الأحد، ديسمبر 19، 2021

حين كان التعليم قارب نجاة الفلسطيني من براثن الفاقة

 

الصهاينة الذين اغتصبوا أرض فلسطين جاءوا من بقاع مختلفة، لكن النواة المؤسسة للمشروع الصهيوني في فلسطين قدمت من دول أوروبية متقدمة علميًّا، وتتفوق –لأسباب كثيرة- على الأقطار العربية، ومنها فلسطين، في تحصيل العلم والمعرفة، والاختراعات، في الوقت الذي كان هناك نسبة أمية عالية في البلاد التي احتلها الغزاة القادمين من إنجلترا وفرنسا وإيطاليا.

واليهود في البلاد الأوروبية أنجزوا أمورًا علمية وسجّلوا براءات اختراعات في مجالات مختلفة؛ بل ساهمت مادة (الأسيتون) التي اخترعها اليهودي الصهيوني (وايزمان) في إنجازات عسكرية مفصلية لصالح الحلفاء في الحرب العالمية الأولى.

وبعد بضع سنين من احتلال فلسطين من قبل بريطانيا أنشأ اليهود الصهاينة في القدس (الجامعة العبرية)، فيما لم تُطَبّق توصية مؤتمر عربي وإسلامي انعقد في القدس للتصدّي للخطر الصهيوني بإنشاء جامعة عربية في القدس، وهذا من جوانب كثيرة من التقصير العربي والإسلامي تجاه قضيتنا.

فأهل فلسطين في ذلك الظرف الصعب يواجهون مجموعة متعلمة لها باع في حقول المعرفة والاختراعات العلمية، ومدربة عسكريًّا، وتزداد تسليحًا وتدريبًا، ومدعومة بالمال الوفير، ومسنودة ومرعية من دول عظمى في العالم، فيما هم لديهم تعليم بدائي عمومًا، واليهود الصهاينة يدشنون جامعة على أرض القدس، وليس مع الفلسطينيين ما يكفي من سلاح للتصدي لعصابات هذا حالها.

 

وقد تنبه الفلسطينيون إلى أهمية ودور العلم في معركتهم الوجودية، فأرسل العديد منهم أولادهم إلى ما أتيح من مدارس أو (كتاتيب)، ولكن التكلفة لا تتحملها –مع قلّتها-موازنات الأهالي الذين يعيش أغلبهم على مواسم الحصاد والزراعة أو العمل بنظام (المياومة)، في ظل وجود أسر كثيرة العدد، مطلوب من رب الأسرة إعالتها، ولهذا لم يكن التعليم متاحًا لكل أفراد الأسرة الفلسطينية.

الشيخ عز الدين القسام نفّذ بمبادرة ذاتية برنامجًا لمحو الأمية، وكان هناك مبادرات أخرى، ولكنها محدودة التأثير ولا تتلقى الدعم الكافي لإحداث توازن مع الصهاينة في مجال التعليم.

فالجهل مع الضعف العسكري، وصفة جاهزة لخسارة الأرض؛ ومما يروى على سبيل الكوميديا السوداء، أن رجلاً قرأ في صحيفة فلسطينية كانت تصدر زمن الانتداب (وصول كذا قادم إلى حيفا أو يافا) فجن جنونه وأخذ يندب حظه بأن عمله سوف يبور فكلمة (قادم) تعني في الخبر فردًا يهوديًّا جاء إلى فلسطين ليستوطنها، ولكنه بفهمه البسيط الممزوج بخوفه على عمله وحرفته، خلط بينها وبين (القادم) وهي أداة خشبية كانت تستخدم في الحصاد في ذلك الزمن، وكانت مهنة الرجل صناعتها وبيعها للفلاحين!

روى القصة المضحكة المبكية أحد معارف الرجل في برنامج وثائقي تلفزيوني، وأضاف أن (صانع القوادم) صار لاجئًا وتوفيّ في مخيم عين الحلوة في لبنان!

ولك أن تتخيل حال الأمي الجاهل الساذج الذي قد (يبصم) على أوراق بيع وتنازل عن أرضه وهو لا يدري على أية وثيقة (بصم) وما يلحق بالجهلة البسطاء من معتقدات وخرافات، وأساطير حول (الليل) في زمن لا كهرباء فيه إلا في مناطق صغيرة، فيما ينشط الصهاينة ليلاً. مخاطر الجهل والأمية أوسع وأكثر من أن نحيط بها وبدورها في الهزائم والنكبات.

 

وكان من الملاكين أو الميسورين من تعلموا ودرسوا في سورية أو لبنان أو مصر، أو حتى في بعض الدول الأجنبية، مما زاد من نفوذ هؤلاء الناس، فصار بحوزتهم العلم والمال والجاه، وهي مقومات أو مزايا أو قدرات غالبًا استخدمت في إخضاع وتطويع البسطاء من شعبهم، ولتعزيز استعلائهم الطبقي، وليس للتصدي للخطر الصهيوني المتصاعد.

ونقطة أخرى ينبغي الإشارة إليها: الغزاة الأوروبيون لما شجّعوا التعليم في البلاد التي احتلوها، ومنها الأقطار العربية، حرصوا على فلسفة خاصة بالتعليم ذات أركان متعددة؛ منها أن يتحول المتعلم إلى إنسان يؤمن بمفهوم خاص للتحضر، يقوم على التعامل السلمي  مع الأعداء، ويسعى للتفاهم معهم، هذا في أفضل الأحوال، ما لم تصبه لوثة فيراهم أحقّ منه بالأرض لأنهم أصحاب علم وثقافة. طبعا لا يمكن أن نعمّم الصورة أو نجاح فلسفة التعليم الغربي الذي دخل إلى بلادنا العربية، فعلى سبيل المثال لا الحصر تخرج فؤاد حجازي من الجامعة الأمريكية في بيروت وهو أحد قادة ثورة البراق في 1929 وشنقه الإنجليز في سجن عكا في 1930.

 

بعد النكبة.. التعليم بوابة أمل

 

جرى ما جرى ووقعت النكبة في 1948، وصار مئات الآلاف من أبناء الشعب الفلسطيني يحملون صفة وهَمّ اللجوء والمأساة، واحتل الصهاينة ثلثي أرض فلسطين الانتدابية.

 

وهنا رأى الفلسطينيون نافذة الأمل في الحصول على قسط من التعليم، ومع افتتاح مدارس وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) ومعهد خاصّ بالوكالة يخرج المعلمين في مختلف التخصصات، وازدياد مطرد في عدد المدارس والكليات الجامعية، انكبّ الفلسطيني على التعليم، فهو ما يضمن له حياة كريمة، ويؤهله إلى الحصول على دخل معقول يعينه على نوائب الدهر، ويمنحه مكانة اجتماعية جيدة.

كان منطق الأهالي الذي ساد زمنًا طويلاً؛ هو أن اللاجئ ليس له (تينة ولا زيتونة) بمعنى أنه لا يملك أرضًا يزرعها ويعيش من نتاجها، والحصول على شهادة يتيح له العمل ولو حتى في بلد آخر، فقد بدأت دول الخليج في استقبال معلمين من الدول العربية ومنها فلسطين والأردن.

وأهل الضفة الغربية من غير اللاجئين أيضًا توجهوا إلى التعليم، فما تنتجه الأرض لا يكفي، كما أن العمل في الفلاحة شاقّ ومرهق، وليس كما تصوره بعض الأهازيج والأعمال الأدبية، إضافة إلى أن نسبة ليست قليلة من أهالي الضفة الغربية لا يملكون أراض تكفي لتوفير متطلبات العيش.

إذا أردنا تلخيص الفكرة فإن التعليم عند الفلسطيني كان سُلّمًا إلى مهنة أو وسيلة عيش، فيها تعب أقلّ من الأعمال اليدوية والزراعة وما شابه، ويُدرّ عليه دخلاً يُغيّر حياته ويجعل له موقعًا في المجتمع. أعلم يقينًا أن هذه الفكرة مستفزة لبعض من يريد القول إن السعي وراء الشهادات والتعليم هو (حب وعشق وهيام بالعلم)، حقيقة الأمور بلا رتوش هكذا، فقلة قليلة جدًّا أحبوا العلم من أجل العلم.

هل معنى ذلك أن الفلسطيني غاب عنه أو تجاهل حقيقة أهمية العلم بوصفه أداة مهمة جدًّا في صراعه مع العدو؟ لا، من الناحية النظرية على الأقل، خاصة مع حرص المعلمين والأهالي، ونشطاء الحركات والفصائل، على شرح دور العلم في التصدي للمشروع الصهيوني، وتضخمت بمرور الوقت فكرة ساذجة صار حتى مثقفون وأهل رأي وربما ساسة يؤمنون بها؛ وهي أن اليهودي بالعلم الذي تعلمه، أقنع العالم بأن يكون له دولة في فلسطين لأنه (متعلم ومتحضر) وبالتالي علينا أن نحوز العلم وشهاداته كي يقتنع العالم أننا أيضًا نستحق أن يكون لنا دولة، إضافة إلى الحرص على الترتيب والنظافة في المدارس كي يراها الزائرون الأجانب وغير ذلك من الأفكار التي ليست بذي صلة.

