إدارة بايدن معنية بأن تحقق إسرائيل أي إنجاز-وفق منظورها- شريطة عدم إطالة أمد الحرب لاعتبارات مفهومة، ولكن التعويل على ضغط أمريكي جدّي على إسرائيل كي توقف عدوانها غير واقعي بتاتاً، إلا في حال تدهورت الأوضاع في عموم المنطقة، وصارت المصالح الأمريكية مهددة.

ثانيا: أوروبا وروسيا والصين

هذه الدول وإن كانت تتخذ موقفاً مختلفاً في خطابها المعلن ولكنها لا تؤثر كثيراً في مسألة وقف القتال؛ فأوروبا تدفع المال لبناء مبان تدمرها إسرائيل ثم تعود لتدفع، ولا تأثير كبير لها في الموضوع الميداني، وهي تعتبر حماس بكل أجنحتها حركة إرهابية، في تطابق واضح مع الموقف الأمريكي والإسرائيلي بطبيعة الحال، بل إذا تعمقنا أكثر نجد أوروبا تدعم إسرائيل بما تمارسه في الساحة الفلسطينية؛ حيث تقوم بتوفير الدعم المالي الكبير لمؤسسات نسوية وغيرها، من أجل إثارة قضايا حساسة وتخالف قيم المجتمع وثقافته ودينه مثل الحريات الجنسية، وحقوق الميراث بما يخالف الشريعة الإسلامية، وغير ذلك مما يشغل ويشتت مجتمعاً يفترض أن يكون همه الرئيس هو الخلاص من الاحتلال، وليس مثل هذه المسائل المثيرة للجدل، فالقول أن الأوروبيين أصدقاء الفلسطينيين خطأ، وآخر تصريحات لوزير خارجية ألمانيا الذي التقى نظيره الإسرائيلي جابي أشكنازي تعمد مهاجمة حماس وكرر المواقف التقليدية الداعمة لما يسمى(حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها) أحد أبرز الأدلة الدامغة على حقيقة أوروبا.

وروسيا تحافظ على تواصل مع حركة حماس، ولا تتعامل معها بطريقة الأمريكان والبريطانيين والفرنسيين، ولكنها ترغب أن تعترف حماس بإسرائيل، ودورها محدود، كما أن علاقة بوتين بنتنياهو جيدة، وعموما فإن الدور الروسي في المنطقة محدد سقفه أمريكيا.

والصين مؤخراً وسعت نشاطها الدبلوماسي، ولكنه ظل ضمن الحدّ المعروف المتحفظ، والصين مثلها مثل روسيا لا تقاطع حركة حماس، ولكن علاقاتها مع إسرائيل شهدت تطوراً كبيراً مؤخراً، وهي ستظل في دائرة الدعوة إلى وقف التصعيد والعنف والتوصل إلى اتفاق سلام وغير ذلك من العبارات المعروفة، ولن تتخذ أي أجراء ولا حتى تغير خطابها التقليدي.

وباستعراضنا السابق للمواقف الأمريكية والأوروبية والروسية والصينية، يظهر لنا أن المنظومة الدولية ما تزال منحازة لإسرائيل ولا تكترث لحقوق الشعب الفلسطيني، ولا تستنفر وهي ترى مجازر الاحتلال.

ثالثا: تركيا وإيران

تستضيف تركيا عدداً من قيادات حركة حماس على أراضيها وتحافظ على علاقات طيبة مع الحركة، ومع السلطة الفلسطينية بقيادة حركة فتح، مع أن التصور العام عند (فتح) أن تركيا منحازة إلى حماس، لاعتبارات عدة، وعموم قواعد وجمهور حركة حماس يظهرون محبة لتركيا وللرئيس رجب طيب أردوغان، وهؤلاء يرفعون سقف توقعاتهم وأمنياتهم التي يأملون بها من تركيا في هذه المرحلة، ولكن قيادة الحركة تعرف ولو بحكم سماعها من الأتراك مباشرة ماهية وحجم قدرة تركيا على التأثير، وتركيا منذ  حرب 2008/2009 خطابها الرسمي والشعبي متقدم على نظيره العربي في تجريم إسرائيل، وعليه تعتبر داعمة للمقاومة بطريقة غير مباشرة، ولكن تأثيرها على حماس باتخاذ قرار بوقف القتال ليس حاسما، هذا إن كانت ترغب بذلك أصلاً.

أما إيران فثمة تحليل يربط بينها وبين قرارات حماس وسياساتها، يجعلها أشبه بحزب الله اللبناني؛ وحقيقة فإن علاقات حماس مع  إيران لا تجعلها أداة إيرانية، أو أنها تضبط حركاتها الميدانية حسب البوصلة الإيرانية، أو حسب توقيت وإشارة عقارب الساعة في طهران، فحماس ليست أداة إيرانية كما تقول بعض الأصوات-خاصة من الخليج-  مع الأخذ بعين الاعتبار أن التطور النوعي الذي شهدته قدرات حماس العسكرية، لإيران دور كبير ومركزي فيه وهذا بشهادة قادة بارزين في الحركة، مع الأخذ بعين الاعتبار أن حماس لطالما حاولت إيجاد ما يوازن علاقتها مع إيران من الفضاء السني، الذي كان يخيب آمالها دوما، ولم يقدم أحد لحماس ما قدمته إيران، مع أن العلاقة بين الطرفين شهدت توترا على خلفية الأزمة السورية، لتعود إلى الدفء من جديد.

ولكن إضافة إلى هذا الدعم، هل يمكن أن تطلب إيران من حزب الله التدخل لتخفيف الضغط عن غزة في هذه المرحلة؟ يبدو هذا غير وارد حالياً، نظراً لأن إيران على وشك إيجاد صيغة لاستئناف العمل بالاتفاق النووي مع إدارة بايدن رغم الرفض الإسرائيلي، إضافة إلى صعوبة وتعقيد الأوضاع في لبنان سياسياً واقتصادياً، وتظل الحرب بين إيران وإسرائيل مخفية مثلما أعلن الحرس الثوري عن استهدافه مواقع في حيفا، وما تقوم به إسرائيل من ضربات في إيران خاصة ما يخص برنامجها النووي.

