الأربعاء، ديسمبر 28، 2022

السامريون وجون ميلز:الأصول والسحر والعادات الخاصة

 

السامريون وجون ميلز:الأصول والسحر والعادات الخاصة

بقلم:سري سمور

كنت في المقالة السابقة قد تحدثت عن كتاب جون ميلز "ثلاثة أشهر في نابلس، الطائفة السامرية عن قرب" (Three Months’ Residence At NABLUS, AND ACCOUNT OF THE MODERN SAMARITANS) (1855-1860) وكاتبه جون ميلز، وركزت الحديث حول العنصرية والكذب فيه فيما يخص عموم العرب، وكون ميلز لم يخرج عن النهج الاستشراقي الاستعلائي العنصري، ولم أتطرق لتناوله وضع الطائفة السامرية من الداخل كما رآها في كتابه، وهي محور الكتاب ومادته الرئيسة.

وأستوفي الحديث في هذه التدوينة والتي تليها عن مادة الكتاب بما يتيسر من اختصار، يعطي فكرة عن الطائفة السامرية، وهي أصغر الطوائف 

 مواد كثيرة عن الطائفة   

هناك في عصرنا الحاضر كثير من المواد المقروءة والمرئية التي تتناول وضع الطائفة السامرية في مدينة نابلس، ولا يتردد رموز الطائفة في المشاركة في تقارير متلفزة ومقروءة يشرحون فيها تاريخ الطائفة وطقوسها وعاداتها وتقاليدها المتوارثة وعلاقتهم بمحيطهم.

وهذا ربما يغنينا عن ذكر تفصيلات طقوسية أو مظاهر كتب عنها جون ميلز، وأكتفي بإشارات عامة مختصرة.

وهناك مركز للدراسات السامرية افتتح عام 1993 في مدينة نابلس أيضا، وبالتالي لا مشكلة في الحصول على معلومات عن الطائفة، فهي ذات انفتاح إعلامي واجتماعي نوعا ما.

وكي نشير سريعا إلى وضع الطائفة في نابلس حاليا، فإن أفرادها يعتبرون قانونا وعرفا من المواطنين الفلسطينيين، ويدرس أبناؤها وبناتها في مدارس المدينة والجامعات الفلسطينية مع المسلمين دون أي عائق، ويمكن أن يتقلدوا وظائف عامة أو يعملوا -كما حال أغلبهم- في الأعمال الخاصة كالتجارة.

وعند انعقاد أول انتخابات للمجلس التشريعي الفلسطيني في 1996، خصص الرئيس عرفات مقعدا بنظام الكوتا للطائفة، شغله الكاهن الراحل للطائفة سلوم السامري الذي توفي في 2004 .

ويتحدث أبناء الطائفة باللهجة النابلسية المميزة، وفيما بينهم لهم لغة عبرية خاصة، وأيضا فإنهم لا يعجزون عن تعلم اللغة العبرية الحالية، ويحملون بطاقات هوية زرقاء وهي البطاقات الخاصة بحملة الجنسية الإسرائيلية، لكن هذا الإجراء لم يؤثر على وضعهم وحقيقة كونهم مواطنين فلسطينيين، فهم لا يخدمون في الجيش الإسرائيلي نهائيا ولا في أذرعه الأمنية، ولكن هذه البطاقات تمكنهم من حرية الحركة داخل إسرائيل والحصول على سيارات ذات لوحات تسجيل صفراء (وهي المسجلة كسيارات إسرائيلية كالتي يقودها يهود إسرائيل وعرب 48)، وهذه الحرية في الحركة تسهل لهم أمور التجارة والعمل كثيرا، مما حسّن وضعهم الاقتصادي.

والمكان المقدس عندهم هو جبل جرزيم في نابلس، ولا أهمية لمدينة القدس عندهم، وبالتالي لا نزاع مع المسلمين، وكذلك جبل جرزيم الذي أقاموا لهم فيه منطقة سكنية حديثة متطورة (في الطور)، إضافة إلى بيوتهم في الحي السامري بنابلس، ويقع الحي في منطقة تصنف "ج" (C) وفق اتفاقيات أوسلو وملاحقها في تقسيم الضفة الغربية، يجاورهم مسلمون ويعيشون حياتهم بسلام ودون أي مضايقات، وبينهم وبين المسلمين  العرب علاقات جيدة عموما.

وهم طائفة غير تبشيرية إطلاقا، ولا يتزوجون إلا فيما بينهم، وحاليا ربما يسمح لهم بالزواج من نظرائهم في الطائفة الذين يقيمون في "حولون" قرب يافا، ولا يتجاوز مجموعهم في المكانين 900 نسمة.

