الاثنين، أكتوبر 31، 2016

ملاحظات سريعة حول كتاب أقوم قيلا لسلطان الموسى

أقوم قيلا
كتاب المؤلف الشاب:سلطان الموسى

سري سمّور
المؤلف شاب من مواليد 1978م وهذه ميزة للكتاب، ولا أقول أننا نعاني من ندرة المؤلفين الشباب، ولكن في مادة الكتاب حسب علمي المتواضع فإنك لن تجد كثيرا من الشباب من غير أهل الاختصاص قد ولجوا في هذا الباب وتناولوا هذه المادة.
 والمادة سهلة وسريعة الهضم، وللمهتم الذي لا يجد وقتا ولا عزما للإبحار في كتب مقارنة الأديان، والدراسات المطولة، فإن الكتاب الذي بين أيدينا يعطيه فكرة موجزة كافية، أما من درس وغاص في كتب الأديان والفلسفات الإنسانية، فإن الكتاب يعطيه خلاصة وتركيزا لما درسه.
ولا يعتمد الكتاب على حصيلة قراءات ودراسات قام بها المؤلف فقط، مع أن هذا تجده واضحا في الكتاب؛ بل على زيارات وحوارات مباشرة، ورحلات إلى أماكن شتى قام بها المؤلف، وهذا جهد طيب، في زمن صار فيه البحث عن الحقيقة عملة نادرا، على الأقل عند الدارس العربي لأسباب نعرفها، والدافع كان-حسبما يوضح المؤلف- أنه التقى شخصا ملحدا أثناء زيارة إلى لندن، واكتشف أنه بحاجة إلى أن يدرس ويتعمق في مجال الأديان ودحض الشبهات الإلحادية.
يناقش الكاتب العديد من الشبهات ويسد أبرز الثغرات التي قد تواجه المسلم عند الحوار مع أصحاب الديانات الأخرى أو من لا يؤمنون بأي دين، بأسلوب مختصر سريع ولكنه لا يخلو من التشويق والدقة، ولا يغرق في التأصيل والتفريع وبسط المراجع الذي غالبا ما يشتت القارئ غير المختص، وإن كان حاضرا لضرورة عرض الفكرة.
لست أول ولن أكون آخر من يخط سطورا عن الكتاب، وكأي كتاب فإن له زوايا مختلفة وكل قارئ ينظر من الزاوية التي تعنيه أو التي يرى أنها تعطيه نظرة شاملة عن المصنّف، ومن وجهة نظري فإن الكتاب على قلة عدد صفحاته نسبيا(223 ص) مقارنة مع الموضوع الذي يناقشه، يمثل قفزة جيدة تبعد المهتم عن الملل الذي قد ينتابه عادة إذا قرر عمل مقارنة للأديان مع بعضها أو مع الفكر اللاديني، حيث سيضطر إلى الدخول في التبويب والتأصيل والغرق في نصوص طويلة قد تشتت ذهنه، وفي النهاية لن يخرج بعد قراءتها إلا بفكرة في فقرة؛ وسلطان الموسى يأتيك بالفقرة تلو الفقرة.
هل معنى ذلك أن الكتاب يفيد فقط الكسالى غير الراغبين في التعمق والدراسة التأصيلية؟لا طبعا، وإن كانت تلك الفئة ستستفيد إذا أرادت؛ ولكن كثيرا منا من غير أهل الاختصاص، وبحاجة إلى مناقشة ومعرفة أجوبة مركزة حول قضايا وشبهات مختلفة، ولو أراد الجري وراءها فإنه سيحتاج وقتا، ربما أنفع له أن يقضيه في دراسة أشياء أخرى، ما دام بين يديه أجوبة...أستطيع القول بأن الكتاب أشبه بقاموس مختصر في مجال مقارنة الأديان.
ولن أدخل في تفصيلات فصوله ومواضيعه وسأدعها للقارئ كي يحكم عليها بنفسه، وبهذا لا أحدد لك الزاوية التي تنظر منها إلى الكتاب، بل حددها أنت بنفسك.
ولكن السؤال المنطقي، وقد تطرق له الكاتب بالمناسبة، هو:أليس من الطبيعي على شاب مسلم أن يدافع عن دينه حينما يقارنه بالأديان والأفكار الأخرى، فيبرز خصائص دينه والثغرات والخلل في بقية الأديان؟الحقيقة أنني لم أنظر للأمر من هذه الزاوية، فقد قلت أننا مسلمون، ولكن هل نمتلك أدوات كافية لننافح عن ديننا ومعتقداتنا؟ألم يتحول مسلمون نحو أديان أخرى ونحو الإلحاد؟هل نكتفي برميهم بضعف الإيمان ثم نمضي؟ألا يجب أن يكون لدينا كتب ومؤلفات طابعها المقانرة والمحاججة المسنودة إلى الاطلاع على معتقدات الآخرين؟هذه نظرتي، وللقارئ الحق في تبنيها أو النظر فقط إلى مسلم يدافع عن دينه ويريد أن يظهره كأفضل من غيره، مع أن هذا ليس فيه مذمة بل على العكس تماما.
وشخصيا أتمنى أن يتحفنا سلطان الموسى بالمزيد من مثل هذه الكتب.
روابط متعلقة:-

