الجمعة، أبريل 15، 2022

رمضان فرصة ثمينة وعملية للتغيير

 رمضان فرصة ثمينة وعملية للتغيير













لا بد أنك تعمد أحيانا إلى إعادة ضبط الهاتف المحمول بعد استخدامه بكثافة أو تثبيت تطبيقات جديدة عليه أو وجود ضعف في سرعته وأدائه أو ما شابه، وبالتأكيد قمت بعمل "إعادة ضبط" لجهاز "الراوتر" بناء على طلب موظف الشركة المزوِّدة بالإنترنت أو باجتهاد شخصي منك، لتحسين الأداء أو لتمكين الاتصال والتحميل وغير ذلك.

وهناك أجهزة وأمور كثيرة نقوم بعمل إعادة ضبط لها بما في ذلك أجسادنا، مثلا نقوم بإغماض العينين وفتحهما بعد مجهود بصري، ونقوم بعمل حركات معينة لتنشيط الأعضاء، أو نغسل وجوهنا أو نأخذ حماما باردا أو ساخنا لتجديد النشاط.

وبهذا الاعتبار يمكن أن ننظر إلى شهر رمضان المبارك، فهو بمثابة إعادة تجديد أو إعادة ضبط لأمور حياتنا الروحية والجسدية والعقلية وصولا إلى الأمور الاقتصادية والتعليمية.

أعلم أن هناك آلافا مؤلفة من الكتب والدراسات والمقالات والمواد المرئية والمسموعة حول الصيام وحول شهر رمضان، وهي زاخرة بالفوائد المختلفة، سواء التي تتناول الصيام وهذا الشهر من الناحية الفقهية أو الوعظية، أو الطبية والصحية، أو التاريخية (رمضان شهر الانتصارات والفتوحات المشهودة عند المسلمين).

وفي هذه السطور لا مجال لكثير من التفصيلات، أو لإعادة حرفية لما سبق الحديث عنه، ولكن لأبدأ بعملية إعادة الضبط الرمضانية وماذا قصدت بذلك التشبيه أو الوصف.

يتناول المسلم الصائم السحور في وقت يسبق طلوع الفجر الصادق (الأذان الثاني)، وهذا يعني أن عليه الإفاقة من النوم، وربما يكون قد امتنع عن النوم حتى يتناول وجبة السحور ويصلي الفجر، ويفترض بالمسلم في رمضان أن يحرص على أداء الفروض الخمسة في المسجد جماعة، وأن يلتزم بصلاة التراويح بعد العشاء، وأن يجتهد في قراءة القرآن الكريم وختمه مرة على الأقل، مع ما يتطلبه ركن الصوم من امتناع عن المفطرات، ونتحدث عن عموم المسلمين وليس أصحاب الأعذار الصحية أو الاجتماعية أو المهنية أو الدراسية أو غيرها.

هذه عملية إنعاش للطاقات أو إعادة ضبط تجعل ما بقي من شهور السنة حتى رمضان الذي يليه إذا قدّر للمرء أن يكون من الأحياء أسهل وأكثر اعتيادا.

وكأن شهر رمضان هو دورة تدريبية مكثفة لمن أراد أن يجعله كذلك، فأنت في غير أيامه لست مضطرا لأن تفيق قبل الفجر الصادق، وهذا يعني أن أداءك فريضة الفجر في وقتها أسهل لو اتخذت رمضان محطة تجديد وشحن للطاقة، وسيسهل عليك أن تؤدي ما استطعت من فروض الجماعة في المسجد فقد كنت تجتهد في ذلك في الشهر الكريم، أما قراءتك للقرآن الكريم فليس أقل من صفحة في اليوم بعدما ختمته مرة وأكثر في رمضان، ولن تستثقل فريضة العشاء وقد كنت تؤديها وتمكث بعدها ما شاء الله حسب المسجد الذي تصلي فيه وطبيعة الإمام الذي يصلي بك صلاة التراويح.

هي أيام معدودات لا شك أنها "شاحن" للطاقة وفرصة لتعزيز الهمة ومحطة تنشيطية لا مثيل لها، ويحضرني مثل آخر على أسلوب الشحن والتجديد، إذ إن أحد المدرسين كان يضع أسئلة امتحانات لطلبته الذين كانوا يستعدون لتقديم امتحانات الثانوية العامة، وكانت أسئلته أصعب من التي جاءتهم عند امتحان الثانوية العامة، فسأله بعضهم عن الأمر وأضاف أنه عند مراجعة حتى أسئلة السنوات السابقة تبين أن أسئلتك يا أستاذنا أصعب منها، لماذا؟ فأجاب بثقة: نعم، أعرف هذا وقد تعمدت حتى تعتادوا على نمط أسئلتي وحين تأتيكم أسئلة الامتحان العام ترونها سهلة ولا تأخذ منكم وقتا أو جهدا، هل منا من نظر إلى شهر رمضان بهذه الطريقة؟ فليواصل من فعل، وليحاول ويجرب ويجتهد من لم يفعل.

ورمضان أيضا فرصة كبيرة سانحة لتجديد العهد مع الله ونيل المغفرة، وفي الحديث الذي أخرجه الترمذي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم "رَغِمَ أنف رجل دخل عليه رمضان ثم انسلخ قبل أن يُغفر له".

وكأن سهولة الحصول على العفو والمغفرة والعتق من النار أشبه ما تكون بتحصيل حاصل لمن عقد النية وعزم على أن يتعرض لنفحات الله في هذا الشهر المبارك.

أجواء مميزة

مغتربون في دول غربية يصرحون دوما أنهم لا يغبطون أهل بلادنا العربية والإسلامية إلا في شهر رمضان والعيدين، ويتحدثون بحسرة عن فقدانهم أجواء رمضان، فيما قد يشعرون براحة في غيره في غربتهم لأسباب عدة، هذا مع كل محاولاتهم في الغربة أن يحصّلوا بعضا من أجواء رمضان، والسبب كما هو معروف أن البلاد الغربية تظل فيها وتيرة وروتين ومظاهر الحياة على حالها.

وهذا ما يدفع بعضهم إلى ترتيب إجازته تزامنا مع رمضان كي يقضيها في وطنه وبين أهله وأقاربه، بل بعضهم قال إنه تعمد السفر إلى مدن عربية عريقة في أجوائها الرمضانية وأقام في نُزُل أو بيت مستأجر دون أن يكون له أقارب أو أعمال، فقط كي يستمتع بأجواء رمضان متنقلا بين المساجد وموائد الإفطار والأسواق.

أجواء رمضان من معالم الوحدة بين المسلمين، صحيح أن موعد بدء الشهر والخروج منه قد تختلف فيهما بعض الدول ولكن بعد اليوم الأول ومثلا عند نشر هذه المقالة كل الدول الإسلامية تنتشر فيها الأجواء الرمضانية، ويفطر المسلمون مع أذان المغرب ويمسكون مع الفجر، وصلاة التراويح تجمعهم يوميا وكأنها مثل يوم الجمعة أسبوعيا، وفي موضوع المأكولات صار لكل دولة طبقها الخاص بالشهر الفضيل وكأنه جزء من الهوية والثقافة، مما يجعل هذا الشهر نسيجا وناظما لمكوناتها المختلفة من شرقها إلى غربها.

الفوانيس والأضواء لم نكن نعرفها في طفولتنا، وأعني في بلدي ومحيطي وجيلي، ولا أعمم على الأجيال والمناطق الأخرى، وحاليا صارت كل البيوت تزدان بها، وحين أرى فرحة أولادي بها أحرص على تعليقها على النافذة مثلي مثل الجيران.

قد ينظر إلى هذا المظهر على أنه ليس من سنة السلف وفيه إسراف، قلت: الإسراف في هذا ليس موجودا، فهذه أسعارها بسيطة مقارنة بأشياء أخرى، ويمكن أن تظل لعدة سنوات تعلق في رمضان، وأيضا ثمة أمر لا يقل أهمية، وهو أننا في زمن صار الناس والنشء يطّلعون على الثقافات الأخرى بسهولة، وقد لاحظنا ذلك الاهتمام من كثير من المسلمين بشجرة عيد الميلاد، لدرجة أنه تم تداول طرفة عبر مواقع التواصل تظهر فيها صورة يتجمع المسلمون حول الشجرة وقد كتب عليها تعليق "ينقص الشجرة وحفل عيد الميلاد حضور إخوتنا في الوطن من المسيحيين!".

