الجمعة، نوفمبر 26، 2021

العبرة بالمنظومة وليست بالحالات الفردية

 رابط المقال


هشام بن عمرو كان يرسل الطعام إلى المحاصرين في شِعب أبي طالب سرا، إذ ضاق صدره بما يلاقون من جوع وضنك أوصلهم إلى أكل أوراق الشجر، وكان مع المُطعم بن عدي ضمن مجموعة همت بتمزيق الصحيفة المعلقة على جدار الكعبة، والتي تتضمن بنود المقاطعة الجائرة. والمطعم كانت له -إضافة إلى ذلك- مواقف مشهودة مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم، منها إجارته بعد عودته من الطائف ومحاولة المشركين منعه من الدخول إلى مكة، وهو لم يعتنق الإسلام، ولكن ظلت مواقفه محفوظة من سيدنا رسول الله وسائر المسلمين حتى يومنا هذا، والدليل أنني وغيري نستشهد بها، وقد بلغ من تكريمه أن رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- قال يوم جيء بأسرى المشركين يوم بدر، لو أن المطعم بن عدي كان حيا وكلمني في هؤلاء لتركتهم له، أي سيخلي سبيلهم لو كان المطعم بن عدي على قيد الحياة، وتوسط لهم عنده، دون فدية ودون عقاب.

هشام والمطعم وغيرهما سخرهم الله -سبحانه وتعالى- بدافع الشهامة أو التعصب لرابطة الدم أو النخوة والمروءة، كي يكونوا حالة شاذة عن منظومة الشرك في مكة، التي توافقت على حرب الدعوة، ومعاداة المسلمين، وإيذاء الرسول الأمين، فلم يشتركوا في الأذى والتعذيب والهجاء والتضييق وكل القائمة التي دأب عليها قومهم وأبناء دينهم ضد القلة المؤمنة، وعليه يظل التقدير والاحترام لمواقفهم تلك.

ولكن هل من العقل والمنطق أن يأتي أحد فيعمم الحالة الخاصة أو الشاذة لأمثال هؤلاء فيقول إن المشركين كانوا لا يؤذون المسلمين ولم يعذبوهم ولم يجوعوهم بدليل فلان وفلان؟ هذا غير وارد عند أي عاقل.

وإن من يريد "الفزلكة" ويدعي الموضوعية؛ يقول نعم كان هناك أبو جهل وأمية بن خلف وعقبة بن أبي معيط والوليد بن المغيرة وغيرهم، ولكن أيضا كان هناك المطعم وهشام وفلان الذي ساعد مسلما أو مسلمة في محنتهم في زمن الاضطهاد، محاولا استدعاء مثل "نصف الكأس الفارغ والنصف الملآن"، وهو استدعاء أخرق، فتلك الحالة شاذة وهي لا نصف كأس ولا ربع ولا سدس، بل ربما تكاد تكون قطرات بالكاد تراها العين في الكأس.

العبرة أن مجموع قريش وحلفاءها من المشركين، كانوا في عداء نظري وعملي مع المسلمين، ويكيدون لهم ويمكرون بهم ويسعون إلى إيذائهم حدّ الرغبة، بل السعي إلى إبادتهم أو أن يعودوا إلى الشرك. النظرة السليمة في الحكم تكون إلى المنظومة العامة، لا إلى الحالات الفردية المختلفة عنها أو الرافضة كليا أو جزئيا لأفعالها، مع عدم إهمالها أو نكران فضلها، وهذا ما فعله النبي -صلى الله عليه وسلم- والمسلمون.

المهم عند إطلاق حكم على فئة أو مجموعة أو منظومة سياسية واجتماعية أو عقدية هو النظر إلى حالتها العامة السائدة، التي تقرر كيفية التعامل معها، لا أن نجعل الخاص عاما والشاذ قاعدة.

بعد أكثر من 1400 عام على تلك الأحداث في السيرة النبوية العطرة، امتنع بضع و20 طيارا حربيا إسرائيليا عن قصف مواقع مدنية في الضفة الغربية وقطاع غزة، وتمردوا على أوامر قادتهم. ووقتها تم تثمين موقف هؤلاء الطيارين الذين تحلّوا بشيء من الأخلاق من مستويات فلسطينية وعربية وإسلامية عدة، ولكن هل نقول إن "سلاح الجو الإسرائيلي" تمثله هذه المجموعة المتمردة من الطيارين؟ أم هل نحكم -كما فعل بعض المتصهينين- على الكيان العبري وجيشه بأنهم أصحاب أخلاق ورحمة بسبب هذه المواقف؟ هذا هراء.

في تجربتنا مع الاحتلال الصهيوني، واجهنا بعض الحالات في أكثر من موقف تخالف المنظومة الإجرامية، فثمة جنود أو حتى ضباط لم يتعاملوا بسادية وقسوة معنا، وأبدوا نوعا من اللين، ولكنهم لا يمثلون المنظومة (السيستم) الأمنية والعسكرية الإسرائيلية المبنية على العنصرية والإذلال والقتل والترهيب. وأصلا حتى من يبدي اللين وحسن المعاملة يسكن أرضا اغتصبها بوحشية السلاح، وأفضل معاملة أو معروف يسديه أن يرحل عن هذه البلاد.

إن هذا يذكرنا بمقولة تنسب إلى غسان كنفاني:يسرقون رغيفك ثم يعطونك منه كسرة ثم يأمرونك أن تشكرهم..يا لوقاحتهم!

وهل يبعد أن يكون بين جنود أو قادة الصليبيين والتتار الذين احتلوا هذه البلاد من كان يتعامل برفق مع الناس أو الأسرى؟ ربما وجدت حالات فردية كهذه، ولكنها نقطة في محيط القتل والسلب والإجرام والتنكيل الذي ميّز تلك الهجمات من هؤلاء. وفي العصر الحديث لو سألت بعض المفرج عنهم من جحيم سجن غوانتانامو لذكروا لك أن ثمة سجانين كانوا يتعاملون معهم برفق، بل ثمة من اعتنق الإسلام من السجانين. ولكن هذا لا يعني أن المنظومة رقيقة وأخلاقية؛ فالسجن نفسه جريمة وحجز السجناء فيه جريمة أكبر، والولايات المتحدة دولة مارست القتل والنهب ودعم الاستبداد في بلاد شتى خاصة بلاد العرب والمسلمين.

