السبت، ديسمبر 24، 2016

التحرش بالنساء والألبسة الفاضحة

التحرش بالنساء والألبسة الفاضحة


بقلم:سري سمّور

ملابس النساء قبل 50 سنة كانت فاضحة أكثر مما هي عليه اليوم وكانت حالات التحرش لا تذكر، فما السبب في زيادتها المسعورة في هذا العصر؟هو سؤال يستبطن استبعادا تاما لضرورة تحلي النساء بالحشمة، باعتبار أن العلة ليست ما تلبسه المرأة ولكن التحرش دوافعه كلها تخض المتحرشين، ويقدمون أدلة بوجود حالات تحرش بمحجبات بل ومنقبات...فهل المعادلة صحيحة؟أي لا علاقة لملابس النساء بوجود أو زيادة التحرش سواء أكان لفظيا أم جسديا؟!
إن التحرش بالنساء ظاهرة مركبة، اللباس جزء رئيس منها وليس وحده سببها.
 ففي هذا العصر زادت التعقيدات أمام الشباب لفتح بيوت بالحلال، وفي هذا العصر غلبت الظاهرة الجسدية والمادية على الرومانسية، فمثلا كان الناس معنيون بصوت أم كلثوم لا بجسدها، ونلحظ حاليا أنه لو ظهرت مطربة لها صوت أم كلثوم ولا تظهر مفاتـنها فلن يكتب لها النجاح على الأغلب...بل صارت الشهرة أو النجومية لمطربة أو ممثلة أو حتى لبعض مقدمات البرامج التلفزيونية مرتبطة بما يسميه الإعلام بـ(الملابس الجريئة)...نعم جريئة في مخالفة الدين والفطرة السليمة ومحاولة الإغواء بما يمكن من استفزاز الغرائز والشهوات.
جملة معترضة:لا أسمع شيئا يذكر لأم كلثوم، ولست من المعجبين بصوتها، ولكن أحلل ظاهرة الاهتمام بالجسد على حساب أشياء أخرى.
ولم تعد ملكة اللغة والأداء مقدمة على جمال المظهر في الإعلام المرئي؛ فصار من لزوم (النجاح) أن تجلس مقدمة البرنامج بجوار زميلها وتبادله المزاح والابتسامات، مع خضوع في القول، وهذا ينسحب على الدراما التي كثير من محتواها يقدم المرأة سلعة، ويقدم العلاقات غير المشروعة أمرا طبيعيا يجري في المجتمع...فنحن نعيش عصر تسليع لجسد المرأة في كل مجال؛ في الإعلام والأعمال والتعليم والثقافة...فالرجل لم يعد يرى من المرأة جانبا إلا ما هو محفز للشهوة أو داع لاستحضارها في كل وقت ومكان تقريبا!
وفي عصرنا زاد الاهتمام بالثقافة الجنسية وصارت اهتماما مشتركا للمتدين وغير المتدين وغزت الثقافة هذه كل المجالات، حتى صارت طاغية على كل ألوان الثقافة الأخرى، وطبعا هي تجذب الجمهور، وازدياد تعاطي هذه الثقافة وطغيانها يوحي للمرء وكأن الحياة هي جنس فقط لا غير!
فصار العالم (جنسيا) بلا مبالغة،فكيف تطفأ الغرائز بالحلال في ظل الغلاء والبطالة الموازية للإغواء في الشارع والشاشات وأماكن الدراسة أو العمل؟فالرجال يرون المرأة في الشارع بلباس يستدعي(الذكورة/الفحولة) وإذا أغمضوا أعينهم التقطت أنوفهم الروائح العطرة التي تلح في استدعائها...هذه هي الحقيقة ولن أستخدم التورية أكثر من ذلك!
العامل التربوي مهم ومركزي لدرء ظاهرة التحرش، ولكن التربية ليست مجرد كلمات ومحفوظات ومواعظ أخلاقية، فالتربية يجب أن تدعّم بالسلوكيات العملية، التي تعطي نموذجا بأن الحياة ليست فقط أجسادا متعرية، يطلب منك ضبط النفس التوّاقة و احترامها وعدم التعرض لها؛ لأن تربية كهذه متناقضة وتحمل في جوهرها انفصاما؛ وتجعل المرء يعيش عالمين متنافرين، أحدهما مثالي قائم على الوعظ وضرورة التسلح بالأخلاق الحميدة، وآخر واقع يحياه الفرد، فيه كل ما هو مناقض للأول!
وفي الستينيات لم يكن الزواج عملية معقدة دونها دفع مبالغ مالية كبيرة وديون متراكمة، وتعقيدات نعرفها جميعا، وفي الستينيات كان هناك اهتمام جماعي بقضايا كبرى خاصة في عالم السياسة، ولكن مع جعل السياسة للسياسيين انحبست طاقات الشباب، بل صار من يهتم بالسياسة وأمر الأمة مشبوها أو مثار سخرية من حوله، فأين ستصرف وتفرغ الطاقات بناء على ما أسلفناه من عوامل؟فالأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية الحالية لا تقارن بمثيلتها قبل بضعة عقود.
فالعبرة ليست فقط بالألبسة النسائية الفاضحة الخادشة للحياء، إذا أردنا مقارنة حالات التحرش قبل عقود بما هي عليه اليوم؛ فهناك فعلا محجبات يتعرضن للتحرش، ولكن أكيد عددهن أقل من المتبرجات،والظاهرة –أي التحرش-ليست جديدة عموما؛ فقد روي أن الشاعر عمر بن أبي ربيعة تعرض لامرأة في موسم الحج وقت رمي الجمار، ولم يرتدع من محاولتها صده بتذكيره بحرمة وخصوصية المكان والزمان، فلجأت إلى اصطحاب أخيها معها في مرة تالية فما تجرأ الشاعر المستهتر على التعرض لها مرة أخرى لما رأى معها أخاها،فأنشدت تقول:-
تعدو الذئاب على من لا كلاب له***وتتقي صولة المستأسد الضاري