رابعا: الدول العربية وخاصة مصر

ينحسر دور الدول العربية بتقديم بعض المساعدات المالية والعينية، إضافة إلى جهود وساطة وتهدئة  أو بحث صفقة تبادل أسرى بين المقاومة وإسرائيل، وهذه مهمة عملت عليها المخابرات المصرية منذ سنوات طويلة، وفي جولة القتال الحالية تبدو العلاقات بين حماس ومصر أفضل بكثير من حرب 2014 حيث أصرت مصر وقتئذ ألا يرأس مفاوضات وقف إطلاق النار قيادي من حماس إضافة إلى حملة إعلامية شرسة شنتها مصر على حماس عبر مختلف وسائل إعلامها، واعتقلت العديد من أبناء الحركة، وأغلقت معبر رفح منفذ الغزيين الوحيد على العالم الخارجي، ومنذ اليوم الأول للانقلاب العسكري في مصر صيف 2013 شرعت في إغلاق الأنفاق العابرة إلى سيناء وكانت تمثل مورداً اقتصادياً مهماً للقطاع، وأيضاً كانت أحد نقاط إيصال الدعم العسكري إلى المقاومة قطاع غزة ، وأنشأت مصر مناطق عازلة إلى درجة  هدم الجزء المصري التاريخي من مدينة رفح، مما سبب حالة اختناق وفقر وبطالة غير مسبوقة في غزة، ولكن في ظل هذه الحرب فإن العلاقات المصرية-الحمساوية قد تحسنت والإعلام المصري توقف عن حملاته الإعلامية، بيد أن مصر تريد وقف القتال ولو وفق معادلة إسرائيل(هدوء مقابل هدوء)، وهو ما ترفضه المقاومة. هناك دول أخرى تلعب دوراً مثل قطر والأردن، ولكن لدى مصر حساسية عالية جداً من تدخل أي طرف عربي في ملف قطاع غزة وعليه يظل دور هذه الدول محدوداً. أما الدول المطبعة مع الكيان العبري (الإمارات وغيرها) فمع أن موجة القتال منحتها فرصة لاتخاذ موقف أفضل إلا أنها فضلت التخندق مع الإسرائيليين.

خامساً:المقاومة وإسرائيل

اعترافات متواصلة من إسرائيل على أكثر من مستوى أنهم فوجئوا بقدرات المقاومة وجرأتها، واختيارها توقيتاً له رمزيته عندهم لبدء عمليات القصف، وهذه المرة فإن المقاومة لم تأت على ذكر الحصار على غزة أو غيره، بل ربطت ربطاً مباشراً بين استمرار القصف وتهجير أهالي حي الشيخ جراح في القدس والاعتداء على المسجد الأقصى، وهو ما ساعد المقاومة على بناء وحدة معنوية وبناء فعاليات ميدانية شملت الأراضي الفلسطينية ما بين النهر إلى البحر إضافة إلى الفلسطينيين في الشتات مع إخوانهم في بلاد عربية وإسلامية والمتعاطفين معهم في دول مختلفة في العالم منها كما ذكرت الولايات المتحدة، وهذا حدث ربما غير مسبوق خاصة بعد تراجع الاهتمام والتفاعل مع القضية الفلسطينية، وتعمد جهات عربية الإساءة إلى الفلسطيني واتهامه ببيع أرضه وأنه(ناكر للجميل) وتبني السردية الصهيونية أو جزء منها، والقول الممجوج أن حماس تخلت عن المقاومة مقابل المال القطري…كل هذا صار في موقف محرج، مع رشقات الصواريخ التي بدأت بضرب مناطق في القدس المحتلة ووصلت إلى تل أبيب أما ما يعرف بغلاف غزة فهو يضرب برشقات الصواريخ التي تطلقها المقاومة على مدار الساعة تقريباً.

للمقاومة غرفة عمليات مشتركة، ولكن أكبر وأهم وأقوى أجنحتها هي كتائب الشهيد عز الدين القسام الذراع المسلح لحركة حماس، وهي التي تتحكم بمجريات الحرب فعلياً، وقرار وقف إطلاق النار بيدها، وفي المرتبة الثانية من حيث العدة والعدد والقوة تأتي سرايا القدس الذراع المسلح لحركة الجهاد الإسلامي، وهناك أجنحة أخرى أقل عدداً وعدة ولكنها تشارك في القتال مثل كتائب الشهيد أبو علي مصطفى الذراع العسكري للجبهة الشعبية وألوية الناصر صلاح الدين وكتائب المقاومة الوطنية وغيرها.

رشقات الصواريخ التي طال ربعها –حسب المصادر الإسرائيلية- مدينة عسقلان جنوب فلسطين المحتلة، أربكت الاحتلال ومع أن عدد القتلى الإسرائيليين قليل، ولكن ملايين منهم يقضون أوقاتهم إما في الملاجئ وإما في الركض إليها مع هلع ورعب، كما أن أهم مطارات إسرائيل وهو مطار بن غوريون المقام على أراض قريبة من مدينة اللد المحتلة قد تعطلت فيه حركة الإقلاع والهبوط في مراحل عدة من هذه الحرب، والمطارات البديلة بعضها مهدد مثل مطار رامون.

كل هذا يحدث دون أن تعلن المقاومة وخاصة كتائب القسام عن عدد الإصابات في صفوف الجنود والمستوطنين ارتجالاً بل تكتفي بنقل اعترافات المصادر الإسرائيلية التي تبدو بعيدة تماماً عن المنطق والواقع، وهي بذلك تحقق مكسباً مهماً في الحرب الإعلامية وتزداد مصداقيتها كثيراً.

ونتحدث حتى الآن عن معركة لم يتم بها الاشتباك البري بين مقاتلي المقاومة وجنود الجيش الإسرائيلي، ومن تجربة حرب 2014 فإن هذا النوع من المواجهات تكون فيه الغلبة فعليا للمقاومة، لدرجة أن بعض جنود الاحتلال قالوا بأنهم كانوا كالبط الذي يصطاده رجال المقاومة، كما أنها فرصة لأسر المزيد من الجنود الإسرائيليين وفتح نافذة أمل للأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال خاصة ذوي الأحكام بالسجن المؤبد….وحتى اللحظة تخشى وتتجنب المؤسسة الأمنية والعسكرية الإسرائيلية التوجه إلى توغل بري ولو محدود ولكن مع تدحرج الأمور قد يحدث مثل هذا التوغل، والنتيجة إجمالاً كما ذكرنا.