على كلّ انتشر التعليم في الداخل والخارج، ولم يعد مقصورًا بغالبيته على أبناء الملاكين والميسورين، بل صار الفقراء ومتوسطو الدخل يشعرون بشيء من التعويض النفسي كون العديد من أولادهم وبناتهم تفوقوا في الدراسة وحصلوا على شهادات جامعية، لا سيما إذا صادف ذلك تراجع مستوى أبناء الطبقات الثرية علميًّا.

وقد صرح رئيس بلدية نابلس السابق والذي كان له نشاط وطني بارز ضد الاحتلال أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات (بسام الشكعة، توفي في 2019) بأنهم في الحركة الوطنية في الداخل الفلسطيني، كان لديهم تحفظات على افتتاح جامعات، أو أن تكون الجامعات فيها جميع التخصصات، كي لا ينعزل الشباب الفلسطيني عن محيطه العربي.

بالتأكيد ليس هذا هو السبب الرئيس في عدم وجود كافة التخصصات في الجامعات الفلسطينية المختلفة، التي كانت رسومها منخفضة وعدد طلبتها قليل مقارنة مع زملائهم أبناء الضفة الغربية الذين كانوا يتوجهون إلى الدراسة في الجامعات والمعاهد الأردنية بكثرة، وإلى دول الاتحاد السوفياتي والكتلة الشرقية سابقًا وإلى مصر والعراق وسورية والجزائر والعديد من الدول العربية الأخرى، إضافة إلى عدد أقلّ يدرسون في الدول الغربية (كثير منهم في ألمانيا الغربية سابقًا).

كانت الجامعات معقلاً لمختلف النشاطات التي يرفضها الاحتلال وينتقم ممن يقف خلفها؛ وعليه رأي كثير من الطلبة وذويهم، أن من أراد أن يحصل على شهادة في الوقت المخصص لها (معدله 4 أعوام) فالأفضل أن يدرس في الخارج، تجنبًا لاعتقال أو تعطل الدراسة في الجامعات بسبب الإغلاقات.

فقبل انتفاضة الحجارة كانت سلطات الاحتلال تغلق جامعات فلسطينية لفترات محددة، حسب الحدث في كل جامعة؛ فقد تغلق جامعة بيرزيت شهرًا، فيما تكون الدراسة في جامعة النجاح منتظمة، ثم يقع حدث ما تغلق بسببه وهكذا.

ولكن مع بواكير انتفاضة الحجارة أغلقت سلطات الاحتلال كل الجامعات الفلسطينية، وكليات المجتمع، والمدارس لكافة المراحل، واستمر الإغلاق سنوات.

وابتكر القائمون على التعليم الجامعي أسلوب (التعويض) وهو أن يكون للجامعة شقق مستأجرة في بعض البنايات، يدرس الطلبة (من يرغب منهم) فيها بعض المساقات ويقدمون امتحاناتهم، الفكرة أفادت بعض الطلبة الذين كانوا على أبواب التخرج حين أغلقت الجامعات.

على كلّ افتتحت سلطات الاحتلال الجامعات المغلقة تدريجيًّا، منذ أواخر 1991 وعادت الجامعات بؤرة للاستقطاب والنشاط السياسي تلقائيًّا، خاصة أن إعادة فتحها تزامنت مع أحداث سياسية وميدانية كبيرة (مؤتمر مدريد، وأوسلو، وتصاعد العمل العسكري الذي تتصدره حماس والجهاد الإسلامي).

وسأسلط الضوء أكثر على جوانب متعلقة بالتعليم والجامعات في المقال القادم بمشيئة الله.

،،،،

تم نشره في يوم الثلاثاء 3 جمادى الأولى  1443هـ ، 7/12/2021م

https://alqudscenter.info/articles/%D8%AD%D9%8A%D9%86-%D9%83%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B9%D9%84%D9%8A%D9%85-%D9%82%D8%A7%D8%B1%D8%A8-%D9%86%D8%AC%D8%A7%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%81%D9%84%D8%B3%D8%B7%D9%8A%D9%86%D9%8A-%D9%85%D9%86-%D8%A8%D8%B1%D8%A7%D8%AB%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%A7%D9%82%D8%A9

 

 

 

 

 

 

الفضائيات والإنترنت.. تدخل وتؤثر في المجتمع الفلسطيني

 

مع تطبيق بعض بنود أوسلو وتأسيس السلطة وتسلمها لمناطق فلسطينية، شهد العالم ثورة وطفرة ونقلة نوعية في وسائل الاتصالات والمعلومات أثرت على كل سكان الكوكب بدرجات متفاوتة، وبالتأكيد تأثر بها المجتمع الفلسطيني، خاصة القنوات الفضائية والإنترنت.

ونظرا لطبيعة الظرف والتحول السياسي الذي كان وقتها فإن التأثر ليس بسيطا، فدخول الفضائيات والإنترنت كسر هيمنة المتابعة التي حازها الإعلام الإسرائيلي في المجتمع الفلسطيني سنوات طويلة.

فقد اعتاد الفلسطينيون على متابعة الإعلام الإسرائيلي خاصة المرئي والمسموع زمنا طويلا، ومنهم من كان يتابع النسخة العبرية ممن يتقن اللغة  العبرية.

ومتابعة الإذاعة الإسرائيلية باللغة العربية كانت سائدة، وقاسم مشترك بين معظم الفلسطينيين، خاصة في وسائل النقل العمومي، بل بعض السائقين، كانوا يوجهون إبرة البث نحو إذاعة صوت الجنوب الناطقة باسم جيش أنطون لحد، ولو بهدف سماع الأغاني!

وقد منعت سلطات الاحتلال إنشاء أي نوع من الإذاعات إبان فترة ما قبل أوسلو، وبعد تطبيق بعض بنود الاتفاق وتأسيس السلطة، لوحظ نشاط مكثف للإعلام الإسرائيلي وحرصا على التدخل الإعلامي في الشأن الداخلي الفلسطيني، خاصة عند وجود أي مشكلة داخلية ولو كانت صغيرة.

ومع بداية تلك الفترة انطلق بث إذاعات محلية خاصة، اقتصر بثها في البداية على الأغاني المنوعة التي يطلبها متصلون، وكانت تغطية كل إذاعة تقتصر على حدود المدينة التي تبث منها، وبعد فترة وجيزة تم افتتاح قنوات تلفزة محلية، كانت تنقل أخبارا محلية شبه رسمية، مع متابعة للشؤون المحلية لكل منطقة، وشكاوى المواطنين ومطالبهم، مع بث أفلام ومسلسلات عربية مختلفة.

ولكن من أبرز التحولات هو أن التلفزيونات الخاصة وهي أيضا محلية، بمعنى أن في رام  الله تلفزيون/ات محلية ومثلها في نابلس ومثلها في جنين يلتقطها المواطن بالهوائي العادي (الأنتين) هو أنها صارت تنقل عن محطات عربية مختلفة، وقد تنوعت المحطات والمنقول عنها، من مواد ترفيهية ومسلسلات، إلى شيء آخر، وهو البرامج ذات الطابع السياسي، فمع افتتاح قناة الجزيرة في قطر بدأت بعض محطات التلفزة المحلية بالنقل عنها، مباشرة، أو بتسجيل البرامج وبثها لاحقا، مثل برنامج (الاتجاه المعاكس) و(أكثر من رأي) و(شاهد على العصر) و(بلا حدود)، ونعلم أن الجزيرة حققت نقلة إعلامية عربية غير مسبوقة، وساهمت في إعادة صياغة التفكير وصنع الرأي، وتأثرت معظم الشعوب العربية، بل جميعها بها، ولكن الحالة الفلسطينية مختلفة، فالفلسطينيون اعتادوا بحكم متابعة الإعلام الإسرائيلي على رؤية المشاجرات في الكنيست وسماع الإسرائيليين ينتقدون حكومتهم ورموزها علنا، وكانوا يتابعون الإعلام العربي، فيسخرون من محتواه الإخباري(صاحب الرؤية الوحيدة والرأي الواحد فقط)، وهذا زاد من تعلقهم حدّ الإعجاب الضمني بإعلام العدو، مع علمهم أن إعلام العدو موجه من أجهزة الأمن الصهيونية التي اعتادت وضع السمّ في الدسم، فيما يتعلق بالأخبار والتقارير التي تخص الشعب الفلسطيني.

الآن والفلسطيني يدخل مرحلة سياسية جديدة لم تتبلور تماما، ولكنها متأثرة بالحالة العربية لأسباب مختلفة، جاءت ظاهرة سماع الرأي الآخر علنا من شاشة تلفزة عربية.

بث التلفزيونات المحلية موادا منقولة عن قنوات عربية، كان إسعافا إعلاميا لمن لم  تسمح لهم ظروفهم  المادية بشراء صحون لاقطة وملحقها (الستلايت والريسيفر)، فقد كان ثمنها ما زال باهظا، وبداية اقتصر اقتناؤها على بيوت الراغبين ممن كان دخلهم فوق المتوسط، وأنا شخصيا أول مرة أقتني هذه الأدوات في بيتي كان في صيف عام 2001 وكانت التكلفة 1800 شيكل احتاجت إلى تقسيط ومشاركة أسرية.

صحيح أن قنوات التلفزة المحلية كانت أحيانا تتجنب عرض بعض الحلقات ولكن كانت تنقل معظمها، أعني حلقات النقاش والحوار بين فكرتين أو رأيين مختلفين، وبالطبع كان للشأن الفلسطيني حضوره في تلك النقاشات والمساجلات ومن ثم تفاعل الشارع معها.