جون ميلز يدخل عالم السامريين

أعيد التذكير أن حديثي عن نسخة مترجمة من العربية من كتاب جون ميلز المذكور آنفا.

والكتاب مكوّن من مجلد واحد في جزأين: الجزء الأول، وهو تسعة فصول، ولعلي في المقالة السابقة أشرت إلى محتوياته، يتحدث عن الأماكن المقدسة وبيئة نابلس بنوع من التفصيل، خاصة ما يتعلق بالآثار والمقابر، والعادات الاجتماعية في المدينة -كما يصفها ميلز طبعا- وفيه حديث بإسهاب عن وضع الأسرة المسيحية التي كان في ضيافتها.

أما الجزء الثاني فهو من ثلاثة عشر فصلا، وهو -كما يصفه ميلز- عن "السامريون عن قرب"، ويتناول عادات السامريين وطقوسهم وأعيادهم وتاريخهم ووضعهم الاجتماعي وتقويمهم الخاص.

وفي زمانه وصف وضعهم الاقتصادي بأنهم فقراء ويعمل غالبهم في التجارة.

السامريون من اللاويين  

 جون ميلز -استنادا إلى "سفر الملوك"- يشير إلى أن الملك الآشوري شلمنصر بعد سبي قبائل اليهود العشر، جلب مستعمرين آشوريين من بابل وغيرها ووطنهم في "السامرة"، فاختلطوا مع بقايا اليهود، (ص79).

ويصف ميلز السامريين بالنبل، وأنهم لا ينحدرون من هارون بل من لاوي.

الكاهن والسحر

ويشير جون ميلز أن للطائفة السامرية زعيمان يتقلدان منصبيهما بالوراثة، وهم الكاهن الأكبر (عمرام الذي التقاه وقتها) وراعي الطائفة.

ويشكك ميلز بالكاهن عمرام فيما يخص الطلاق، ويقول إن الكاهن سلاسة يتعامل بالسحر.

وقد أجلت الحديث عن موضوع السحر الذي ذكره جون ميلز، وأرى أنه لا بد من الإشارة إليه، فليس مجهولا هذا الأمر عند السامريين، وفي عصرنا الحالي وعلى يمين المقبرة الإسلامية الغربية في نابلس، تجد مكاتب عليها لافتات تشير أنها "لفك السحر وما شابه"، تعود إلى كهنة من الطائفة السامرية، حيث يقومون بعمل الحجب بمقابل مادي، أي أن الأمر ليس سريّا وليس علنيا أيضا، ويتحدث الناس عن علاقة السامريين بمواضيع "الحجب والسحر وما شابه" مع انقسام الناس بين من يأخذ بحرمتها مطلقة وفق الشريعة الإسلامية لهذه الأمور، سواء أكان له أثر حقيقي أم لا، ورأي يقول بتأثير هذه الأعمال فعليا على المستهدف منها، وبالتالي ثمة من يقصدهم لعمل الحجب، أو من يرى أنها تدخل في إطار الخزعبلات والدجل، ولكلٍّ تجربة، أو سمع من غيره قصصا وأحداثا مختلفة حول هذا الموضوع، ولا يمكن نفي أو تأكيد ما يقال، مع تصوّر شعبي بأن "أعمال" السامريين (أو السمرة باللفظ الدارج) أقوى من غيرها وأكثر تأثيرا!

عادات خاصة

ويتحدث جون ميلز عن الطهارة والنجاسة وعادات الأكل والشرب عند السامريين، فمسموح لهم بأكل كل شيء لكن لديهم جزّارا خاصا بهم، ويمنع الجمع بين اللحم والحليب في الوجبة نفسها، ويستخدمون اللغة العبرية القديمة التي لا يعرفها إلا عدد قليل منهم، وفي الفصل التاسع (نتحدث عن الجزء الثاني من الكتاب الآن وسابقا ولاحقا) يوضح المؤلف أن: اللغتين العربية والسامرية لغة الواجبات الاجتماعية الداخلية، والعبرية للطقوس الدينية.

ومع أن جون ميلز لم يشهد خلال فترة وجوده في نابلس (3 أشهر) أية حالة وفاة عند السامريين، لكنه يتحدث عن طقوسهم مع الموتى والجنازات، وكعادته يتهم المسلمين بسرقة مقبرة السامريين (ص93).