إسرائيل تمتلك تفوقاً هائلاً في قوة النيران والتقنيات العسكرية، ولكن ثبت أن منظومة القبة الحديدية عاجزة عن التصدي لصواريخ المقاومة، ولكن يبدو التفوق في سلاح الجو، وهذا السلاح أغلب أهدافه هي بيوت المدنيين والأبراج وقتل الأطفال والنساء وتدمير البنى التحتية من شوارع وشبكات مياه وهاتف وكهرباء، ومن أهداف إسرائيل من هذه السياسة خلق رأي عام فلسطيني في غزة يضغط على المقاومة كي تقبل بالاستسلام للشروط الإسرائيلية، ولكن النتيجة دائماً ازدياد التأييد الشعبي للمقاومة بسبب جرائم الاحتلال بحق المدنيين.

الكابينيت الإسرائيلي (المجلس الوزاري المصغر للشؤون الخارجية والأمنية) مساء الخميس 20/5/2021م قرر وقف إطلاق النار من جانب واحد وترك الأمر لمصر لتحديد موعد (ساعة الصفر) التي أشارت مصادر إعلامية أنها ستكون فجر يوم الجمعة 21/5/2021م الساعة الثانية. الآن في ظل سخونة التفاوض للتوصل إلى تهدئة يظل الميدان متوتراً وساخناً ونحن أمام السيناريوهات التالية:-

  • إصرار حماس على عدم المس بأهالي حي الشيخ جراح (هم على لسان قادتهم أكدوا على ذلك) وضرورة وقف العدوان على المسجد الأقصى ومحاولة تقسيمه زمانياً أو مكانياً وإسرائيل ترفض هذا تماماً لذا سارعت إلى إعلان وقف إطلاق النار تجنبا لإظهار حماس والمقاومة في موقع المنتصر، ما يترك المجال لتواصل القتال.
  • تتواصل عمليات القصف المتبادلة وإذا وقع قتلى بين المستوطنين أو ارتكب الاحتلال مجزرة نتيجتها عدد من الشهداء بين المدنيين فهذا يعني العودة إلى المربع الأول وتصعيد متواصل، وبدء التفاوض من نقطة الصفر، من ناحية أخرى تريد إسرائيل بكل شغف وهوس اغتيال قائد بارز من المقاومة كي تحقق ما تراه صورة نصر، ولكن مثل هذا الاغتيال في حال حدث سيجلب رداً عنيفاً من المقاومة.
  • تلتزم المقاومة بوقف إطلاق الصواريخ ويلتزم الاحتلال بوقف القصف المدفعي والجوي ولكن بعد التهدئة لا تعود الأمور إلى ما كانت عليه قبل هذه الجولة، حيث تستمر المواجهات في الضفة والقدس ومناطق 48 وتكون الهدنة/التهدئة فرصة –كما تعلمنا التجربة التاريخية العملية-للمقاومة لتعزيز قدراتها وإعادة ترميم أي أضرار مست بنيتها والتقاط أنفاسها، لأنه منذ أول حرب على غزة كان السؤال دوما ليس (هل ستقع الحرب؟) بل كان (متى ستقع وكيف ولأي سبب؟) وهذه المرة المقاومة أطلقت على المعركة اسم (معركة القدس) وهذا يعني أنه دون إنجاز ولو محدود يخص القدس فإن النار ستظل تحت الرماد.
  • في الختام لنعتبر أن هذه الجولة انتهت، أو ستتجدد قريباً جداً، فإن الصورة تقول: انتصرت المقاومة وحققت نصراً واضحاً على المستويات المختلفة: عسكرياً وأمنياً بإيلام الاحتلال وتعطيل الحياة في معظم أرجاء فلسطين المحتلة، وإعلامياً بتقديم خطاب متزن صادق، ونجحت في إعادة توجيه البوصلة نحو القدس ووحدت معنوياً جماهير الأمة التي عانت من انقسامات مختلفة، وصار الحديث ليس عن التطبيع أو الاستسلام أو حتى البكاء على أطلال العجز عن مواجهة (الجيش الذي لا يقهر) بل عن قرب تحرير فلسطين والقدس وارتفعت معنويات الشعب الفلسطيني والعربي والإسلامي.

    أما إسرائيل المتمترسة خلف نظام دولي آخذ بالتغير فخسرت وتآكلت معها أهم الأشياء التي حرصت عليها منذ تأسيسها (قوة الردع) حيث صارت أضحوكة وهي تواجه مقاتلين غير نظاميين يتحصنون في ساحل ضيق محاصر فقير مساحته 365كيلومتراً مربعاً، وبدا جلياً وواضحاً أنها في كل معركة وجولة قتال تتعرى أكثر أمام العالم بحيث أنها دولة عنصرية تقتل الأطفال والنساء، ودولة ليست قادرة على حماية أمنها الذي يصبح في مهب الريح أمام عزيمة رجال المقاومة.

    ونحن بعيداً عن جمود التحليل ومتطلباته لا يمكن أن نكون على الحياد، وكأننا نتحدث عن مواجهة بين دولتين بعيدتين بل يجب أن نكون مع المقاومة قولاً واحداً.

    تم بحمد الله تعالى.

    الجمعة 9 شوال 1442هـ،21/5/2021

الثلاثاء، مايو 18، 2021

القدس وتصاعد الوعي التراكمي في 5 عقود

https://www.youtube.com/watch?v=shQ43ksBzLY









القدس وتصاعد الوعي التراكمي في خمسة عقود

 

 بقلم:سري سمور

 

في زمن المعارك والمواجهات يحسن بنا الصمت والعكوف على الدعاء؛ لأن أصوات القصف أعلى وأوضح من الأصوات الأخرى، ويضاف إلى الوضوح اليقين والصدق، على قول الشاعر العربي الطائي (أبو تمام)

السيف أصدق إنباء من الكتب**في حدّه الحد بين الجد واللعب

وقد أشغلت بضع عشرات من الكلمات جمهور المحللين والإعلاميين والساسة وخبراء الشؤون العسكرية والأمنية على مدار أيام، وكل أدلى بدلوه حول ماهية الحدث القادم الذي جاء نبؤه اليقين في الثامن والعشرين من رمضان لعام 1432هـ، الإثنين العاشر من أيار/ مايو لعام 2021م.