،،،،،،،،،،
سري سمّور

30 محرم الحرام 1438هـ،31/10/2016م

الخميس، أكتوبر 20، 2016

لسنا شياطين...ليسوا ملائكة

http://blogs.aljazeera.net/Blogs/2016/10/19/%D9%84%D8%B3%D9%86%D8%A7-%D8%B4%D9%8A%D8%A7%D8%B7%D9%8A%D9%86-%D9%84%D9%8A%D8%B3%D9%88%D8%A7-%D9%85%D9%84%D8%A7%D8%A6%D9%83%D8%A9

كل يوم تقريبا أرى صورا لمواقف إنسانية في بلاد غربية غير إسلامية؛أو إنجازات علمية،أو تعاملا راقيا عندهم،ويتم تسويق الأمر عربيا عبر الإعلام الحديث، فيعلم بهذه الصور الإيجابية من التقدم والرقي والإنسانية القاصي والداني من العرب، والمردود والنتيجة عكسية بحيث يشعر العربي بالإحباط واليأس والفشل والخيبة،ويخيل له أن الشر الذي وجد في الأرض يتجسد فيه، وأن الخير والتقدم والإنسانية والنبل فقط عند الآخرين، وأرى أنه ينبغي التوقف عند الأمر بناء على النقاط التالية:-
1)     لا نبخس الناس أشياءهم،فلم ينكر المسلمون أخلاق وكرم المطعم بن عدي الذي كان يطعم المحاصرين في شعب أبي طالب،ولكن هل كانت قريش كلها مثل المطعم أم أنه الاستثناء لا الحالة؟وحينما تحدثت سفانة ابنة حاتم الطائي عن كرم ونخوة أبيـها أمام النبي-صلى الله عليه وسلم- كان موقفه إيجابيا ولم يحاول التقليل من خصاله بل على العكس، وهو الذي سبق وأن أرسل صحابته المضطهدين من قومهم عند نجاشي الحبشة لعدله...فمن حيث المبدأ لا ننكر على أي أمة مهما كانت عقيدتها وثقافتها ما فيها من خصال حميدة.
2)      لا أقول بأن حالنا على ما يرام فما فينا ليس مما نحسد عليه عموما وفق مختلف المقاييس ولكن أن نصاب بهزيمة نفسية تجعلنا في نظر أنفسنا إلى أنفسنا شرا مطلقا ومثالا للتخلف والدموية والعفن والسلبية أمر مرفوض شرعا وعقلا.
3)       حين ترى اختراعا علميا لشاب أو فتاة من غزة التي يدار فيها التيار الكهربائي ساعات معدودة وتحاصر حصارا رهيبا، أو ابتكارا وتفوقا لشاب أو فتاة من الضفة الغربية المقطعة بالمستوطنات والإغلاق المحكم للمعابر التي لا تفتح إلا بأمر عسكري، فهذا أنموذج للتميز يفوق ما قد يحصله متفوق عنده كل ما يتيح له التفوق في اليابان أو بريطانيا أو فرنسا أو الولايات المتحدة الأمريكية.
4)      لو جاءنا لاجئون لكان حالهم كما يقال(إلهم الصدر وإلنا العتبة) ورأينا التعامل السيء من قبل الخواجات حتى ممن يفترض أن مهنتهم(الصحافة) نقل الحقيقة كيف يعتدون على اللاجئين علما بأن وصول هؤلاء إلى مرحلة يغادرون فيها(جهنمهم) إلى (جنة الخواجات) كان بسبب سياسات وأطماع الغربيين وإلا لما أتوها لاجئين أبدا...طبعا لا نعمم فهناك مواقف إنسانية حكومية وشعبية عندهم؛ ولكن أن نسوق الأمر على أن كله إنسانية وعطف وحنان واستقبال مريح، فهذا مجاف لحقيقة الأشياء.
5)      هل تعلم بأن كثيرا ممن لجأوا إلى بلاد الفرنجة مهنيون متميزون بشهادة الفرنجة أنفسهم ويستفيدون منهم كثيرا؟فلم نغفل عن هذا الجانب المهم؟
6)      لدينا اقتتال الفرنجة سبب مركزي في غالبه،ولكن أليس في بلاد الأمريكان جرائم وقتل؟أليس كثير منا يترك محفظته وهاتفه في السيارة أو ينساها في مكان ما فيعود فيجدها على حالها،وهذا يتمناه كثير من أهل عواصم الفرنجة؟
7)      تقدم علمي كبير ورعاية صحية ونظام سياسي خاضع للرقابة والمحاسبة وشوارع ومرافق نظيفة وفرص عمل وبدلات بطالة تضمن عيشا كريما، كل هذا صحيح ومن الغباء إنكاره ولكن في المقابل تفكك أسري وعيش منفرد، وشرعنة لزواج الشواذ وتجارة بالبشر تحت ستار عروض الأزياء وغيرها، ونشر التخلف والاقتتال وتصنيع واستخدام الأسلحة المحرمة دوليا، والتسبب في تلويث البيئة في كوكبنا عبر مصانعهم التي يهمها الربح فقط، بل إن من تصدروا التاريخ البشري في الإجرام أمثال هتلر وموسوليني وستالين ليسوا من العرب ولا المسلمين،ولا يغيب عنا حصار العراق مما تسبب بموت مئات الألوف من سوء التغذية أو نقص العلاج،حتى سجل العالم وصمة عار بمشهد امرأة عراقية تجرى لها عملية قيصرية بدون تخدير.
8)      وقبل وأثناء النقطة السابقة إنشاء إسرائيل وتحويل ملايين الفلسطينيين إلى لاجئين قسرا مدة تقارب 70 سنة وتزويد هذه (إسرائيل) بالمال والسلاح الذي تقتل به من بقي من الشعب الفلسطيني في أرضه،ولا زال منظر الاطفال القتلى في غزة ماثلا أمام نظر العالم.