ونستكمل ختام الحديث عن كتاب جون ميلز في التدوينة القادمة بعون الله تعالى.

،،،،

من قلم:سري عبد الفتاح سمّور(أبو نصر الدين)-جنين-أم الشوف/حيفا-فلسطين

تم النشر الإثنين 2 جمادى الآخرة 1444، 26-12-2022م

https://www.aljazeera.net/blogs/2022/12/26/%D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%A7%D9%85%D8%B1%D9%8A%D9%88%D9%86-%D9%88%D8%AC%D9%88%D9%86-%D9%85%D9%8A%D9%84%D8%B2-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B5%D9%88%D9%84-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%AD%D8%B1

 

 

الأربعاء، ديسمبر 14، 2022

جون ميلز.. وزيارته المشؤومة إلى نابلس في القرن الـ19

 

يعود الفضل لأحد الأصدقاء من ذوي الاهتمام بالدراسات التاريخية المختلفة إلى قراءتي للكتاب الذي سآتي عليه في السطور القادمة، وتدبيج هذه المقالة عنه وحوله، وقد نشرت عنه بضعة أسطر مقتضبة على صفحته في فيسبوك.

وأنا لن أنظر إلى الكتاب من الزاوية التي يهتم بها باحثنا أو صديقنا، فما لفت نظري أمور قد تبدو حتى خارج المحور الرئيس الذي يتحدث عنه الكتاب.

ما الكتاب و من الكاتب؟

الكتاب هو: ثلاثة أشهر في نابلس، الطائفة السامرية عن قرب (1855،18860م)

(Three Months’ Residence At NABLUS, AND ACCOUNT OF THE MODERN SAMARITANS)

والكاتب هو: جون ميلز (John Mills)

وأول طبعة منه صدرت في لندن سنة 1864م.

وكما نقول: الكتاب يُقرأ من عنوانه؛ ومن ثم فإن الكتاب يتحدث عن رحلة قام بها الكاتب إلى نابلس ومكث فيها 3 أشهر، لدراسة أحوال الطائفة السامرية التي تقطنها وذلك خلال النصف الثاني من القرن الـ19.

نعم، هذا محور الكتاب وفكرته، ومعظم فصوله تتحدث عن تراث الطائفة السامرية وتاريخها وطقوسها وأحوالها.

ومع أني سأتحدث عن هذه الأمور، فإن ما لفت نظري أشياء أخرى تناولها الكتاب ولو في سطور منثورة في فصوله، هي ربما نقطة في بحر التفصيلات حول الطائفة السامرية.

وأقصد نظرة استشراقية استعلائية من "الرجل الأبيض" تجاه العرب والمسلمين، وتعمّد الكذب الواضح أحيانا، وهو ما أثار اشمئزازي واستفزّني كثيرا.

وهنا لا بد من لمحة سريعة عن المؤلف أو الكاتب، فلعل في هذا تفسيرا لهذا الحقد والتعالي العنصري.

جون ميلز JOHN MILLS  

ولد في إحدى قرى مقاطعة ويلز في بريطانيا سنة 1812، وتوفي في لندن سنة 1873م، وقد كان له منذ صغره ومرحلة شبابه اهتمام كبير بالموسيقا وأول ما صنّف كان كتابا حولها، وشارك في فعاليات مختلفة تتعلق بالأعمال الموسيقية في زمانه وبيئته.

وصار لديه اهتمام بالدراسات التوراتية والتاريخ اليهودي، وقد توسع البحث والاهتمام كثيرا، خاصة أنه تعلم لغات مختلفة كالعبرية واللاتينية، وقد انتسب إلى الميثودية المتفرعة من المسيحية البروتستانتية، وحصل على رتبة "وزير" في تلك المجموعة أو الطائفة، والوزير بالمعنى الكنسي هو المكلف بمهمات طقوسية ورسمية ودينية لها أهميتها مثل رعاية الاحتفالات وعقود الزواج وما شابه ذلك.

وقد زار فلسطين ونابلس مرتين، بينهما 5 سنوات، وكانت رحلته الثانية التي كتب عنها الكتاب الذي بين أيدينا في 1860م، ومكث فيها 3 أشهر وهي مدة طويلة نسبيا، وكان ميلز عضوا في جمعيات ملكية مختلفة، منها ما يهتم بالجغرافيا ومنها ما يهتم بالدراسات الشرقية والتوراتية.

ربما هذه النبذة عن المؤلف تعطينا لمحة أو ومضة عن تشبّعه بآراء مسبقة عن العرب والمسلمين.