لقد ابتلينا بأناس من أبناء جلدتنا، دأبوا على جعل أي تصرف فردي، أو حالة شاذة من أعداء الأمة وكأنها تمثل "السيستم"، وهي العنوان الذي يجب أن ننظر من خلاله، وأن نغفل عن الحالة العامة المعاكسة التي نحسها ونرى آثارها.

فيأتونك بتصريح لكاتب أو فنان أو حتى سياسي أو مجموعة لا تستطيع ربما الحصول على مقعد في برلمان دولة ظالمة، يحمل رفضا لما تقوم به حكوماتهم من ظلم وفساد، ويحاولون الإيحاء أن هذه الفئات القليلة هي المنظومة (السيستم) بطريقة مستفزة لمن يعي حقيقة الأمر بفعل المعاينة المباشرة، ولكنها قد تخدع بعض من لا ينظرون إلا إلى الصورة المجتزأة وينسون الصورة العامة.

وأبناء جلدتنا هؤلاء أنفسهم يعمدون إلى استحضار حالات من التاريخ الإسلامي، أو من حاضر المسلمين وواقعهم، فيها تجاوزات أو مخالفات، ويستخدمون الإيحاء الخبيث بأن هذا حالكم أيها المسلمون، وهذه هي أخلاقكم ومنظومتكم. علما أن الحالة الإسلامية العامة منذ بدء الدعوة حتى الآن يغلب عليها العدل والرحمة، وتجنب الإفساد في الأرض، والحرص على كرامة الإنسان.

ولكن الشمس لا تغطى بغربال وقطرات قليلة لن تشغل الأبصار لفترة طويلة عن الطوفان. والتقرير والحكم والنظرة الواعية السليمة هي لمجمل المنظومة والصورة العامة والحالة الغالبة لأي مجموعة أو دولة أو كيان، وليس إلى حالات فردية.

،،،،،

تم النشر الأحد  2 ربيع الآخر 1443هـ ، 7/11/2021م

https://www.aljazeera.net/blogs/2021/11/7/%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A8%D8%B1%D8%A9-%D8%A8%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%86%D8%B8%D9%88%D9%85%D8%A9-%D9%88%D9%84%D9%8A%D8%B3%D8%AA-%D8%A8%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%AA-2

 


معارضة وأزمة اليسار ودروس هبة النفق

 رابط المقال


حين نتحدث عن اليسار الفلسطيني، لا نتحدث عن مجموعة أو كتلة متجانسة، فثمة يساريون أيدوا اتفاق أوسلو منذ البداية، بل منهم من كان مشاركًا في إعداده، ولكن أبرز فصيل أو فصيلين من اليسار عارضا الاتفاق وبلهجة قاسية، هما الجبهتان الشعبية والديموقراطية لتحرير فلسطين، مع تسجيل صوت معارضة أعلى للأولى، ومشاركة أكثر في المقاومة.

ولقد جاء اتفاق أوسلو في وقت كانت التيارات اليسارية جميعها تعيش أزمة كبيرة، على المستوى الدولي أو العربي، وتلقائيًّا الفلسطيني، فغالبية اليسار كان يُروّج أن الاتحاد السوفياتي ومن معه من دول حلف وارسو وغيرها هم (الحليف الاستراتيجي) للشعب الفلسطيني، وحينما بدأت قوافل المهاجرين اليهود تجتاح أرض فلسطين، بعد سماح آخر زعيم سوفياتي لهم بذلك (ميخائيل غورباتشوف) في ذروة انتفاضة الحجارة، شعر اليسار بالحرج، وانتقل من مرحلة التباهي الهجومي المزايد إلى الدفاع والتبرير الخجول المرتبك، الذي لم يكن ليقنع الجمهور الفلسطيني وهو يرى من يريدون احتلال أرضه تقدم لهم حكومة السوفييت (كرت العبور)، وجاء موقف الاتحاد السوفياتي المؤيد لتدمير العراق وتقديم معلومات ثمينة عن الجيش العراقي للأمريكان ليزيد حرج القوم، ثم جاء انهيار المعسكر الاشتراكي تمامًا بتفكك الاتحاد السوفياتي لترث روسيا بزعامة (بوريس يلتسين) كيانًا يمالئ الأمريكان بطريقة مقززة، عاملاً إضافيًّا من عوامل ضعف وتراجع شعبية قوى وفصائل اليسار الفلسطيني.

عارضت الجبهات أوسلو في وقت كانت تعاني من أزمة فكرية، لم تجرؤ حتى الآن على حسمها وتقديم مراجعات حقيقية لمسيرتها، وبالتزامن مع أزمة مالية خانقة لفصائلها، لدرجة العجز عن تغطية تكلفة احتفال هنا أو هناك أو تمويل حملة انتخابات طلابية بطريقة مكافئة للكتل الأخرى في غير جامعة فلسطينية.

ووجد يساريون ضالتهم في الانخراط في منظمات ومؤسسات العمل الأهلية غير الحكوميةNGO'S) )، ولأن سلطات الاحتلال تشن حاليًّا حملة شرسة عدوانية على مجموعة منظمات أهلية فلسطينية، فقد أجلتُ أو ربما ألغيتُ -لحساسية الموقف- التوسع في الحديث عن مجمل المنظمات الأهلية، حتى لا يساء فهم المغزى، وأكتفي بالإشارة إلى أن الممولين الغربين حتى لو افترضنا أنهم يتعاطفون مع مظلومية الشعب الفلسطيني، ويؤيدون حقه في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة على حدود 67 إلا أنهم لن يقدموا أموالهم لأي نشاط مقاوم؛ ذلك أن الغربيين مهما اختلفوا وتباينت وجهات نظرهم حول القضية الفلسطينية، فإنهم يتفقون على أن أية مقاومة فلسطينية تصنف على أنها (إرهاب).

في المحصلة لم تنفذ الجبهات عمليات عسكرية تذكر في فترة أوسلو (1994-2000) مما يعني ما ذكرته سابقًا، أن العمل العسكري، خاصة العمليات الاستشهادية، كانت حكرًا على حركتي حماس والجهاد الإسلامي، مع أن الجبهات أيدت ما تقوم به الحركتان وتحالفت معهما أحيانًا في انتخابات مجالس الطلبة في بعض الجامعات، ولكن ظل التأييد إعلاميًّا، وظل اشتعال الميدان بنار حماس والجهاد في حقيقة الأمر.