وأخيرا وليس آخرا أقول بأننا لسنا شياطين ولا هم ملائكة، والحكم على التجارب والممارسات الإنسانية بالتعميم الأخرق لا يصح، فلنحرص على الاتزان في نظرتنا إلى أنفسنا أولا وإلى الآخر ثانيا.

الاثنين، أكتوبر 17، 2016

تجفيف عربي لخيار المواجهة


بقلم:سري سمّور

(7)استقواء صهيوني مع ارتباك عربي

صحيح أن الثورة الفلسطينية الكبرى قد استمرت حتى سنة 1939 أي حتى بداية الحرب العالمية الثانية  التي كانت بريطانيا طرفا مركزيا فيها، وكانت معنية ببيع الوهم إلى العرب، ولكن الثورة لم تجد دعما عربيا كافيا لاستمرار اشتعال جذوتها، وذلك في ظل اختلال هائل في موازين القوى لصالح القوة العسكرية البريطانية الرهيبة مقارنة مع الثوار، والذين أبلوا بلاء حسنا، ولكن العدو امتص الضربات الموجعة، وراهن على عامل الزمن من جهة، وعلى الخيار العربي الذي لا يتبنى خيار المواجهة، وكسب الرهان للأسف.
بالتزامن مع انهاك بريطانيا في حربها مع دول المحور وخصوصا ألمانيا الهتلرية، فإن الحركة الصهيونية أدركت أنها لا بد لها من سند ومعين دولي قوي بدل بريطانيا، وكان الأمريكي هو البديل الجاهز وهذا البديل زاد في نوع أو ماهية الدعم عن بريطانيا وذلك بالسعي والعمل من أجل إقامة دولة يهودية في فلسطين، وليس فقط وطنا قوميا لهم حسب وعد بلفور البريطاني.
أما النظام العربي الرسمي وقتها فإنه غالبا تحالف أو تماهى في سياساته مع الإنجليز، والتزم هامش المناورة الذي أتيح له من قبلهم فقط، ولم يحاول بل لم يفكر -عبر الفلسطينيين- في إزعاجهم وخلخلة جبهتهم في المنطقة، ولكن هل كان يجب على العرب والفلسطينيين التحالف مع هتلر، وهل خطوة الحاج أمين الحسيني بالاجتماع مع هتلر صحيحة؟الصحيح أن هذا أمر يكثر الجدل واللغط حوله، ولكن المؤكد أن بريطانيا كافأت العرب على وقوفهم معها بتمكين اليهود الصهاينة من فلسطين، أما الحاج أمين فلم يبلور هوية فلسطينية مستقلة عن النظام العربي الرسمي حتى وهو يلتقي بهتلر، لأسباب ذكرتها في المقالين السابقين الموسومين بـ(فلسطين والمؤثرات العربية) و(سياسة عربية ثابتة).
ولكن هل حينما نتحدث عن دول عربية مستقلة وقتها نقول الحقيقة فعلا؟فالاستقلال العربي كان إلى حد بعيد بروتوكوليا صوريا نظرا للنفوذ بل الوجود الفعلي للإنجليز في تلك الدول وتأثيره على قرارها وخيارها، وإبقاء هامش تحركها تجاه القضية الفلسطينية محكوما بالمصلحة البريطانية وهي المصلحة الصهيونية بلا ريب، ولعل هذا كان سببا كافيا لتكوين حاضنة وطنية فلسطينية مستقلة ولو بحدها الأدنى عن معطيات الظرف الموضوعي للدول العربية شبه المستقلة...ولكن هذا لم يحصل للأسف الشديد.

(8)إرهاصات النكبة الكبرى

من الكوميديا السوداء أن الحركة الصهيونية كان بها مجموعات مسلحة إجرامية ترى في بريطانيا عدوا وخصما، أو على الأقل دولة لا يمكن التعويل عليها لتحقيق اغتصاب فلسطين؛ بريطانيا التي منحتهم وعد بلفور، وسهلت هجرتهم، وقدمت العديد من السكان الفلسطينيين إلى المشانق والسجون، وساعدتهم على تهجير مدن وقرى فلسطينية ليقيموا مستعمراتهم مكانها، وأمدتهم بالسلاح المتطور والعتاد، وسهلت لهم إحضار السلاح من وراء البحار، يراها هؤلاء مقصّرة في حقهم، بل حتى متحالفة مع العرب ضدهم...إنهم قوم بُهت!
وكان من أشهر هذه المجموعات عصابة (شتيرن) و(الإرغون) بل إن زعيم الأخيرة الذي سيصبح لاحقا رئيسا لوزراء الكيان العبري، ويوقع اتفاق كامب ديفيد وينال جائزة نوبل، القاتل المجرم (مناحيم بيغن) يتبجح في كتابه(التمرد،قصة الإرغون) ويهاجم بريطانيا، وينكر دعمها  ووقوفها مع الصهيونية، بل حقيقة أن الصهيونية لولا بريطانيا لما كان لها ولو حتى جحر في أرض فلسطين...وبالطبع كان التنظيم المركزي الأكبر(الهاجاناه) بزعامة (دافيد بن غوريون) لا يتبنى ولو نظريا رؤية بيغن، لأنه يدرك أن تأسيس دولة يهودية لا يمكن أن يتم دون رعاية ودعم مطلق من القوى الكبرى وخاصة بريطانيا، ولكنه لم يقمع بيغن وسمح له بالعمل بحرية، حتى ولو اضطر إلى لجمه في بعض المواقف لضرورات استراتيجية...بل ما زال مصطلح(حرب الاستقلال) مستخدما ومحل اتفاق الأحزاب الصهيونية بمن في ذلك حلفاء بريطانيا المباشرين، وكأن بريطانيا كانت قوة مستعمرة ضد الوجود اليهودي في فلسطين، وهذا أحد وجوه الصفاقة والتزييف الصهيوني.
وجه الكوميديا أن الصورة المقابلة عربيا كانت تراهن على علاقتها التي تراها حسنة وطيبة مع بريطانيا، وثقة مستفزة بوعودها الكاذبة بإنصاف الشعب الفلسطيني، ولم يتكون جسم فلسطيني مستقل سياسيا عن النظام العربي الرسمي، ولو كردة فعل، أو ورقة يلوح بها هذا النظام ولو تكتيكيا، في ظل الحالة التي كانت عند اليهود الصهاينة.