الترجمة العربية

النسخة التي بين أيدينا هي الترجمة العربية التي أعدّها الدكتور عامر أحمد القُبّج المحاضر في كلية العلوم الإنسانية-قسم التاريخ في جامعة النجاح الوطنية في نابلس.

وصدرت الترجمة عن دار دجلة-ناشرون وموزعون في عمان بالأردن، في ربيع عام 2022م.

وحين ألقيت نظرة سريعة على النص الأصلي تبيّن أنه مكون من 335 صفحة، بينما الترجمة العربية التي بين أيدينا 158صفحة فقط، ولعل هذا من مهارات المترجم التي يشكر عليها، ولعله آثر اختصار إسهابات المؤلف واقتباساته التي تطمر الكتاب من أسفار التوراة وأجزاء التلمود والأناجيل المختلفة، والتي أيضا نراها بكثافة في الترجمة العربية.

وهنا أشير إلى أن من عوار النص اعتباره تلك النصوص مرجعا تاريخيا يبني عليه تصوره لمراحل وعصور قديمة، مع أن ميلز يشير غير مرة إلى خلل فيها وفي ظروف إخراجها.

تصورات غريبة وأحكام سيئة عن العرب

عاش جون ميلز في نابلس تلك الفترة في ضيافة عائلة مسيحية من المدينة، وتحديدا في بيت عبد الله (أبو داهود) ، تحدث عنها بشيء من التفصيل، بخاصة أنه تسنّى له شهادة عدة مناسبات كالأفراح والأتراح وتقاسم الإرث عند تلك الأسرة، ويبدو أن تلك الأسرة ميسورة الحال وعندهم خادمة.

ولكنه ذهب بعيدا في إطلاق أحكام، وآراء ذات طابع "تنميطي" مشبع بالتشويه المتعمّد، كما هم أهل الاستشراق حين يدبّجون مصنفاتهم عن مجتمعاتنا.

قلت إن هذا مستفز ودفعني إلى الكتابة عن الكتاب، كي أعطي لمحة لمن لا وقت لديه، أو بالأحرى لا جَلَد لديه، لقراءته، ولكن أنصح بقراءة الكتاب.

يقول جون ميلز في الصفحة 58 من الترجمة العربية: "حسب الطقوس العربية المتوارثة فإن العربي لا يستحم إلا كل شهرين أو ثلاثة"!

هذه المعلومة الغريبة استوقفتني كثيرا؛ فهي من ناحية تنمّ عن انعدام الأمانة العلمية، ومن ناحية أخرى تفرط في التعميم الكاذب، وتتغافل عن حقيقة كون الاستحمام أو الاغتسال كان مشؤوما حد التحريم في أوروبا التي جاء منها ليكتب عن مدينة عربية (نابلس)…ألم يكن وهو المتبحر في الدراسات الشرقية قد علم أن الغُسل في حالات لا فكاك منها تقريبا فرض على المسلم وهو هنا عربي، في حالات عدة؛ خاصة أنه تحدث عن تفصيلات أدق وكتب عن أمور نفسية غير مرئية؟ ذاك هو الحقد والتعصب بأوضح صوره.

وكان يمكنه أن ينسب هذا ويخصصه لأسرة معينة أو أفراد لا أن يزعم أنها "طقوس عربية متوارثة"… مع أنه في الصفحة ذاتها يستدرك فيقول: "فإن لديهم الكثير من مظاهر البساطة واللطف والطيبة".

ويعنون الفصل التاسع: الطباع الشخصية (حب المال-عدم الصدق-المكر والخداع-قلة الورع والتقوى)، تخيل هذا الافتراء الذي يصدّر به فصلا من فصول كتابه، كأنه يتحدث عن (أبالسة) ملعونين لا عن بشر من طين ولحم ودم تجد فيهم خيرا وشرا.. بل يقول إن هذه الصفات القبيحة صفات عربية راسخة!

وفي الصفحة 77 يستمر جون ميلز في صبّ أحقاده فيقول: "يمكن القول إن العربي يعامل فرسه بلطف ورقة أفضل مما يعامل زوجته وأهل بيته"!

ثم يقول في الصفحة 78: "وعلى الرغم من كل ما ذكر، فإن العرب يملكون بعض صفات الوفاء والرجولة والشهامة"، وهذا القول ربما جاء استدراكًا أو تجنّبًا لما هو واضح من وصفه بالحقد الأعمى.