وروي بأن الخليفة العباسي المنصور لما سمع بخبرها قال:وددت لو أنه لم يبق فتاة من قريش إلا سمعت بهذا الخبر!
وهذا أحد عوامل اتقاء التحرش؛ أي أن تخرج المرأة مع رجل، وأن تقلل قدر المستطاع من الخروج وحدها، وأن تلتزم بلباس محتشم، وأن تحرص على عدم الخضوع في القول، أي لا توزع الابتسامات يمنة ويسرة وتتحدث أمام الرجل بميوعة أو تكسر، وهذا سيقلص ولا أقول ينهي الظاهرة.
أما المجندرات اللواتي تسلمن منابر الحديث عن المرأة وحقوقها وفرضن أنفسهن متحدثات نيابة عن النساء في المجتمعات العربية، بلا تفويض ملموس؛ فإن طرحهن سخيف ولا يحل المشكلة،فهن يرفعن شعارا ينسفه الواقع؛ فهن يقلن:أنا من حقي أن ألبس ما أشاء وعليك ألا تنظر إلي كجسد فقط، فبالله عليكم هل هذا الطرح السقيم يستقيم مع الفطرة؟كيف سينظر لك (الذكر) وقد جعلت من نفسك أمامه مجرد جسد (أنثى)؟هل لباسك الكاشف لما أمر الله بستره، سيجعل الرجل يرى فيك جانبا آخر غير الجانب الذي تطالبين ألا يراه؟
إن الحشمة مطلوبة وهي أمر فطري؛ فحتى (إسرائيل) التي تبيح الدعارة والتعري وكل الإباحية فيها، فرضت على النساء العاملات في البرلمان(الكنيست) الالتزام بلبس محتشم(حسب معيارهم) يمنع الدخول بالتنورة القصيرة...فكيف بعرب ومسلمين فيهم من يدعو أو تدعو إلى ترك الحشمة؟!
إن المتحرّش خرج من الرجولة إلى الذكورة، وتخلى عن القيم الدينية والأخلاقية، وتعريضي بالنساء اللواتي لا يتحرّين الحشمة في السطور السابقة لا يعني الدفاع عنه، فالمروءة موجودة عند من هم يوازونه أو يزيدون عنه في الذكورة، ولكنهم لم يسمحوا لها بأن تطغى وتظهر بهذا القرف الذي نراه ونسمع ونقرأ عنه.
والخلاصة:أمر الله تعالى لو التزم به الرجال بأن يغضوا أبصارهم،والتزمت به النساء وأدنين عليهن جلابيبهن،لما كنا بحاجة إلى هذا النقاش.

،،،،،،،،،،
السبت 25 ربيع الأول  1438هـ ، 24/12/2016م
من قلم:سري عبد الفتاح سمّور(أبو نصر الدين)-جنين-أم الشوف/حيفا-فلسطين