بداية لم يتقبل كل الشارع الفلسطيني فكرة النقاش والمناكفات عبر الشاشات وتوجس بعض الناس ريبة من قناة الجزيرة، ولكن ما لبثت قنوات التلفزة العربية إلا وصارت تقلد الجزيرة بعرض وجهة النظر المعارضة، ولو بتحفظ وضوابط، وانقسمت آراء الناس حول هذه الظاهرة، ولكنها أصبحت أمرا واقعا لا يمكن تغييره بنقد الظاهرة والتشكيك بأهداف القائمين عليها.

إنها حالة إعلامية جديدة في ظرف سياسي له خصوصيته في الحالة الفلسطينية، في ظل حالة استقطاب متواصلة، صارت الفضائيات وخاصة الجزيرة من أدواتها.

ولكن هل معنى هذا أن الناس تركوا متابعتهم للإعلام الإسرائيلي؟ لا، فقد ظل الإعلام الإسرائيلي له (جمهور) فلسطيني ولكن انكسر احتكار وشبه أحادية السماع والمشاهدة التي حازها في الزمن السابق، ولم تعد نشرة الأخبار باللغة العربية المسموعة والمرئية من هيئة البث الإسرائيلية (وجبة) يومية فلسطينيا كما كانت.

ولكن تضايق الفلسطينيون من ظاهرة استضافة صهاينة في الجزيرة، وإظهار خريطة فلسطين الانتدابية تحتوي على كلمة (إسرائيل) ولهذا وجه أحد الكتبة الفلسطينيين رسالة مفتوحة  عبر صحيفة محلية إلى مدير القناة في بداياتها، أشاد فيها كثيرا بدورها ومهنيتها وطواقمها المختلفة، وناشده بخصوص الخريطة. طبعا الجزيرة لم تستجب فلديها سياسة خاصة لا تتوافق بالضرورة مع رأي الآخرين بها.

ولكن شعر الفلسطيني بسماع لغة جديدة عبر الشاشات، فبدل كلمة (مخرب منتحر) حلت كلمة (استشهادي) ورأى عبر الجزيرة من يمجد الاستشهاديين دينيا وسياسيا وشخصيا، ويحتفي بمن يقف خلفهم.

أما الإنترنت فقد بدأ انتشارا بطيئا في النصف الثاني من تسعينيات القرن الماضي، وبداية كان التصفح في مقاهي خاصة، وأجرة كل ساعة كانت مرتفعة نسبيا في المراحل الأولى، واستخدام الإنترنت كان نخبويا ويفترض بمن  يرغب فيه معرفة باستخدام جهاز الكمبيوتر، وعندما بدأت بعض البيوت تتصل بشبكة الإنترنت كانت التقنية المتاحة أول مرة هي (Dial Up) أي أن خط الهاتف سيكون مشغولا عند استخدام الإنترنت، ولهذا كانت ساعات المتابعة قليلة وليلية غالبا في البيوت.

وأنا من أوائل الذين استخدموا الإنترنت في الضفة الغربية، بل كنت من قلة من طلبة قسم الحاسوب أصحاب العلاقة المباشرة المفترضة بالأداة الجديدة، ممن ولج عالم الإنترنت متحملا نفقات كبيرة، وقد لاحظت الأمور التالية آنذاك:

كان المحتوى العربي على الشبكة العنكبوتية محدودا وقليلا وتحديثه بطيء جدا، ولكن بعضه جذب انتباه الفلسطينيين، خاصة ما يتعلق بأحوالهم الداخلية، مع عدم خلوه من المبالغات والمعلومات غير الموثقة التي تتعمد الإثارة .

كثير من رواد مقاهي الإنترنت (معظمهم شباب) كانوا يرغبون في التسلية أو التحدث مع أقارب وأصدقاء عبر برامج الدردشة الموجودة في ذلك الوقت، أو التعرف على أناس من شعوب وثقافات أخرى، وهذا فتح أمام الشباب نافذة اطلاع جديدة لا تخلو من مخاطر ولكن صار لديهم وسيلة جديدة للاتصال مع العالم، تجاوزت الوسائل الأخرى الضيقة.

لم يكن للفلسطينيين رغبة في المشاركة في المنتديات الحوارية التي تنطلق من بعض الدول العربية، ومن مشاركتي في بعضها شعرت بغربة، خاصة مع غياب قضية فلسطين عن مواضيع الحوار التي غالبها يتناول مسألة السنة والشيعة وبعض المسلسلات وأمور اجتماعية لا تعنينا، وقد تأخرت المنتديات الفلسطينية عن العربية زمنا ليس قصيرا، علما بأنه كان لها تأثير كبير. وزهد الناس هنا فيها، مرده حبهم للسرعة في تناقل المعلومات وكونهم عموما كانوا يقولون ما يريدون دون حاجة للتخفي وراء أسماء مستعارة، ومللهم من قراءة نصوص طويلة نسبيا.

فتحت الشبكة العنكبوتية المجال للتواصل السريع نسبيا مع العالم العربي؛ فباستثناء مصر لم يكن هناك رسائل مباشرة إلى أية دولة عربية، وإذا أردت مراسلة قريب في دولة عربية أخرى كان عليك التوجه إلى البريد وستضع عنوانا خاصا وسيطا حيث تنقل الرسالة إلى لندن أو قبرص قبل وصولها إلى البلد العربي وبالعكس، ولهذا تكلفته ويأخذ وقتا طويلا، ولكن البريد الإلكتروني وبرمجيات الدردشة قربت الزمان والمكان، وينسحب هذا على الاتصال مع الدول العربية هاتفيا، فقد كان مكلفا جدا. الإنترنت خلقت واقعا جديدا وصار تناقل المعلومات (وحتى الإشاعات) أسرع وتكلفته ليست باهظة.

 ظل للإعلام الورقي سلطانه على الناس، وظلت جريدة (القدس) هي الأكثر تأثيرا وشعبية، ولم تتمكن الصحف الورقية الأخرى قبل أوسلو (النهار مثلا) أو بعده (الأيام والحياة الجديدة) من منافستها، ولم يخطر ببال الناس -أو لنقل معظمهم- أن الصحافة الورقية ستنحسر وصولا إلى التلاشي تقريبا.

 

الفضائيات والإنترنت دخلت المجتمع الفلسطيني في وقت لم يكن عندهم دولة وقضايا سياسية شائكة لها طابع استقطابي تفرض حضورها عليه، لذا لم يعش الفلسطينيون مثل شعوب العرب الأخرى حالة إعلامية عنوانها ومحتواها رؤية واحدة ورأي وحيد ووجهة نظر لا تناقش، وعليه فإن الفضائيات والإنترنت ساهمت كثيرا في بلورة تصور المجتمع الفلسطيني لأوضاعه الداخلية، ونظرته إلى العالم والمحيط العربي.

هذا والفلسطينيون أكثر شعوب العرب إقبالا على التعليم، وموضوع التعليم سيكون موضوع المقال القادم بمشيئة الله تعالى.

،،،،

تم نشره في يوم السبت 22 ربيع الآخر 1443هـ ، 27/11/2021م

https://alqudscenter.info/articles/%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%B6%D8%A7%D8%A6%D9%8A%D8%A7%D8%AA-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%A5%D9%86%D8%AA%D8%B1%D9%86%D8%AA-%D8%AA%D8%AF%D8%AE%D9%84-%D9%88%D8%AA%D8%A4%D8%AB%D8%B1-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AC%D8%AA%D9%85%D8%B9-%D8%A7%D9%84%D9%81%D9%84%D8%B3%D8%B7%D9%8A%D9%86%D9%8A

 

 

 

 

 

لماذا سبقت حماس إخوان مصر سينمائيا؟

 

 

سبق وأن نشرت مقالا هنا عن الممثلين قبل عامين تقريبا

المشخصاتي لن يقدر على تطهير دنس الاستبداد

 

 لكن الآن سأتحدث عن الموضوع من زاوية مختلفة في زمن صار فيه عدد المنتجات التلفزيونية والسينمائية ينافس عدد الكتب المطبوعة... هذا غير ما يكتب كرواية مطبوعة للقارئ تجد طريقها نحو التحول إلى مسلسل أو فيلم.

قيامة أرطغرل... صدمة وتغير

أرطغرل بن سليمان شاه؛ لم يكن العرب، وربما غيرهم، يعرفون عنه سوى أنه والد عثمان الأول مؤسس السلطنة العثمانية، كان شخصية مجهولة تذكر في سطر من تاريخ طويل. والمصادر التاريخية عموماً لا تتحدث عنه كثيراً، وثمة خلاف حول تفصيلات سيرته الذاتية.

ولكن المسلسل التركي المعروف(قيامة أرطغرل) والذي وجد طريقه نحو البيوت العربية مترجماً ومدبلجاً، أحيا هذه الشخصية في نفوسهم، ومن كان منهم مهتماً بالنبش في التاريخ والأحداث، هرع إلى مراجعة المصادر المختلفة، ومن لا يهمه الأمر اكتفى بالمتابعة بلهفة وحماسة وتشويق.

 وفي كلتا الحالتين يعتبر المسلسل ناجحاً لأن جلب اهتماماً وبحثا بحقبة تاريخية معينة وما يتعلق بها من شخصيات ومؤامرات وحروب وصراعات وأحداث وطبيعة ونمط عيش كان قبل ثمانية قرون.