كلمات بثت مكتوبة ونقلها عنه رفاقه وإخوته، فالرجل لا يملك حسابا في فيسبوك أو تويتر أو غيرها من مواقع التواصل، والرجل نادر الظهور في الإعلام، وأغلب ظهوره مكتوبا لا منطوقا، لدواعي الأمن.

 رجل في العقد السادس من العمر تلاحقه أجهزة الدولة الأكثر تطورا في التقنية والاستخبارات في المنطقة، ولها يد طولى في العالم...مطاردة مستمرة منذ عشرات السنين، تخللتها محاولات اغتيال لربما أصابته إصابات بالغة. ولم يكن الرجل ليتأخر والمصلون العاكفون في المسجد الأقصى يهتفون باسمه ويستغيثون به.

محمد ذياب المصري الشهير بـ(محمد ضيف وأبو خالد الضيف) الذي لا تعرف ملامح وجهه حاليا، وليس له سوى بضع صور قديمة، وجّه في 23 رمضان 1432هـ الموافق الأربعاء 5/5/2021م إنذاره وتحذيره الأخير للاحتلال الإسرائيلي فيما يخص حيّ الشيخ جرّاح، هذا الحي الرابض في بيت المقدس وقضيته ملخصها وجود مستوطنين يهود يريدون طرد الفلسطينيين من بيوتهم فيه بالعربدة وقوة السلاح...وزاد الاحتلال عدوانه بالاعتداء الواسع على المسجد الأقصى ومهاجمة المصلين فجر الإثنين 10/5/2021م مما دفع الناطق باسم كتائب القسام التي يقود الضيف أركانها، إلى الخروج ببيان يؤكد جدية الضيف، بإعطاء إنذار حتى الساعة السادسة من مساء اليوم المذكور لكف يد العدوان عن المسجد الأقصى وإطلاق سراح المعتقلين على خلفية الأحداث الأخيرة.

ومع أن الاحتلال أدرك أن خروج الضيف شخصيا ليس فرقعات إعلامية ولا شعارات فارغة، فقد اختار الانحياز إلى الكبر وصلف القوة والعجرفة والاستكبار، فاندلعت موجة قتال لا تزال مشتعلة حتى كتابة هذه السطور.

غني عن القول أن (محمد الضيف) لم يتخرج من أكاديمية عسكرية في الاتحاد السوفياتي البائد أو الولايات المتحدة أو بريطانيا أو فرنسا أو غيرها، وكتائبه التي تقارع أعتى قوة عسكرية في المنطقة لم تستنزف موارد الشعوب لشراء أسلحة تصدأ وتستبدل دون أن تستخدم، اللهم إلا في الاستعراضات أو في قمع الشعوب ودعم الثورات المضادة...ومع ذلك فإن كلماته لها أهمية عند المؤسسة الإسرائيلية والأمريكية ومن لف لفيفها أكثر من (هذر) أي حامل للأوسمة وتثقل كتفيه النجوم  من قادة الجيوش إياها.

محمد الضيف ولد ونشأ في مخيم خانيونس للاجئين الفلسطينيين، وقد شرد أهله من قريتهم في قضاء مدينة الرملة التي احتلتها  العصابات الصهيونية، ذلك أن(جيوش العرب السبعة) في 1948 لم تستطع صدّها...فهو البسيط ابن البسطاء، فليس من أبناء العائلات التي كانت تتزعم العمل السياسي وتتمتع بنفوذ اقتصادي/إقطاعي...أي أن أسرة الضيف تكاد تمثل السواد الأعظم من الشعب الفلسطيني...وبعد مراحل دعوة ونشاط طلابي وعمل تنظيمي وعسكري وجهاد ومطاردة لم تتوقف، صار الرجل من مقرري مسارات الأحداث وإعلان الحروب ووقفها في المنطقة.

بين حريق 1969 وعدوان 2021

حين استبسل المقدسيون مع أشقائهم في فلسطين المحتلة سنة 1948 مع أشقائهم من الضفة في الدفاع عن حرمة المسجد الأقصى وقد أثبتوا على وجه الإطلاق والبرهان العملي أن شعار(بالروح بالدم نفديك يا أقصى) ليس مجرد كلمات عاطفية بل حقيقة قائمة، وحين هبّ أشقاؤهم في قطاع غزة لنصرتهم حتى بدت الأرض الفلسطينية بين النهر والبحر منتفضة غاضبة متمردة على حالة العجز العربي، دامغة بوصمة عار من اختار نهج التطبيع، حضرني وتملكني شيئان؛ الأول هو أن الله سبحانه وتعالى قد خصّ هذه الطائفة من أمة محمد-صلى الله عليه وسلم-بكرامة وشرف، وهذا تأكيد للحديث الذي رواه أحمد في مسنده وكذا الطبراني وغيره:-

"لا تزال طائفة من أمتي على الدين ظاهرين، لعدوهم قاهرين، لا يضرهم من خالفهم إلا ما أصابهم من لأواء، حتى يأتيهم أمر الله. وهم كذلك"، قالوا: يا رسول الله وأين هم؟ قال: "ببيت المقدس وأكناف بيت المقدس"

فكم يشعر عدوهم بقهر وهم في كل مرة يثبتون أنهم على الحق، فلا تنجح خططه في وضع بوابات إلكترونية على مداخل المسجد الأقصى، وخططه الاستراتيجية التي شملت الإسقاط والإغراق في الفساد والمخدرات والمشكلات والخلافات العائلية، لم تنزع منهم الشعور بأمانة التكليف الذي الذي هو تشريف في نفسه بانتظار أمر الله، وكل هذه(اللأواء) أي الشدائد والمصائب والضيق المتواصلة، لم تزدهم إلا عزيمة وإصرارا، أما من خالفهم ممن يعتبر أو يفخر بأن (قضية فلسطين ليست قضيتي!) فهو أقل من أن يزحزحهم عن حقهم، بل إن الذي يخذلهم ويخالفهم هو الخاسر خسرانا مبينا، فهو بهذا يبرهن أن الله لم يمنحه هذا الشرف الرفيع بالمشاركة في معركة الذود عن ثالث المسجدين وأولى القبلتين ومسرى النبي المصطفى بل حتى لم يحاولوا التمسح بأهل هذا الشرف كما يفترض ولو بكلمة طيبة ولو على سبيل المجاملة، فمن الذي باء بالعار والخيبة هنا؟!