تويتر: https://twitter.com/SariSammour     @SariSammour  
مدونات:-



الأربعاء، ديسمبر 21، 2016

الاختراعات العلمية تزيد نسبة البطالة

الاختراعات العلمية تزيد نسبة البطالة

الاختراعات العلمية تزيد نسبة البطالة
بقلم:سري سمّور

طالعتنا الأخبار بأن هناك سيارات ذكية تعمل بدون سائق أي ذاتية القيادة،وتتواصل مع غيرها،ولها ميزات تتعلق بالرفاهية وتخفيف التوتر للراكب ومزودة بتقنيات حاسوبية، ونسبة الأمان فيها أعلى من السيارات الأخرى، وقد أعلنت بعض شركات تصنيع السيارات الكبرى مثل نسيان وبي أم دبليو وتويوتا عن هذا الاختراع والتطوير الجديد في عالم السيارات،سبحان الله الذي علم الإنسان ما لم يعلم،وفي المقابل أمام الزهو بهذا الاختراع وبغيره،يجب ألا ننسى أن هذا الاختراع ومعه بعضا أو كثيرا من الاختراعات تنطوي على الاستغناء عن العامل البشري،مثل السائق في السيارة مثلا،وبالتالي زيادة تلقائية في عدد العاطلين عن العمل،وارتفاعا ملحوظا في نسبة البطالة.
فقبل اختراع الروبوت مثلا كانت المصانع مضطرة إلى تشغيل أيدي عاملة،وكل يد عاملة هي معيلة لأسرة غالبا،وعليه فإن كل روبوت في مصنع قد حل محل أسرة،بلا مبالغة،ولعل كل اختراع إنساني تقريبا قد قلل من الحاجة إلى اليد العاملة البشرية.
أنا أتبنى تعريفا للتكنولوجيا هو أنها:تفعيل العمل والإنتاج بوقت وجهد وكلفة أقل، فمثلا الجرّار الزراعي(التراكتور) مع أنه قلل من حاجة الإنتاج الزراعي إلى الأيدي العاملة، إلا أنه ينجز مهمة حراثة الأراضي الزراعية في وقت أقل، وفي هذا السياق نتذكر كيف أن المجتمعات الزراعية كانت تحرص على إنجاب أكبر عدد ممكن وتحبذ إنجاب مواليد ذكور، كي يقوموا بمهمة فلاحة الأرض(حراثتها وزراعتها وسقيها إذا لم تكن بعلا،ثم جني المحاصيل) وبالتقنيات الزراعية الحديثة لم يعد هناك حاجة إلى فكرة الكثرة في عدد أفراد الأسرة،فالتقنيات الزراعية تؤدي المهمة بسهولة.
واختراع الحاسوب(الكمبيوتر) وتطويره قلل من الجهد المبذول في أمور حياتية كثيرة، ولكنه قلل من الاعتماد على العنصر البشري كثيرا، بل إن التقنيات البرمجية وما شهدته وتشهده من تطور هائل متسارع، جعلت حتى المختصين في هذا العلم يجدون صعوبة في الحصول على عمل.
فمثلا قطاع البنوك قبل دخول الكمبيوتر كان مضطرا إلى توظيف عدد أكبر لإنجاز الأعمال المختلفة؛ هل معنى ذلك أن البنوك ليست بحاجة إلى الكمبيوتر؟لا طبعا ليس هذا ما أرمي إليه، ولكن زيادة الاعتماد المصرفي على التقنيات الذكية والتي لا تقتصر على العمليات الحسابية، أو الطباعة وأتمتة التعاملات، وقواعد البيانات ونظم المعلومات، بل تعداها إلى معظم التعاملات بين المعتمد(عميل البنك) والبنك، وهذا التطور قد قلل من حاجة البنوك إلى الأيدي العاملة(موظفين أو غيرهم) بلا شك.
وبالنسبة لمجتمعاتنا العربية فإن المشكلة كبيرة،فنحن نلحظ زيادة مطردة في أعداد الخريجين الذين يحملون شهادات جامعية ولا يجدون عملا،صحيح أن الأمر لا يُعزى فقط إلى التطور التكنولوجي والاختراعات، ولكن هذا عامل ساهم أيضا في ارتفاع نسبة البطالة بين خريجي الجامعات.
وعليه أرى أن يكون التعامل مع التقنيات والاختراعات ،والتي للأسف لسنا من أصحابها بل نحن نشتريها ونستخدمها فقط، قائما على مراعاة الحاجة الملحة لتشغيل العاطلين عن العمل،وأن يكون للأمر بعد إنساني،وأن نقلص من استيراد تقنيات تفيد فئة قليلة من أصحاب الأموال وقلة من عامة الناس، وفي الوقت نفسه تجعل العمل والإنتاج في غنى متزايد عن العنصر البشري سواء أكان عاملا أو حرفيا أو موظفا إداريا...يجب ألا تحل الآلة محل إنسان يبحث عن عمل، لأن الضرر الناجم عن البطالة أكبر وأهم من الضرر الناجم عن عدم ملاحقة اختراعات الدول الأخرى.
،،،،،،،،،،
الأربعاء 22 ربيع الأول  1438هـ ، 21/12/2016م
من قلم:سري عبد الفتاح سمّور(أبو نصر الدين)-جنين-أم الشوف/حيفا-فلسطين