لوحظ أن الرئيس التركي(رجب طيب أردوغان) يهتم شخصياً بالمسلسل، وزار موقع التصوير، وحضر مراسم زفاف بعض ممثليه... ويشاع أن حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا هو من موّل هذا العمل الضخم الذي حصد على مشاهدات حطمت أرقاماً قياسية.

لست هنا لأناقش المسلسل أو أعلق على أحداثه؛ ولكن لتأكيد حقيقة الصدمة التي أحدثها المسلسل في جموع الإسلاميين وأنصارهم وأحبتهم، من زوايا عدة منها موضوع هذه المقالة: تأثير الدراما التلفزيونية يستخدم بفاعلية من تركيا التي بعد نجاح الثورات المضادة، صارت ملاذاً سياسياً وفكرياً لهم، ورئيسها محبوب عندهم، ويتأثرون به إلى حد ما، وسبقهم بأمر إما أنهم أهملوه تماماً، أو زهدوا فيه، أو نفروا منه لأسباب معروفة... أو يئسوا من إمكانية ولوجهم إليه تماماً.

بعض مقاطع المسلسل كانت حديث بعض المشايخ في دروس وخطب جمعة ومحاضرات وندوات ومقالات، ولو من زاوية الإشادة بتركيا بتوظيفها الفن إيجابياً أو لإسقاط على الواقع، أو للتأكيد على أنهم ليسوا ضد الفن والتمثيل مادام لا يتعارض مع الشرع.

علاقة مرتكبة مع الفن

كان للإخوان المسلمين مسرح ومن أشهر الفنانين الذين اعتلوا منصته الراحل             (عبد المنعم مدبولي) وهذا في المراحل الأولى لتأسيس الحركة/ الجماعة، ولكن تم طمس هذه الجزئية من تاريخ نشاط الإخوان في مصر بقصد كما يبدو!

وقد تأثروا لاحقا بالتيار السلفي الذي حرّم الفن، وتطرّف بعض أقطابه وقالوا بحرمة التصوير عموماً.

وانتشرت(موضة) الاحتفاء الإخواني-والإسلامي عموما- بالفنانات التائبات اللواتي ارتدين الحجاب واعتزلن الفن وأشهرهن(شمس البارودي) ولكن لم يدرك الإسلاميون أن صناعة الفن السينمائي والتلفزيوني صارت ورشة كبيرة تسير كسفينة ضخمة لا يعيقها موج بسيط، وأن من يلتحقن بهذه الورشة عددهن كبير جدا مقارنة مع من يتركنها، وبعض من تحجبن عدن إلى التمثيل، وحتى بعضهن نزعن الحجاب!

أما خصومهم أو أعداؤهم فقد أدركوا حجم وتأثير الفن في صياغة وعي الناس وتوجيهه، فكان منهم من يكتب الروايات، في زمن كان المرقوم فيه وسيلة ثقافية ومعرفية وتعليمية معتبرة وشبه وحيدة، ويقوم آخرون بتحويلها إلى فيلم أو مسلسل... وطبعاً بسبب خلفية القوم العلمانية وأحياناً الملحدة سيكون المنتج مستفزاً ولا يراعي أي اعتبار للمعايير الشرعية، ويركز على العلاقات غير الشرعية بتزيين شيطاني خبيث، ويظهر شرب الخمور بطريقة عادية وكأنه ليس محرماً، ومشاهد العري حدّث ولا حرج.

كان الإسلاميون يكتفون بالنقد والتحذير مما يعرض في السينما أو التلفزيون من أعمال فنية، وأثرها السلبي التدميري على المجتمع والأسرة، ولكن ورشة صناعة الفن كانت أقوى من كل المواعظ التي يطلقها الإسلاميون، فالنفس البشرية عموما تميل إلى اللهو والتسلية، بل حتى تم تضييق نطاق ومساحات الوعظ، لأن منابر المساجد صارت تخضع لتوجهات المؤسسات الدينية المعنية من أجهزة الأمن التي تفرض عليها رؤيتها.

واستخدمت بعض الأنظمة العربية المسلسلات والأفلام لتمرير رؤاها السياسية، وترسيخ استبدادها؛ صحيح أن بعضها كان مستفزاً وفجاً مثل فيلم(الإرهابي) الذي قام(عادل إمام) ببطولته، وعرض في زمن المواجهة بين نظام مبارك وتنظيم الجماعة الإسلامية، ولكن بعضها اتبع تكتيكاً ذكياً يعتمد الجرعات الخفيفة المتراكمة مثل بعض المشاهد والحوارات في أعمال الكاتب(أسامة أنور عكاشة).

ولا أقول أن الأنظمة حققت نجاحاً تاما في هذا الحقل، إذ أنها اعتمدت التنميط والسخرية والمبالغات الحادة في المواد التي تستهدف الإسلاميين وعموم المتدينين... ولهذا حديث يطول شرحه وقد أكتب عنه مستقبلاً.

ولكن المحصلة أن الإنتاج السينمائي والتلفزيوني ظلّ معادياً لأفكار الإسلاميين، بل يتناقض في كثير من مظهره وجوهره مع الإسلام، أو لا يجعل الإسلام محوراً مرجعياً، بل كأن المواد المعروضة تتحدث عن مجتمعات أخرى... مع استثناءات قليلة أشبه بواحات صغيرة في صحراء شاسعة ممتدة، مثل فيلم(الرسالة) الذي مازالت الأجيال تشاهده مع أنه مضى عليه مايزيد عن أربعة عقود، أو مسلسل(لا إله إلا الله) والذي يقال أن(ماسبيرو) لم تنتج مثله في تاريخها القديم والجديد، ولكن الأجيال الجديدة لا تعرفه عموما مع أنه متوفر على الإنترنت وربما تعيد بعض القنوات بثه.

ولوحظ بعد الثورات المضادة إحكام الجهات الأمنية قبضتها بوضوح وبلا رتوش على صناعة الفن السينمائي والتلفزيوني بفجاجة غير مسبوقة.

صحيح أن دهاقنة الثورات المضادة لم ينجحوا في كل مساعيهم ومنها امتصاص تأثير مسلسلات تركية تاريخية على رأسها(قيامة أرطغرل)، فمولوا وبثوا مستعينين بمخرج بريطاني مسلسل (ممالك النار) وكانت كلفته 40 مليون دولار...طبعا كان فشلهم ذريعا بسبب المحتوى الذي طال رموزا من سلاطين العثمانيين لها اعتبارها، وصوروا المماليك-وهم غالبا أتراك مثل العثمانيين- على أنهم يمثلون الوطنية المصرية الحديثة!

 ولكنهم يضخون على مدار الساعة، خاصة في شهر رمضان المبارك كثيراً من الأعمال التي تضع السمّ في الدسم، أو تحمل رسائل سياسية واجتماعية وفكرية مباشرة وصريحة أحيانا، وبالتورية أحيانا أخرى.

البنت تتفوق على الأم!

كتب القيادي البارز في حركة حماس(د.محمود الزهار) سيناريو فيلم روائي أنتجته شبكة الأقصى التابعة للحركة عن (عماد عقل) أحد أبرز قادة كتائب القسام الذراع العسكري للحركة الذي اغتالته قوات الاحتلال الإسرائيلي في مثل هذه الأيام سنة 1993م.

وقد عرض العمل على شاشة تلفزيون الأقصى، ومواقع الإنترنت في 2009

والقيادي نفسه كتب سيناريو فيلم روائي آخر(عاشق البندقية) يتناول سيرة الشهيد القسامي(عوض سلمي) وعرض في 2012

ناهيك عن مسلسل كارتوني يصلح أن يشاهده الكبار والصغار عن سيرة الشيخ الشهيد(أحمد ياسين).

وحماس هي بنت أو فرع الإخوان المسلمين في فلسطين، ويبدو أن البنت تفوقت على أمها في حقول عدة منها هذا الحقل...والذرائع مدحوضة سلفا؛ فقطاع غزة الذي كتبت وصورت وأنتجت فيه هذه الأعمال محاصر والإمكانيات محدودة للغاية، ولكنها خطوة متقدمة جدا.

ولكن مع ذلك فإن حماس ولو أنها إخوان مسلمين، قضيتها المركزية، وانشغالها في مسألة المقاومة والحشد والتجييش باتجاهها، وتمجيد رموزها، واستخدام الفن يندرج في هذا الإطار والدليل ما تحدثت عنه من أعمال أنتجتها مؤسسات الحركة، وهذا شيء طبيعي...ولكن ماذا عن الإخوان الذين يقدمون تصورا نظريا شاملا حول رؤيتهم للفرد والأسرة والمجتمع والدولة وغيرها؟أين هم من هذا المجال؟

فهل سيقوم الإخوان بتشجيع عناصرهم وأنصارهم على دراسة الإخراج والإنتاج السينمائي والتمثيل في معاهد مختصة؟وماذا بعد تلك الخطوة، لو مشوها فعلا؟

لهذا حديث آخر إن شاء الله تعالى.