أما الأمر الثاني الذي شعرت به هو أن 52 سنة حملت معها تغييرا كبيرا في حجم ومستوى الوعي التراكمي عند الشعب الفلسطيني؛ فقد تعرض المسجد الأقصى للحرق على يد المجرم المتطرف(مايكل روهان) في آب/أغسطس 1969 أي بعد احتلال الجزء الشرقي الذي يضم المسجد الأقصى من المدينة المقدسة بسنتين.

والحقيقة أن جريمة الحرق وما رافقها من تعطيل عمليات الإطفاء تظل أكبر مما جرى في أيار/مايو 2021 من حيث حجم الضرر ببنية المسجد، ولكن ردة الفعل الفلسطينية مختلفة تماما؛ ذلك أن هول صدمة هزيمة حزيران/يونيو 1967 كانت ما تزال تلقي بظلالها على الناس، كما أن الشعب الفلسطيني، مع مرارة الهزيمة واكتشاف كذبة صواريخ(الظاهر والقاهر) كان ما زال يرى أن ثمة أمل في حكومات العرب وجيوشهم ومؤسساتهم، فلم يقم بثورة أو هبّة بعيد جريمة الحرق...أما في 2021 فقد أدرك أن ما (حكّ جلدك مثل ظفرك) والمثل الشعبي الفلسطيني يقول(ما بحرث الأرض إلا عجولها) صحيح أن المسجد الأقصى يخص أمة المسلمين كلها وليس الفلسطينيون وحدهم، ولكن أدرك الفلسطينيون أنهم صاعق التفجير لطاقات الأمة، أو على الأقل عليهم دفع الصائل بما يملكون حتى يأتي أمر الله وتهبّ الأمة لنصرتهم والقيام بدورها.

أما العرب رسميا في 1969 فيروى أن (غولدا مائير) والتي كانت قد تولت منصبها رئيسة للوزراء قبل بضعة أشهر من جريمة الحرق، قالت أنها شعرت برعب كبير لم تشعر بها طيلة حياتها حيث حسبت أن جيوش العرب ستكون صباحا في فلسطين غضبا وحمية لما حلّ بالمسجد الأقصى، ولكنها شعرت براحة واطمئنان حين رأت ردة فعل العرب والمسلمين تقتصر على الشجب والإدانة والاستنكار؛ وبغض النظر عن صحة الرواية، فإنها تعبر عن لسان حال غولدا إذا لم يكن هذا لسان مقالها فعلا.

وحاليا موجة الشجب والاستنكار والإدانة والرفض والتحذير من (الحرب الدينية) أقل وتيرة وأضعف مما كانت عليه قبل خمسين سنة، ذلك أن من العرب والمسلمين من صاروا حلفاء وأصدقاء لإسرائيل.

ولكن في المقابل فإن الفلسطيني الذي تراكم وعيه ونما عزمه وتيقن أنه رأس الحربة يذود بما استطاع فيكون له نكاية في المعتدين، وشهادة السبق في الدنيا والآخرة إن شاء الله.

،،،،،،

تم النشر السبت 3 شوال 1432هــ، الموافق 15/5/2021م

https://www.aljazeera.net/blogs/2021/5/15/%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%AF%D8%B3-%D9%88%D8%AA%D8%B5%D8%A7%D8%B9%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D9%88%D8%B9%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B1%D8%A7%D9%83%D9%85%D9%8A-%D9%81%D9%8A-5-%D8%B9%D9%82%D9%88%D8%AF

 

 

 

 

 


الجمعة، مايو 07، 2021

أثر الحديث في اختلاف الفقهاء..

 أثر الحديث في اختلاف الفقهاء..



















أثر الحديث في اختلاف الفقهاء...

بقلم:سري سمور

 

قال سفيان بين عيينة-رحمه الله-:الحديث مَضِلّة إلا للفقهاء.

الغرور بسبب التقنيات

 

ما أحوجنا في هذا العصر والزمان إلى الاستنارة بمثل هذه المقولات، في زمن صار فيه كل من قرأ مجموعة من الأحاديث، أو حفظ حديثين أو ثلاثة يريد أن يتصدّر للاجتهاد ويفتي الناس ويصحح لهم دينهم، ظنّا بل اعتقادا منه أنه اكتشف أن الأمة قبله كانت على جهل وضلال، وأنه قد أوتي العلم الحق.

وأما المهتمون والمشتغلون بالعلوم الشرعية، فقد غلب أو انتشر بين قطاع عريض منهم أن عصرنا هذا بحكم التقنيات ووسائل تخزين وأرشفة وحفظ المعلومات ورقيا أو إلكترونيا، أدق للعلم وأنجع من عصور السلف، وأزمنة مباركة كان فيها رجال يفنون أعمارهم بطول ليلها أو نهارها في طلب العلم والاجتهاد في التدريس والمذاكرة، ولم يشغلهم عن ذلك فقر ولا مرض ولا صبارة قرّ أو حمارة قيظ، وعلت همتهم وسمت أنفسهم حتى بلغوا من العلم الذي وصلنا منهم، ولا نزال ننتفع به ونتلمس بركته، ناهيك عن الذي ضاع لظرف أو لآخر خاصة غزوات الفرنجة والمغول.

هؤلاء رأوا أن ما بيدهم من الأحاديث يتيح لهم التدخل وإعادة تعريف القواعد والأصول التي بنيت عليها المذاهب المعتمدة عند الأمة، وأنه يمكنهم أن يستدركوا على فحول الفقهاء وسادتهم في العصور المباركة، ظنا أو زعما أن اختلاف السادة الفقهاء هو اختلاف (وصول) ولكن الحقيقة التي تقي كل من أراد الانتفاع بالعلم الشرعي من المسلمين عامتهم وخاصتهم هي أن(اختلاف الفقهاء اختلاف أصول لا اختلاف وصول) أي أن الفقيه الذي اختلف مع أخيه الفقيه في مسألة ما، لم يكن السبب أن نص حديث متعلق بها  لم يبلغه ولم يصله، وهذا سبب الخلاف، فتعالوا لننشئ رؤية فقهية جديدة قوامها هذا الفهم المعوج لسبب اختلاف الفقهاء...هذا لسان حالهم.