(9)النكبة المتوقعة

نجح اليهود الصهاينة في التمدد داخل الساحل الفلسطيني، والجليل والنقب وغربي مدينة القدس، وصار لهم مؤسسات دولة تنتظر الإعلان؛ فلديهم ميليشيات يمكن أن تتحول إلى جيش نظامي-كما حصل فعلا- بورقة موقعة من كبرائهم، ولهم مؤسسات تعليمية متطورة و كيانات اقتصادية، ويأتيهم الدعم المالي، ناهيك عن البشري من الدول الأجنبية، وكما ذكرنا فإن الصهيونية صارت حركة لها حاضنة أمريكية، منذ عهد الرئيس (هاري ترومان) إضافة إلى نفوذ اليهود الروس في الاتحاد السوفياتي آنذاك، مما جعل المشروع الصهيوني مشروعا لكل القوى والدول الكبرى في العالم.
وفي ظل وضع عربي نعرف ضعفه، واختلاف قادته، واستراتيجيتهم بجعل المواجهة إما خيارا مستبعدا، أو تكتيكا هامشيا، فإن الكفة الصهيونية سترجح، وليس ثمة عاقل يرى غير ذلك، ولكن الحل الأمثل هو استنزاف هذا المشروع ومقاومته بأسلوب حرب العصابات التي تعرفها الشعوب العربية في خضم سعيها للتحرر من الاستعمار الأوروبي، وخبرت تمرّس ورباطة جأش الشعب الفلسطيني وقدرته أيضا على خوضها، في سنيّ الثورات ضد بريطانيا، وليس الحل خوض حرب نظامية موازين القوى فيها مختلة، والسماح بترديد فكرة (سبعة جيوش عربية) في مواجهة مع عصابات متفرقة؛ فهذه العصابات أكثر عددا وعدة وفي ظهرها عسكريا بريطانيا، والولايات المتحدة تتبناها فكريا وسياسيا وماليا!
كان الأجدى تزويد الشعب الفلسطيني بالسلاح، ونشر مجموعات صغيرة متفرقة تعمل على مقاومة المشروع الصهيوني واتباع النفس الطويل في ظل المعطيات المذكورة، وأهل الأرض أخبر وأعلم بكيفية المناورة، وأيضا توفير الدعم المالي للشعب الفلسطيني، مثلما هناك دعم لليهود من الخارج، وهذا الحل إذا لم يكن قادرا على منع وقوع النكبة، فقد كان قادرا على كبح جماح صانعيها، والحد من حجمها، وفرملة تداعياتها الكارثية...وفي المقال القادم بمشيئة الله سنتحدث عن مرحلة النكبة وما تلاها، وكيف أنها زادت وعمقت من ارتهان القضية الفلسطينية إلى الخيارات الرسمية العربية أكثر من كل المراحل السابقة.



،،،،،،،،،،
الإثنين 16 محرم 1438هـ ، 17/10/2016م
من قلم:سري عبد الفتاح سمّور(أبو نصر الدين)-جنين-أم الشوف/حيفا-فلسطين

تويتر: https://twitter.com/SariSammour     @SariSammour  
مدونات:-

الاثنين، أكتوبر 10، 2016

حرية التعبير...الشعار والممارسة

http://blogs.aljazeera.net//blogs/2016/10/9/%D8%AD%D8%B1%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B9%D8%A8%D9%8A%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%B9%D8%A7%D8%B1-%D9%88%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%85%D8%A7%D8%B1%D8%B3%D8%A9