وبدأ الإعلام يتحدث عن أهمية، بل مركزية وأولوية، العمل من داخل الأرض المحتلة، وقيادة الجبهات في الخارج، فجرى تداول حديث عن نية الأمين العام للجبهة الديموقراطية (نايف حواتمة) الدخول إلى الأراضي المحتلة والإقامة في المناطق الواقعة تحت سيطرة السلطة الفلسطينية، والمشاركة في السلطة، ولكن لم يحدث هذا.

وما جرى هو أن (جورج حبش) تنازل عن منصب الأمانة العامة للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، للأمين العام المساعد (أبو علي مصطفى) الذي دخل إلى الأراضي المحتلة، بعد ترتيبات قادت إلى موافقة إسرائيلية (للتذكير :إسرائيل تتحكم بالدخول والخروج إلى فلسطين)، وقد ظل أبو علي مصطفى حتى استشهاده لاحقًا يؤكد أن دخوله ولو كان في سياق مخرجات أوسلو، لا يعني تخليه عن الثوابت وأنه متمسك بخيار المقاومة.

وعلى مستوى الاستنهاض التنظيمي، لم يحدث تطور يذكر بدخول الأمين العام للجبهة الشعبية إلى فلسطين، ولم يكن هناك تغير ملموس في أوضاع الجبهة التي ظل خصومها (مع بعض الإعلاميين العرب) يتهمونها بأنها تنازلت وتراجعت عن معارضتها المبدئية لأوسلو، وبقي حال الجبهة الشعبية كما هو في تلك المرحلة حتى اندلاع انتفاضة الأقصى في أيلول/ سبتمبر 2000، حيث استطاعت الجبهة النهوض من جديد والمشاركة الفاعلة في تلك الانتفاضة.

الأمريكيون يصنفون الجبهتين الشعبية والديموقراطية ضمن قوائم المنظمات الإرهابية ويشترطون لرفعهما من تلك القائمة شروطًا تعجيزية للغاية، وسلطات الاحتلال ظلت تتعامل مع الجبهتين كتنظيمات محظورة، يعاقب بالسجن من ينتمي إليهما، حتى لو أنها بين الحين والآخر تغض الطرف عنهما، ولكن هذا يخضع لمعايير وحسابات أمنية، وسيف القضاء العسكري الصهيوني الجائر مسلط على منتسبي الجبهتين.

هبة النفق...دروس وعبر 

إذا كانت حماس والجهاد الإسلامي قد احتكرتا العمليات الاستشهادية، وكانتا الأبرز في المقاومة العسكرية عمومًا في تلك الفترة، مثل عمليات إطلاق النار ومحاولات خطف جنود لتبديلهم بأسرى فلسطينيين (مثل الجندي شارون إدري الذي أسرته وقتلته خلية تابعة لكتائب القسام في منطقة الخليل) فإن فتح والسلطة طوال الوقت وعند كل أزمة سياسية كانت تطرح الشعار المشهور "كل الخيارات مفتوحة أمام شعبنا" وتلوح باستخدام القوة كخيار مطروح.

ومن الأحداث البارزة في 1996 وبعد شهور من توتر العلاقات بين حماس والجهاد الإسلامي من جهة والسلطة الفلسطينية وفتح من جهة أخرى، ما يعرف بانتفاضة أو هبة النفق؛ حيث قامت سلطات الاحتلال في عهد حكومة بنيامين نتنياهو المنتخب حديثًا آنذاك، بفتح نفق أسفل المسجد الأقصى وبمحيط مبان إسلامية في القدس.

وهنا أعطى الرئيس عرفات أوامره بالتصدي والاحتجاج على هذه الخطوة الاستفزازية، التي تريد حكومة الاحتلال من خلالها إحداث تغيير في وضع ومعالم القدس والمسجد الأقصى، فاندلعت مواجهات عنيفة جدًّا في عدة نقاط تماس مع قوات الاحتلال ومستوطنيه في القدس وكافة مدن الضفة تقريبًا وفي مواقع مختلفة من قطاع غزة، امتازت بمشاركة شبابية تنوعت فيها انتماءات المشاركين من مختلف الفصائل (فتح وحماس والجهاد والجبهات) مما أدرى إلى ارتقاء بضع وستون شهيدًا فلسطينيًّا ومقتل حوالي 20 جنديًّا إسرائيليًّا، وأيضًا شاركت قوات الأمن الفلسطيني في عدة نقاط في الاشتباكات بقوة وارتقى منهم شهداء، في مشهد أعاد الشعور بوحدة الموقف من جهة، ومن جهة أخرى أظهر وحشية وإجرام الاحتلال، فهذه أول مرة خلال كل الهبات والانتفاضات الشعبية منذ الاحتلال، يكون فيها المشهد بهذا الحجم من الدموية.

وقد رأى الفلسطينيون لأول مرة منذ 1967 دبابات الاحتلال ومدافعها والطيران المروحي، في إشارة/ رسالة صهيونية واضحة عما سيكون عليه حال المواجهات المستقبلية، وتم منع الفلسطينيين من التنقل بين المدن لمدة أسبوعين، مع أن الهبة استمرت بضعة أيام فقط.

ومن الملاحظات المهمة والدروس المستفادة عند تقييم تلك الهبة ما يلي:

1)        المسجد الأقصى خط أحمر والفلسطينيون لن يتوانوا عن تقديم أرواحهم فداء له عند تعرضه لأي اعتداء، وهو صاعق التفجير الأهم للمواجهات.

2)        حماس والجهاد الإسلامي برغم كل الألم والأذى الذي سببتاه للاحتلال ومنظومته الأمنية، لم تتمكنا في تلك المرحلة من إحداث حالة اشتباك جماهيري مع الاحتلال يتفاعل معها قطاع واسع من الجمهور الفلسطيني، ولكن فتح بقيادة عرفات فعلت ذلك بسهولة، مما يدل على أن مقاليد التفجير للمواجهات على الأقل المراحل الأولى منه كانت بيد فتح حصرًا.