كتاب على طريق الخروج من الجهل

وفي سبيل الخلاص من هذه الطريقة الخاطئة في الفهم، أريد أن أوجه من هو معني، وأنذر من هو غارق في سوء فهمه لأسباب اختلاف الفقهاء –رحمهم الله- إلى كتاب صغير ولكنه مهم وكثيف الفكرة ألفه الشيخ(محمد عوّامة) وهو من علماء بلاد الشام وتحديدا حلب(ولد في 1358هـ،1940م).

وبطاقة تعريف الكتاب باختصار هي:-

 

عنوان/وسم الكتاب:أثر الحديث الشريف في اختلاف الأئمة الفقهاء رضي الله عنهم

صادر عن دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع.

بقلم الشيخ محمد عوّامة

عدد الصفحات 168،قطع متوسط

 

يبحث الكتاب في منزلة الحديث الشريف عند الأئمة وبيان متى يصلح الحديث للعمل به، واختلاف فهم الأئمة للحديث، واختلاف مسالكهم في التعاطي مع التعارض في السنة ظاهرا، واختلافهم لتفاوتهم في سعة الاطلاع على السنة، وبناء على هذه الأسباب الأربعة للاختلاف ظهرت مدارس وأحكام فقهية مختلفة أصوليا.

ويوضح الشيخ عوامة أن شروط صحة الحديث مختلفة عند البخاري ومسلم وكل فقيه له مدرسته؛ فالبخاري مثلا يشترط الاتصال، فيما يشترط مسلم إمكان اللقيا، وترجيح حديث مروي في الصحيحين على غيره خطأ وجهل، فلأهل الحديث مدارسهم الفقهية التي أثرت في رواياتهم، والشافعي يعتبر الحديث المرسل ضعيفا ضعفا يسيرا أو يأخذ به في مؤيدات مثل إفتاء بعض الصحابة به، بينما يراه أبو حنيفة حجة، والأحاديث المرسلة كثيرة وبناء على ذلك سيكون عندنا اختلاف بين الأئمة في الأحكام الفقهية والفتاوى، كما أن هناك اختلاف في عدالة الرواة، واختلاف في الاستدلال بالضعيف، ورواية الحديث باللفظ أو المعنى والرفع والنصب والضم، حيث اشترط أبو حنيفة أن يكون من يروي بالمعنى فقيها، بينما اشترط غيره أن يكون عالما باللغة العربية وهذا وغيره يندرج تحت منهج الفقهاء في التثبت من اللفظ النبوي، كما أن صحة الحديث ليست شرطا للعمل به عند بعض الفقهاء، إذا كان في الباب غيره وقدموه على القياس، فضعيف الحديث خير من الرأي والقياس.

وناقش الشيخ عوامة قول الشافعي(إذا صح الحديث فهو مذهبي) وبين أن المقصود بها من هو أهل لذلك وليس أنصاف المتعلمين، وكل من هبّ ودبّ، وأما مسأل(صحة الحديث تكفي للعمل به) فقد بيّن أن كبار الفقهاء لم يفعلوا ذلك، وأنهم فضلوا التفقه على الإكثار من الحديث، ويقول ابن وهب(لولا مالك والليث لهلكت) لأنه كان يكثر من الحديث؛ فالفقيه هو ميزان العمل بالحديث وليس المحدّث وكما افتتحت المقال بقول ابن عيينة(الحديث مضلّة إلا للفقهاء).

وتناول الكتاب  اختلاف الأئمة في فهم الحديث إما لاختلاف مداركهم ومواهبهم العقلية، أو لأن لفظ الحديث يحتمل أكثر من معنى واحدا، و اختلاف مسالكهم أمام المتعارض من السنة ظاهرا  حيث أن من العلماء من دأب على الجمع بين المتعارضين بالتأويل والتوفيق، والجمع ليس بالأمر السهل وله عند الحافظ العراقي 110 أوجه يكتفي معاصرون بواحد منها، أو القول بنسخ أحدهما للآخر، أو بترجيح أحدهما على الآخر، ومن العلماء من قدم الترجيح على القول بالنسخ، وكل ذلك(الجمع والنسخ والترجيح) لا يقدر على خوض غماره إلا كبار الأئمة المتقدمين.

كما اختلفوا نظرا لتفاوت اطلاعهم على السنة، وفي بحث الشيخ عوامة حول ذلك أشار إلى عدم كثرة الرواية عن بعض الفقهاء، وخصّ أبا حنيفة بالذكر، لما يثار حوله من شبهة في هذا الباب فنّدها الشيخ بشواهد بأن أبا حنيفة كان واسع الاطلاع على السنة وتحملها وحفظها مع أنه قليل الرواية، وبيّن حرص الأئمة على أخذ علومهم من السنة وبناء على ذلك بنوا فقههم واجتهادهم عليها، وكان للأئمة أسانيدهم الخاصة التي لا تتوافق بالضرورة مع أسانيد المحدثين، وأنه إذا فات الإمام شيء فقد استدرك تلاميذه وهذا نادر، ولا يجوز سحب النادر على الكل، كما دحض الشيخ محمد عوامة حجة وفرة الأحاديث في الكتب في هذا العصر لجعل الاجتهاد ميسرا للجميع.

 وهذا ينسحب بالمناسبة على زمننا لمن يتحجج بوجود المكتبات الإلكترونية وسهولة البحث في فهارسها ومحتوياتها، كما شدد على طبيعة المجتهد وضرورة أن يكون صاحب عمل صالح وعبادة كثيرة وتقوى.

وأكد الشيخ محمد عوامة على أن اتباع الأئمة هو اتباع للنبي-صلى الله عليه وسلم- ونبّه إلى خطر التنقل بين المذاهب بحجة وضوح الدليل، وأكد على أن الفقه هو الدين لأنه الفهم والتفسير والشرح للكتاب والسنة.