حرية  التعبير عن الرأي والفكر، تظل حلما جميلا،وفكرة طوباوية،وشعارا مثاليا،ولكن حقيقة الأشياء تقول بأنها نسبية،ولها ضوابط وكوابح كثيرة؛صحيح أنها في المجتعمات العالمثالثية في أسوأ حالاتها،ومحكومة تماما برؤية النظام السياسي،والنمط الاجتماعي السائد،وهما غالبا يضيقان ذرعا بكل من يمارسها ولو على أضيق نطاق،ولكن هذا لا يعني أنها في الدول والمجتمعات الأخرى مطلقة وبلا قيود أو حدود.
وإذا كان الغرب وأقصد بالغرب خاصة الولايات المتحدة الأمريكية ودول أوروبا الغربية كبريطانيا وفرنسا وألمانيا يعتبر عربيا أفضل مثال على مساحة حرية الرأي والتعبير،ويتطوع العرب-وأنا منهم أولا وأخيرا-بتدبيج القصائد المادحة المتغنية بهذه الحرية عندهم،وهو مدح يحمل ضمنا في طياته رثاء لحالة تلك الحرية عند العرب؛فإن الغرب مطعون وبالدليل الملموس في مدى حرية الرأي والتعبير لديه؛نعم يمكن للمواطن الغربي،أو غيره على أرضه أن ينتقد رئيس الدولة ورئيس الوزراء والمؤسسات بكلام منطوق أو مرقوم أو برسم أو بمادة فنية،ولن يكون مصيره السجن أو القتل أو التضييق مثل ما سيحصل له في البلاد العربية عادة،ولكن هناك أمور لو اقترب منها ولو تلميحا فسيناله الأذى،فمثلا هيلين توماس،إذا كنتم تتذكرون هذه العجوز التي تعتبر أيقونة الصحافة الأمريكية،قد أقصيت-مع أنها تراجعت عن تصريحاتها-من منصبها وعملها الذي بدأته منذ عهد الرئيس جون كينيدي،وهي لم تمس ما يعتبر من المحرمات غربيا،أي الهولوكوست؛فقط قالت بأن على اليهود في فلسطين العودة إلى ديارهم في بولندا وألمانيا والولايات المتحدة،أي لم تدع إلى ما يشتبه أنه لا أخلاقي ولا إنساني،ودعوتها كانت من باب تبريد الصراع المشتعل،وما رأته حلاّ،وهو قرار هي لا تملكه،مجرد وجهة نظر طرحتها في بلد الديموقراطية الأول.
وقد كان حظ روجيه غارودي الفيلسوف الفرنسي المعروف أسوأ في دولة يحلو لبعض العرب وصف عاصمتها (باريس) بأنها رمز  التنوير والحرية التي لا يقف في وجهها شيء،سواء الاعتبارات الدينية أو الأخلاقية،فقد مسّ ما لا يسمح الغربيون بمسه،وهو رواية الهولوكوست،علما بأن فلسفة الغرب التي يروّجها منذ حقب زمنية طويلة تتلخص بأن كل شيء قابل للبحث والتشكيك،وأن المنهج العلمي والدليل العقلي هو الفيصل فقط وليس حتى للنص المقدس بله أفكار البشر -حسب هذا المنطق- اعتبار إذا خالف العلم،وتحت هذا البيت الفلسفي ترعرع الملحدون وتكاثروا وفي ظل حرية الرأي المسنودة بقوانين غير قابلة للتأويل جاهروا بآرائهم بكل وسيلة ابتكرها الإنسان،ولكن عند غارودي صارت حرية الرأي والتعبير شعارا فارغا من المضمون،مع أنه يفترض أن يرد عليه بطريقة علمية تفنّد رأيه،أو على الأقل أن يقال أن من حقه التعبير عن رأيه الذي يختلف عن رأي الدولة وعموم المجتمع،ولكن الرد على ما طرحه الفيلسوف والمفكر والسياسي الضليع كان المحاكمة والإدانة...وقد يرى المتيّمون بوضع حرية الرأي والتعبير عند الغرب عموما وفرنسا خصوصا،بأن جارودي لم يقتل برصاص رجل مهووس أحمق،ولم يغيّب في ظلمات السجون حتى تنهشه الأمراض،ولم يتعرض للتعذيب النفسي والجسدي،ولم يفصل من وظيفته أو يضيق عليه وعلى عائلته في الرزق والمعيشة،مثلما هو حال من يكتب رأيه في بلاد شرق المتوسط،وخالف رأيه ولو جزئيا رؤية النظام السياسي القائم في بلده...الكلام خادع لأن المقارنة أصلا عند قائليه غير موجودة فأنت في دولة تفاخر بتقديس حرية الرأي،بينما أنت تعيب على الدول الشرق أوسطية العربية عدم وجود أي قيمة أو احترام لحرية الرأي،فمن حيث المبدأ لا مقارنة،فلم تحضر المقارنة في حالة جاردوي التي تمثل ثلمة كبيرة في تطبيق شعار حرية التعبير عن الرأي...طبعا فرنسا ومعها عدة دول أوروبية سمحت بنشر رسوم مسيئة للمسلمين الذي يشكلون نسبة أكبر من اليهود في أوروبا،ويشكلون خمس سكان الأرض،والإساءة للمسلمين جاءت بالنيل من نبيهم أي التعرض لصلب عقيدتهم،والإساءة لليهود لم تكن كذلك من قبل جارودي الذي فقط تناول أحداثا مست اليهود في الحرب العالمية الثانية جزئيا،وانتقد جعل تلك الأحداث مبررا لممارسات الحركة الصهيونية،وهي حركة حتى بعض اليهود يرفضونها.
ولا ننسى منح لقب فارس من الدولة البريطانية إلى الكاتب سلمان رشدي وهو من أصل هندي،إضافة إلى احتفاء به من قبل رموز غربيين منهم الرئيس بيل كلينتون،فهل هذا التكريم والاحتفاء مرده الإعجاب بالقيمة الأدبية والقدرة الإبداعية للرجل،وهي ضئيلة جدا عند غيره ممن يعيشون في الغرب والشرق، أم أن الأمر مرتبط بأمر آخر بات معروفا؟
الخلاصة أن حرية التعبير عن الرأي بمختلف الوسائل خاضعة تماما لاعتبارت سياسية وربما اقتصادية واجتماعية في كل مكان على وجه الأرض،وأن الشعار شيء والممارسة شيء آخر،وذلك في كل مكان،وصار معروفا ومعلوما محددات وحدود كل بقعة من العالم في تطبيق هذا الشعار الحالم!
،،،،،،،،،،
الأحد 8 محرم 1438هـ ، 9/10/2016م
من قلم:سري عبد الفتاح سمّور(أبو نصر الدين)-جنين-أم الشوف/حيفا-فلسطين