ونحن نقرأ في تاريخ القدس كيف أن عاملي الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان لفتوا نظره إلى تأثر أو إعجاب بعض المسلمين بعمارة وزخارف كنائس النصارى، فكان هذا سببا لبناء التحفة المعمارية التي يعرفها كل العالم، أي قبة الصخرة، فهل كان بناء القبة الرائعة إسرافا لا داعي له؟ ونحن نرى كيف أنها صارت من عناوين وأيقونات الرباط والجهاد والتضحية.

فأطفالنا يجب أن يكون لديهم شعور بالبهجة بأشياء محسوسة كالأضواء والفوانيس في رمضان، ومن الأشياء الخاطئة رجاء وأمنيات أن يكون إقبال الناس على الخير وصلاة الجماعة في غير رمضان كمثله، وهذه أمنية أو نقد لا يخلو من جهل، فإن لله نفحات منها نفحات الشهر المبارك، ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان أجود الناس وأجود ما يكون في رمضان كما في حديث البخاري عن ابن عباس.

وكان جبريل -عليه السلام- يتدارس معه القرآن في رمضان، فهذا شهر مميز عن بقية الشهور بأيامه ولياليه، وقد ورد عن الإمام الشافعي -رحمه الله- أنه كان يختم القرآن الكريم في رمضان 60 مرة، فالنبي والصحابة والتابعون والأئمة والعلماء والصالحون كانت عبادتهم وتطوعهم للخير في رمضان أكثر من غيره.

لكن النقد وصولا إلى الغضب هو من هجران القرآن بعد رمضان ولو أن يقرأ المسلم صفحة واحدة، وترك صلاة الجماعة عدا الجمعة ولو أن يصلي بضعة فروض في الأسبوع في المسجد، وغير ذلك من أعمال الخير والاجتهاد في العبادات والطاعات التي يحرص الناس عليها في رمضان، فإذا هلّ هلال شوال وما بعده تركوها وهجروها، هؤلاء لم تنجح معهم عملية "إعادة الضبط" هدانا وإياهم الله، هنا وجه النقد واللوم والتحذير، وليس أن نطلب ما لن يكون من وجود كل أوجه الخير في غير رمضان، وإلا فبمَ تتميز مواسم الخير، ومنها شهر رمضان؟

دعوة من جديد

في رمضان 1441 هـ (2019 م) كتبت هنا مقالة بعنوان "رمضان بنكهة فاكهة الطنطاوي وظلال سيّد ومجموعة الشريف"

وربما العنوان يعطي فكرة عنها لمن لا يريد مراجعتها، وهذا العام وفي رمضان الحالي حتى كتابة هذه السطور فقط أتابع حلقات الشيخ علي الطنطاوي، وقد بدأت ذلك في الثالث من رمضان وكأنني لأول مرة أراها، وفيها من الكنوز المفيدة ما لا يسعني شرحه، فأكرر دعوتي وأجددها لمتابعتها على يوتيوب أو غيره، إضافة بالطبع إلى مجموعة مقالات الشريف وظلال سيّد حسب وقت وظرف كل إنسان، نسأل الله أن يتقبل منا صلاتنا وصيامنا، وأن ينسلخ رمضان وقد غُفر لنا ما تقدم من ذنبنا.






الأحد، أبريل 03، 2022

الشيخ محمد زاهد الكوثري ومقالاته

 الشيخ محمد زاهد الكوثري ومقالاته






الشيخ محمد زاهد الكوثري ومقالاته  

 بقلم:سري سمور

عندما نظرت إلى سيرة شيخنا محمد زاهد الكوثري -رحمه الله- تحسرت على زمن كانت فيه مصر حاضنة العلماء والشيوخ، ومن بينهم الذين فرّوا بدينهم من بطش أعداء الدين؛ فقد احتضنت مصر (وكذا الشام) شيخ الإسلام في السلطنة العثمانية (مصطفى صبري) مثلما احتضنت شيخنا الكوثري رحمهما الله تعالى.

 

من الكوثري؟

أرى من واجبي إحياء ذكر الرجل، في ظل تتابع جيلين أو أكثر لم تسمع منه أو عنه، بل لربما تسمع من يطعن فيه وفي عقيدته ومنهجه، ويشكك في دينه، وهو أمر آلمني وحزّ في نفسي.

وهذه نبذة عامة مختصرة عن حياة شيخنا:-

ولد الشيخ العلامة محمد زاهد بن حسن الحلمي الكوثري ولد في (دوزجة) الواقعة إلى الشرق من إسطنبول في تركيا الحالية أواخر عهد السلطنة العثمانية وتحديدا في (1296هــ/1878م) لأسرة أصلها من القوقاز، ونسبة الكوثري تعود إلى (كوثر) أحد أجداده.

وتلقى (محمد زاهد) الفقه في جامع الفاتح وحاز على منصب (وكيل المشيخة الإسلامية أو وكيل الدرس) وهو ما يعادل أو يوازي منصب شيخ الأزهر في مصر.

وقد كان الشيخ محمد زاهد الكوثري -رحمه الله- متقنا للعربية والفارسية والتركية والشركسية، متبحرا في علوم الشريعة وما يسندها من علوم الآلة.

 

وكان عالما من الذين لا يخافون في الله لومة لائم، ولا يتردد أن يصدح بالحق، وأن يجهر بما ينصر الإسلام وأهله.

وبعد تضييق الكماليين الاتحاديين على أهل الدين وعلوم الشريعة ومدارسها وأوقافها واشتداد إجراءات العلمنة في تركيا، عُزل الكوثري من وكالة الدرس، ولكنه واصل ذوده عن حياض الدين والملّة، وفق ما هو متاح من أدوات ومخارج قانونية وعلاقات شخصية في ظل الحكم الجديد.

ولكن الكماليين كانوا قد استولوا على تركيا الجديدة ومؤسساتها، وأعلنوا حربا صريحة على ما يربطها بالإسلام وشريعته، خاصة علوم الفقه والعربية وغيرها، إلا من كان يمالئهم ويقرّ رغبا أو رهبا ما صاروا إليه من سنّ قوانين وتشريعات تسلخ الترك عن ماضيهم القريب والبعيد، وما أكثر مثل هؤلاء المشايخ في كل زمان ومكان، وما أقل أمثال شيخنا الذين لا يبيعون الدين بالدنيا، ولا يهادنون في أمور الشرع صاحب جاه أو سلطان كائنا من كان.

هنا فرّ الكوثري بدينه، حيث كان بين خيارين: السجن والعذاب بحيث لا ينتفع أحد بعلمه، أو مواكبة التيار ومهادنة العلمانيين، ووفق هذا الواقع الصعب اختار شيخنا الرحيل عن تركيا، رحيلا كان أولا إلى الإسكندرية في 1922 ثم تنقّل بين دمشق والقاهرة واستقر في القاهرة.

وقد توفي رحمه الله بحي العباسية في (1371هـ/ 1952م)، بعد 75 سنة تقريبا في هذه الدنيا، كابد فيها كيد أعداء الدين وأصحاب الأهواء في كل موضع حطت فيه رحاله، وصبر على فراق الأهل والزوجة والذرية، وتجرع مرارة موت الابن والبنات، وصبر واحتسب حين اشتد عليه المرض، وضيق العيش وقلة ذات اليد في الغربة، وهو الذي كان أيام توليه وكالة الدرس في تركيا، يتلقى عشرات القطع الذهبية راتبا شهريا.

 

فرحم الله الشيخ محمد زاهد الكوثري وجزاه خيرا عن المسلمين وعن صبره على البلاء خير الجزاء، ونفعنا الله بعلمه وجعلنا ممن يستن بسنته في الجهر بالحق.. اللهم آمين.

 

المقالات الكوثرية تفوح علما عاطرا نافعا؟

عند الحديث عن تراث شيخنا الكوثري، وهو حنفي المذهب حتى النخاع، ولكنه ناصر للمذاهب الأربعة باعتبارها عنوان وحدة وتماسك الأمة، وضد اللامذهبية التي يراها -وأوافقه تماما- أنها قنطرة اللادينية، وهذه بالمناسبة مقالة أو رسالة مسطورة في أحد ما ترك من كتب ولعله أبرز كتبه.