،،،،،،

تم النشر الأحد 23 ربيع الآخر 1443هـ ،28/11/2021م

https://www.aljazeera.net/blogs/2021/11/28/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%D9%8A%D9%88%D9%86-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%85%D8%AB%D9%8A%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%84%D9%81%D8%B2%D9%8A%D9%88%D9%86%D9%8A

 

 

العائلية والجهوية واختلاف الأولويات

 

اللهجة الجزائرية أيضًا لا تحمل مفردات تفاوت طبقي، شأنها شأن لهجتنا الفلسطينية، ولعل هذا من تدابير اللطف الرباني، للشعوب التي وقعت تحت وطأة استعمار استيطاني؛ فالجزائر تعرضت لما يشبه الحالة الفلسطينية، حيث إن فرنسا اعتبرت الأرض الجزائرية "قطعة من فرنسا" وهناك نفور فلسطيني عام من التبجيل اللفظي المبالغ فيه للأشخاص، ولكنه تراجع  بوضوح، ولكن لم يصبح الحال مثل نظيره عند مجتمعات عربية أخرى.

 

العائلية والجهوية تعود بثوب جديد

البؤر المشتعلة في انتفاضة الحجارة شهدت منذ الأسابيع الأولى لاندلاع المواجهات انحسارًا شديدًا للتعصب العائلي، وصار التنظيم/ الفصيل/الحزب /الحركة عائلة المنتسب إليه فعليًّا، وقد يستثنى من ذلك بعض القرى الصغيرة، التي كان دورها هامشيًّا في أحداث تلك الانتفاضة، إلى درجة أن تجد عائلتين متنافستين بينهما نزاعات، كل منهما محسوبة على تنظيم بعينه، ولكن عمومًا، كانت التنظيمات هي المرجعية، وليست العائلات ولا العشائر، ولم تكن التنظيمات تتردد في عقاب أو تصفية من يثبت عندها أنه عميل للاحتلال حتى لو كان من عائلة كبيرة، وربما بمباركة -أو مشاركة- أفراد من العائلة نفسها.

نظّر بعض الكتبة والمثقفين إلى أن المرحلة الجديدة (بعد أوسلو) هي مرحلة الحكم المدني وانتهاء دور التنظيمات، وبطبيعة الحال لا مكان لدور العائلة والعشيرة في الإدارة المجتمعية العامة، ولكن ما جرى هو أن العائلية، وبالتوازي مع الجهوية أطلت برأسها من جديد، وعادت قطاعات من الجمهور إلى حضن العائلة والعشيرة، واتبعت معظم العائلات تكتيكًا أو سياسة إظهار الولاء قولاً وفعلاً للسلطة الجديدة، حمل عبارات التفخيم والتبجيل لها ولرئيسها، وبالتالي لم تعترض السلطة على التكتلات العائلية، باعتبار أن المجتمع الفلسطيني (عشائري) وأن هناك إمكانية للتفاهم والتواصل مع العائلات والعشائر في حال وجود مشكلة، وأيضا لحشدها في معارك انتخابية محتملة، واعتبرت العائلات داعمًا ضمنيًّا وشبه مضمون للحزب الحاكم "فتح" وهذا طبعًا بعيد عن فهم طبيعة عوام الناس، الذين ينحازون إلى مصالحهم غالبًا، وتأييدهم يكون للسلطة القائمة (أيًّا كانت) والاعتماد يكون على المجاميع النخبوية المستعدة للنضال في صفوف أي حزب أو حركة بغض النظر عن حالته حكمًا أو معارضة.

لكن السلطة لم تتساهل  أمام محاولة أي عائلة لتفجير السلم الأهلي عبر فتح ملفات انتفاضة الحجارة، خاصة موضوع قتل المتهمين بالعمالة مع الاحتلال أو ملاحقتهم وإيذائهم جسديًّا أو نفسيًّا، ولذا حين أطلقت سلطات الاحتلال سراح مجموعة من المعتقلين المحكومين بتهم تصفية عملاء، عززت السلطة إجراءاتها الأمنية حول الحافلات التي نقلتهم وحول بيوتهم وحذرت من المساس بهم، لعلمها أن هناك عوائل ترغب بالثأر منهم، وسرعان ما تم استيعاب معظمهم في الأجهزة الأمنية القائمة، وفي ذلك الحين نجحت السلطة تمامًا بلجم كل من تسوّل له نفسه التعرض لهم رغبة بثأر أو انتقام... لكن بطبيعة الحال هناك حالات حصلت بعد ذلك وحتى السنوات الأخيرة مردها رغبة عائلات أو أفراد من عائلات بالثأر والانتقام.

الليبراليون الحالمون والمنظرون لحكم ديموقراطي شبيه بما عليه الحال في "إسرائيل" والدول الغربية، وهم بالمناسبة أتيحت لهم بعد أوسلو معظم وأهم المنابر الإعلامية، غير ما ابتكروه هم من منابر، انزعجوا من ظاهرة العائلية والجهوية، وكتبوا عنها عشرات المقالات وانتقدوها في محاضرات وندوات، فهم كانوا يرون إمكانية بناء مجتمع ونظام فلسطيني لا يستنسخ سلبيات الحالة العربية، وأيضًا كانوا يرون أن بناء نظام "مدني ديموقراطي علماني" يحدّ من انتشار "التطرف الإسلامي" (طبعًا هم يقصدون أي حالة إسلامية بما في ذلك حماس والجهاد الإسلامي، فمعظم مثقفي هذا التيار لهم موقف سلبي من مسائل إسلامية عادية يقوم بها معظم الناس، ولكنهم يطعمون أو يتسترون وراء شعارات التصدي "للتطرف والظلامية والعودة إلى عصور الظلام والتشدد وعدم الأخذ بسماحة الإسلام"...إلخ  وكل تلك العبارات الفضفاضة المكرورة).

لكنهم عمومًا كانوا حقيقة يحلمون بإقامة مجتمع ونظام يقدّس حقوق الإنسان وتعزيز مبدأ المواطنة، والاحتكام إلى الخيار الديموقراطي (بشرط ألا يشارك فيه الإسلاميون) أو بكلمات أخرى بناء كيان فلسطيني بمواصفات الدول الأوروبية الحديثة لا باستحضار البنى العربية القائمة على عكس ما حلموا به ونظّروا له،وكل هذا بنظرهم يمرّ من بوابة أوسلو، ولا أدري كيف فهموا أن اتفاقًا -مؤكد هم قرأوه- كهذا يمكن أن يحقق أحلامهم وآمالهم أو حتى بعضًا منها.

ولكن هجومهم على العائلية والجهوية ظل في إطار نظري، والحلول التي قدموها لم تكن عملية، وبدت وكأنها تتحدث عن مجتمع آخر أو منظومة سياسية في مكان مجهول بالنسبة للجمهور.

وخصوم هؤلاء أيديولوجيًّا أي التيار الإسلامي أيضًا انتقدوا عودة العائلية من منطلق شرعي، وكانت ردود المنخرطين في تكتلات عائلية تقول إنهم يتكتلون للتعاون على الخير والبر وليس على الشر والإثم وهذا ما يأمر به الشرع.

والحقيقة المرّة أن العائلية والجهوية، حتى لو كانت نوايا الدافعين نحوها طيبة، تضعف التمركز حول القضية الوطنية الجامعة، وتفتح باب التنافس بعيدًا عن مفاعيلها وتسبب في تغيير الأولويات الفردية وأوتوماتيكيًّا الجماعية.

وظهرت أعراض أمراض اجتماعية عدة آنذاك نابعة من ضعف التمركز حول القضية الوطنية منها:-

·     كثرة الادعاءات البعيدة عن الحقيقة؛ فصرت ترى كثيرًا من الأشخاص بعد استقرار السلطة النسبي يتكلم بصوت عال أنه كان (فتحاويًا ويعمل سرًّا) وينسب لنفسه أدوارًا يعرف القاصي والداني أنه بعيد عنها، ويزعم أن له الحق برتبة أو منصب أو وظيفة بناء عليها. بالطبع كان تنظيم فتح قبل أوسلو محظورًا من سلطات الاحتلال، وكان يمكن أن يلاحق مواطن عادي وتستدعيه مخابرات الاحتلال لسؤاله هل التقى قريبًا له يعمل في التنظيم عندما سافر إلى بلد عربي أو حتى أجنبي، وكان هناك من يبتعد عن مناضلي فتح تجنبًا لأذى الاحتلال. والآن رفع الحظر عن الانتماء لفتح وصارت حزب السلطة، وبالتالي قفز هؤلاء للادعاء الكاذب؛ ولا أنفي هنا أن هناك من كانوا في تنظيم فتح وعملوا سرًّا ولم تتمكن مخابرات الاحتلال من كشفهم و اعتقالهم، ولكن عدد هؤلاء قليل جدًّا، ولو جمعنا أصحاب زعم (العضوية السرية) فسيقول أي مبتدئ في الأمن والسياسة أن مخابرات الاحتلال ساذجة وغبية ولا تعرف شيئًا عن الناس، وهذا غير صحيح بالتجربة العملية، ولكن فتح وإن كان بعض كوادرها انتقدوا شخصيات زعمت هذه المزاعم، لدرجة تصنيفهم ونسبتهم إلى جهات ومرجعيات ودول، ولكن في حوارات ودردشات خاصة، وليس وفق إجراء تنظيمي يضع حدًّا لهم، لأن فتح ربما رأت أن كذب هؤلاء خير من ذهابهم إلى تأييد خصمها السياسي، أو حتى اتخاذهم موقف المحايد، وأن ثمة شعور بالنقص لديهم ورغبة جامحة في إثبات الولاء سيجعلهم أدوات تنفيذية لتصورات الحركة.