3)        إضافة إلى قدرة فتح على تفجير الموقف، كان لها القدرة آنذاك على إعادة الهدوء وتحديد مدى وحجم وطبيعة المواجهة، وقد أرسلت بذلك رسائل داخلية وخارجية بأنها تمتلك مفتاح الهدوء والمواجهة، على الأقل على المستوى الشعبي ورقعة الاشتباكات وحجمها.

4)        كان النفوذ الأمريكي بزعامة (بيل كلينتون)، الذي يميل إلى سياسة الاحتواء للتوتر، كبيرًا وواضحًا، رغم صلف نتنياهو وحلفائه في المؤسسة الأمريكية، فقد سارعت الإدارة الأمريكية إلى دعوة عرفات ونتنياهو إلى واشنطن لاحتواء الأزمة وتبريد الأجواء بعد حمام الدم الذي رآه العالم. لم يغلق النفق ولكن تم توقيع ما عرف ببروتوكول الخليل لاحقًا لدفع مسار التسوية المتعثر، وفي كل الأحوال الأمريكان وقتها كان يهمهم استمرار الهدوء ولو بالحقن السياسية المهدئة.

5)        مع أن المشاركة في المواجهات كانت كبيرة، ولكن شعور وتفاعل وتأييد الجمهور الفلسطيني بجدوى هذا الخيار لم يكن بذات حجمه إبان انتفاضة الحجارة مثلاً، فالجمهور الآن لم يعد بذات التجانس النفسي والسياسي الذي كان سابقًا (سأناقش هذه المسألة في مقال قادم إن شاء الله).

قدرة فتح التي تقود السلطة الفلسطينية على التحكم وضبط حجم المواجهات من هذا النوع ظلت هكذا حتى زمن طويل، وهو ما أدركته حماس والجهاد الإسلامي، أي أن المفتاح ليس بيدهما مع كل ما نفذتاه من عمليات نوعية، فكانتا دومًا تحضان على تبني خيار المقاومة وتحاولان استثارة العاطفة عند فتح كي تتبنى رؤيتهما بأن لا جدوى من المراهنة على ضغط أمريكي على الكيان كي يلتزم بما وقع عليه، مع الاستمرار بالحديث عن جرائم الاحتلال التي تنم على أنه لا يعبأ ولا يكترث بمسيرة سلمية أو غيرها. طبعا هذه المحاولات باءت بالفشل.

وأحيانًا كانت المواجهات تأخذ حيزًا جغرافيًّا محددًا، وكذلك زمنيًّا، يخضع لخيارات فتح؛ فمثلا في أحد أيام نيسان/ أبريل 1997 دعت شبيبة فتح إلى مسيرة احتجاجية إلى مفرق قوصين قرب نابلس تنطلق من جامعة النجاح تخللتها مواجهات كانت الشبيبة قد حضرت لها، فارتقى الشاب (هيثم منصور) شهيدًا، وصار الحدث يعرف في أدبيات الشبيبة الفتحاوية بـ(مسيرة قوصين الخالدة)، وعاد الهدوء مساء ذلك اليوم إلى نابلس ولم يمتد التوتر إلى مناطق أخرى. رسالة جديدة أو متجددة حول  من يمسك بزمام الأمور ومفتاح المواجهات ذات الطابع الشعبي الواسع.

سأواصل الحديث عن تلك المرحلة من زوايا مختلفة في مقالات قادمة بمشيئة الله، وهذا مهم لبلورة تصور كامل غير مبني على العواطف أو المعلومات الناقصة أو الخاطئة والآراء المسبقة.

الأربعاء، نوفمبر 10، 2021

تحالف المقاومة والمعارضة ...حماس والجهاد الإسلامي نموذجًا

 

تحالف المقاومة والمعارضة ...حماس والجهاد الإسلامي نموذجا  

بقلم:سري سمور-خاص بـ/مركز القدس

 

 توقيع اتفاق إعلان المبادئ(أوسلو) كما ذكرت سابقا، خلق حالة استقطاب حادة وشديدة في الشارع الفلسطيني، وأوجد اصطفافات بين القوى والفصائل الفلسطينية المختلفة، ليس قائما هذه المرة على الأيديولوجيا بل على تأييد أو معارضة الاتفاق، ولكن هذا الاستقطاب ظل إلى حدّ ما منضبطا، بدت مظاهره في الإعلام، وفي صناديق الاقتراع في الجامعات والمعاهد وغيرها، خاصة في الضفة الغربية.

وقادت حركة فتح كما قلنا الترويج للاتفاق والدفاع عنه، وقادت حركة حماس-ضمنا- الصف المعارض الرافض له.

وفي الكيان العبري حالة الاستقطاب، قادت إلى اغتيال (إسحاق رابين) على يد متطرف يهودي  في 1995 وهو على رأس مهماته رئيسا للوزراء، ووزيرا للحرب، وذلك في سابقة غير معهودة منذ تأسيس الكيان.

وربما كان اغتيال رابين مفصليا في مسار التسوية ومآلاتها؛ وقد أشار القيادي في حركة فتح والبرلماني السابق (نبيل عمرو) في مقال له نشر قبل سنوات بأن عملية/مسيرة أوسلو قد انتهت فعليا بمقتل رابين، وهو أمر أكده الرئيس (أبو مازن) بعد ذلك بسنوات في خطاب له.

ولكن الاتفاق لم يسقط بمعنى العودة إلى ما قبله أو إلغاء كل ما ترتب عليه، خاصة عند الجانب الفلسطيني، وهنا لا بد أن أورد تصريحات أدلى بها مؤخرا المسؤول الأمني الصهيوني البارز(عاموس جلعاد)  وهو جنرال جاهر وما زال بعدائه للرئيس عرفات ولمسار أوسلو، بأن رابين وقّع الاتفاق بقلم ثمنه (شيكل واحد فقط) كإشارة على عدم رضاه وامتعاضه، وأنه لم يكن مقتنعا به، وأن كلام الرئيس عرفات عن رابين كان بعد موت الأخير وليس في حياته.

على أية حال فإن الانسحاب الإسرائيلي من المدن الفلسطينية في الضفة الغربية(بدأ من مدينة جنين) كان بعيد أيام قليلة من اغتيال رابين.