كتاب (مقالات الكوثري) وقد يسر الله لي منه نسخة مطبوعة صادرة عن المكتبة التوفيقية بالقاهرة، وهناك طبعات أخرى ونسح إلكترونية كثيرة من هذا الكتاب النفيس.

بضع وخمسون مقالة جمعت في هذا الكتاب من قلم الشيخ محمد زاهد الكوثري -رحمه الله- وقد قدم لهذه المجموعة القيّمة من المقالات كل من:

·     الشيخ (محمد يوسف البنوري) أستاذ الحديث بدار العلوم الإسلامية، باكستان، وذلك بعد سنتين من وفاة العلامة الكوثري؛ شرح فيها ماهية المقالات ومواضيعها، وكيف كانت فكرة جمعها.

·     الشيخ (محمد أبو زهرة) وكيل كلية الحقوق وأستاذ الشريعة في جامعة القاهرة (إبان تلك الفترة) حيث تناول نبذة عن سيرة الشيخ الكوثري ولقائه به وارتياده مجلسه، وعرضه عليه التدريس في برنامج دبلوم الشريعة التابع لكلية الحقوق في جامعة القاهرة، ولكن الشيخ الكوثري -رحمه الله- اعتذر بسبب ضعف بصره ومرضه ومرض زوجه، رغم إلحاح الأستاذ محمد أبو زهرة عليه لقبول التدريس، وقد أخبره العلامة الكوثري حينما زاره في البيت أنه يريد أن يكون في موضع الدرس قويا لا ضعيفا، ومرضه ومرض زوجه عامل ضعف، فوجب الاعتذار.

·     الشيخ (محمد إسماعيل عبد رب النبي) واعظ القاهرة حيث تحدث عن بعض مزايا الشيخ الكوثري، وكيف أنه أجازه إجازة عامة شاملة أن يروي عنه جميع ما يصح له من حديث وتفسير وفقه وأصول.

وأما المقالات بين دفتي الكتاب فأنا أتوقف مكتفيا بما قاله الشيخ البنوري عن طبيعة كتابات الكوثري "إنما يكتب صفوة ولبابا، وروحا وجوهرا، لا يمكن لأحد أن يلخص كلامه".

فتلخيص المقالات خاصة في هذه المساحة أمر متعذر، بل وجب على المختص وغير المختص في علوم الشريعة أن يقرأها، بدل المرة مرات، ليس لأنها معقدة وصعبة بالضرورة، ولكن لأنها جمعت عصارة قراءات وأبحاث الكوثري المتعددة في علوم الدين، فكما قيل فإن الكوثري يبدو وكأن تراث الأمة كله اجتمع بين يديه؛ والمقالات تضم مباحث مختلفة في علوم الشريعة كالحديث والفقه والعقيدة وغيرها، تجلت فيها نباهة الكوثري وإخلاصه وتفانيه وصونه للعلم وحرصه وغيرته على الإسلام.

فهذه دعوة أوجهها للمختص والمهتم والمسلم العادي أن ينهل من تراث الكوثري ويبدأ بمقالاته، ولو اقتصر عليها لانشغال أو فتور نفس فلا بأس.

والمهم ألا تنخدعوا ولا تصدقوا ما قاله ويقوله عنه الحاقدون والحسّاد، ومن نصّبوا أنفسهم أصحاب حق بدعوى حجة الدليل المزعومة قاصدين ومستهدفين شطب وتجاوز المذاهب الأربعة التي بمثابة سياج وخيط ناظم للملّة والفقه.

،،،،،،

تم النشر الإثنين   28-3-2022م

https://www.aljazeera.net/blogs/2022/3/28/%D8%A7%D9%84%D8%B4%D9%8A%D8%AE-%D9%85%D8%AD%D9%85%D8%AF-%D8%B2%D8%A7%D9%87%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D9%83%D9%88%D8%AB%D8%B1%D9%8A-%D9%88%D9%85%D9%82%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%AA%D9%87


أدب الاختلاف في مسائل العلم والدين

 أدب الاختلاف في مسائل العلم والدين







أدب الاختلاف في مسائل العلم والدين

 بقلم:سري سمور

 

كنت قد استعرضت أحد كتب الشيخ (محمد عوامة) حفظه الله ونفعنا بعلمه، وهو من علماء حلب الشهباء، في العام الماضي وكان الكتاب هو:-

أثر الحديث في اختلاف الفقهاء..

وأستعرض هنا من جديد كتابا آخر من كتب فضيلة الشيخ(محمد عوامة) ألا وهو:-

(أدب الاختلاف في مسائل العلم والدين)

وقد يسر الله لي قراءة الطبعة الثالثة منه (1428هـ،2007م) الصدارة عن دار اليسر للنشر-المدينة المنورة، وقامت بطباعته وإخراجه دار قرطبة للطباعة والنشر والتوزيع-بيروت-لبنان، والكتاب يقع في 250 صفحة من القطع المتوسط.

ولأن المرء يرى ويسمع ما يخلّ بأدب الاختلاف بين أهل العلم وطلبته ومريدي الشيوخ والعلماء، من مختلف المدارس، حيث استسهل بعضهم التبديع والتشنيع على الآخر، وكأنه ليس من أهل الملة، ومهما كان من خلاف فإنه لا يمسّ الأصول، ولو فرضنا أن ثمة فهم مختلف للأصول، فإن أساس الاختلاف هو الحوار بالتي هي أحسن حتى مع من ليسوا من أهل القبلة، فكيف بين المسلمين أنفسهم؟

ولقد سهلت مواقع التواصل الاجتماعي على نفر من الناس استسهال المسّ والإخلال بأدب الاختلاف في مسائل العلم والدين.

رأيت أن أكتب تلخيصا لمن يهتم أو من لا جَلَد لديه للقراءة للكتاب المذكور:-

قسّم المؤلف كتابه إلى أربعة جوانب هي:-

 1)تعريف الاختلاف والفرق بينه وبين الخلاف ومجالاته حكمه وشروطه.

 2)تعريف الأدب ومعناه وأهميته وأدب الاختلاف وبعض نماذجه من واقع الأئمة. 3)جواب شبهات على ما ورد فيما سبق(1+2).

 4)سبل النجاة والخلاص من الواقع المؤلم.

وتعريف الاختلاف: أن يأخذ كل واحد طريقا(قولا أو فعلا) غير طريق الآخر من غير تنازع ولا شقاق، أو بتعبير معاصر اختلاف الوسائل ووحدة الغايات.

وهو غير الخلاف الذي هو أعمّ من الضدية، حيث الوسائل والغايات كلاهما مختلفة، والاختلاف من آثار الرحمة ويستند إلى دليل، بينما الخلاف من آثار البدعة ولا يستند إلى دليل وهو ما يقع في ما لا محل للاجتهاد فيه، فالاختلاف محمود والخلاف شرّ كما قال ابن مسعود-رضي الله عنه-ولذا يقول أهل العلم:هذا اختلاف لا خلاف، ومجالات بحث الكاتب هنا في اختلاف الأديان والفرق والفروع الفقهية.

ولقد بيّن الكاتب ببعض الأمثلة أن الصحابة اختلفوا في بعض المسائل الفقهية مثل:هل رأى النبي-صلى الله عليه وسلم- الله تعالى ليلة الإسراء والمعراج؟

ولم يكن هناك سعي لحمل الأمة على رأي واحد، فهذا مناف للفطرة والسعة وطبيعة أفهام الناس، وقد رفض الإمام مالك جعل (الموطأ )كتاب الأمة.

وللاختلاف المشروع شرطان اثنان هما:موضع الاجتهاد أي كل حكم شرعي ليس فيه دليل قطعي، وأهلية المخالف وتأهله علما وتأهله ديانة وصلاحا، فلا يؤخذ العلم إلا من أهل التقوى وحسن العبادة.