هناك من ليس كاذبًا بل كان في التنظيم فعلاً، ولكنه زعم زهده في السلطة ووظائفها رغم أنه حقيقة ساع إليها وطامع فيها، مع استثناءات طبعًا، فمثلما كنت تلقى وتسمع الكاذب الذي يكاد يقول لك إن أبا عمار كلفه بقيادة التنظيم سرًّا في جنين أو نابلس أو رام الله، وكنت تلقى مناضلاً أو من كان في التنظيم وسجن أو طورد يقول لك: عرضوا عليّ وكيل وزارة كذا ورفضت (أو حتى منصب وزير) أو رتبة عقيد في جهاز كذا وأنا لا أرغب، ولا أدري ما هو مصدر العرض المزعوم ولماذا يرفضه، وهو سعى أو انخرط بأقل منه غالبًا؟!

·     التفاخر الاجتماعي بأقارب مسؤولين أو قريبين من المسؤولين. قلت في مقالات سابقة إن الوضع الجديد جعل على منصة المكانة الاجتماعية من ينافس المقاومين، وتبعًا لذلك صرت تجد ظاهرة التفاخر بقرابة أو مصاهرة مسؤول ما، مع مبالغات في دوره ومكانته وتأثيره الحقيقي، خاصة في بعض المناطق التي لم يكن لها باع طويل في المواجهات مع الاحتلال، مع حالة تزلف واضحة في حالة حضور المسؤول، حتى لو كان هو فعليًّا لا يرغب في هذا، ولكنها حالة شبه عامة. على كل ربما يبدو التفاخر بالمسؤول معقولاً ومستوعبًا، ولكن وجد أناس يتفاخرون بأن قريبهم من الدرجة الرابعة هو مرافق أو حارس المسؤول فلان!

·     التنافس في المظاهر والتباهي بأمور غابت خلال سنوات انتفاضة الحجارة؛ فتجد من يريد اقتناء سيارة تماثل سيارة فلان حتى لو لم يكن قادرًا أو ليس بحاجة إليها، أو بناء بيت أكبر حجمًا من بيت فلان، أو إقامة حفل زفاف أكبر مما كان لدى فلان.. وهكذا!

قد تبدو هذه أشياء طبيعية في المجتمعات العربية، ولكن في الحالة الفلسطينية بعد تغييبها أو غيابها بفعل ظرف انتفاضة شعبية فإن لها مدلولاً سياسيًّا، وهو أن ترتيب سلم أولويات عامة الناس اختلف وتغير، ولم تعد مسألة الاحتلال على رأس سلم الأولويات والاهتمامات، خاصة في ظل سعي الناس لتحصيل أرزاقهم أو كماليات الحياة.

طبعا هذا لا يعني أن الناس أداروا ظهرهم للشأن السياسي عمومًا، أو توقفوا عن متابعتهم للأخبار والأحداث، أو توقف حالة الاستقطاب، ولكن ليس الأمر بذات الوتيرة السابقة. وسنتحدث بمشيئة الله عن ظواهر ومظاهر أخرى في تلك الفترة في المقال أو المقالات القادمة.

،،،،

تم نشره في يوم الجمعة 21 ربيع الآخر 1443هـ ، 26/11/2021م

https://alqudscenter.info/articles/%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A7%D8%A6%D9%84%D9%8A%D8%A9-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%87%D9%88%D9%8A%D8%A9-%D9%88%D8%A7%D8%AE%D8%AA%D9%84%D8%A7%D9%81-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%88%D9%84%D9%88%D9%8A%D8%A7%D8%AA

 

 

 

 

وصفي قبها.. نفس كبيرة تعب في مرادها الجسم

 

 

يوم الخميس 6ربيع الآخر 1443ه، الموافق 11تشرين ثاني/نوفمبر2021 أعلن عن وفاة المهندس(وصفي عزات قبها) واسم العائلة المعروفة(قبها) أحيانا يكتب بالكاف(كبها).

توفي(أبو أسامة) في مشفى ابن سينا التخصصي في مدينة جنين شمال الضفة الغربية، بعد شهرين من مكوثه تحت العلاج من فايروس كورونا وتبعاته.

كانت ألسنتنا تلهج بالدعاء أن يتجاوز هذا المرض ويتعافى، ولكن قدّر الله وما شاء فعل.

وتم تشييع الجثمان من مسجد مخيم جنين الكبير إلى مقبرة الشهداء في المخيم بعد صلاة الجمعة 12/11/2021م بحضور الآلاف في جنازة مهيبة هرع للمشاركة فيها أناس من أقصى جنوب محافظة الخليل وحتى جنين في الضفة الغربية والقدس، إضافة إلى من حضر من مناطق فلسطين48 (عشيرة قبها لها امتداد كبير في منطقة المثلث ووادي عارة)

خطب خطبة الجمعة د. إبراهيم أبو سالم أحد أئمة الصلاة في المسجد الأقصى المبارك أشاد فيها بمناقب الفقيد ومزاياه.

وتم افتتاح بيت العزاء ساحة نادي مخيم جنين، وهي لا تفتح عادة إلا لعزاء الشهداء، وتقاطرت الوفود من شتى المناطق لتقديم التعازي لأهله وأحبته ورفاقه في الأسر والمقاومة.

كثيرون كتبوا عن الراحل، وامتلأت مواقع التواصل الاجتماعي برثائه، وحمل بعضها أناشيد ومقاطع من أقواله ولا أدري ما الذي سأضيفه فيما أكتب عن الراحل؟!

أما لماذا كان التشييع والدفن في مخيم جنين، فعلمت أن هذه كانت وصيته التي نفذت بعناية وهو ليس غريبا عن المخيم، فلطالما كان حاضرا في ساحاته وبيوته في ذروة انتفاضة الأقصى (2000-2005) وفي السنوات الأخيرة لم يترك مناسبة أو فعالية تتعلق بالأسرى والشهداء في المخيم إلا وكان حاضرا فيها وله كلمة يلقيها تحض على السير على نهج المقاومة والوحدة الوطنية ونصرة الأسرى.

وعائليا زوجته من المخيم، واثنتان من بناته الست (له ابن وستة بنات) متزوجتان في المخيم، وإحداهما متزوجة من نجل الأسير الشيخ جمال أبو الهيجا المحكوم بالمؤبد 9 مرات في سجون الاحتلال، وبالمناسبة بيت الشيخ جمال لطالما استقبل الراحل كفرد منه، بل إن لوصفي صورة في صالون البيت معلقة منذ 15 عاما.

وهو أصلا ابن بلدة برطعة وهي بلدة شطرها الاحتلال إلى شطرين بعد اتفاقيات التهدئة سنة1949 فأصبح الشطر الغربي(إسرائيليا) سكانه يعيشون الحالة والظروف التي يعيشها أهل فلسطين في مناطق ال48، أما الشطر الشرقي فهو جزء من الضفة الغربية، وبعد إنشاء جدار الفصل العنصري بعد عملية السور الواقي سنة2002 صار الجزء الشرقي ضمن مناطق تعرف بـ(خلف الجدار) أي أن الدخول إلى هناك يحتاج إلى تصريح خاصة من سلطات الاحتلال الإسرائيلي، وقد تم منع وصفي من حق الدخول والإقامة هناك حيث الأب والأم-رحمهما الله- والأهل والأقارب وظل مقيما في شقة متواضعة في مدينة جنين.

وبالتالي لا يمكن للمشيعين دخول(برطعة) والاحتلال على الأغلب لن يوافق على دخول الجثمان إلى هناك، إضافة إلى ما ذكرت عن وصية الراحل.

ويضاف إلى ذلك أن مخيم جنين كان ومازال أيقونة مميزة للمقاومة، فهو لم يعرف الهدوء إلا فترات قليلة منذ عقدين، والراحل هو أحد رموز المقاومة.

الكتابة عن أصحاب الهمم العالية من الرجال أمر ليس سهلا، خاصة لمن هم مثلي، ممن رصيده لا يذكر ولكن من باب الوفاء والتقدير والاعتراف بالدرجة الأدنى أمامهم تجرأت على الكتابة عن رجل عظيم بمعنى الكلمة، وأبدأ بالقول أن وصفي ابن حركة الإخوان المسلمين، ثم ابن ابنتها(حركة المقاومة الإسلامية حماس) وأحد أبرز قادتها في الضفة الغربية، لم يتردد في انتقاد ما يراه يستحق النقد لحركته وقياداتها علنا، مع احتفاظه واعتزازه وإخلاصه في انتمائه لها ودفع أثمان هذا الانتماء الباهظة...لقد سار حتى مماته على درب ذات الشوكة.

انتماء وإخلاص جرّ عليه سنوات طويلة في السجون الإسرائيلية، لدرجة أنني مرة سألته قبل سنوات كم مجموع ما مكثته من وقت خارج السجن منذ 2002 فقال: أقل من سنة!

فلم يكن يخرج من السجن الإسرائيلي حتى يعود له مجددا صابرا محتسبا، رغم أنه مريض بالضغط والسكري وغيره، مما يجعله من أصحاب الأعذار، ولكنه لم يكن يرى نفسه إلا صاحب رسالة وحامل همّ قضية كبيرة.

وحتى قبل شهور جاءت قوات الاحتلال لاعتقاله من منزله ولم يكن موجودا، وظل مطاردا ومطلوبا لقوات الاحتلال حتى دخوله المشفى مريضا بكورونا.