فكيف نجمع بين فسيفساء الصفات التي يحاول إلصاقها بالعرب؟

ولنتذكر أن الكتاب طبع في زمن ما قبل الغزو الاستعماري لبلادنا بمدة طويلة نسبيا، ومثل جون ميلز في ذلك الزمن يعدّ كالقناصل والجواسيس؛ مرجعا مركزيا لقومه، رسميا وشعبيا، في الحكم وطريقة تقييم الشعوب والمجتمعات.

وحين يتحدث عن الوضع الاجتماعي، فإنه يطلق حكما عاما في الصفحة 123: "يعدّ أهل نابلس أكثر أهل فلسطين المسلمين تعصبا وشرّا"!

لا أدري من أين جاء بهذا الحكم على أهل نابلس وتحديدا المسلمين العرب فيها وهم الأغلبية الساحقة، بخاصة أنه هنا لم يقل إن هذا انطباع أو ملاحظة؟

وبخاصة أن نابلس توصف بأنها "دمشق الصغرى"، وفي الوصف إشارة إلى أمور كثيرة لا تقتصر على المباني والعادات، بل على طبيعة من يتعاطون التجارة، حيث يميلون عادة إلى التلطف والانفتاح والتسامح والميل إلى التفاوض والتفاهم. الحمد لله أنه يتحدث عن مدينة كبيرة معروفة لطالما كانت تحت أقلام -ولاحقا كاميرات- الدارسين، وإلا لكان جون ميلز صاحب شهادة "ملزمة" أو لا نظير لها.

وفي الصفحة ذاتها يواصل بثّ سمومه ويتهم المسلمين باضطهاد السامريين وبقية الطوائف، ويرى أن المسلمين متعصبون عدوانيون!

وليس أسهل من الرد على أباطيل وأكاذيب جون ميلز من استمرار وجود طوائف غير مسلمة عبر كل العصور، وتعايشها مع الغالبية المسلمة، بعكس أقليات وعرقيات أخرى كبيرة وصغيرة، وقعت تحت سطوة "الرجل الأبيض" الذي -كما يبدو- هو رمز التحضر والتمدن عند جون ميلز وقومه، ومن سار على نهجهم من أبناء جلدتنا، فأبيدت تلك العرقيات وفق منهج تطهير عرقي مؤكد.

هذا أكثر ما استفزني وأثار غضبي في الكتاب، ولكن الأمانة تقتضي أن أتحدث عن محور الكتاب، وهو ما يتعلق بالطائفة السامرية، وهذا يحتاج إلى مقالة خاصة بعون الله.

،،،،

من قلم:سري عبد الفتاح سمّور(أبو نصر الدين)-جنين-أم الشوف/حيفا-فلسطين

تم النشر الثلاثاء 19جمادى الأولى 1444، 13-12-2022م

https://www.aljazeera.net/blogs/2022/12/13/%D8%AC%D9%88%D9%86-%D9%85%D9%8A%D9%84%D8%B2-%D9%88%D8%B9%D9%86%D8%B5%D8%B1%D9%8A%D8%A9-%D8%A3%D9%88%D8%B1%D9%88%D8%A8%D9%8A%D8%A9-%D8%B5%D9%88%D8%B1%D8%A9-%D9%85%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%B1%D9%86

 

 

الخميس، ديسمبر 08، 2022

مونديال 2022 في قطر...استحضار الصراعات الثقافية

 

لم يكن لي منذ طفولتي المبكرة حتى كهولتي الحالية اهتمام أو اكتراث بالرياضة عموما، وبمباريات كرة القدم خصوصا؛ وأتذكر أنني حين كنت أقرأ الجريدة الورقية، أتجاوز صفحة(أو صفحات) الأخبار الرياضية وأتجاهلها تماما، وهو ذات حالي مع أخبار هذا العالم الكروي في التلفزيون ومواقع الإنترنت، وما تجمع لدي حولها من معلومات كان بمحض كثافة وتكرار الأخبار والأسماء.

طرفة ومتابعة آخر مباراة أحيانا

ومن طرائف عدم اللامبالاة وانعدام الاكتراث لدي؛ أن ابني الأوسط (عمره 10 أعوام) انتسب لأكاديمية تدرب على فنون كرة القدم، وهو بشهادة مدربه "له مستقبل في لعب الكرة"، فقررت إدارة الأكاديمية دعوة أولياء الأمور إلى يوم مفتوح ينقسم فيه أولئك الآباء إلى فريقين ويلعبون مباراة كيفما اتفق؛ وتشجيعا للولد ورغبة في الاستطلاع وكسر الروتين، ذهبت وكنت في فريق منافس لفريق آخر، ولم أحصل إلا تعبا وركضا، حيث لم تلمس قدمي الكرة مرة، ولم يواسني في الخجل والحرج سوى قلة من أمثالي من آباء طلبة الأكاديمية.