حركة حماس..المعارضة والمقاومة

 شنت حركة حماس هجوما سياسيا وإعلاميا شديدا على الاتفاق، وحاولت جمع أكبر عدد ممكن من المناصرين لرؤيتها في الداخل والخارج، واستخدمت وقتها لغة سياسية غلبت على ما يسمى(الخطاب الديني) الذي عادة ما تتهم بأنها تحتكره وتجيره لصالحها، وذلك في سبيل التجييش ضد الاتفاق كقاعدة ونقطة مشتركة تجمعها مع من تختلف معهم سياسيا وفكريا أو اجتماعيا أو دينيا.

وحاولت بمساعدة سورية تشكيل جبهة معارضة (تحالف القوى العشرة) ولكن هذا التحالف/الجبهة لم ينجح ولم يستمر طويلا، وهو أصلا ضم بعض الفصائل الصغيرة التي ليس لها أنصار كُثر في الداخل، وتفتقد الرصيد الشعبي تماما.

ولأن التحالف جاء من منطلق رد الفعل، ولم تملك الحركة ولا من تحالفوا معها خطة عمل قابلة للتنفيذ، وهو أشبه بمؤتمر صحفي لإعلان الموقف من الاتفاق.

وكانت حماس قد صعدت وكثفت من نشاطها العسكري ضد قوات الاحتلال والمستوطنين في كافة أنحاء فلسطين الانتدابية، ووجهت ضربات مؤلمة وقاسية أفقدت قادة الكيان السياسيين والأمنيين صوابهم.

ولم تتردد حماس عن الإعلان صراحة وفي كل مناسبة أنها تريد إسقاط الاتفاق، ولكن دون الانجرار إلى مربع الحرب الأهلية والصدام مع السلطة، وأنها ستواصل المقاومة المسلحة بلا تردد.

وهنا ثمة سؤال كثيرا ما يطرحه ساسة وإعلاميون ومراقبون:هل كانت حماس تهدف من وراء عملياتها خاصة الاستشهادية إلى عرقلة الاتفاق وتثبيطه وإفشاله، أم أن هذه العمليات كانت في سياق العلاقة الطبيعية بين الشعب الواقع تحت الاحتلال والقوة المحتلة؟

وبعد مرور كل هذه السنين، لا يجوز الإجابة عن هذا السؤال وفق (اختيار إجابة واحدة) فالمسألة معقدة ومركبة كثيرا.

فحماس كانت قد شرعت في تنفيذ العمليات قبل توقيع الاتفاق، وحين تسلمت السلطة مسؤولياتها واصلت العمل، ولكن مع وجود حوارات ومداولات مع السلطة التي كانت رؤيتها أن مثل هذه العمليات تمنح إسرائيل ذريعة للتنصل من استحقاقات مسار التسوية وما تم الاتفاق عليه، وأن على السلطة التزامات وتعهدات وضغوط هائلة كي توقف هذه العمليات.

وكان من الملاحظ أن حماس كانت تباعد زمنيا بين العمليات ربما مراعاة لحساسية الظرف الجديد الذي صارت إليه المناطق المحتلة، وأيضا من باب التخفيف النسبي عن الأهالي، حيث أن الاحتلال الذي من صلب سياساته (العقاب الجماعي) كان يعمد إلى إغلاق الضفة والقطاع ومنع العمال الفلسطينيين بمن فيهم حملة التصاريح من دخول (الخط الأخضر) وهو ما كان ينعكس سلبا على الحالة الاقتصادية الهشة أصلا.

ومع أن حماس انتهجت هذه السياسة التي ربما أشعرت جميع الأطراف بنوع من الارتياح النسبي، أو التفاهم الضمني، فإن الاحتلال استمر في سياساته العدوانية؛ فمثلا أوقفت حماس العمليات مدة ستة أشهر متواصلة، ولكن المخابرات الصهيونية قامت وبعد تخطيط وترصد طويل بعملية اغتيال غادرة للمهندس (يحيى عياش) في بيت لاهيا شمال قطاع غزة، بتفجير هاتفه النقال الذي زرعت فيه متفجرات خاصة عن طريق أحد عملائها، أثناء مكالمة بين عياش ووالده، فتعهدت حماس التي ثار غضبها كثيرا، برد قاس على هذا الاغتيال اللئيم، وقد عزز قرارها بالرد، مطالبات جماهيرية واسعة في الداخل والخارج بأن لا يذهب دم العياش هدرا، وأن  ترد على الدم بالدم.

ونفذت حماس عمليات الثأر فعلا بعد شهرين، وهو ما أدى إلى توتر العلاقات وتوقف الحوارات بينها وبين السلطة، واعتقال مئات من قادة وعناصر وأنصار حماس والجهاد الإسلامي، واستنفار دولي قادته الولايات المتحدة ضد ما يسمى(الإرهاب) وهو المصطلح الفضفاض الذي تستخدمه واشنطن، ومعها الكيان بالطبع لتجريم المقاومة ومن يناصرها.

شمعون بيريز الذي شغل منصب رئاسة الوزراء إلى حين انعقاد انتخابات جديدة خسرها أمام نتنياهو بالاقتراع المباشر على المنصب لأول مرة في تاريخ الانتخابات الإسرائيلية، صرح بأن من أفشله في الانتخابات هي حماس وليس نتنياهو!

ومن المنطق والمنظور السياسي البحت هل كان يمكن لحماس أن ترى بيريز يرأس حكومة العدو، وعلى يده دماء يحيى عياش(إضافة إلى دماء أهالي قانا جنوب لبنان) كدعاية انتخابية يفاخر بها؟بالطبع لا.

ولكن هذا يفتح بابا آخر للنقاش وهو:لو فاز بيريز وقتها، هل كان سيتقدم في مسار المفاوضات والتسوية مع الجانب الفلسطيني؟لا، بل كان كعادته سيكتفي بالكلام المعسول والابتسام أمام الكاميرات، وأصلا كل ما كان يعنيه من تبريد الجبهة الفلسطينية، هو بناء ما أسماه (شرق أوسط جديد) يقوم على تسخير الموارد والثروات العربية والأيدي العاملة فيها ومياه تركيا لخدمة اقتصاد ورفاهية وهيمنة الكيان، وما كان سيعطي الفلسطينيين شيئا، وحتى لو فكر بذلك فلن يستطيع في ظل صعود مجموعة أمنية-عسكرية صارت تيارا مؤثرا، يمسك حاليا بزمام القرار السياسي في الكيان، وسآتي إلى هذه المسألة في مقال لاحق، ضمن هذه السلسلة، بعون الله.