تويتر: https://twitter.com/SariSammour     @SariSammour  
مدونات:-



الثلاثاء، أكتوبر 04، 2016

من كنوز ذكرى الهجرة

في مستهل العام الهجري 1438 نستذكر وعي وفهم عمر – رضي الله عنه – للإسلام حيث أنه اختار التأريخ بهجرة النبي (ﷺ) لا بمولده البيولوجي، لأن الهجرة كانت بداية ميلاد أمة لها عقيدتها المتميزة وقانونها الخاص ورسالتها الأكمل من بين كل الرسالات.


مع كل حدث في تاريخ السيرة النبوية العطرة نجد دروسا وعبرا، وفي ذكرى الهجرة النبوية من مكة المكرمة، البلد الحرام، موطن الأنبياء، ومهبط الوحي، إلى يثرب التي ستصبح بحدث الهجرة: المدينة المنورة، نتوقف لالتقاط بعض النفحات والتمتع بكنوز الدروس العظيمة من هذا الحدث الذي غيّر مسار الدنيا.
نعم خرج محمد (ﷺ) من وطنه، وهو أمر كان قد أخبره به ورقة بن نوفل قبل 13 عاما من خروجه، فاستغرب، ولكن ورقة العارف بتاريخ الدعوات وما يلقاه أهلها من عنت أقوامهم قال له: نعم لم يأت رجل قط بما جئت به إلا عودي، كما في صحيح مسلم.
وفي مستهل العام الهجري 1438 نستذكر وعي وفهم عمر – رضي الله عنه – للإسلام حيث أنه اختار التأريخ بهجرة النبي (ﷺ) لا بمولده البيولوجي، لأن الهجرة كانت بداية ميلاد أمة لها عقيدتها المتميزة وقانونها الخاص ورسالتها الأكمل من بين كل الرسالات.
ونتذكر أبا بكر عتيق التيمي الذي وضع كل ما يملك في خدمة هذه الدعوة، لندرك أن الدعوات لا تنتصر فقط بالأمنيات والألفاظ الجزلة؛ فالصدّيق خاطر بنفسه وشخصه، ووهب كل ماله للدعوة، وأولاده وبناته وضعهم تحت تصرف الدعوة، ولم يرف له جفن خوفا على ما قد يلحق بهم من أذى، وقد لحق.
ونتذكر عليا وهو ينام في فراش النبي (ﷺ) وهو يعلم بالخطة الخبيثة التي وضعها أبو جهل، فيشعر بأمن وسلامة وسكينة ما مرت به طيلة حياته، إنه الإيمان واليقين.
ونتذكر المهاجرين الذين تركوا أوطانهم وأموالهم نصرة لدينهم، وفي ذات الوقت نتذكر أن النية هي أساس قبول الأعمال، مثلما روي أن هناك مهاجرا عرف باسم مهاجر أم قيس لأنه كان يريد الزواج بامرأة ولم يهاجر لله ورسوله( خبره مذكور في أول حديث في صحيح البخاري)، ولكن أين هو ذكر وأثر مهاجر أم قيس حين نستعرض سير وأخبار المهاجرين المخلصين الذين مدحهم رب العزة في القرآن الكريم؟!
ونتذكر الأنصار الذين أحبوا من هاجر إليهم، فكان نعم المجتمع، وتأسست أول دولة مدنية حقيقة في تاريخ الإنسانية.
ونتذكر أن المسجد كان هو أول مؤسسة تبنى في تلك الدولة؛ فالمسجد مكان عبادة لله – سبحانه وتعالى – التي هي أساس الدعوة، ومن أجلها خلق الإنسان واستُخلف في الأرض، وهو مكان التعلم والتشاور وغير ذلك، فالمسجد نواة المجتمع المسلم المدني ولكن ليس بأحجاره وبنائه فقط، بل باستشعار أهمية رسالة ودور المسجد في المجتمع، لنتذكر هذا الأمر بالذات.
لنتذكر أول ميثاق (دستور) وضعه خاتم النبيين لأهل المدينة، يحمل ويشدد على ما يعرف اليوم بحقوق المواطنة؛ فاليهود جزء من مجتمع المدينة ولهم حقوق المواطنة، وعليهم واجباتها واستحقاقاتها مثلهم مثل المسلمين، وما حدث بعد ذلك لهم لم يكن بسبب دينهم ومعتقدهم، ولكن بسبب إخلالهم وانتهاكهم الصارخ لمفهوم المواطنة مرة بعد مرة وقبيلة بعد قبيلة من قبائلهم.
نتذكر أن الأخذ بالأسباب الدنيوية هو أمر اتبعه النبي وهو المؤيد بوحي السماء، فقد وضع خطة للتخفي، واستعان بابن أريقط وهو ليس مسلما، وحمل الزاد والماء، ولم ينتظر أن ينزل عليه هذا من السماء بابتهال ودعاء، وبعد/ومع الأخذ بكل سبب دنيوي ووسيلة مادية كان التضرع لله والرجاء بأن ينصره حاضرا.
بل إن يثرب تتحكم بطرق قوافل التجارة التي كانت تسيرها قريش إلى بلاد الشام، أي أن اقتصاد المشركين صار تحت رحمة الدولة الجديدة، كما أن يثرب اقتصادها ذاتي حيث لا تعتمد على التجارة بل على ما فيها من ثمار كالتمر، وفيها مصادر مياه كافية، وهي محصنة تحصينا طبيعيا لوقوعها بين جبلين (حرّتين). فسبحان الله العظيم.
نتذكر كيف أن أم معبد وصفت هيئة الرسول – صلى الله عليه وسلم – بدقة وهو أمر لم يؤثر عن بقية الصحابة، ربما لأنهم لم يكونوا مهتمين بخَلقه – وهو جميل حسن السمت – بقدر اهتمامهم به كنبي ومعلم وقائد ومرشد، مما يدل على اختلاف زوايا النظر، ومما يعزز فكرة دراسة السيرة من زوايا عدة.
الهجرة حافلة بالدروس العظيمة التي نتعلم منها – إذا شئنا – أمورا كثيرة تفيدنا في ديننا ودنيانا.
وصلى الله على نبينا محمد وآله وسلم تسليما كثيرا.