 

غير أن هذا لا يعني أنني لم أتابع بعض المباريات، خاصة النهائية في تصفيات كأس العالم في بعض السنوات، ولا زلت أذكر فوز فريق الأرجنتين ونجمه المشهور آنذاك "دييغو مارادونا" على الفريق الألماني، وأتذكر أن الرقم الذي كان على "التيشيرت" (القميص) الذي لبسه مارادونا هو (10)، وكان عمري وقتها (1986) 12 عاما.

 

وفي مرحلة الشباب، تابعت مع عائلتي وعائلات أخرى كثيرة مباراة إيران مع الولايات المتحدة، وبالطبع كنا نشجع الفريق الإيراني، وأتذكر اسم وأداء اللاعب "عزيزي".

قطر تستضيف كأس العالم 2022

منذ الإعلان عن استضافة دولة قطر مباريات كأس العالم قبل نحو عقد من الزمان وهناك من يشكك في أنها ستعقد بالدوحة، والمؤسف أن التشكيك جاء بعضه من عرب ليس من منطلق إيمانهم بوجود انحيازات عنصرية ذات طابع سياسي أو أيديولوجي عند فريق من القائمين على تلك المباريات؛ بل لأنهم يرون أن العرب عموما -ومنهم القطريون- ليست لديهم خبرة ولا إمكانية كي يستضيفوا هذه الفعالية العالمية البارزة!

 

ولكن مرت السنون وحان الموعد، وسقطت كل محاولات حرمان قطر من استضافة تلك المباريات، عبر الاعتراضات الرسمية بقنوات مختلفة، أو عبر التشويش الإعلامي، وجاء اليوم الموعود الذي أعدت له دولة قطر -وبتوجيهات من سمو الأمير الوالد "الشيخ حمد" وسمو الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني- كل ما يلزم من تجهيزات كي يخرج المشهد متقنا مبهرا تماما، وكي يخرج الكلام المنصف المعبر عن الواقع (فعلتها قطر.. شكرا قطر). ولا يسعني هنا سوى استعارة ما جاء في تقرير الإعلامي "فوزي بشرى" على شاشة الجزيرة، فكلماته وعباراته والمقطع المرافق لها يقول كل شيء عن نجاح قطر في تنظيم المونديال:

https://www.youtube.com/watch?v=BH_gu5RV2Ls

إذا أضفنا إلى ما سبق أن قطر هي أول دولة عربية، وأول دولة مسلمة تقام هذه التظاهرة الكروية العالمية على أرضها منذ انطلاقتها في 1930 (نظمت في الأوروغواي) فإننا نستطيع القول إن العربي والمسلم ليس قاصرا ولا عاجزا، ويستطيع أن يفعل ما ظن بعضهم -أو روج بعض آخر- أنه لا يستطيع فعله، بل يفعله وبإتقان غير مسبوق.

وهذا أعطى مباريات كأس العالم 2022 طعما آخر وزاوية نظر أخرى، ولم يقتصر الأمر على مباريات وفريق فائز وآخر خاسر، بل انطوى على تكثيف وتجميع صراعات ثقافية كما سنأتي على ذكره في محور آخر من هذه المقالة.

قضية فلسطين ووضع إسرائيل

في مونديال قطر 2022 تجلى بوضوح حضور فلسطين وعلمها بألوانه الأربعة (المثلث الأحمر والمستطيلات الأسود والأبيض والأخضر) في كل يوم، بل في كل ساعة من ساعات هذه الأيام في قطر، وسيرى ذلك من يتابع ما يجري في قطر في شتى بقاع العالم، وبالتأكيد غياب السردية الإسرائيلية، والعلم الإسرائيلي بطبيعة الحال.

وفي الحوار الصاخب بين صحفي إسرائيلي وعرب من لبنان بأنه لا يوجد شيء اسمه إسرائيل بل هناك فلسطين، رد الصحفي الرد الروتيني المعتاد المتوقع بأن هناك إسرائيل وهي أمر واقع!

وهنا تظهر من جديد حالة ووضع إسرائيل في مناسبة رياضية كروية، لا في محفل دولي أو ميدان معركة عسكرية؛ فلا توجد دولة مهما اختلفنا حول سياساتها ومواقفها محل خلاف أو جدل وجودها من منطلق (أصل وأحقية الوجود) سوى إسرائيل.