أما الجانب الآخر من الصورة عند الإجابة عن السؤال عن عمليات حماس وأهدافها، فهو أن منطق الأشياء يقول أن حركة تعهدت علنا بإفشال الاتفاق مع تجنب الفتنة والصدام الداخلي، ستقوم بضربات من هذا النوع، فالسياسة ومنطق التدافع يقر هذه المعادلة...بل وقتها سمعت حتى من بعض نشطاء فتح أن هذا يعتبر(انسجاما مع الذات) والتزاما بالنهد السياسي.

ولقد استمرت الحوارات بين الفينة والأخرى بين السلطة وحماس وغيرها من الحركات والفصائل، وفي مرة جرى ترتيب لقاء بين قادة من حماس حضروا من غزة إلى الضفة، وطلبوا من قادة حماس في الضفة وقف العمل العسكري، فكان رد قادة الضفة هو رفض هذه الفكرة تماما، وقد يبدو هذا الأمر غريبا الآن، ولكن هذا ما حدث فعلا.

وقد كانت خلايا حماس في الضفة هي التي تقوم بالعمليات تخطيطا وتجنيدا وتنفيذا، حيث توقفت العمليات من غزة، بل إن تنظيم حماس في غزة كان مفككا تقريبا، حتى الإفراج عن الشيخ أحمد ياسين-رحمه الله- بل شكلت حماس في غزة (حزب الخلاص الوطني الإسلامي) ولم يجد الحزب الجديد استجابة من معظم قادة الحركة في الضفة ولا من السواد الأعظم من قواعدها...ناهيك عن كون القرار السياسي الحاسم في خيارات حماس كان بيد قادتها في الخارج في تلك الفترة.

 الجهاد الإسلامي...تحالف مع حماس لا يخلو من مخاوف!

حركة الجهاد الإسلامي بنت تحالفا قويا مع حماس، وكان بين الحركتين توافق سياسي تام، على قاعدة رفض الاتفاق بطبيعة الحال، ولأنهما تستندان إلى نفس الخلفية الأيديولوجية، والأهم لأنهما قررتا الاستمرار بالعمل العسكري ضد الاحتلال، وتعزيز أسلوب العمليات الاستشهادية.

وكانت لغة الجهاد الإسلامي ضد الاتفاق أكثر قسوة وصخبا وحدة  من نظيرتها عند حماس، ويمكن رصد ذلك مثلا بما كان ينشر في صحيفة(الاستقلال) التابعة للجهاد، مقارنة مع ما كان ينشر في الصحيفة التابعة لحماس(الرسالة).

ولكن حجم الانتشار الجماهيري للجهاد كان محدودا وأقل تأثيرا من فتح وحماس خاصة في الضفة الغربية، وفي السجون الإسرائيلية وفي الجامعات، وقد تحالفت الكتلة التابعة للجهاد في بعض الجامعات مع الكتلة الإسلامية في بعض الجامعات.

ونظّر الجهاد الإسلامي للوحدة مع حماس على أساس(التعدد لا الاندماج) وكان الجهاد يتوجس خيفة من أن تقوم حماس بالتراجع عن موقفها المناوئ لاتفاق أوسلو، ذلك لأن حماس هي فرع وجناح للإخوان المسلمين، وترى الجهاد أن الإخوان عادة يلجأون إلى ما تعتبره مهادنة، وعمل تحت ظل النظام القائم، وقبول ما يمنح لهم من مساحة عمل أو حصة في المؤسسات وغيرها، وربما عزز هذه المخاوف عند الجهاد ما صدر من مواقف وتصريحات من بعض قادة حماس، وأنه كلما تقدمت عملية التسوية فإن حماس ستعود إلى النهج الإخواني التقليدي.

وحتى البروفسور عبد الستار قاسم-رحمه الله-كتب أواخر تسعينيات القرن الماضي عن توقعاته للمستقبل بأن الجهاد الإسلامي سيظل وحيدا في رفض مسار أوسلو، وحماس ستعود إلى النهج التقليدي للإخوان المسلمين...ولكن هذا لم يحدث كما نعلم، وسآتي لتبيان الأسباب الرئيسة لفشل هذا التوقع/التحليل-الذي لا يخلو من وجاهة ومنطق- لاحقا.

إجمالا بقي عبء المقاومة المسلحة على كاهل حماس والجهاد الإسلامي بضع سنين، وما كان بمقدورهما، رغم قوة فعلهما المقاوم وتأثيره المؤلم على العدو أن يخلقا حالة جديدة من المقاومة التي تلتف الجماهير حولها، مثلما كان الحال عند تدخل فتح وقوى الأمن الفلسطينية، في بعض الأحداث مثل (هبة النفق) خلال تلك المرحلة...أما أطراف المعارضة الأخرى كالجبهات فلم يكن لها إلا قليل جدا من الإسهامات في ذلك الوقت.

وهذه العناوين أو النقاط وغيرها سأناقشها في المقالات التالية بعون الله تعالى ومشيئته.

،،،،

نشر في 23/10/2021

https://alqudscenter.info/articles/%D9%85%D8%B1%D8%AD%D9%84%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B7%D8%A7%D9%84%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%B6%D8%A7%D9%84%D9%8A%D8%A9-%D9%84%D9%84%D9%81%D8%B5%D8%A7%D8%A6%D9%84-%D9%88%D8%A7%D9%84%D9%82%D9%88%D9%89-%D8%A7%D9%84%D9%81%D9%84%D8%B3%D8%B7%D9%8A%D9%86%D9%8A%D9%86%D8%A9

 

 

مرحلة البطالة النضالية للفصائل والقوى الفلسطينينة

نشر في 10/10/2021


https://alqudscenter.info/articles/%D9%85%D8%B1%D8%AD%D9%84%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B7%D8%A7%D9%84%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%B6%D8%A7%D9%84%D9%8A%D8%A9-%D9%84%D9%84%D9%81%D8%B5%D8%A7%D8%A6%D9%84-%D9%88%D8%A7%D9%84%D9%82%D9%88%D9%89-%D8%A7%D9%84%D9%81%D9%84%D8%B3%D8%B7%D9%8A%D9%86%D9%8A%D9%86%D8%A9

 





بُعَيْد توقيع اتفاق إعلان المبادئ (أوسلو) في حدائق البيت الأبيض مباشرة، وجه الرئيس عرفات من مقر إقامته المؤقت في تونس رسالة إلى الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة بتطبيع الحياة، أي الطلب من الجماهير العودة إلى روتين الحياة اليومية الذي كان قبل 9/12/1987، وهذا الإعلان اعتبره مؤرخون ومراقبون التاريخ الرسمي الفعلي لنهاية انتفاضة الحجارة بعد سنوات ست من المواجهات التي كانت تشتد أحيانًا وتخبو أحيانًا أخرى، مرفقة بنمط حياة جديد اعتاد عليه الناس.