والأدب له تعريفات عدة منها أن كلمة الأدب تجمع كل خصال الخير، والسلف يسمونه الهدي أي السيرة العامة والخاصة وقد حرصوا على الأدب مع العلم لأن العلم بلا أدب كالنار بلا حطب، والأدب بلا علم كالروح بلا جسد، وقد ضرب الكاتب أمثلة عدة في أدب العلماء مع بعضهم فيما اختلفوا فيه، مثل طلب الأوزاعي من ابن المبارك أن يستكثر من أبي حنيفة بعدما تبين له الحق(كان الأوزاعي قد حذر من أبي حنيفة باعتباره مبتدعا!).

 وكذلك كتاب مالك إلى الليث بن سعد ورد الليث عليه، ومن المعاصرين ما كان من خلاف الشيخين مصطفى صبري و محمد الكوثري في الجبر والاختيار ومع ذلك كانا يتزاوران، والإنصاف من أدب الاختلاف ودون محاباة لقرابة أو صلة مال أو رغبة أو رهبة؛ ومن أمثلة ذلك أن عفان بن مسلم منع عنه العطاء وقت فتنة القرآن وكان معيلا لعدد كبير من الأفراد فما تزحزح عن الحق.

قلت:فانظر الآن كيف بمن درس العلم الشرعي وترقى في سلّم وظائفه كيف يحابي الطغاة لعرض زائل، وهو لو تخلى عن منصب أو وظيفة لن يكون في ضيق عيش، بل لربما لن يخسر سوى بعض الحوافز والبدلات!

ورد الكاتب على شبهات عدة منها أن الاختلاف رحمة وتوسعة وخاصة ما ذهب إليه ابن حزم بأن عكس الرحمة السخط، وعليه تضعيف الحديث(اختلاف أمتي رحمة)، والمقصود هنا هو الاختلاف في الفروع لا في أصول الدين والعقائد، وناقش مقولة(مذهبنا صواب ويحتمل الخطأ و ومذهب غيرنا خطأ ويحتمل الصواب) وأنها لسان حال الإمام المجتهد كما قال الطحاوي.

 كما لا يجوز للعامة الخوض فيما ورد عن بعضهم من كلمات نابية تجاه بعض نظرا للشك في الروايات ولأن الحالات مخصوصة إذا صحت (مثل قصة ابن ذئب ومالك والخليفة أبي جعفر المنصور) ، فنقع في قلة أدب مع جهل مركب.

ويتحسر الشيخ محمد عوامة على واقعنا الذي انتشرت فيه الردود حتى ممن هو ليس أهلا لكتابة كلمة في دين الله، والخلاص من هذا الواقع يكون بالعودة إلى سير السلف في العلم والتعليم والعمل؛ وشدد على أهمية تلقي العلم عن شيخ، أو ما يعرف بالمزاحمة بالركب، لأن المتلقي عن شيخ يتأدب بأدبه، ويقل عنده اللغط والخطأ، فالمطلوب طول الصحبة وطول الطلب، وكثرة المراجعة وتتبع عبارات العلماء، ومن لم يصحب العلماء زمنا طويلا ويتأدب بأدبهم، لا يتصور منه معرفة قيمة العلماء، وبالتالي يطول لسانه وقلمه عليهم، ولا يعرف أدب الاختلاف المحمود.

 وأما التعليم فنهج السلف تربية الطلبة على صغار المسائل قبل كبارها والتدرج معهم، ومن هنا جاء وصف العالم الرباني، ودأب السلف على كتابة المتون وتدريسها للمتعلمين حتى إذا أتقنوها انتقلوا إلى ما بعدها، والمتون تعنى بأمهات المسائل، وتبتعد عن التفريعات، وانتقد الشيخ عوامة حال هذه الأيام حيث يبدأ المتعلم بكتب مثل سبل السلام ثم نيل الأوطار ثم المحلّى، فلا يكون هناك أدب اختلاف، بل جرأة على العلماء، وتحريض على الخروج عن المذاهب الأربعة بل الأربعين!

نظرا لما في المحلّى من تطاول على الأئمة.

كما عرّج على محمد عبده وجرأته على أئمة الأمة وعلمائها هو وأبناء مدرسته..ويوصي الشيخ عوامة بضرورة اتباع نهج السلف في الاختلاف، وعدم الانجرار وراء السفه، وأن يتحرّى المختلفون في ردودهم إحقاق الحق وتبيينه، دون تشهير بالأشخاص أو المدارس، حيث هذا السائد مما يظهر انعدام الإخلاص.

هذا باختصار ما تيسر لي في تلخيص أو استعراض أبرز ما في كتاب فضيلة الشيخ من نفائس وفوائد، ولو كنت ناصحا لنصت بقراءته وعدم الاكتفاء بالتلخيص، ولكن لا بأس أن آتي من صفحاته بقبس كما حاولت وتبدى لي في السطور أعلاه.

نسأل الله تعالى أن يعلمنا ما ينفعنا وينفعنا بما علمنا.

،،،،،

تم النشر الأحد 5 رجب  1443هـ ، 6/2/2022م

https://www.aljazeera.net/blogs/2022/2/7/%D9%8A%D8%A7-%D9%88%D9%8A%D9%84%D9%86%D8%A7-%D8%A7%D9%86-%D9%84%D9%85-%D9%86%D8%AE%D8%AA%D9%84%D9%81

 

 

 

 

 



السبت، أبريل 02، 2022

لماذا إسرائيل فقط؟

 لماذا إسرائيل فقط؟







لماذا إسرائيل فقط؟

 بقلم:سري سمور

}إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ ۖ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا ۚ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا {-سورة الإسراء 7

بناء على حسابات رقمية واعتبارات لأحداث تاريخية، قام الشيخ(بسام نهاد جرّار) وهو أحد الشيوخ المعروفين بنشاطهم الفكري، والنباهة والتميز في تفسير القرآن الكريم، ومؤسس ومدير (مركز نون للدراسات القرآنية) في مدينة البيرة/ رام الله في الضفة الغربية الفلسطينية المحتلة، بطرح(نبوءة) خلاصتها أن إسرائيل ستزول في هذا العام 2022م(1443ه).

كان ذلك قبل حوالي 30 عاماً، وقد سطّر هذه النبوءة في كتاب مطبوع ومتوفر منه نسخة إلكترونية، وشرحها الشيخ وناقشها في كثير من المساجد والجامعات والمراكز وعبر شاشات بعض القنوات الفضائية؛ وأنا هنا أحيل من يريد التعرف أو الاستزادة إلى مصادرها، ومصادر من يعترض عليها أو يتحفظ أو استشكل عليه شيء، أيضاً موجودة في مواقع وصفحات كثيرة.

أما الشيخ (أحمد ياسين) في شهادته على العصر مع الإعلامي في قناة الجزيرة(أحمد منصور) قبل حوالي ربع قرن فقد قال بأنه في عام 2027م لن يكون هناك إسرائيل، وكانت رؤية الشيخ أحمد ياسين-رحمه الله- تقوم على تغير الأجيال.

https://www.youtube.com/watch?v=CjpeJ4IOgjQ

وفي ذروة انتفاضة الأقصى وتداعياتها كتب(أبراهام بورغ) رئيس الكنيست الإسرائيلي(البرلمان) في الفترة(1999-2003) مقالاً قال فيه "أننا يجب أن نبحث لنا عن مكان آخر نعيش فيه" وكان هذا في سنة 2002 مما عزز إمكانية زوال وتفكك الكيان العبري في 2022، وقد تناولت قناة الجزيرة مع ضيفها الخبير في الحركة الصهيونية الراحل د.عبد الوهاب المسيري ما قاله بورغ أيضا:-

https://www.youtube.com/watch?v=pln0QuwAtuY

 

قبل عشرة أعوام وتحديداً في 2012 نقل  عن (هنري كيسنجر) ثعلب السياسة الأمريكية أنه لن يكون هناك(إسرائيل) بعد عشر سنين.

وفي ذات العام قدمت مؤسسات استخباراتية أمريكية تقريراً إلى بارك أوباما أن إسرائيل بعد عقد من الزمن(أي في 2022) لن تكون موجودة.

وللأمانة في النقل فإن ما نسب إلى كيسنجر وإلى وكالات استخباراتية أمريكية يظل محل شك، نظرا لأنه اعتمد على (نقل عن ناقل غير دقيق) وهناك شبهات، مع أن الكاتب الأمريكي (فرانكلين لامب، توفي في 2018) نشر معلومة الـ16 مؤسسة استخباراتية التي قدمت تقريرا من 82 صفحة، في مقال له في مجلة فورين بوليسي في آب/أغسطس 2012 ولكن الكاتب المذكور معروف بأنه من المهووسين بنظرية المؤامرة، والمجلة المذكورة(FPJ) نوهت أنها ستتأكد من المعلومة الواردة في مقالته.