هذا عرض مبسط سريع للكتاب لا يغني عن قراءته بتمعن وهو أمر ميسور بمشيئة الله، مما سيفيدنا في الخلاص من كثير مما علق بأذهاننا حول اختلاف الفقهاء، الذي صار –وفق فهم مغلوط-ماضيا وتاريخا قضت عليه وسائل الطباعة والتخزين الإلكتروني وأجهزة الكمبيوتر وغيرها.

نسأل الله أن ينفعنا بما علمنا وأن يعلمنا ما ينفعنا.

،،،،،،

تم النشر الأحد 13 رمضان 1432هــ، الموافق 4/5/2021م

https://www.aljazeera.net/blogs/2021/5/4/%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%AF%D9%8A%D8%AB-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%B1%D9%8A%D9%81-%D8%A8%D9%8A%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%84%D9%85%D8%A7%D8%A1-%D9%88%D8%B6%D9%84%D8%A7%D9%84%D8%A9

 

 


الاثنين، مايو 03، 2021

لماذا هُزِم الإخوان؟.. الجواب في إسرائيل!

 لماذا هُزِم الإخوان؟.. الجواب في إسرائيل!










في المقال السابق قلت بأن المصالحة بين الإخوان والسيسي مستحيلة، وعرض الإخوان المتعلق بالحوار، يشبه إعلان استسلام في هذا الوقت الحرج.

ولكن لماذا كانت حسابات الإخوان بمرور الوقت تتزامن مع تغوّل الانقلاب وتمدده وقبوله محليا ودوليا؟وما الذي أفقد الإخوان أوراق ضغط لو كانت بحوزتهم لتمكنوا من التفاوض من موقع قوة نسبيا؟

الإجابات متعددة ومختلفة ولكن سأحاول التركيز على أبرزها وأكثرها تأثيرا، وهذا ليس محل نقاش وأخذ ورد ولكن هو أمر يمكن رؤيته بشيء من مطالعة المشهد في مصر والإقليم.

 

العامل الإسرائيلي المؤثر الأكبر

 

تعامل الإخوان في مصر مع العامل الإسرائيلي بأقل مما يستحق، وظلوا ينظرون إلى واشنطن، وأن المطلوب منهم فقط عدم تغيير الواقع، وهو ما جاء  في خطاب د.محمد مرسي بعيد تسلمه مهام منصبه، بالالتزام بالمعاهدات الدولية، ومع أنه لم يذكر كامب ديفيد، ولكن ضمنيا هكذا تفهم الرسالة.

هنا يجب أن نتفق أن إسرائيل التي تتدخل حتى في برنامج  إيران النووي، لن تسمح أن يحكم مصر رئيس ينتسب إلى جماعة هي الحركة الأم لحركة حماس التي تقارعها، وحتى لو قبل الأمريكان ذلك، فإن إسرائيل تملك من السطوة والتأثير في أروقة المؤسسات الأمريكية ما يجعل قبول الأمريكان لهذا الرئيس أمرا غير ذي قيمة.

فإسرائيل استنفرت وأصابها الذعر من الثورات العربية، وليس كما يشاع، أو يحاول بعضهم أن يحوّله إلى قناعة وحقيقة مسلّمة، بأن إسرائيل هي المستفيد الأكبر من هذه الثورات، على المدى الاستراتيجي، وفي حال أخذت مسارها الطبيعي، ولم تتفجر الثورات المضادة في وجهها.

لم يتردد قادة إسرائيل بالتلميح تارة وبالتصريح تارة أخرى بأن حسني مبارك كان كنزا استراتيجيا لهم، وخلع مبارك بعد ثورة، كبّل أيديهم في 2012 عن ارتكاب مجازر في غزة، وفي ظل رئاسة مرسي تطورت المقاومة في قطاع غزة، وتمكنت من تعزيز قدراتها كمّا ونوعا، ومن الناحية المعنوية، دخل هشام قنديل ومعه مسؤولون آخرون غزة عبر معبر رفح؛ وقنديل كان رئيس الوزراء المصري في عهد الرئيس مرسي، ناهيك عن التصريحات التحذيرية الواضحة التي أطلقها الرئيس مرسي ضد الكيان العبري، وهي تصريحات غابت عن القيادة المصرية منذ عقود...فهل كنتم تتوقعون أن تقف إسرائيل مكتوفة الأيدي؟

وقد كان الانقلاب العسكري في صيف 2013 هدية لإسرائيل والتي صار لها كنز استراتيجي لا يقارن سابقه به؛ ففور الانقلاب أغلقت الأنفاق مع قطاع غزة، وكذلك معبر رفح وهو منفذ غزة الوحيد على العالم، وشرعت مصر ببناء الحواجز والموانع والمناطق العازلة مع غزة، لدرجة هدم بيوت مدينة رفح المصرية التاريخية وتهجير أهلها، إضافة إلى القنوات في البحر لخنق غزة، وأوعزوا إلى الأبواق الإعلامية، بشيطنة حماس خصوصا وأهالي غزة عموما بكل ما في قاموس البذاءة والسفاهة من مفردات، ووصل الحال إلى التلويح بتدخل عسكري مصري في غزة، وسمحت إسرائيل لطائرات مروحية عسكرية مصرية بالتحليق الاستفزازي في أجواء القطاع، وخضع القطاع إلى حصار لم يسبق له مثيل، غني عن القول أن حسني مبارك لم يكن الحال في زمنه بهذا السوء وهذه العدوانية ضد المقاومة وضد غزة، واعتقل العديد من المواطنين الفلسطينيين الغزيين، في ظل انقلاب السيسي، وطاردت البحرية المصرية مراكب الصيادين الغزيين الباحثين عن لقمة عيشهم، فقتلت وجرحت واعتقلت عددا منهم، وكل هذا تحت عنوان الحفاظ على سيادة مصر، ومنع إقامة دولة في غزة، وكأن هذا يتأتى بقتل الفقراء وحصار المدنيين...هي حجة واهية متهافتة، لا يمكنها التغطية على حقيقة كون الضغط على غزة مصلحة إسرائيلية مطلقة!

وقد رأينا السيسي في حضرة ترمب يتحدث بامتنان عن (صفقة القرن) التي أعلنها ترمب لاحقا ولم نسمع السيسي يعارضها، بل إن السيسي لم ينبس ببنت شفة منتقدا إسرائيل، ولو من باب العلاقات العامة، مثلما كان يفعل مبارك.