تويتر: https://twitter.com/SariSammour     @SariSammour  
مدونات:-



الأحد، ديسمبر 18، 2016

اكتمال الهزيمة وصعود الفدائيين


بقلم:سري سمّور


(14)الدول الصغيرة...نظرة واقعية

قادة بارزون عملوا أو درسوا أو أقاموا في الكويت، أمثال الرئيس ياسر عرفات(أبو عمار) والأستاذ خالد مشعل(أبو الوليد)، وأيضا صلاح خلف(أبو إياد) والذي حرر كتابا أراه وثيقة تاريخية مهمة موسوما بـ(فلسطيني بلا هوية) وأكد فيه كيف أن الكويت وعموم دول الخليج سهلت لهم العمل عند بلورة فكرة حركة (فتح) ولم يكن هناك مضايقات أمنية، ويتحدث عن مضايقات الأنظمة العربية غير الخليجية، ويعلن أن تقاليد الكويت هي الحكمة والتسامح.
وهذا مناقض لسياسات مصر حتى في ظل حكم عبد الناصر؛ فقد اعتقل الأمن المصري خليل الوزير(أبو جهاد) بعد تنفيذه عملية ضد إسرائيل، ووصل الحال بأن ضابطا كبيرا برتبة فريق طلب أن تقمع نشاطات فتح العسكرية بحجة عدم إعطاء إسرائيل ذريعة لمهاجمة البلدان العربية!
 المضايقات الأمنية المصرية رافقتها حرب إعلامية قامت بها الصحافة المصرية ضد (العاصفة) جناح فتح العسكري...ويخرج أبو إياد بنتيجة في ص31 في الكتاب/الوثيقة المذكورة :كل الثورات التي تولد في فلسطين تجهض في العواصم العربية!
إن حديثا كهذا من رجل عاصر العمل الوطني والفدائي منذ فترة مبكرة، يجب أن يقودنا إلى نظرة مختلفة وواقعية حول تعلقنا المرضي بالدول العربية الكبيرة، بالتوازي مع استصغار يصل حد السخرية المتكبرة من الدول الصغيرة؛ فهذه شهادته عن الكويت قبل نصف قرن، هل تنطبق مثلا وبطريقة أو بأخرى على دولة مثل قطر حاليا؟ولم لا؟وأدرك أن هذه النظرة لن تروق لبعض أو ربما كثير من أصحاب التعامل مع السياسة بالهوى والمزاج، لأن لديهم صورة نمطية محفورة في أعماق الأذهان عن دول الخليج عامة، والصغيرة منها خاصة، ويقدمون لك حججا مثل وجود أو تعاون هذه الدول مع الجيوش الأمريكية، وكأن الدول العربية الكبيرة، مثل مصر، بريئة من هذا التعاون العلني والسرّي، ويغيب عن هؤلاء أن الدول الصغيرة تظل مطامعها وقدراتها محدودة ومتواضعة، ويمكن الاستفادة من إيجابياتها وتجنب سلبياتها، بينما الدول الأخرى ينالنا من سلبياتها أضعاف ما نجني من إيجابياتها ومنافعها، وفي ظل الواقع الجيوسياسي الذي قام بعد انهيار السلطنة العثمانية، فإن من يريد العمل والنضال والكفاح يجب أن يحاول تحصيل أكبر عدد ممكن من المكاسب، بل أحيانا أن يتجنب الخسارة، وكم كانت الخسائر كبيرة حين راهن الفلسطيني على الدول العربية التي يراها مركزية وكبيرة، وهذا لا يعني دعوتي للرهان على دول عربية صغيرة، إطلاقا، وخاصة أنني أؤمن بالمثل الشعبي الفلسطيني( ما بحرث الأرض إلا عجولها).

(15)اكتمال النكبة

في أيام معدودات سقط الرهان على الجيوش العربية، وذهبت تهديدات الإعلام المصري، وحضه للسمك على( التجوّع) انتظارا لجثث الصهاينة التي ستكون وجبته الدسمة، أدراج الرياح، فقد تمكنت إسرائيل من هزيمة الدول العربية في حزيران/يونيو 1967م ليدخل الشعب الفلسطيني في نكبة جديدة، فقد احتلت جيوش الصهاينة ما تبقى من فلسطين الانتدابية(الضفة الغربية بما فيها شرقي القدس وقطاع غزة) إضافة إلى الجولان وسيناء، فأصيب العرب عموما، والفلسطينيون خصوصا بالصدمة وتجرعوا مرارة الهزيمة، وبدأت تظهر بوادر قبول عربي رسمي لفكرة وجود إسرائيل، وتحوّل الصراع مع المشروع الصهيوني إلى صراع حدودي، بعد أن كان صراعا وجوديا، ولو بالكلمات.
ولم يكن مؤتمر القمة العربية في الخرطوم المشهور بمؤتمر اللاءات الثلاث(لا صلح ولا تفاوض ولا اعتراف) بعد النكبة الثانية سوى ردة فعل خطابية، لأن الأيام ستثبت أن ما قبل الخامس من حزيران/يونيو ليس مثلما بعده، على صعيد الفكر السياسي للأنظمة العربية!

(16)الفدائيون أمام مرحلة جديدة ومعقدة

ولكن الهزيمة أتاحت للحركة الجديدة أن تعمل بشيء من الحرية، وأن تفتتح معسكرات للفدائيين على الحدود، وخفت إلى حد كبير مضايقات الدول العربية، التي كانت قبل الهزيمة، والتي ستحمل اسما تخفيفيا غير واقعي هو (النكسة)، وأخذ الفدائيون ينفذون عمليات ضد القوات الصهيونية، وانطلقت منظمات فلسطينية جديدة، وكأن شعورا عاما بأن الرهان على جهد عربي لتحرير فلسطين، ليس سوى ضرب من السراب، هذا بغض النظر عن طبيعة المنظمات الفدائية، وحجم الاختراقات فيها، وتوجهاتها وطريقة عملها.
وقد أصاب إسرائيل المزهوة بانتصارها السهل السريع غرور وغطرسة فاقتحمت الأراضي الأردنية، وهنا تصدى لها الفدائيون مع وحدات من الجيش الأردني، وتمكنوا من أن ينالوا منها نيلا وأن يلقنوها درسا، وكانوا هم وعموم الجماهير الفلسطينية والعربية والإسلامية بحاجة ماسة إليه...وستكون  موقعة الكرامة في 21/3/1968م بداية لمرحلة جديدة.
فقد اندفع عدد كبير للانضمام لقوات العاصفة، والتي لم تكن لها قدرة على استيعابهم، اللهم إلا النزر اليسير منهم، وهذا طبعا أدى لتخفيف شروط العضوية الصارمة والدقيقة التي سادت بداية التأسيس وهو ما له آثار سلبية، في ذلك الظرف الدقيق، حتى وإن لم تظهر على المدى القريب.
وتوّج العمل الفدائي، بدخول فتح وبقية الفصائل الفلسطينية إلى منظمة التحرير الفلسطينية، وفرض برنامجها الداعي صراحة إلى طريق الكفاح المسلح عليها، وجرى تغيير لرأس هرم المنظمة، حيث أصبح أبو عمار رئيسا لها، فلم ينتهي عام 1969م إلا ومنظمة التحرير برنامجا وقيادة وسياسات وغيرها بيد فتح والمنظمات الأخرى.
وهذا الدخول لمنظمات فدائية ثورية تتبنى العمل المسلح إلى هيكل سياسي سبق وان تحدثنا عن ظروف نشأته، جرّد النظام الرسمي العربي، من فرض وصايته وإملاءاته بالطرق التقليدية، ولو مؤقتا، وأعطى شرعية وصفة رسمية للعمل الفدائي في الأطر العربية وغيرها، ولكنه في المقابل يحمل الخلط بين جسم له من البيروقراطية والتأثر بما كان سابقا من سياسات نصيب، فالأمر سلاح ذو حدين، كما أن الأنظمة العربية تمكنت من التعامل مع الوضع الجديد وفق حساباتها وخياراتها.