السبت، أكتوبر 01، 2016

سياسة عربية ثابتة


بقلم:سري سمّور

(4)تبني الدبلوماسية بدل المواجهة

إذا كانت بريطانيا قد اتخذت قرارا مفعما  بالتصميم على تمكين المشروع الصهيوني في فلسطين، فإن النظام الرسمي العربي وقتها، وحتى الآن، اتخذ قرارا باعتماد الدبلوماسية وعدم وضع خيار المواجهة مع هذا المشروع كخيار استراتيجي، وهذا شمل الدول التي كانت مستقلة، والتي استقلت لاحقا، وتتلخص سياسة النظام العربي بمحاولة ثني القوى الدولية الكبرى(بريطانيا سابقا والولايات المتحدة حاليا) عن تبني السياسات الصهيونية ودعمها المطلق لها، باتباع الطرق الدبلوماسية، بالتوازي مع جهود عربية رسمية مكثفة لتهدئة الثورات الشعبية الفلسطينية المتلاحقة وأعمال المقاومة في الأراضي الفلسطينية.
لو أخذنا ثورة عام 1936م والمعروفة بالثورة الكبرى، لوجدنا أنها النموذج  والمثال الصارخ على تلكم السياسة العربية الثابتة، والتي لم تتغير بتغير الظروف السياسية الدولية والإقليمية والمحلية الفلسطينية بطبيعة الحال.
فتلك الثورة أثبتت قدرة الشعب الفلسطيني، مع من ساعده من المجاهدين العرب، على اجتراح المعجزات، وصناعة البطولات، والصمود في سبيل تحقيق الأهداف، والحيلولة دون تمكين المهاجرين اليهود، المدعومين  بالمال والسلاح والقوانين الممفصلة على مقاسهم من قبل البريطانيين، وكاد هؤلاء أن يعيدوا النظر بمخططاتهم ومشاريعهم، أو على الأقل أن يتخلوا عن كثير من طموحاتهم، وأن يقلصوا حجم مطامعهم، وذلك في ظل ثورة شعبية وإضراب شامل، لم يسبق له مثيل، ولم تفلح في كسر تلك الثورة كل إجراءاتهم القمعية، ولا حشوداتهم العسكرية التي بلغت عشرات الآلاف من الجنود والضباط القادمين من بريطانيا نفسها، ومن مستعمراتها في العالم، واضطرارهم إلى تغيير القيادة العسكرية في مواجهة الثورة العارمة مرات عدة؛ ولكن الملوك والزعماء العرب ظلوا يراهنون على الدبلوماسية، وثقتهم بالحكومة البريطانية لم تتضعضع، كما جاء في النداء الذي وجهوه إلى الشعب الفلسطيني عبر اللجنة العربية العليا، فتوقف الإضراب وأعمال المقاومة المنظمة والعفوية التي استمرت حوالي 6 شهور بعيد ذلك النداء المعروف؛ والذي كان-ويا لها من مفارقة- في ذكرى الإسراء والمعراج!