عمل رئيسا لقسم الهندسة في بلدية جنين، ثم تولى وزارة شؤون الأسرى والمحررين في الحكومة الفلسطينية العاشرة التي شكلتها حماس يعيد فوزها في انتخابات 2006، ووزير دولة في الحكومة الحادية عشرة قبل الانقسام في 2007، وامتاز بتواضع ملحوظ، قربه من قلوب الناس.

قال رسول الله-صلى الله عليه وسلم- في الحديث الذي رواه البخاري عن ابن عمر-رضي الله عنهما-

(إِنَّمَا النَّاسُ كَالإِبِلِ المِائَةِ، لاَ تَكَادُ تَجِدُ فِيهَا رَاحِلَةً )

ووصفي بشهادة من أحبه، ومن لم يحبه-إذا كان منصفا- من الرواحل في فلسطين، فلم يكن يترك فعالية تخص الأسرى، من استقبال أو وقفات تضامنية أو مسيرات إلا وتجده حاضرا من محافظة الخليل جنوبا وحتى نابلس وطولكرم وقلقيلية شمالا مرورا برام الله وبيت لحم.

بل قبل دخوله المشفى بساعات كان في وقفة تضامنية مع الأسير المضرب عن الطعام(علاء الأعرج).

لم يكن يترك بيت عزاء إلا ويرتاده معزيا، خاصة بيوت عزاء ذوي الأسرى والشهداء، ولم يكن يتخلف عن دعوة لحضور حفل زفاف أسير محرر، أو نجل شهيد...لقد كان رغم مرضه بالضغط والسكري وتقدمه في السن صاحب طاقة عجيبة لا تكاد تجدها عند شاب فتي.

كان وصفي يتحمل النقد الشخصي، وأتذكر غضبي وامتعاضي من استشهاده بأحد الكتب باعتباره مفسرا لحدث سياسي مفصلي، فلقيته وقلت له:سأكتب نقدا عنك دون ذكر اسمك صراحة ولكن سأذكر درجتك  العلمية ومنصبك السابق، فابتسم بود وقال:خذ راحتك.

حدثني أنه في مقابلة  إعلامية تحدث مستشهدا بمقال لي(هل يمكن اختراق المجتمع الإسرائيلي حقا؟!) :-

https://www.aljazeera.net/blogs/2020/2/20/%D9%87%D9%84-%D9%8A%D9%85%D9%83%D9%86-%D8%A7%D8%AE%D8%AA%D8%B1%D8%A7%D9%82-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AC%D8%AA%D9%85%D8%B9-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D8%B1%D8%A7%D8%A6%D9%8A%D9%84%D9%8A-%D8%AD%D9%82%D8%A7

لدرجة أنه كما أوضح لي قرأ كامل المقال تقريبا، وبدا وكأنه يلتمس مني عذرا إذ لم يشر إلى عنوان المقال أو كاتبه(أنا) فقلت له:هذا شرف لي، والناس لا يقرؤون عموما، فأنت نشرت الفكرة بطريقة عملية، ولا داعي أن تذكر اسمي...فطلب مني نسخة من كتاب(رحلة إلى إسرائيل) الوارد ذكره في المقال المذكور.

كل من عرف وصفي ولو قليلا يمكنه الكتابة والحديث عنه والجامع لكل هؤلاء وحديثهم أنه رجل عظيم النفس، عالي الهمة، يحمل همّ قضية فلسطين والأسرى، وكأنها قضيته الشخصية، ويتجسد فيه قول أبي الطيب المتنبي:-

وإذا كانت النفوس كبارا**تعبت في مرادها الأجسام

رحم الله عبده وصفي قبها، وجزاه عن فلسطين والأسرى وذويهم خير الجزاء، فما عرفنا عنه إلا الصدح بالحق والجرأة والشجاعة ولا نزكي على الله أحدا.

إنا لله وإنا إليه راجعون                                                                                                                                                                                                                                                               

،،،،،،

تم النشر الخميس  13 ربيع الآخر 1443هـ ، 18/11/2021م

https://www.aljazeera.net/blogs/2021/11/18/%D9%88%D8%B5%D9%81%D9%8A-%D9%82%D8%A8%D9%87%D8%A7-%D9%86%D9%81%D8%B3-%D9%83%D8%A8%D9%8A%D8%B1%D8%A9-%D8%AA%D8%B9%D8%A8-%D9%81%D9%8A-%D9%85%D8%B1%D8%A7%D8%AF%D9%87%D8%A7

 

 

 

  

 

المكانة الاجتماعية وانتهاء التشابه.. نموذج المعلم

 

يحتاج رصد وتحليل التحولات الاجتماعية في المجتمع الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة بعد أوسلو إلى بحث دسم يشترك فيه خبراء وأصحاب دُربة في هذا المجال، ويصلح أن يكون برنامجًا وثائقيًّا من سلسلة حلقات، وأترك هذه المهمة لأصحابها، إن وجدوا، أو وجد من لديه الاهتمام أصلاً.

لا شكّ أن التغيرات في أي مجتمع تنعكس على التصورات السياسية، والتعاطي مع الشأن العام، صعودًا أو هبوطًا، سلبًا أو إيجابًا، فكيف الحال ونحن نتحدث عن شعب أو مجتمع يواجه احتلالاً استيطانيًّا اقتلاعيًّا إحلاليًّا؟ ومن وجهة نظري فإن فصائل المقاومة، ومجموع المعنيين بالعمل المقاوم عمومًا، إمّا أهملوا هذه المسألة الهامة بناء على مراهنات الأيديولوجيا، أو الانتظار، وبقي الأمر مرهونًا بدردشات عابرة، وحتى لو كان ثمة اهتمام بالموضوع فإنه ظل محصورًا في نطاق أكاديمي ضيق.

وهذا وضع محزن فعلاً؛ فالعدوّ بكل أدواته الاستخباراتية والإعلامية والأكاديمية البحثية يسبر غور مجتمعنا ويقدم التوصيات لأصحاب القرار، ولا أبالغ إذا قلت إنهم يفهمون مجتمعنا عمومًا أكثر منا، في الوقت الذي نظنّ أنّ فهمهم هو ما يتلفظ به جندي أو ضابط أو تاجر إسرائيلي من عبارات بلهاء تدل على سطحية وعدم فهم تام لمجتمعنا، فهذه العينات ليست من تدرس وتحلل وتقرر.

 

هذا بالإضافة إلى جهات غربية تدرس سرًّا وعلانية ما يجري في مجتمعنا، وما تستنبطه يجد طريقه بسهولة إلى أروقة العدو السياسية والأمنية، فيما نحن أبناء المجتمع المستهدف لا نكلف خاطرنا بعملية رصد لهذا المجتمع، باعتبار أننا نفهمه، ونكتفي بأحاديث هنا وهناك دون استشعار أهمية الرصد والتحليل للمتغيرات الاجتماعية.

سأكتفي هنا كما فعلت في معظم النصوص السابقة بالتركيز على التغيرات في الضفة الغربية، مع أنه يمكن القول إن تشابهًا يكاد يلامس التطابق مع الوضع في قطاع غزة في بعض الأمور، وحين أتكلم عن مرحلة أوسلو فهي عبارة قد تحتاج إلى توضيح؛ ذلك أن كل شخص أو باحث أو مهتم يقسمها وفق رؤيته، وبالنسبة لي فإن المراحل كالتالي:

من أيلول/سبتمبر 1993 لحظة توقيع الاتفاق حتى البدء بتطبيقه في أيار/مايو 1994 ومع أن هذه الفترة قصيرة نسبيًّا ولكنها شهدت أحداثًا كبيرة ومهمة تحدثت عنها سابقًا، أهمها تصاعد المقاومة المسلحة نوعيًّا بقيادة حماس والجهاد الإسلامي، ووقوع مجزرة المسجد الإبراهيمي.

من تشرين ثاني/نوفمبر 1995 حيث انسحبت قوات الاحتلال من مراكز المدن الفلسطينية في الضفة الغربية (عدا الخليل التي احتاجت اتفاقًا خاصًّا) بعد سنة ونيف من الانسحاب من منطقة أريحا وقطاع غزة حتى انتفاضة الأقصى في أواخر أيلول/سبتمبر 2000.

من أيلول/سبتمبر 2000 حتى 2006/2007

من 2007 حتى الآن.

ما سأتكلم عنه هو بعض التغيرات الاجتماعية التي عشتها ولاحظتها وناقشتها وقرأت ما تيسر حولها في الضفة الغربية في سبع سنين أي منذ توقيع اتفاق إعلان المبادئ (1993) حتى اندلاع انتفاضة الأقصى.

في هذه السنوات شهدت الضفة الغربية تغيرات في الحالة الاجتماعية، انعكست على التعاطي مع الواقع السياسي، وبطبيعة الحال على المقاومة ممارسة وفكرًا، وكما قلت يظل هذا جهد المقل حتى يقوم بالمهمة كاملة أهل الخبرة.

وجدير بالذكر أن التغيرات لم تكن جميعها مرتبطة بأوسلو وتطبيقاته ومخرجاته، فبعضها تزامن معه، فالمجتمع يتأثر بالتغيرات الإقليمية والدولية وبالتجديدات والاختراعات التي شهدتها هذه المرحلة.