(17)محاولة تثوير الضفة

دخل أبو عمار سرّا إلى الضفة الغربية، بهدف تشكيل خلايا عسكرية تنابذ الاحتلال الصهيوني، ومن وجهة نظري التي ذكرتها في حديث سابق، فإن فتح لو كان ثقلها العسكري الضارب، ولو بإمكانات محدودة ومتواضعة، داخل الأرض المحتلة، لكان لها من الخيارات السياسية هامش مناورة لا بأس به.
ولكن الخلايا التي شكلت في الضفة لم تصبح حالة ثورية طاغية، وقد تمكنت المخابرات الإسرائيلية من اعتقال وتفكيك غالبيتها؛ وأخضعت المعتقلين للتعذيب الجسدي والنفسي الشديد، ولم يكن التعذيب فقط يهدف إلى الحصول على المعلومات حول أماكن السلاح وأسماء الأعضاء، بل إلى خلق حالة من الصدمة والرعب، وأن يكف الناس عن مجرد التفكير في مقاومة الاحتلال، كما أنه لم يحدث تطوير في أساليب التجنيد، وظل نمط الخلية هو ذاته، ولم تحدث عمليات نوعية كثيرة من خلايا الداخل.
والنتيجة أن الثقل العسكري لفتح، وبقية فصائل منظمة التحرير التي انطلقت بعد هزيمة حزيران 1967 ظل في الدول العربية المجاورة، وغني عن القول أن الثقل العسكري هو الأهم في الصراع مع الكيان العبري...وللحديث بقية إن شاء الله.

،،،،،،،،،،
الأحد 19 ربيع الأول  1438هـ ، 18/12/2016م
من قلم:سري عبد الفتاح سمّور(أبو نصر الدين)-جنين-أم الشوف/حيفا-فلسطين