(5)عواطف وظروف

وقد يرى بعض من أستعرض هذه الحقائق أمامهم، أنها تستبطن مبالغة في تحميل النظام العربي الرسمي وحده مسئولية وقف الثورة، وذلك من وجهين، الأول:أن البريطانيين واليهود على الرغم مما واجهوه من مقاومة عنيفة فإن ضغطهم العسكري المتزايد على أهل فلسطين أنهك الناس كثيرا، وجاءهم النداء العربي كمخرج مشرّف، والثاني:أن القيادات المحلية الفلسطينية وإن كانت متحدة ظاهريا،ولكن فيهم ومنهم، من هو صنو النظام العربي الرسمي، ويرى ألا طائل من الثورة والمواجهة باعتبارها استراتيجية كفيلة بدحر المشروع الصهيوني المدعوم من بريطانيا، وإلا لماذا استجاب الناس بسرعة قياسية لذلك النداء؟
ولكن لو قرأنا الظروف السياسية والحالة النفسية لوجدنا أن النظام العربي الرسمي له حصة الأسد وأكثر في وقف الثورة(المرحلة الأولى)؛ ذلك أن الحالة العاطفية السائدة عند أهل فلسطين ترى أن من الضروري تحقيق الوحدة العربية، بل إن مقاومة المشروع الخبيث، تهدف وفق تلك الحالة إلى الالتحاق بمشروع وحدة عربية كانوا يتخيلونه منذ نهاية أو أواخر عهد السلطنة العثمانية، وكما أوضحت في المقال السابق الموسوم بـ(فلسطين والمؤثرات العربية) فإنه لم تكن للشعب الفلسطيني هوية وطنية متبلورة في ذلك الوقت، بعكس ما كان عليه الحال في الجوار العربي، الذي بلور هوياته القطرية والوطنية-بغض النظر عن أنها ناجمة عن الاستعمار- مع خطاب عاطفي يدعو للدولة القومية لا القطرية، وينادي بضرورة الوحدة العربية، وقد كان الفلسطينيون قيادة وشعبا أسرى ذلك الخطاب، وهذا طبيعي في ذلك الوقت، نظرا لأن الممارسة السياسية لهؤلاء متواضعة، والحصول على المعلومات  لم يكن بالسهولة التي نراها حاليا، ولأنهم وجدوا أنفسهم-في زمن قياسي- في حالة مواجهة شرسة مع عدو ماكر يمتلك المال والسلاح والتقدم العلمي والتجربة الاستعمارية الطويلة، وكانت أولويتهم التصدي لمخططاته، وليس البحث عن هوية وطنية قطرية، بل لربما اعتقدوا أن تكوين مثل هذه الهوية بمثابة (خيانة) للمشروع الأوسع الذي يداعب مخيالهم، المتمثل بالوحدة العربية!
بل إن توصيات اللجنة الملكية البريطانية التي كلفت بالتحقيق بعد انتهاء الإضراب الطويل، قد أوصت بإقامة دولة يهودية في جزء من فلسطين، وإبقاء القدس وحيفا تحت الانتداب البريطاني، وضم ما بقي من فلسطين إلى شرق الأردن؛ أي لا حديث ولو من قبيل الحبر على الورق عن دولة فلسطينية على أي شبر من فلسطين، وقد رفض الفلسطينيون توصيات اللجنة، ليس لهذه الملاحظة، بل لرفضهم المبدئي فكرة التقسيم ومنح اليهود أي جزء من فلسطين.

 (6)زيادة النفوذ العربي

لا أبتعد-رعاك الله- عن الحقيقة إذا قلت بأن المراحل والسنوات التي تلت ثورة36 وما رافقها من استقلال متتابع للبلاد العربية، التي رسم لها أن تكون قطرية لا قومية بالقلم الاستعماري الراسم لخرائطها، قد حملت ضمنا زيادة النفوذ العربي على القيادة والشعب الفلسطيني؛ ولا شك أن الدولة القطرية العربية، تفكر في البقاء والاستمرار والاستقرار، وليس في فكرها السياسي أي نية لتفعيل المواجهة أو دعم الثورة، وهي تلقائيا تقبل بالحدود المرسومة ضمنا لها والتي أشرنا إليها في السطور السابقة، أي الضغط الدبلوماسي، وحتى التوسل للقوى والدول العظمى والكبرى، لمحاولة الحصول على أي شيء-يضمن بياض الوجه- منها، ومن ثم ممارسة الضغط الناعم أو الخشن على الفلسطينيين كي يقبلوا بما يمكنها تحصيله...وقد تدحرجت هذه السياسة الثابتة عربيا(استبعاد المواجهة والثورة تماما) حتى وصلت إلى مرحلة نراها حاليا، باعتبار الكيان العبري البوابة والممر الضروري والوحيد لنيل رضا وقبول الدول العظمى!
ولم يكن لتغير النظام السياسي في عدة أقطار عربية دور في تغيير أو تبديل هذه السياسة بعكس ما ظن المتحمسون من النخب القومية، أو من عامة الشعب الفلسطيني والشعوب العربية؛ فالنظم الجديدة –غالبها جاء بانقلابات عسكرية-هي الأخرى تريد قبولا أو على الأقل ضمان عدم مضايقة من الدول العظمى، وهذه الأخيرة، لن تعطيهم ختم القبول وصك الرضا إذا تبنوا سياسة جديدة تقوم على استراتيجية المواجهة مع المشروع الصهيوني، لأن هذا المشروع ببساطة هو مشروع دولي، يجب أن يستمر ويستقر بغض النظر عمن يحكم الدول العربية من شخصيات أو أحزاب.
وفي مقال قادم-بمشيئة الله-سنواصل الحديث عن التأثير العربي السلبي على مسار القضية الفلسطينية في مفاصل تاريخية مهمة بعد المرحلة الأولى من الثورة الكبرى.

،،،،،،،،،،
السبت 29 ذي الحجة 1437هـ ، 1/10/2016م
من قلم:سري عبد الفتاح سمّور(أبو نصر الدين)-جنين-أم الشوف/حيفا-فلسطين

تويتر: https://twitter.com/SariSammour     @SariSammour  
مدونات:-

مع مذكرات أخطر سفير إسرائيلي في مصر (1)

لدي قناعة أن ذهاب أنور السادات إلى خيار التسوية مع إسرائيل؛ و زيارته المشؤومة إلى القدس في 1977 وصولا إلى توقيع اتفاقات كامب ديفيد في 1979 ه...