على كل سواء صح الخبر عن كيسنجر أم عن المصادر الاستخباراتية الأمريكية فإن ثمة دراسة روسية أعدها مركز الدراسات الاستراتيجية والتقنية المستقل في موسكو في 2002 تؤكد على ذات الفكرة والمعنى.

يضاف إلى ذلك تصريحات وفلتات لسان أو ربما صراحة من قادة نافذين سابقين أو حاليين في إسرائيل بأنهم يريدون لها أن تعيش وتستمر حتى 80 سنة أو مئة سنة كأحد    (الأمنيات العظيمة) والآمال الكبيرة.

لماذا هذا الحديث مختلف ومتعدد المصادر، يقال فقط عن(إسرائيل)؟

لا يوجد أي كيان في العالم يتحدث عنه أحد من حيث مبدأ الزوال أو الاستمرار إلا(إسرائيل) فهل سمعتم يوماً عن احتمال إزالة العراق أو سورية أو مصر أو الصومال أو بريطانيا أو موزمبيق؟

قد نتحدث عن تغيير نظام في دولة، أو حتى تقسيمها أو إضعافها أو إخضاعها أو تغيير وظيفتها، ولكن ليس إزالتها من الخريطة السياسية، والاستثناء هو(إسرائيل) فالحديث دوماً يدور حول خطر يتهدد وجودها، وتقديرات عن عمرها الافتراضي.

احتل الأمريكان العراق في 2003، وفعلياً كانوا قد فصلوا شماله عن وسطه وجنوبه منذ 1991 وفعلوا في بلاد الرافدين ما فعلوه من تدمير وقتل وإفساد ولكن هل زال الوطن أو الكيان أو الحيز الجغرافي الذي يحمل اسم العراق؟ أليس العراق هو العراق مع كل ما لحق به من دمار وما أصابه من أهوال، وربما هذا ينسحب على سورية كذلك؛ فمع كل الدمار الذي حلّ بها، وتهجير وتشريد ملايين من شعبها إلا أنها لا تزال(سورية).

إسرائيل كما لا يخفى عليكم كيان أو دولة قامت على أرض فلسطين بوحشية السلاح ورعاية بريطانيا وأمريكا وقوى عظمى وكبرى أخرى بعد قتل وتهجير مئات الآلاف من شعبها العربي.

ومع أن إسرائيل قامت على جلب مهاجرين يهود أو من يزعمون أنهم يهود من شتى أصقاع الأرض، ولكنها لم تتمكن من تحقيق نمو سكاني يتناسب مع سنوات عمرها(74سنة) لدرجة أن عدد العرب الفلسطينيين بين نهر الأردن والبحر الأبيض المتوسط أي أرض فلسطين الانتدابية، أكثر من عدد اليهود بما يربو على مئة ألف نسمة، وهذا يعتبر فشلاً وإخفاقاً للمشروع الصهيوني، الذي حاز كل الإمكانيات المادية التي ربما لم تتوفر لاحتلال إحلالي آخر في العصر الحديث...وهذا يذكرنا بمصير الممالك الصليبية قبل ألف سنة، ومع أنها حازت أراض أكبر من الكيان العبري الحالي ولكنها هزمت وتفككت تباعا ثم صارت أثرا بعد عين.

ومن ناحية أخرى لم تستطع إسرائيل أن تتحول إلى دولة عادية تتفاعل وتندمج مع البيئة والمحيط، وظلت مسكونة بالهواجس الأمنية، وعقلية التحصن والتوجس، وما يسميه د.عبد الوهاب المسيري(المعبد- القلعة) فإسرائيل قلعة أو حصن بمواصفات عصرية حديثة؛ حيث عندها قنابل نووية  وتحيطها الجدر الإسمنتية والحديدية المزودة بالتقنيات والمجسات الإلكترونية، وعصبها وعمادها هو جيشها فقط، وهي لذلك لا تتحمل هزيمة عسكرية ولو مرة واحدة، بعكس الدول والكيانات الطبيعية التي قد تنتصر تارة وتهزم تارة أخرى.

ومع ذلك لا تبدو المؤشرات الحالية والظروف الموضوعية مشجعة على تبني نظرية إزالة أو زوال إسرائيل؛ فإسرائيل تحظى بدعم ورعاية شبه مطلقة من الولايات المتحدة، وبقية الدول العظمى والكبرى كذلك تقيم معها تحالفات، وهي دوماً تؤكد على أن أمن إسرائيل هو الثابت غير القابل للتغير في سياساتها وتعاطيها مع ملفات المنطقة، وهو أولوية الأولويات.

وإسرائيل نفسها في وضع أفضل من العرب؛ فمع أن الفساد يعشش فيها، ولكنها أقامت نظاماً فيه تداول للسلطة ولها برلمان نشط وفعّال، بينما محيطها العربي يئن تحت وطأة منظومة استبدادية قمعية متخلفة، تسوس الناس بالحديد والنار والقهر؛ وإسرائيل مع كل ما فيها من فساد إلا أنها استطاعت توفير نظام تكافؤ فرص لأفرادها(اليهود طبعاً) فيم المحيط العربي عماده المحسوبيات وتقديم أهل الولاء على أصحاب الكفاءة؛ بل دفع الكفاءات نحو الهجرة أو العزلة والإحباط.

وفوق ذلك تتفوق إسرائيل في مجال الاستخبارات على الأعداء والأصدقاء، وترصد كل شاردة وواردة، وتمتلك جيشاً، بل هي عبارة عن جيش له دولة، وهذا الجيش ليس مقاولاً للمعكرونة والإسمنت، وهو متفوق جويّا وتقنيا على كل جيوش العرب، وسلاحه وعتاده متجدد دوما بأحدث وآخر الابتكارات في مجال التصنيع الحربي.

ومن ناحية أخرى فإن العرب رسمياً تركوا فكرة إزالة إسرائيل أو حتى مواجهتها، بل ذهب بعضهم إلى التحالف أو التعاون الأمني والعسكري والاقتصادي معها.

فهل الهياكل السياسية والاجتماعية العربية وحتى المسلمة في وضعها الحالي قادرة على إلحاق الهزيمة بإسرائيل أو حتى مجرد التصدي لها؟

وهنا يجب ألا نغفل عن حقيقة تزامن بناء الكيانات والوحدات السياسية والعسكرية العربية مع بداية المشروع الصهيوني ونموّه وتوسعه؛ فهل الدول العظمى التي رعت الكيان الإسرائيلي غبية أو ساذجة كي تقيم بجواره دولاً قوية تملك قرارها أو قادرة على التغلب عليه، فبناء الكيان العبري تزامن مع بناء كيانات عربية إما عاجزة أو متآمرة أو لا تنظر إليه كخطر داهم، أو عدو غادر، يجب التصدي له.

وهذا يقودنا إلى مرحلة أو تجربة مريرة سابقة حين احتُلت القدس وأجزاء من بلاد الشام من جيوش وأوباش الفرنجة، كيف كان التحرر منها وتطهير المسجد الأقصى من دنسها ليس على يد الفاطميين ولا العباسيين، بل بأطر ووحدات سياسية وعسكرية تبلورت وقاومت وكبرت، وتقدمت وتراجعت وهادنت وساومت وجاهدت وبذلت، حتى صارت كياناً مستقلاً فاعلاً أنجز التحرير.

في كل الأحوال سواء كان هذا العام 2022م هو عام نهاية وزوال إسرائيل أو بداية زوالها أو ظهور معالم واضحة على النهاية المؤكدة، أم كان هذا الكلام أو الحكم سابقاً لأوانه فإن مجرد الحديث عن هذا الأمر هو دلالة على أن إسرائيل ستزول دون أن تعمّر في المنطقة.

ومما يزيد قناعتنا أن هذا وعد رباني جاء في القرآن الكريم، وفلسطين لا يعمر فيها ظالم.

والله غالب على أمره.