تويتر: https://twitter.com/SariSammour     @SariSammour  
مدونات:-



السبت، ديسمبر 10، 2016

إسلاميون علمانيون


بقلم:سري سمّور

بعيدا عن الجدل القديم-الجديد حول ماهية المصطلحات المتداولة؛ فإنه ولأغراض هذه المقالة فإن المقصود بالإسلاميين هم الذين يرون  الإسلام هو الحل لمشكلات الأفراد والجماعات والدول، وأن الإسلام سفينة نجاة للناس في حياتهم تقودهم إلى الدار الآخرة نحو نيل رحمة الله فيغفرالله لهم ويجزيهم جزاء أوفى ويدخلهم جنته، و لا يقتصر فهمهم للإسلام على أنه شعائر وعبادات فقط، بل يتعدى فهمهم وتصورهم وعملهم للإسلام بأن له الكلمة الفصل في كل شؤون الناس السياسية والاجتماعية والاقتصادية وغيرها، وأنه الميزان الذي توزن به الأمور جميعا...والإسلامي قد يكون منتظما أو مناصرا أو متعاطفا مع أي حركة أو جماعة تعرف بأنها إسلامية، وأيضا قد يكون إسلاميا مستقلا لديه معالم الرؤية المذكورة دون أن ينتظم في صفوف أي حركة أو حزب أو جماعة إسلامية.
والمقصود بالعلمانيين-لأغراض المقالة أيضا- هم أولئك الذي يرون أن الدين عموما والإسلام خصوصا علاقة بين الإنسان وربه، ينحصر مفهومه ودوره في صلاة المرء في المسجد أو في بيته، أو صومه لشهر رمضان، أو ذهابه لتأدية فريضة الحج، وفق قناعاته وإرادته، وأنه لا اعتبار لالتزام الإنسان بدينه في شؤون الحياة المختلفة، وأن ارتكاب المرء معصية ظاهرة، تظل في إطار الحرية الشخصية، ما لم يكن القانون الوضعي يجرّمها؛ وإجمالا هم أي فرد أو جماعة أو حزب لا يفهم الإسلام وفق السطور السابقة في تعريف ماهية الإسلاميين.
وغني عن القول أن المقصود هنا هم أبناء أمتنا ولا يعنينا الأمم الأخرى، أي من ينتمي بالجغرافيا أو التاريخ أو كلاهما لهذه الأمة.
ولقد سيطر العلمانيون على معظم مصادر المعرفة وأدواتها في دولة ما بعد الاستعمار الأوروبي وكانت لهم اليد الطولى في الإنتاج الأدبي وعالم الدراما بفروعها المختلفة، علما بأن العلمانيين يقولون بأنهم ليسوا من يحكم الدولة، وهذا صحيح إلى حد ما، فإن الدولة القطرية العربية ليست علمانية بالوجه السائد عند الدولة الغربية، حيث هناك تداول للسلطة وحرية رأي وتوزيع معقول للثروة، وهو ما  تفقده الدول القطرية جميعها، وحتى النموذج العلماني التركي الذي أسسه أتاتورك على أنقاض السلطنة العثمانية ليس كنظيره في الدول الغربية التي حاول أو زعم تقليدها لأنه نموذج قام على وأد الحريات-عدا الانفلات الأخلاقي- ودكتاتورية العسكر.
ولكن العلمانيين نالوا حظا وافرا من الدلال من الأنظمة العربية، وقد سمح لهم بالعمل والحركة والتأثير في أفكار الناس بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، فيما قامت هذه النظم بمحاصرة الإسلاميين وقمعهم، وتبني جزء كبير من آراء العلمانيين حولهم وحول دين الإسلام عموما.
وسط هذه البيئة المعادية عمل الإسلاميون، وكان لا بد لهم من التصدي للمظاهر التي تناقض الدين من قوانين أو سلوكيات؛ فعملوا جاهدين على إقامة نموذج مغاير وفقما تسمح به ظروف كل منطقة أو دولة، فكان خطابهم مفعما ومشبعا بالنصوص الدينية، وحرصوا على أن يكون في الحياة اليومية بدائل إسلامية لما هو قائم ومدعوم من الأنظمة الرسمية ومن النخب والوحدات العلمانية(مؤسسات وأحزاب ونخب ثقافية) فكان هناك البنوك الإسلامية والنوادي الإسلامية والأعراس الإسلامية، ناهيك طبعا عن اللباس والمظهر الخارجي الذي أحيانا كان زائدا عما هو مفروض في الإسلام...كان الإسلاميون يتعاملون بردة فعل أكثر منها خطة منهجية، ولو تصوروا غير ذلك.
وبمرور الوقت صار الخطاب العلماني، لا سيما الموغل منه في تطرفه وعدائيته للدين، فاقدا للقبول الشعبي ومنبوذا من  الناس، وعلى الصعيد العام كانت الحركات الإسلامية تحقق نتائج جيدة بل جيدة جدا في الانتخابات العامة والمحلية والنقابية، في أي بلد تعطى لها حرية العمل فيه.