وظهر أنه حتى جماهير من غير العرب والمسلمين (كالجمهور البرازيلي المحتفل بفوزه على صربيا مثلا) يحتفل بالغناء لفلسطين.

وتبدى حجم النبذ وتجنب التعاطي مع الإسرائيلي -ولو تسلح بمعسول الكلام- من قبل العرب والمسلمين وآخرين يتعاطفون مع الفلسطينيين، حتى لو كان الإسرائيلي يحاول التواصل معهم من منطلق مهنة الصحافة أو التبضع أو غير ذ لك.

ضرورات الأنظمة وخيارات الشعوب

قد يقال هنا إن الأساس والصواب هو ألا تطأ قدم أي إسرائيلي أرضا عربية ولو تحت ستار الإعلام أو السياحة أو حضور مباريات؛ نعم، وهنا أقول: إذا كانت للأنظمة الرسمية ضرورات أو إكراهات أو التعامل وفق حسابات معينة تضطرها إلى مخالفة المزاج الشعبي العام، فإنه يتوجب ألا تصادر خيارات الشعوب وتحصر في بوتقة حسابات النظم السياسية.

وبالنسبة لقطر، فإنه وبكل تأكيد لن يتعرض المواطن الذي رفض الحديث مع صحفي إسرائيلي، أو ذاك الذي رفض التعاطي تجاريا معهم، أو ذاك الذي أظهر لهم نفوره، وغير ذلك من نماذج النبذ الحامل رسائل واضحة؛ لن يتعرض هؤلاء إلى مساءلة أو ملاحقات أمنية أو تلفيق تهم جنائية انتقاما مما أبدوا من مواقف، وسيواصلون حياتهم الطبيعية وهم في أمن من مؤسسات دولتهم الأمنية والمدنية.

وهذا يرسل رسالة احتجاج عملية إلى دول اختارت مسار العلاقات (الطبيعية) مع الكيان العبري، ولكنها قمعت بعصا الأمن الغليظة كل مظهر احتجاجي على خيارها، وسلطت إعلامها الرسمي أو لجانها الإلكترونية كي يشتموا الفلسطيني ويتهموه ببيع أرضه، وفي الوقت ذاته تعمد الإشادة بالإسرائيلي وتمجيده تمجيدا لم يحظ به شقيق أو ولي حميم!

رسالة جديدة من قطر: إنه يمكنك اختيار طرق جديدة في تعاملك مع أقدس وأعدل قضية، أي قضية فلسطين.

وإسرائيل لم تبتعد عن الدول أو الكيانات التي شنت عبر إعلامها حملة تشويه ممنهجة ضد قطر بسبب استضافة المونديال؛ ومن ذلك على سبيل المثال نشر كاريكاتير بهذا الشأن في صحيفة "إسرائيل اليوم"؛ لسان حال حزب الليكود وبنيامين نتنياهو.

فرح بفوز السعودية على الأرجنتين

حالة من الفرح والابتهاج سبقها تشجيع بمشاعر صادقة، عند فوز منتخب المملكة العربية السعودية على منتخب الأرجنتين، وعلى رأسه اللاعب المعروف "ليونيل ميسي"، فقد أثبت فريق المملكة أنه يستطيع تحطيم أسطورة ميسي. وللأمر بعد ثقافي أيضا؛ فكثير من الشباب والفتية العرب جعلوا من ميسي ملهما و"أيقونة" ومنحوه عشقا كبيرا؛ بتعليق صوره، ولبس قمصان عليها صورته، أو جعل صورته معرفا "للبروفايلات" الخاصة بهم في الإنترنت.

ومنتخب السعودية العربي المسلم قدم لهم بديلا أو على الأقل أزال من مخيالهم تلك الصورة عن لاعب محترف يمتلك الفوز دوما خاصة على فريق عربي.

الثقافة والهوية ورفض المعيارية الغربية

رأيت مقطعا يظهر منع مشجعين بريطانيين من دخول الملعب بأزياء الحروب الصليبية، وللوهلة الأولى قد تظن أنك تشاهد كواليس مسلسل "قيامة أرطغرل" وليس أفرادا يفترض أنهم يدخلون لتشجيع فريق كرة قدم وليس في حملة عسكرية تستحضر حروبا مضت على نهايتها قرون طويلة.