 ،،،،،،

تم نشره في يوم الأربعاء 16 جمادى الآخرة  1443هـ ،19/1/2022م

https://www.aljazeera.net/blogs/2022/1/19/%D9%84%D9%85%D8%A7%D8%B0%D8%A7-%D8%A5%D8%B3%D8%B1%D8%A7%D8%A6%D9%8A%D9%84-%D9%81%D9%82%D8%B7%D8%9F

 

 

 


أميركا وإسرائيل عدوّتان لإيران.. حقيقة لا وهما

أميركا وإسرائيل عدوّتان لإيران.. حقيقة لا وهما 








أميركا وإسرائيل عدوّتان لإيران.. حقيقة لا وهما

 بقلم:سري سمور

https://www.youtube.com/watch?v=OrrGs9l3rnE

 

هناك تحليل متداول منذ زمن، يجد له صدى وهوى تارة، ويتراجع تارة أخرى، يقول بأن أميركا (وبالتالي إسرائيل) لا عداوة حقيقية بينها وبين النظام الإيراني الذي قام على أنقاض نظام الشاه عام 1979.

وأن التهديدات والمناكفات بين الطرفين ليست سوى ذر للرماد في العيون، وأنه يوجد اتفاق سرّي بين واشنطن وطهران على تقاسم (الغنائم) وعلى إعطاء إيران نفوذا في المنطقة، في حين تقوم الولايات المتحدة وإسرائيل (بالتظاهر) بالعداء واستمرار التهديدات الإعلامية ضد إيران، وتخويف الدول العربية خاصة الخليجية من النظام الإيراني وأطماعه التي لا تعرف التوقف، مما يزيد من ارتماء هذه الأنظمة في حضن الأميركان، بل مؤخرا ارتمت في أحضان الصهاينة عبر هرولة "تطبيعية" غير مسبوقة.

أصحاب هذا التحليل أغلبيتهم ممن حلموا بوطن عربي موحّد من المحيط إلى الخليج -خميرة أو ركيزة وحدته هي القومية العربية واللغة فقط- وأشبعوا الشعوب شعارات لم تجد لها ترجمة في بقاع أرض العرب، حتى عندما وصل بعضهم إلى الحكم.

ويكفي أن نضرب مثلا حيا وهو أن حزب البعث انقسم إلى قسمين أو جناحين (سوري وعراقي) وقف الأول مع إيران والخميني في حربها على الثاني العراقي، الذي اعتبر حربه بمثابة "قادسية" جديدة يقف فيها العرب -بقيادة البعث العراقي- في وجه المدّ الفارسي.

 

بل حتى مؤسس الحزب ميشيل عفلق -الذي بني له نُصب أو ضريح أو مزار في بغداد البعثية- كان رأسه مطلوبا من دمشق البعثية!

فلا شيء اسمه وحدة عربية على أساس قومي بإهمال العامل أو الأمر الوحيد الذي وحّد العرب وجمع شتاتهم وأخرجهم من حالات البداوة والصراع إلى أصحاب رسالة ودعوة ومدنية وحضارة، أي الإسلام. وهذا ما يرفض الحالمون التسليم به، بل بينهم وبين الإسلام جفاء في مواقف كثيرة.

ولكن بعيدا عن هؤلاء، ثمة من يطرح سؤالا وجيها مفاده، منذ عقود تهدد الولايات المتحدة إيران، وتتوعدها بالويل والثبور، وعظائم الأمور، وحاليا انضمت إسرائيل بقوة إلى هذه التهديدات، ولكنهم فعليا لا ينفذون واحدا في المليون من تلك التهديدات، فلماذا لا نصدق أن هناك تفاهمات تحت الطاولة؟

ويضاف إلى ذلك: في واقع الأمر يسمح الأميركان لإيران بالتمدد، بل يغضون الطرف عن نشرها للتشيع حتى في دول أفريقية بعيدة عنها، وهذا يوحي بأن كل ما يدور هو لإيجاد تخريجة سياسية وإعلامية هي: إيران دولة نووية ونحن نقبل هذا ونتعايش معه.

 

والعرب يدفعون من مواردهم واستقرارهم وكرامتهم فواتير نزاع وهمي بين إيران وأميركا أو بين إيران وإسرائيل.

 

الفصل بين مسألتين

إيران لها مشروع قومي أو طائفي (شيعي اثني عشري) وطموح في المنطقة وثرواتها، ورغبة في النفوذ والهيمنة؛ هذا شيء لا ينكره عاقل، بل هو طبيعي وبدهي في عالم يتنافس أهله، ووفق فهم سنة التدافع.

ولكن هذه المسألة -أو الحقيقة أو القراءة- يجب أن تفصّل أو ألا تكون مادة تحليل تفسيري بأن إيران وأميركا تعيشان قصة عشق في السرّ، وتتظاهران بالكراهية والعداوة في العلن.

فمنذ أن انتفض الشعب الإيراني وثار على نظام الشاه (محمد رضا بهلوي) الذي كان فعلا يقوم بدور الشرطي الذي وظفته الولايات المتحدة في الخليج، وقام بدل نظامه -الذي له جذور تمتد قرونا طويلة- نظام "الجمهورية الإسلامية" أو نظام "ولاية الفقيه"، والحرب مستعرة، تشتد أحيانا وتخبو أخرى، وتأخذ شكل الحرب بالوكالة غالبا، ولها شكل مباشر يظل غالبا تحت الأرض أو بعيدا عن أعين الإعلام في أغلب التفصيلات.

أما الحقيقة المؤكدة، فهي أن إيران في عرف النظام الدولي الذي قام على انتصارات القوى الغربية وحلفائها في حروب وصراعات طويلة في العصر الحديث، تعد "دولة مارقة"، وفرضوا عليها حصارا وعقوبات لا يمكن اعتبارها "تمثيليات"!

وإيران -بإعلانها موقفا حاسما يتسم بالحدّة والمفاصلة تجاه "الكيان العبري"- زادت من رصيد العداء لها في المنظومة الغربية، خاصة عند الأميركان، وصمود النظام الإيراني طوال هذه الفترة يعتبر شيئا مثيرا للإعجاب، بغض النظر عن رأينا في هذا النظام، أو تحفظنا على سياسات أو مواقف تصدر عنه.

فأن ترفض سياسات إيرانية معينة أو تتوجس خيفة من توجهات إيران شيء أو مسألة يجب فصلها تماما عن كون إيران بالفعل عدوا حقيقيا للأميركان وعدوا مبينا لإسرائيل.

إيران تخوض حربا سيبرانية شرسة مؤخرا مع إسرائيل، وإسرائيل نفذت عمليات اغتيال ضد علماء إيرانيين في مجال الطاقة النووية، والأهم أن إيران قدمت -وما زالت- دعما لمنظمات وقوى وفصائل وأفراد ضربوا ويضربون إسرائيل ضربات مؤلمة، وإسرائيل لا تجعل أمنها محل حسابات سياسية، أو مشاهد تمثيلية، إطلاقا، وحاليا ربما إيران هي الدولة الوحيدة في العالم التي تتعامل مع إسرائيل بهذه الطريقة.

أكرر وأعيد: هذه حقيقية يجب ألا ينكرها أحد، بسبب رفضه لسياسات إيران، أو حتى لكراهيته لها أو للعرق واللغة الفارسية أو للشيعة برمتهم.

 

وأيضا هناك من إذا واجهته بهذه الحقائق التي لا ينكرها عاقل قال لك: "اللهم اضرب الظالمين بالظالمين، وأخرجنا من بينهم سالمين".

في عالم متداخل ومعقد، لن تخرج سالما، وفق فهمك للسلامة، وقد كابدنا وعانينا تبعات الرغبة الأميركية المحمومة في إعادة إيران إلى "بيت الطاعة" ولا نزال.

وأيضا فإن إيران جزء أصيل لا دخيل من مكونات المنطقة وتاريخها وحضارتها، وليست كيانا مصطنعا يقوم على مجموعات مهاجرين يغتصبون أرضا ليست لهم، ويضطهدون شعبا هو صاحب هذه الأرض ومالكها الحقيقي.