ولكن مع تراجع شعبية تنظيرات العلمانيين فإن الإسلاميين أصيبوا بنوع من الارتداد عن مجمل خطابهم السابق في المظهر والجوهر، وإن كانوا يقولون بأن الجوهر هو ذاته، فقد شرع الإسلاميون بالتخفف المتسارع من خطابهم الديني بطريقة لا تخفى على أحد؛ فصرت ترى الإسلامي مقلاّ في الاستشهاد بآي الذكر الحكيم، والأحاديث النبوية الشريفة، بل صار بعض الإسلاميين يغمزون من قناة مدرسة الحديث، ويكثرون الدعوات لتنقيح التراث، دون توضيح لماهية التنقيح المطلوب، ومسوغاته بما يقنع أولي الألباب، وبخطابهم الجديد(الإسلامي المتعلمن) فقد حققوا شيئا لم يكن ربما يداعب أعذب أحلام وأماني خصومهم العلمانيين!
 وأخذ جمع من الإسلاميين يتخلى عن إعفاء اللحية، تحت حجج واهية كجذب الناس وعدم تنفيرهم لأنهم نشأوا في ظرف لن يستوعبوا بموجبه حكم اللحية، بعدما –للمفارقة- أوقفت أو قلّصت السلطات الأمنية العربية مضايقاتها المعروفة للملتحين، وصار مفهوم الوسطية فضفاضا غير واضح المعالم، يتم باسمه النيل من علماء السلف، والتنصل من شخصيات إسلامية في العصر الحديث، كان لها دور في الذب على الإسلام والمسلمين، والوقوف في وجه الطغاة والمجرمين، وصار التجديد يعني طبقة من الدعاة(المودرن) حققوا صعودا صاروخيا، ثم صاروا يتنازلون عن الثوابت، ويقلبون أولويات الأمة بأساليب جذابة للعامة والخاصة.
وهذا التحول الغريب، يأتي بالتزامن والتوازي، مع حرص الأنظمة الرسمية، وحلفاءها العلمانيين على زيادة الجرعة الدينية لطروحاتهم، والتظاهر في أكثر من مجال بالحرص على الدين، وحمل شعار جديد، يتواءم مع البيئة الرافضة لمحاربة الدين مباشرة، يتمثل برمي الإسلاميين بتهمة تشويه الدين، واحتكار الدعوة، ومخالفة القرآن والسنة، وما كان عليه سلف الأمة!
 وظهر جيل إسلامي غريب، يختلف عن ذاك الذي كنت تلتقط الفرد منه بمجرد نظرة، أو سماع كلمة من فيه؛ جيل يتذرع بترك الاستشهاد بالقرآن الكريم بأنه يرغب بالحديث بأسلوب علمي، وكأن القرآن نقيض العلم!
 وصار القارئ من هؤلاء(لو قفزنا عن أزمة القراءة) يقرأ لفلاسفة وعلماء اجتماع غربيين على حساب ما يقرأ لنظرائهم من علماء وكتبة المسلمين.
وانتشر بين الإسلاميين وبعض دعاتهم هوس تحول إلى ما يشبه(البزنس) محله علم التنمية البشرية، والذي من فرط الانشغال به تحول إلى ما يشبه الشعوذة، وهذا الانشغال على حساب العلوم النافعة أو ذات الأولوية.
ولا أبالغ إذا قلت بأننا أمام حالة يظهر لنا فيها خطاب/وجه إسلامي-علماني، ومما زاد الطين بلة سطوة الثورات المضادة وانتكاس الإسلاميين في بعض المواقع خاصة في مصر، مما جعل الإسلاميين يظنون أن الخطأ والخلل في أفكارهم لا في أساليبهم وأدواتهم، أو عجزهم عن مواجهة طوفان جارف معادٍ أتاهم من بين أيديهم ومن خلفهم، ناهيك عن عدم استيعاب اختلاف الظرف الموضوعي للتجربة التركية عن نظيرتها في الأقطار العربية.
هذا الجنوح الجامح نحو علمنة الخطاب والفكر الإسلامي، ولو كان دافعه الحرص، ونوايا أصحابه نقية وسليمة، قد أدّى إلى تقوية نزعات التطرف والغلو العبثي في الدين، لأن الوسطية الحقيقية تحولت إلى علمانية تكاد تكون صريحة، ولكل فعل رد فعل، وأيضا-ويؤسفني أن أقول هذا- زيادة الإقبال على الإلحاد حد التصريح به من بعض الشباب.
إنها حالة تتطلب الوقوف الجاد لمواجهة مخرجاتها السلبية؛ صحيح أن أخطاء كبيرة قد شابت المراحل السابقة، والتجديد ضروري ومطلوب، والجمود مضر بلا ريب،  ولكن العلاج ليس بهذه الطريقة التي تجعل أخطاء السابقين لمما أمام ما يراه بعض الإسلاميين، بل ربما كثير منهم، إصلاحا أو ترميما لنتائجها، فيعالجون الخطأ بالخطيئة، ويقلبون المفاهيم ويتمردون على الثوابت، ويهدمون بناء بذلت تضحيات كبيرة وكثيرة لتشييده.
مقالتي تبرئة للذمة أمام الله أولا، ثم تحذير لمن أخطأوا سابقا، ولمن يزعمون أنهم يعالجون خطأهم حاليا...والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.