كما فتح السيسي أبواب مصر للمفصول من حركة فتح(محمد دحلان) والذي ذكره الرئيس د.محمد مرسي بالاسم في خطابه الأخير كمخرّب في مصر، وفي كتاب (النذير) الذي يضم ما يشبه مذكرات (عاموس جلعاد) رجل الأمن والجيش الصهيوني البارز، أوضح عاموس ابتهاجه بانقلاب السيسي، وأنه منع حلفا مؤكدا كان سيتشكل بين مصر وتركيا (ويزعزع الشرق الأوسط) طبعا المقصود سيتزعزع أمن كيانه.

برأيي بأن مناقشة المشككين بكون الانقلاب العسكري في مصر كان بمثابة هدية استراتيجية للأمن الإسرائيلي، أشبه بنقاش مسلّمات وبدهيات واضحة وضوح الشمس في رابعة النهار، وبوضوح أكبر لا يمكن- بأدوات العقل والمنطق- فصل الانقلاب عن هذه الحقيقة.

 كما كان الانقلاب ضربة موجعة ولئيمة للمقاومة الفلسطينية، والتي في حرب 2014 أظهرت صلابة وذكاء ووجهت ضربات مؤلمة جدا لإسرائيل، ولكن هذا كله لم يترجم سياسيا، وبمفردات أخرى:لم يتم جني ثمار سياسية للنصر العسكري ولو بتخفيف معقول للحصار، لأن رأس المقاومة كان مطلوبا من الجوار، وخاصة من قيادة الانقلاب في مصر، وليس فقط من تساهال(جيش إسرائيل)!

 

الإخوان أمام الحقيقة

 

لا أدري هل اقتنع الإخوان بالحقيقة الواردة أعلاه، أم ما زالوا يرون أن بعض المناورات أو حتى الاتفاقيات مع الأمريكان تجعلهم مقبولين في الخريطة السياسية في مصر...بكلمات أكثر وضوحا:إسرائيل تريد في مصر نظاما لا يسمح بتطور المقاومة في غزة، ويتعاون معها أمنيا، ويشاطرها العداء لحركات المقاومة وإيران وحتى تركيا...فهل لدى الإخوان استعداد للعب هذا الدور؟بالتأكيد لا، وحتى لو وجد بعض المنحرفين أو أصحاب الفهلوة الذين يحسبون أنهم يمكنهم خداع الصهاينة في صفوف الإخوان، فإن إسرائيل تفضل مؤسسة متجذرة تحكم البلاد منذ عشرات السنين عليهم.

في ظل هذا الوضع، كان الخيار أمام الإخوان هو الخروج بأقل الخسائر، وهم يمتلكون ورقة المعتصمين، وورقة تردد بعض الدول في الاعتراف بالانقلاب ونتائجه؛ ولكن كان هناك تصديق أو محاولة لتصديق مقولة(الانقلاب يترنح) أو(السيسي قتل ومن يظهر دوبلير) أو(هناك تمرد في قطاعات الجيش)...إلخ تلك المخدرات الفكرية والتي ساهمت بعض المنابر الإعلامية التي اعتلتها شخصيات لا أشكك في صدق عاطفتها ولكنها حيّدت المنطق والواقعية، وانتهجت الأسلوب الشعبوي.

ومن جهة أخرى بدأ بعض قادة الإخوان خاصة ممن عملوا في حكومة د.مرسي بإجراء اتصالات مع جهات دولية لعل وعسى تتبنى روايتهم، أو وعودهم، وهذا مضيعة للوقت الثمين الذي تبخر قبل إنقاذ ما يمكن إنقاذه، وذلك لسببين رئيسين:-

1) ما ذكرته آنفا وسأظل أردده كلما فتح هذا النقاش، وهو أن مصلحة إسرائيل مقدمة في ظل النظام الدولي المعاصر على الديموقراطية وتداول السلطة وحقوق الإنسان وكل هذه المصطلحات/القيم، وإسرائيل لا تريد الإخوان في السلطة، بل تريد اجتثاثهم!

2) الدول الغربية مثل أمريكا وأوروبا الغربية يهمها مصالحها مع الدولة المصرية، أولا وثانيا وعاشرا، والسيسي أظهر براعة في تقديم القرابين؛ وصفقة أسلحة أو اتفاقية تجارية في نظر هذه الكيانات الغربية أهم بمليون مرة من الإخوان ومن إرادة الشعب...أما روسيا والصين فهي أصلا لم تكن تريد إزاحة مبارك، وليس أسهل من الحصول على رضاها بصفقات واتفاقيات، ومصر منطقة تحت النفوذ الأمريكي منذ أيزنهاور.

يقال بأن معرفة الداء هو نصف العلاج أو أكثر؛ والداء هنا ليس كما يقال عدم خبرة الإخوان في السياسة وأنهم لم يفلحوا في فهم معادلة الجيش والمؤسسات، مع أن لهذا الكلام وجاهة ونسبة لا بأس بها من الصحة، ولكنه ليس الحاسم والمؤثر، بل أقول:فتّش عن إسرائيل، وحين تعمّ القناعة بأن إسرائيل هي جذر المشكلات، عند الإخوان أولا بكونهم أكثر ضحايا الانقلاب تضررا، ومن ثم عند بقية الأحزاب والنخب والشرائح الاجتماعية والسياسية، سيكون من السهل جعل هذه المرحلة تسجل في صفحات مطوية قصيرة ضمن سنوات الجدب!

،،،،،،

تم النشر الأحد 13 رمضان 1432هــ، الموافق 25/4/2021م

https://www.aljazeera.net/blogs/2021/4/25/%D9%84%D9%85%D8%A7%D8%B0%D8%A7-%D9%87%D9%8F%D8%B2%D9%90%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86%D8%9F-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%88%D8%A7%D8%A8-%D9%81%D9%8A

 


مع مذكرات أخطر سفير إسرائيلي في مصر (1)

لدي قناعة أن ذهاب أنور السادات إلى خيار التسوية مع إسرائيل؛ و زيارته المشؤومة إلى القدس في 1977 وصولا إلى توقيع اتفاقات كامب ديفيد في 1979 ه...