النظرة والمكانة.. تراجع التشابه

عشنا زمنًا كان فيه المرء يفاخر بأن صلة ما تربطه بشهيد من شهداء انتفاضة الحجارة، سواء قرابة -ولو بعيدة جدًّا- أو مصاهرة، أو علاقة شخصية ولو كانت عابرة مثل تناول كوب شاي معه، وهذا ينسحب على بقية الذين حملوا جمر المقاومة والنضال كالمعتقلين والمطاردين، ولو بدرجة أقل بوضوح من حالة الشهيد.

ولكن جاء وقت صار لأيقونات النضال من يزاحمها في النظرة والمكانة؛ وكي لا يفهم الأمر خطأ، كان الشهداء والأسرى والمقاومون، وما زالوا، وسيبقون، أيقونات مميزة، وأصحاب احترام وتقدير مجتمعي كبير ومميز، ولكن ما جرى أن نظرة الناس صارت موجهة إلى أمور أخرى، فمن نتائج انتفاضة الحجارة، تراجع بل تلاشي المكانة التي حظي بها بعض الناس، بحكم ثروتهم، أو علاقاتهم مع بعض الدول العربية أو الغربية، أو حملة الشهادات والدرجات العلمية، ليحل محلهم (الجنرالات الجدد) كما في تعبير الرئيس عرفات المعروف في وصفه لأطفال الحجارة، فقد لمسنا أن أي شهادة علمية أو انتماء موروث لأي عائلة أو امتلاك المال والعقارات، لم تكن تساوي في أعين السواد الأعظم من الجمهور شيئًا أمام الحالات النضالية من شتى الفصائل.

الآن وبفعل عدم وجود احتكاك مباشر ووجود فيزيائي للاحتلال كما كان في انتفاضة الحجارة، صار الناس أو ربما عادوا إلى إعطاء مكانة ليست بسيطة لأهل الجاه والثراء، وصولاً إلى أصحاب الدرجات العلمية والأكاديمية، وبطبيعة الحال، إلى ذوي المناصب الرفيعة في السلطة الناشئة من مدنيين وعسكريين.

تميز المجتمع الفلسطيني باحترام وتوقير المعلم/المدرس في مختلف المراحل، وقد تكون هذه سمة عربية أو حتى عالمية لأصحاب هذه المهنة، ولكن كان الفلسطيني مميزًا، بحكم أن المعلم ليس مجرد صاحب مهنة يأخذ عليها أجرًا ، بل هو حامل وصاحب رسالة تربوية بعيدة المدى للأجيال، في ظل شعور بسياسة التجهيل الإسرائيلية (انتهج الاحتلال هذه السياسة فعلاً فترة من الزمن)، والمعلم يقوم مقام الآباء والأمهات، بل كان هؤلاء يعطون المعلم صلاحيات كبيرة في التعامل مع أبنائهم.

طبعًا في انتفاضة الحجارة تراجعت صلاحيات المعلم كثيرًا بحكم فترات الإغلاق الطويلة للمدارس، وفي فترات استئناف الدراسة القصيرة المقلصة كان الملثمون، أو من أفرزتهم الفصائل للتنسيق، هم أصحاب الكلمة الأخيرة في المدرسة وليس المعلم أو مدير المدرسة.

وبتقديري أن مكانة المعلمين المميزة في المجتمع الفلسطيني، لها سبب آخر، لا يقل أهمية عما ذكرت من حمله رسالة عظيمة، وهي تشابه الأحوال في المجتمع؛ فقد كان كثير من الناس يعملون في الداخل، وعملهم غالبًا في قطاع البناء والزراعة أو التنظيفات، فليس بينهم عمومًا من هو صاحب ميزة رفيعة، حتى من كان متعهدًا يشرف على عدد منهم، وأنت هنا تتحدث عن آلاف أرباب الأسر، وكان هناك تجار وأصحاب مصانع صغيرة نسبيًّا يشغّلون عندهم عددًا من الأجراء، ومجموعة تعمل في فلاحة الأرض وزراعتها والعيش من محاصيلها (تراجع العدد بتسارع كبير حتى  لا يكاد يذكر) ومجموعة من الأطباء، وهؤلاء أيضًا كانت لهم مكانة اجتماعية مميزة، ولكنهم عمومًا قلة، وكانت دراسة الطب في خارج فلسطين، والقادر عليها هم أبناء الميسورين، الذين فوق مكانتهم السابقة، كأبناء عائلات ثرية أو من (الملاّكين)، حظوا بحكم احتراف الطبابة على مكانة جديدة، وعدد من المحامين (دراسة القانون أيضًا كانت في الخارج) والذين عمومًا كانوا يقاطعون المحاكم العسكرية الإسرائيلية، فيظل مجالهم المهني محدودًا، وحتى هذه العينات، ربما امتلك الواحد منهم سيارة (غالبًا مستعملة) وبيتًا ربما لا يتميز كثيرًا عن بقية بيوت الناس...باختصار كان أغلب الناس كما يقال (حالهم من بعضه).

 

وبحكم أن المعلمين كانوا أكثر عددًا من الأطباء والمحامين والمهندسين، ومهنتهم ومجالهم هو التعليم، في مجتمع انكب قطاع واسع منه في الوطن والشتات على التعليم، باعتباره (المنقذ والمخلص) من تبعات النكبة، والضامن لحياة كريمة، وظلت الأسر تتوارث هذه النظرة، إلا من تنبهوا إلى التغيرات الاقتصادية، بحكم هذه العوامل وغيرها حظي المعلمون بمكانتهم التي سبقت تلك المرحلة.

ولكن في مرحلة ما بعد أسلو، صار هناك وزراء ومسؤولون ونواب وضباط وأصحاب مناصب ونفوذ، فمن الطبيعي أن تتراجع مكانة المعلم، أو على الأقل أن يوجد من يزاحمه وينافسه مكانته بحكم الواقع، وزاد من تراجعها تغير في نظرة المعلم نفسه -مع التوظيفات الجديدة في قطاع التعليم- لمهنته وحدودها، كما أن انتفاضة الحجارة ولّدت حالة تمرد تلقائية عند التلاميذ، فالتلميذ كان يهاب المعلم، ظنًّا منه أنه يمتلك كل المعلومات مع قوة وسيطرة، ولكن هذا التلميذ الذي عايش بطش الاحتلال المباشر، خاصة إذا دخل سجون ومعتقلات الاحتلال نظرته ستتغير، حتى ولو ظل يحترم المعلم، فهذا من جانب أخلاقي، لا من تصور (أسطوري) كالذي كان.

ومن نعم الله تعالى أن اللهجة الفلسطينية لا تحمل مفردات تمييز طبقي مثل اللهجة المصرية مثلاً، ومفردات التوقير والاحترام في اللهجة المحكية قليلة تشير إلى المهنة (أستاذ: وتقال للمعلم والمحامي والصحفي وما شابه وتنسحب أحيانًا على المهندس فلا يقال عند أغلب الناس تعبير (باشمهندس) الذي يستخدم في مصر مثلا) أو (دكتور: للطبيب أو أحيانا للصيدلاني أو العامل في الأشعة والمختبرات، وللمحاضر في الجامعة) ومن أكثر ما يوقر الناس به شخصًا ما؛ إطلاق كلمة (حج/ حاج) عليه حتى لو لم يكن قد أدى فريضة الحج، خاصة مع تقدمه في السن، كذلك الاستخدام الواسع للكنى (أبو فلان) على غالبية الرجال، استحياء من ذكر اسمه صريحًا مجردًا إذا لم يكن طبيبًا أو معلمًا أو ما شابه، ويحظى به التجار والعمال وغيرهم، بل حتى يقال (الدكتور أبو  فلان) فالكنية من باب الاحترام بارزة في مخاطبات الناس اليومية، وهذه الميزة (عدم وجود مفردات طبقية) في الدارجة الفلسطينية ساهمت، مع الأمور التي ذكرت، في تشابه وتجانس المجتمع.

وقد أصدر الرئيس عرفات تعميمًا بإطلاق مفردة (الأخ) على أي صاحب منصب بمن فيهم الرئيس، فيما يخص المخاطبات المتعلقة بأجهزة السلطة المدنية والعسكرية، ولكن أضيف إليها في تعاملات الناس الصفة الوظيفية مثل (الأخ الوزير، أو معالي الأخ الوزير، الأخ العقيد.. إلخ).

عموما سأتطرق لاحقًا في مقال أو أكثر إلى التغيرات التي شهدها المجتمع الفلسطيني في الضفة الغربية في تلك الفترة، بعون الله ومشيئته.

،،،،

تم نشره في يوم الإثنين 10 ربيع الآخر 1443هـ ، 15/11/2021م

 https://alqudscenter.info/articles/%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%83%D8%A7%D9%86%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%AC%D8%AA%D9%85%D8%A7%D8%B9%D9%8A%D8%A9-%D9%88%D8%A7%D9%86%D8%AA%D9%87%D8%A7%D8%A1-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B4%D8%A7%D8%A8%D9%87-%D9%86%D9%85%D9%88%D8%B0%D8%AC-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B9%D9%84%D9%85

 

 

 

مع مذكرات أخطر سفير إسرائيلي في مصر (1)

لدي قناعة أن ذهاب أنور السادات إلى خيار التسوية مع إسرائيل؛ و زيارته المشؤومة إلى القدس في 1977 وصولا إلى توقيع اتفاقات كامب ديفيد في 1979 ه...