،،،،،،،،،،
السبت 11 ربيع الأول  1438هـ ، 10/12/2016م
من قلم:سري عبد الفتاح سمّور(أبو نصر الدين)-جنين-أم الشوف/حيفا-فلسطين

تويتر: https://twitter.com/SariSammour     @SariSammour  
مدونات:-



الجمعة، ديسمبر 09، 2016

"إسرائيل" مضطرة إلى الشفافية وأمور أخرى


إسرائيل مضطرة إلى الشفافية وأمور أخرى



بقلم:سري سمّور

بداية أقول بأنه ليس الهدف من كتابة هذه السطور تبرير الواقع العربي المزري في مجال حرية الرأي والتعبير والشفافية، أو الدفاع عن الفساد الذي يضرب أطنابه في مفاصل الدولة العربية الحديثة، أي دولة ما بعد الاستعمار الأوروبي حتى الآن؛ ولكن الهدف هو توضيح الصورة التي أراها ملتبسة ومتداخلة حينما تجري مقارنة أوضاع إسرائيل مع الدول العربية؛ فيأتي أشخاص من النخبة ومن العامة يقولون:أنظروا إلى إسرائيل حيث أنه لا حصانة لفاسد، بل يدخل رئيسها السجن بتهمة التحرش الجنسي، ويجري التحقيق مع رئيس وزرائها أولمرت ويتم إقصاؤه بشبهات مالية، ونتنياهو وزوجته سارة ربما يلقى كل منهما المصير ذاته بسبب الهدايا، وهناك شبهات تدور حول وزير حربها ليبرمان قد تؤدي إلى إلقائه في السجن، أو خارج الملعب السياسي، وأيضا هم يبذلون قصارى جهدهم من أجل تحرير جندي أسير واحد، بل لاستعادة جثث وأشلاء لجنودهم، فلا يدعون رئيس دولة أو منبرا في العالم إلا وطرحوا هذه القضية أمامه، ويستبدلون مئات الأسرى بجندي واحد فقط، فأين العرب من إسرائيل في هذه المجالات، بل أين هم من الديموقراطية وتداول السلطة في دولة عمرها أقل من 70 سنة؟!
الحديث بهذه الطريقة يبدو لي منطويا على جهالة بحقيقة الأشياء، أو يتغافل بقصد أو بغير قصد عن واقع إسرائيل لمن أراد تأمله، وسأوضح فكرتي بالنقاط التالية:-
1) إسرائيل دولة قائمة على الجيش والأمن؛ فهي كما يقال جيش له دولة وليس العكس، وتعيش هوس الوجود والهوية في منطقة عربية وإسلامية، كونها تختلف تماما عن المكوّن الثقافي والحضاري في هذا المحيط، وبالتالي لو تقاعست في قضايا الرشوة والفساد فإنها ستجد أمنها مهددا وتحت الخطر الشديد، فهم يفكرون مثلا:لو سكتنا عن رشوة أو هدية لمسؤول كبير، فهذا يعني أن ضابطا أو جنديا سيتلقى رشوة ويبيع سلاحا لعناصر المقاومة الفلسطينية، أو يغض الطرف عنهم، أو سنجد ناشطا في المقاومة أفلت من الاغتيال أو الاعتقال بثمن مالي دفعه هو أو تنظيمه لهذا المسؤول أو ذاك، وبالتالي سيصبح مصير الدولة كلها مهددا في وجوده، فلسان حالهم:نحن لسنا مثل الدول المجاورة أو البعيدة، حيث أن الفساد والرشوة تؤثر على الدولة وأداء أجهزتها، ولكنها تستمر كدولة، بل سيكون وجودنا الفيزيائي نفسه مهددا لو أننا أغفلنا أو غضضنا الطرف عن مسؤول مرتش أو فاسد!
2)  مجتمع إسرائيل هو مجتمع مهاجرين قادمين من دول ذات ثقافات مختلفة، وروابطهم الاجتماعية والنفسية أقل من نظيرتها عند جوارهم، ولو ظهر عكس ذلك، وكثير من سكانها، بل لنقل مستوطنيها، يحملون جنسيات دول أوروبية مستقرة، يمكنهم العيش فيها بسلام ورخاء، فما الذي يجبرهم على العيش في دولة دكتاتورية عالمثالثية، في حال تخلّى حكام إسرائيل عن الشفافية النسبية وحرية الصحافة؟ولم نعيش في كنف دولة يعشش فيها الفساد ويفعل المسؤول فيها ما يحلو له دون أن يجرؤ أحد على محاسبته؟فلنرحل من هنا!
3) النقطة أعلاه أيضا تعني أن مجتمعا فسيفسائيا هشا يجب أن يظهر قادته اهتماما كبيرا بأفراده وأبنائه الأسرى والحرص على عودتهم إلى ذويهم ولو كلف ذلك ثمنا باهظا، حسب تعبيرهم، لأنه إذا شعر جندي أن دولته لن تفعل له شيئا لو وقع أسيرا، أو حتى ستهمله وتنساه، فإن خياره سيكون بلا ريب هو البحث عن مكان آخر يعيش فيه بأمن وسلام، وجدير بالذكر أن الجندي جلعاد شاليط الذي مكث خمس سنوات أسيرا لدى حركة حماس يحمل الجنسية الفرنسية، فتأمل كم مثله لديهم؟
4) من أين جاءت فكرة طهارة ونقاء إسرائيل من الرشوة والفساد والدكتاتورية؟طبعا هنا نتحدث عن إسرائيل باعتبارها مستعمرة غربية، لا تقارن بدول العالم الثالث، كونها أنشئت ونمت وترعرعت برعاية ودعم في كل المجالات من الغرب، فهناك فساد وعصابات مافيا في إسرائيل، ووقت الحرب يتم تحويل مؤسساتها الصحافية والإعلامية إلى تابع لأجهزتها الأمنية، فتختفي الصورة التي نراها من الشفافية والحرية، بل حتى بعد الحرب، ولدواعي أمنية يتم منع نشر كثير من الحقائق والمعطيات، وما ينشر خاضع لرقابة وإشراف أجهزة استخباراتها، ناهيك عن كون كثير من صحافييها البارزين هم عناصر في الجيش والمخابرات قبل أن يتركوا الخدمة وينتقلوا إلى عالم الصحافة، فتظل عقليتهم وتفكيرهم محكوما بسقف المخاوف والهواجس الأمنية أكثر من الحرص على الحقيقة.
إسرائيل ليست دولة مثالية كما يحاول بعض المتوهمين أو المخدوعين أو الخادعين تصويرها، عبر مقارنة بائسة مع أحوال الدول العربية، وكل ما نراه مثاليا وإنسانيا يصدر عنها تأكدوا أن ما يحكمه بالدرجة الأولى هو عقلية أمنية وفكر استعماري بعيد عن فلسفة الحرية والديموقراطية، فواضعو سياسات وخطط إسرائيل ليسوا جان جاك روسو ولا هيغل ولا أفلاطون من قبلهم، بل هم رجال/نساء حرب ومخابرات بامتياز.
لا تخدعنكم المظاهر وتعمقوا حينما تنظرون إلى الأشياء.
،،،،،،،،،،
الجمعة  10 ربيع الأول  1438هـ ، 9/12/2016م
من قلم:سري عبد الفتاح سمّور(أبو نصر الدين)-جنين-أم الشوف/حيفا-فلسطين

تويتر: https://twitter.com/SariSammour     @SariSammour  
مدونات:-



مع مذكرات أخطر سفير إسرائيلي في مصر (1)

لدي قناعة أن ذهاب أنور السادات إلى خيار التسوية مع إسرائيل؛ و زيارته المشؤومة إلى القدس في 1977 وصولا إلى توقيع اتفاقات كامب ديفيد في 1979 ه...