ليس من السهل على الجمهور العودة عن نمط حياة اعتاده وصار نمطًا معيشيًّا يوميًّا، إلا بعد فترة من الزمن، ولهذا، حتى بعد انسحاب قوات الاحتلال من المدن، ووجود السلطة، اعتاد الناس مثلاً على إقفال محلاتهم التجارية بتصرف عفوي ألفته نفوسهم مع ساعات العصر.

وبقي إضراب التاسع من كل شهر، الذي تتشارك في الإعلان عنه عدة فصائل، قائمًا حتى انسحاب قوات الاحتلال تقريبًا، ومع ذلك بدأ الجو العام يختلف مع شعور الناس بأنهم أمام مرحلة جديدة مختلفة عمّا كان في بضع سنين خلت، وبدأ الجميع، سواء من هو متفائل أو متشائم أو (متشائل)، يترقب، ويضع سيناريوهات محتملة عن طبيعة المرحلة القادمة.

أما الفصائل والقوى والحركات الفلسطينية التي فعليًّا قادت وحركت فعاليات الانتفاضة وأدارت بطريقة أو بأخرى الحياة اليومية للناس في مناطق الضفة وغزة، فقد دخلت ما يمكن أن نسميه مرحلة (البطالة النضالية)، ذلك أن طابع الانتفاضة عمومًا أوجد حالة من انخراط مجموعات كبيرة من الشبان والفتية في صفوف الفصائل وفق سياقات معينة، قد تكون لكل منطقة أو تجمع سكاني خصوصية ظروف مختلفة عند الالتحاق بأي فصيل، يدركها كل فلسطيني في الداخل.

وعمومًا فإنّ المنخرطين في الفصائل؛ كان شغلهم الشاغل فعاليات الانتفاضة المختلفة، مثل الإضرابات ورشق جنود الاحتلال بالحجارة ووضع المتاريس والكتابة على الجدران وملاحقة العملاء، والمظاهرات والمسيرات، وما تتطلبه هذه الفعاليات عمومًا من مظاهر؛ مثل ارتداء اللثام أو القناع، وبالتأكيد محاولة جلب عناصر جديدة لفصائلهم (الاستقطاب).

المرحلة الجديدة خلقت. أو فرضت، واقعًا جديدًا، كما أوجدت تغيرات اجتماعية ملحوظة، أزعم أن المهتمين بالمقاومة قد تجاهلوها أو أهملوها، ولم يدركوا مدى وعمق تأثيرها على المقاومة فكرة أو ممارسة.

وحالة (التحزّب)، إذا جاز الوصف، خلقت عند الجمهور نوعًا من الظنّ، بل أحيانًا الاعتقاد، بأنّ كل فرد لا بد أن يكون منتسبًا أو محسوبًا على فصيل ما، وحتى حينما يجدون بيتًا فيه بضعة أشقاء ليس لهم كما يقال شيء (في العير أو النفير)، كانوا يركّبون لهم انتماء ظنيًّا لا يخلو من الطرافة أو شطحات الخيال!

وهذا غير دقيق فثمة من هم فعلاً في ذروة المواجهات وعند خفوت وهجها، من حرصوا بشدّة على ألا يُصنفوا ضمن أيّ إطار سياسي، وهناك بعض أرباب الأسر من استخدموا الشدّة لإبعاد أبنائهم عن المشاركة في أيّ فعالية ضد الاحتلال ولو كانت تشييع جثمان شهيد، فضلاً عن إبعادهم عن حالة الاستقطاب والتحزب السائدة.

الحالة الجديدة جعلت عناصر وكوادر الفصائل في وضع (بطالة نضالية)، فبعد انسحاب قوات الاحتلال من مراكز المدن، وتراجع احتكاكها بالسكان، لم يعد لعناصر التنظيمات وكوادرها، نشاط، إلا فعاليات محدودة، متباعدة زمنيًّا.

قلت في مقالة سابقة إنّ ظاهرة عسكرة الانتفاضة تصاعدت، وطبعًا ليس من الممكن بحال من الأحوال، في ظروف الشعب الفلسطيني في الداخل، أن ينخرط كل عنصر في العمل المسلح، والذي اضطلعت به خلايا صغيرة، موزعة على مناطق الضفة الغربية (بما فيها القدس) وقطاع غزة.

وفعليًّا بعد تطبيق اتفاق أوسلو، وتسلم السلطة مسؤوليات التجمعات السكانية الكبرى، اقتصرت الحالة النضالية أو المقاومة إجمالاً، على عمليات عسكرية غالبها (استشهادية) تنفذها كل من حركة حماس وحركة الجهاد الإسلامي، فعمليا لم يعد لعناصر الحركتين من غير العسكريين، إلا هامشًا محدودًا من العمل النضالي، اقتصر أغلبه على العمل الطلابي، وبقية عناصر الفصائل الأخرى لا يختلفون عن الحركتين، نظرًا لتشابه النشاط المقاوم في السنوات الست الماضية.

ودعونا نستعرض بعضًا من أحوال الفصائل والقوى في تلك المرحلة، مع التأكيد أن المرحلة الجديدة نزعت من الفصائل فعليًّا قيادة الجماهير وتوجيهها، وحتى بعد ذلك وإلى الآن، لم تتمكن الفصائل والقوى السياسية أيًّا كانت من استعادة دورها الحاسم المركزي الذي كان لها في فترة انتفاضة الحجارة، وحيث إن المجال لا يتسع؛ سأبدأ في هذا المقال بحركة فتح على أن أتحدث عن القوى والفصائل الأخرى في مقال أو مقالات لاحقة بعون الله وتوفيقه.