فمهما كان الخلاف مع إيران يجب ألا ننسى هذه الحقائق الواضحة وألا نساوي بينها وبين الكيان الصهيوني، وأعلم أن ساسة وأنظمة -وللأسف معهم طبقة من المثقفين والإعلاميين- يصرحون سرّا وعلانية أن إيران عدوّهم الأول والثاني والعاشر، وأن إسرائيل ليست كذلك… وهؤلاء يغرقون في ضلال مبين، سيفيقون منه -لا شك- ولكن أخشى أن يفيقوا "ولات حين مندم".

 

التمدد والانتشار الإيراني.. فخ محكم

إن ما يراه بعض العرب هدايا أميركية سخية لإيران، بالسماح لها بالتمدد في المنطقة، ونشر قوات ومليشيات، والتدخل الصارخ في سياسات دول وأنظمة، وتعطيل عمل حكومات، وهز أو تجميد عجلات اقتصاد في دول، وغير ذلك من مظاهر النفوذ والتمدد الإيراني في السنوات الأخيرة، وفعليا بدأ هذا بعد الإطاحة بنظام صدام حسين في العراق، وازداد في العقد الأخير، خاصة بعد الأزمة السورية.

إن هذا فخ محكم نصبه الأميركان والصهاينة، وسقط فيه النظام الإيراني؛ حتى لو حسب أنه يحقق مكاسب ويسيطر على دول وعواصم عربية.

فأول وأهم خسارة هي تحول غالبية الجمهور العربي إلى بغض وكراهية تجاه إيران، واقتناعهم بأن لها مشروعا قوميا (فارسيا) وطائفيا (شيعيا) يستهدف كينونتهم، وبالتالي هو خطر عليهم قبل كل خطر، لا سيما أنهم -بمن في ذلك مجموعات شيعية- يرون أن إيران تجلب لهم الفقر والبطالة وتراجع الخدمات، حيثما كان لها نفوذ.

وإذا كان النظام الإيراني مثلا يبرر وقوفه مع النظام الطائفي في دمشق، بأنه يتصدى للأميركان ويساند محور المقاومة، فإن جرائم هذا النظام واستئساده على شعبه الذي يقذفه بالبراميل المتفجرة، ويقتاد مئات الألوف منه إلى معتقلات وسجون هي مسالخ بشرية، جعلت الغالبية إما تكذب هذه الحجة، أو تقول: ليحكمنا اليهود الصهاينة فهم أكثر رحمة منكم!

 

ولا يستهينن أحد بخسارة إيران تأييدا شعبيا حازته في أوساط العرب -رغم الدعاية البعثية العراقية والسلفية الوهابية- وهذا رصيد مهم لأي نظام ثوري، أو جاء إثر ثورة شعبية ضد طاغية، فكيف يصدق الجمهور وقوفكم مع المظلومين والمستضعفين -وهذا من أكثر شعارات إيران في عقود ما بعد الشاه- في حين أنتم تدعمون الطغاة علنا؟

وكيف يصدقون حديثكم عن تقارب أو حتى توحيد السنة مع الشيعة وقد بدا أنكم تستهدفون الأغلبية السنية، وتنالون بألسنتكم وإعلامكم ومناهجكم من رموزها ومقدساتها؟

ولعل هذه الخسارة تظهر بالتشفي الواضح حين تنفذ أميركا أو إسرائيل أي عملية عدوانية ضد إيران وحلفائها، ومع أنني من الذين يحاولون كبح هذا التوجه لاعتقادي الذي لا يتزحزح أن العدو المركزي، وسبب الفتنة هو المشروع الصهيوني، ولكنني أجد نفسي أمام طوفان لا يقبل مجرد النقاش، ويتمنى أن تقوم أميركا أو إسرائيل بهدم إيران وسحق أتباعها، ومجرد التلفظ بالترحم على مقتول بسلاح أميركا أو إسرائيل من المحور الإيراني، يجلب لك الشتم والعداء.

فهل تمدد إيران في صالحها، وهي التي سعت دوما إلى كسب ود الشعوب العربية وتأليبها على حكامها -عدا آل الأسد طبعا-؟ أليس هذا فخا؟!

والأمر الآخر هو استنزاف موارد مالية هائلة -مع الأخذ في الحسبان أن إيران خاضعة أصلا لعقوبات أميركية وغربية ولها ودائع مجمدة بل في حكم المصادرة- من أجل هذا التمدد ومن أجل استمراريته، وهذا ما أوجد أصواتا في الشارع الإيراني، ترفض أن يكون لإيران أي دور في المنطقة، بما في ذلك دعم المقاومة الفلسطينية، وأن الشعب الإيراني، والفقراء منه أولى بالأموال التي تذهب إلى سوريا أو لبنان أو اليمن أو حتى فلسطين، وهذه الأصوات لم تعد نشازا.. ألا يعزز هذا أن التمدد كان فخا لئيما؟!

 

المكونات الأصيلة يجب أن تتحد

العرب والفرس والكرد والترك وغيرهم هم أهل هذه المنطقة، ومهما كانت الضغائن بينهم، فإنهم عبر قرون طويلة عمروا هذه المنطقة، وأسهموا في تاريخها وحضارتها، والأصل أن يتحدوا في وجه من هو عدو مبين لهم، قام كيانه على تجميع شذاذ الآفاق في بقعة مقدسة من ديارهم.

وهو يناصبهم العداء جميعا، نعم إسرائيل عدو لإيران حقيقة لا تمثيلا، وعدو للعرب جميعا، وتسعى إلى استعبادهم وإخضاعهم جميعا، عبر أساليب عدة منها ضرب بعضهم ببعض.

،،،،،،

تم النشر الثلاثاء 17 جمادى الأولى  1443هـ ،21/12/2021م

https://www.aljazeera.net/blogs/2021/12/21/%D8%A3%D9%85%D9%8A%D8%B1%D9%83%D8%A7-%D9%88%D8%A5%D8%B3%D8%B1%D8%A7%D8%A6%D9%8A%D9%84-4

 

 


محاذير دخول الإسلاميين عالم التمثيل والدراما

 محاذير دخول الإسلاميين عالم التمثيل والدراما










محاذير دخول الإسلاميين عالم التمثيل والدراما

 بقلم:سري سمور

 

 لا زلت أذكر كيف أخذ الأخ يلوم أبناء الاتجاه الإسلامي على تركهم حقل الصحافة والعلوم السياسية وملحقاتها، مما جعل العلمانيين وبعضهم يجاهر في إلحاده يحكمون قبضتهم عليها ويهيمنون على هذا الجانب الحيوي في التأثير على الناس.

وقد شجعني وقتها على دراسة أحد هذه المجالات، طبعاً لم أستمع إلى نصيحته، ولكن هذا ما حصل مع كثير من أبناء التيار الإسلامي.

من العلوم التطبيقية والشرعية إلى السياسية

غلب على الإسلاميين على اختلاف وتنوع مدارسهم التوجه إلى دراسة العلوم التطبيقية المختلفة، لذا كثير منهم درسوا الطب أو الهندسة أو الرياضيات أو الفيزياء أو الكيمياء أو غيرها من العلوم والتخصصات التي غالباً ما يكون الطالب فيها في المرحلة الثانوية في القسم العلمي، وهو القسم الذي يفترض -عربياً- أنه يحوي الفئة الطلابية ذات المستوى المتقدم في القدرات والذكاء على زملائهم في القسم الأدبي.

وحتى في الجامعات فإن غالبية طلبة القسم الأدبي في الثانوية يتوجهون إلى دراسة الآداب والعلوم الإنسانية بفروعها المختلفة بما فيها علوم السياسة.

ولذا تجد أبناء التيار الإسلامي يفوزون بسهولة نسبياً، في النقابات وممثليات الطلبة التي تتعلق بالعلوم التطبيقية لا النظرية؛ مثل نقابات الأطباء والمهندسين.

تنبه الإسلاميون إلى أن تركيزهم على دراسة العلوم التطبيقية وترك العلوم الإنسانية هو خطأ ينبغي تصحيحه، وهنا صار هناك نوع من(الزهد) في دراسة العلوم الشرعية؛ وعلوم الشريعة المختلفة، وقد كانت(تحصيل حاصل) من حصة التيار الإسلامي، بل وصل الحال ببعض أبناء التيار الإسلامي إلى السخرية من إخوانهم وزملائهم الذين درسوا الشريعة!