المشهد وغيره من المظاهر أبرز مسألة الهوية والصراعات الثقافية التي أصرت دول غربية أوروبية على جلبها إلى ساحات المونديال، وتبدت المشكلة في أن الغرب يريد أن يجعل من قيمه وخياراته وتعريفه لمفهوم "جنس الإنسان" وما ارتضاه من ممارسات ومسلكيات بمثابة قيمة معيارية، ليس على العالم إلا تقليدها وقبولها.

مع أن الغرب منذ تجاوز المرجعية الكنسية ثقيلة وبطيئة التغير، فإنه تبنى المسلك العلماني سائل التغير وسريع التحول؛ فما كان ممنوعا بنص قانوني في دولة أوروبية قبل عقود صار الآن معتادا بل شائعا.

إن أكثر ما روج له الغرب والمدافعون عن قيمه في مجتمعاتنا العربية هو احترام خيارات الإنسان، والالتزام بالأنظمة والقوانين واللوائح، ولكن ما ظهر حتى الآن في غير موقف خلال المونديال يدل على حالة استعلاء وغطرسة، تنم على أن مفهومهم للالتزام باللوائح والقوانين يخضع لمزاجهم وما رأوه مناسبا في مجتمعاتهم وكياناتهم.

صحيح أن هناك مدونين وأكاديميين غربيين رفضوا علنا هذه الممارسات الاستفزازية، ولكن طبيعة وحجم الذين يريدون فرض القيم الغربية -أكرر أنها متغيرة بسرعة- أكثر حجما وأوسع نفوذا؛ فمثلا حين نرى وزيرة داخلية دولة بحجم ألمانيا (نانسي فيزر) تضع شارة "حب واحد" على ذراعها وقيام فريق بلادها بحركة مستفزة احتجاجا على قرار رئاسة الفيفا بمنعهم من ارتداء الشارة ذاتها، مع الحملة الشعواء التي شنتها ألمانيا على قطر واعتراضها على تنظيم المونديال هناك، بسبب منع قطر مثل هذه المظاهر؛ يدل على أن الصراع الثقافي وصراع الهوية يتضحان بصورة لا تحتمل تأويلا، وأصوات المعترضين الغربيين ذهبت أدراج الرياح.

 

مجموعة رسائل 

 

فعاليات مونديال 2022 في قطر حملت رسالة واضحة إلى الغرب، بأنه إذا كانت نسبتكم ثمن أو سبع أو سدس سكان العالم كحد أقصى، فهذا لا يعطيكم الحق في فرض وتعميم قيمكم الثقافية وأنماط حياتكم وسلوكياتكم الاجتماعية على بقية سكان الكوكب.

وأيضا أرسل رسائل ضمنية إلى ثلة من العلمانيين والليبراليين العرب الذين دأبوا على جعل الغرب معيار النجاح حصرا، بأن العرب يمكن أن ينجحوا ويبدعوا ويتفوقوا، وأن ادعاءاتكم بأن القوانين واللوائح شيء مقدس لا يتجاوزه الغرب حكومات ومجتمعات، انكشف زيفه، وأن اتهامنا بأننا نعيش في الماضي يستوجب منكم مراجعة مشهد مشجعين (من غيرنا) يرتدون لباس حملات عدوانية على المشرق العربي قبل ألف سنة.

نجحت قطر في تنظيم المونديال نجاحا غير مسبوق، ونجحت السعودية في تحطيم أسطورة ميسي، وسقطت سردية إسرائيل مقابل السردية الفلسطينية، وسقط الغرب في اختبار ادعاء احترام القوانين والأنظمة وخيارات الأفراد والمجتمعات.. كل هذا وغيره تجمع وحضر في فعاليات مباريات كأس العالم قطر 2022.

،،،،،

من قلم:سري عبد الفتاح سمّور(أبو نصر الدين)-جنين-أم الشوف/حيفا-فلسطين

تم النشر الأحد 3 جمادى الأولى 1444، 27-11-2022م

https://www.aljazeera.net/blogs/2022/11/27/%D9%85%D9%88%D9%86%D8%AF%D9%8A%D8%A7%D9%84-2022-%D9%81%D9%8A-%D9%82%D8%B7%D8%B1-%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D8%AD%D8%B6%D8%A7%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%B5%D8%B1%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AA

 

 

مع مذكرات أخطر سفير إسرائيلي في مصر (1)

لدي قناعة أن ذهاب أنور السادات إلى خيار التسوية مع إسرائيل؛ و زيارته المشؤومة إلى القدس في 1977 وصولا إلى توقيع اتفاقات كامب ديفيد في 1979 ه...