حركة فتح...مرحلة مختلفة نوعيًّا

أعلنت حركة فتح بأغلبية ملحوظة تأييد اتفاق أوسلو، باعتباره ممرًا إجباريًّا نحو إقامة دولة فلسطينية مستقلة، وأنه في ظل الظرف الدولي (أحادية القطبية الأمريكية بعيد انهيار الاتحاد السوفياتي) والإقليمي والعربي (نتائج حرب الكويت وتدمير الجيش العراقي) ليس من الممكن تحصيل شيء أكبر في هذه المرحلة، وأن (البندقية تزرع والسياسة تحصد) و(البندقية غير المسيسة قاطعة طريق) وأن على الجماهير الالتفاف حول القيادة التاريخية لمنظمة التحرير، وأن الاتفاق وإن كان محفوفًا بالمخاطر، وطريقه مزروع بالألغام، فإنّ شعبنا واع وعنيد ولن يسمح بإضاعة ثوابته الوطنية، وأن قضايا الوضع النهائي (القدس واللاجئين والحدود) ستناقش ويتفاوض عليها فيما بعد انتهاء المرحلة الانتقالية التي ستنتهي رسميا في 1999، ودعونا نعتبر هذه الفترة نوعًا من استراحة المحارب، وفق تلخيص مجمل الخطاب الفتحاوي المدافع عن الاتفاق آنذاك.

كما استخدمت فتح خطابًا اعتبر جديدًا على مفرداتها الثورية المعتادة التي كانت تركز على التحرير والكفاح المسلح، حول أهمية وضرورة بناء الوطن والمؤسسات، وأن المستقبل يبشر بالخير، نظرًا لتميز الإنسان الفلسطيني، فهو الذي ساهم في إعمار وبناء وازدهار العديد من الدول العربية التي كانت في حالة صعبة، فكيف عندما تحين له فرصة لبناء وطنه؟! ففلسطين فيتنام اليوم وسنغافورة (أو يابان) الغد وفق يافطات علقت في أماكن بارزة في غير مدينة في الضفة الغربية.

وانخرط كثير من قادة وكوادر وعناصر فتح في مؤسسات السلطة المدنية والأمنية، إلى درجة يبدو تعبير أن حركة فتح هي (العمود الفقري) للسلطة صحيحًا بنسبة كبيرة.

كان هناك بعض الأصوات المعارضة بصخب للاتفاق داخل حركة فتح، وعمدت حركة حماس عبر ما أتيح لها من منابر أن تبرز هذه الأصوات في إطار التحشيد الذي تمارسه لمعارضة الاتفاق، ومحاولة تجييش الجمهور ضده، ولكن بعض نشطاء اليسار (الجبهات تحديدًا) اعتبروا أن المعارضة داخل فتح تأتي في سياق (توزيع الأدوار) ومن أجل احتواء المعارضة.

وحقيقة كانت المعارضة للاتفاق داخل فتح متنوعة الدوافع والأسباب ومن غير الموضوعي وصفها بصفة واحدة أو تبني تحليل أحادي تجاهها، ولكن مع مرور الوقت انكمش المعارضون الفتحاويون، لأن تطور الأوضاع لم يعد في سياق (نعم) أو (لا) للاتفاق فقد حصلت تطورات جديدة تتجاوز فكرة المعارضة الجوهرية، وصار المعارضون ضمن (السستم) بطريقة أو بأخرى.

واختيار حركة فتح تجميد الفعل المقاوم لإعطاء فرصة للاتفاق، أدخل المقاومة في مرحلة حرجة عموما، وحوّلها إلى مقاومة فصائلية (ترتكز على حماس والجهاد الإسلامي) وأخرجها من الإطار الشعبي العام، ذلك أن حركة فتح لها جمهور واسع من الأنصار والمؤيدين، وهي التي قادت فعليًّا النضال الفلسطيني لعقود طويلة، ونشأت أجيال فلسطينية، على مفردات الحركة ورموزها وبطولاتها ومعاركها، وقصص شهدائها، وتواءمت نفسيًّا مع سرديتها للصراع والعلاقات الفلسطينية مع العرب وغيرهم.

والآن الحركة التزمت باتفاق ترعاه دول كبرى وعظمى، وأدوات تأثيرها على الشارع لم تعد فقط بالبعد المستند إلى الإرث النضالي الطويل، بل بشيء رسمي معترف به، وله أذرع تنفيذية وتشريعية، ستؤثر على مجموع الفلسطينيين في مناطق السلطة التي تقودها بل حتى خارجها، فمن أيد ومن عارض ومن وقف على الحياد، تأثر مباشرة بالوضع الجديد بمخرجاته المتنوعة.

وقد عقدت السلطة انتخابات رئاسية وتشريعية في مطلع عام 1996 بعد شهور من تسلم السلطة مراكز المدن في الضفة الغربية، وبعد عام ونصف على انسحاب الاحتلال من معظم أرجاء قطاع غزة ومدينة أريحا، و فازت فتح بأغلبية مريحة في الانتخابات التشريعية، كما في الرئاسية، في ظل مقاطعة حماس والجهاد الإسلامي والجبهات لتلك الانتخابات، وفي تقديري أنه حتى لو شاركوا فيها مثلما كان لاحقًا في 2006 أيضًا لفازت فتح.

قبل أن أختم أود الإشارة إلى أن المعارضين للاتفاق وحتى بعض من أيدوه بشدة، قد وقع في خلدهم أن التراجع عنه أو فشله وانفجاره كليًّا وارد بل مؤكد، وهذا تفكير –لا أنكر أنه انتابني شخصيًّا لفترة ما- خاطئ، فالتاريخ لا يعود إلى الوراء والفشل والتفجير والتراجع سيكون لملفات معينة ولكن دون السماح بالعودة إلى ما قبل مرحلة التنفيذ فيما يخص حياة الناس ونظامهم الإداري.

ولو أن المعارضة فكرت من هذا المنطلق ربما لتجنبنا الوقوع في مطبات عدة، ولكن قدر الله وما شاء فعل.

مع مذكرات أخطر سفير إسرائيلي في مصر (1)

لدي قناعة أن ذهاب أنور السادات إلى خيار التسوية مع إسرائيل؛ و زيارته المشؤومة إلى القدس في 1977 وصولا إلى توقيع اتفاقات كامب ديفيد في 1979 ه...