تخرج من أبناء التيار الإسلامي طابور طويل من حملة شهادات الصحافة والعلوم السياسية المختلفة من جامعات مختلفة محلية وعالمية... فماذا كانت النتيجة؟

خسارة مركبة حقيقية؛ زهد وتراخي التيار الإسلامي في حقل ومجال كان ميدانه وشبه مسلّم به أنه رائده، أي علوم الشريعة، جعل آخرين يعبئون الفراغ، وهؤلاء عموماً لهم موقف سلبي فيه روح معادية نافرة من الحركات الإسلامية، ومن ناحية أخرى لم يكن للحركة الإسلامية مؤسسات كافية ولو بالحد الأدنى لاستيعاب الخريجين والمختصين في علوم السياسة والإعلام والصحافة، وهي التي شجعتهم على دراسة هذه العلوم...فلا هم حافظوا على ما كان شبه مسجل باسمهم، ولا حازوا شيئا مما أدخلوا أنفسهم فيه بلا تخطيط.

فكانت النتيجة أن توجهوا إلى العمل والتوظيف في مؤسسات أو إمبراطوريات إعلامية أو ثقافية يملكها أو يديرها أناس، حتى لو لم يظهروا عداءً للتيار الإسلامي، بل لربما أبدوا تعاطفاً معه في بعض المسائل، ولكنهم في سلوكهم ليسوا على درجة من الالتزام، والأخطر والأدهى أن لهم فهماً خاصاً بالإسلام، يعتبر أن الإسلام إرث ثقافي مهم ولكن ليس منهج ونظام حياة.

وتخيل معي إسلاميا في هذا الجو، لقمة عيشه، وقد تكون راتباً مغرياً، بيد أناس هكذا تفكيرهم، وحوله بيئة لا تقيم وزناً للفرائض أو السنن... النتيجة الحتمية مع مرور الوقت، هي انهيار المقاومة والمناعة التي لدى هذا الإنسان وظهور التغيرات عليه.

ولهذا رأينا مؤخراً إسلامياً يعمل في تلك المؤسسات وقد صار يجاهر بعدم الإيمان بالله أو اليوم الآخر، أو يطرح تصورات عن القرآن والحديث، تحمل انحرافات عقدية وفكرية.

وصرنا نرى فتاة محجبة بعد مدة من الزمن، قد تكون المدة أقصر من زميلها الشاب، لأن حصون المرأة عادة أضعف، تنزع حجابها، وتفاخر بذلك وتكرر العبارات المموجة حول كون التدين ليس بالمظهر، والدخول في جدل عقيم ينم عن سخافة عقل حول فريضة الحجاب!

تتحمل الحركة الإسلامية جزءاً من إثم هؤلاء، لأنها سلّمتهم أو اضطرتهم إلى بيئة وأجواء كهذه، ولم يكن لديها مؤسسات فكرية وإعلامية وثقافية تستوعبهم .

صحيح أنه لا طاقة استيعابية كبيرة لهذه الأعداد حتى لو وجدت هكذا مؤسسات، ولكن وجود هذه المؤسسات يعطي نوعاً من الدافع المعنوي، ولا يشعر القائمين على المؤسسات والامبراطوريات الأخرى أنهم يستفردون بالإسلامي ويمكنهم إعادة تشكيل أفكاره.

وحتى حين يعمل الإسلاميون في مؤسسات ليست لهم ولا تتبنى أفكارهم فإنهم سيكونون في حالة دفاع نفسي كون تيارهم له مؤسسات أخرى ولو بإمكانيات أقل.

السينما والإخراج

 تحدثت في المقال السابق عن ضعف بل غياب الإسلاميين عن عالم التمثيل، وقد أدركوا مؤخراً أهمية الأمر.

والآن من درسوا وسيدرسون من أبناء وبنات التيار الإسلامي هذه التخصصات (إخراج، تمثيل، إنتاج.. إلخ) كيف سيكون حالهم؟ وأين سيعملون؟ وهل الأجواء التي سيعملون بها ستكون مناسبة لهم؟ هي أسئلة مهمة في هذا النقاش، ولهذا ضربت المثل الحيّ عن موضوع دراسة الإعلام والعلوم السياسية، وكيف آل حال الإسلاميين فيه.

وحقل التمثيل والإنتاج مليء بالألغام التي قد تنفجر حتى ممن هم رواد هذه(الصناعة) ولهم فيها سنوات طويلة ويعرفون خباياها وأسرارها واعتادوا عليها.

فإذا دخل التيار الإسلامي على حقل التمثيل التلفزيوني أو السينمائي، فماذا سيكون نصيبه؟

فالأمر يحتاج إلى التمويل والمادة الجيدة التي تقبل فضائيات شراءها، علماً بأن من يملك الفضائيات غالباً يعادون الإسلاميين، وتحتاج إلى كادر مهني، وأمور أخرى كثيرة ربما دارت في تفكير أصحاب القرار عند الإسلاميين، فقرروا في أنفسهم:صحيح أن التمثيل مهم وخطأ الابتعاد عنه طوال العقود الماضية، ولكن لا طاقة لنا بهذا، لأن (الصناعة) هذه مغلقة وتكاد تكون حكرا على فئات بعينها.

هذه الاستسلام أيضا خطأ، وليبدأ الدخول إلى هذا العالم بحذر، وليس شرطا أن يكون من سيدخله من صلب أبناء الحركة الإسلامية، يكفي أن يكون متعاطفا معهم، أو تتقاطع أفكاره مع أفكارهم.

ويمكن عمل تجارب عبر إنتاج كارتوني أو أعمال على يوتيوب، وترك الجمهور والناقدين يقيمونها، ومواصلة التجارب، قبل انطلاقة حقيقية اختراقية واثقة لهذا المجال.

فالإسلاميون لا ينقصهم أصحاب المواهب الواعدة، ولا من لديه حسّ الإبداع، والتمويل الذي قد يكون العقدة الكبيرة المستعصية، يمكن أن يتوفر مع الزمن، بل قد تجد من يتبرعون لإنجاز عمل جيد، بعد أن يروا تجارب و(بروفات) لأعمال تكلفتها بسيطة...والتوكل على الله قبل كل شيء.

وأنا أرى حاليا أن جو المنافسة والاحتكار، من بعض جوانبه يخدم الإسلاميين إذا رغبوا وسعوا في اختراق هذا العالم؛ فنحن أمام بحر من القنوات الفضائية، ولم يعد النظام يملك قناة التلفزة الوحيدة التي سيجبر المواطن على متابعتها لأنه لا بديل لها، ناهيك عن الإنترنت وخدماتها المختلفة مثل(البودكاست) وما شابه.

وأيضا عليهم الحرص ألا يكون ما يقدموه وعظا مباشرا، لأن الدراما بنظر الجمهور هي وسيلة ترفيه قبل كل شيء، وأن لا يحاولوا تقليد غيرهم، وأعلم أن هذه مهمة صعبة؛ فالمتوقع أن الإسلامي سيقدم عملا تلفزيونيا أو سينمائيا يحمل رسائل وعظية مباشرة، أو أفكارا فاقعة(هكذا يتوقع عامة الناس) أو سيحاول تقليد الآخرين مع تغيير المظهر أو محاكاة لغيره.

فكيف سيمكن الخروج من هذين الخيارين؟سؤال لا أملك إجابة أوتوماتيكية عنه، ولكنه مفتاح دخول ونجاح للتيار الإسلامي في عالم الدراما الذي كان لفترة طويلة سلاحا ضدهم، ويمكنهم استخدامه ضد أعدائهم وخصومهم، بعد الأخذ بالأسباب.

،،،،،،

تم النشر الإثنين   2 جمادى الأولى 1443هـ ،6/12/2021م

https://www.aljazeera.net/blogs/2021/12/6/%D9%85%D8%AD%D8%A7%D8%B0%D9%8A%D8%B1-%D8%AF%D8%AE%D9%88%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%D9%8A%D9%8A%D9%86-%D8%B9%D8%A7%D9%84%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%85%D8%AB%D9%8A%D9%84

 

 

 


مع مذكرات أخطر سفير إسرائيلي في مصر (1)

لدي قناعة أن ذهاب أنور السادات إلى خيار التسوية مع إسرائيل؛ و زيارته المشؤومة إلى القدس في 1977 وصولا إلى توقيع اتفاقات كامب ديفيد في 1979 ه...