الجمعة، مايو 23، 2014

مسلم عربي فلسطيني



مسلم عربي فلسطيني
بقلم:سري سمّور

يرى بعض الإخوة والأخوات أنني في ما أكتب عن الشأن الفلسطيني قد اتخذت لنفسي نوعا من التطرف الوطني وسلكت مسلكا يوصل إلى اعتبار الفلسطيني أمة من دون الأمم وبالغت في الدعوة إلى سلخ القضية الفلسطينية عن سياقها العربي والإسلامي وربما تزداد حالة الاستغراب والاستنكار كوني انتسب إلى مدرسة فكرية تحلم بدولة أو كيان من طنجة حتى جاكرتا، بل تحلم باسترداد الفردوس المفقود في الأندلس..فكيف أدعو إلى «الفلسطنة» التامة؟ثم كيف يستقيم ما أطرحه مع سيرة الناصر صلاح الدين-رضي الله عنه- في التوحيد والتحرير، وهو الكردي المولود في العراق المتنقل بين بلاد الشام ومصر؟!
و أرى أنه لا بد من توضيح هذا اللبس في فهم  طرحي و أنـتهز الفرصة للدفاع التوضيحي عن الفكرة؛  إن فلسطين مركز الصراع في المنطقة وأهم بؤرة صراع في العالم لأنها تجمع كل أسباب الصراع المعروفة تاريخيا فهي تجسد صراعا دينيا وحضاريا واجتماعيا واقتصاديا وكل من يفكر في تأجيل هذا الصراع إلى أن يحقق المحيط العربي والإسلامي نهضة ويمتلك قوة موازية، هو-مع احترامي- قارئ قصير النظر  للقضية ومجرياتها؛ فلتثبيت المشروع الصهيوني في فلسطين يجب أن يبقى العرب ممزقين وضعفاء ومتخلفين ولا يسمح لهم ببناء نظم سياسية ديمقراطية وأزعم أنه لو اتـفق  الحاكم مع المحكومين العرب على عقد اجتماعي جديد يلغي الدكتاتورية فإن الغرب سيفشل الأمر، ويتدخل بأساليبه الناعمة والخشنة، والسبب الرئيسي هو إسرائيل، وعليه لا طائل من تأجيل الصراع معها أو تجاهله، أو ربطه عضويا وشعوريا بحالة المحيط العربي.
أما الحلم بصلاح الدين المعاصر، فهو حلم جميل، ولطالما قلنا:آمين، حينما كان الإمام يتضرع إلى الله-سبحانه وتعالى- بأن يبعث في الأمة قائدا كصلاح الدين...لكن هذا الحلم يصطدم بالواقع، وهو قائم على فكرة مغلوطة؛ فنحن نريد تحرير الأرض والإنسان، والآلية المناسبة حاليا تختلف عن تلك التي كانت زمن صلاح الدين، بل بعد مئة سنة من رحيل صلاح الدين كان مطهر البلاد من الفرنجة الأشرف قلاوون يختلف في شخصيته وأسلوبه عن صلاح الدين، فالفكرة


 ليست الشخص واستنساخه...وأمر آخر مهم جدا؛ وهو أن الغرب جهد في دراسة أسباب ظهور صلاح الدين، وكيفية منع تكرار هذه الظاهرة، وأنـفق مليارات كثيرة، وجند أدوات هائلة
لهذا الهدف، فلم لا يكون هناك تطوير لفكرة التحرير، مثلما طور الغرب فكرة الاحتلال؛ فهو قد ابتكر الصهيونية، وحوّل الديانة اليهودية إلى قومية، وأقام لليهود دولة في قلب العالم العربي والإسلامي، فلماذا نحلم نحن بصلاح الدين الذي سيسير الجيوش لتوحيد مشارق البلاد ومغاربها ثم يطبق على فلسطين ويحرر القدس؟!
ولنتذكر أن الأمة زمن صلاح الدين كانت تواجه فقط احتلالا عسكريا لجيوش من القتلة الهمجيين؛ أما الآن فإن الغرب أصبح لديه حضارة قوية تمتلك معظم وسائل العيش في العالم ابتكارا أو روحا...فأي سلاح وأي جيش سيتحرك به صلاح الدين ليوحد بلاد العرب والمسلمين ويأتي بالجيوش فاتحا؟ وأشدد أن كلامي لا يتنافى مع سورة الإسراء إطلاقا، فالآيات الكريمة في سورة الإسراء لم تحدد أن من سيتبروا ما علوا تتبيرا سيكون عليهم قائد كردي أو مصري أو حجازي أو أو أو ولم ترسم مسارهم!
ومن يوجه البوصلة نحو بيت المقدس وفلسطين، ويعمل بصدق وإخلاص سيحرج كل المتآمرين، ويقيد حركتهم وينزع ذرائعهم، ولو طعنوه سيزداد قوة، ويمكنه تحييد كثير من القوى أو الحد من تسلطها؛ أما من يريد التخلص أولا من هذا النظام أو ذاك، فسينقضي عمره قبل أن يتفرغ للقدس، هذا لو افترضنا فيه حسن النية.
ونحن رأينا ونرى ما يجري في بلاد العرب منذ حوالي قرن، فإلى متى سننتظر أن يخرج منهم صلاح الدين؟ومن قال أن قضيتنا تشغلهم أصلا، على المستوى الشعبي وليس فقط على المستوى الرسمي؟ وبالتجربة نحن نتابع ونعرف عنهم وعن ظروفهم السياسية والاجتماعية تفاصيل التفاصيل، بينما نجد لديهم ضحالة في فهم قضيتنا وواقعنا...وطبعا أنا لا أقول أن فلسطين لا تحتاج إلى الجهد العربي والإسلامي مطلقا، بل أنا واثق أنه سيأتي وقت يتحركون فيه، ولكن على الفلسطيني أن يعمل ويجتهد للتخلص من الاحتلال دون أن ينتظر منهم شيئا في المدى المنظور، وألا يشغل نفسه في حسم أي صراع داخل أي دولة عربية لصالح أي طرف لأنه لن يكون للحسم-لو حدث- تأثير فوري منظور على قضيتنا.
كما أن الشعب الفلسطيني بقي طوال عقود يدفع ثمن الصفقات المريبة بين المحيط العربي المثقل


بالاستبداد والفقر والتخلف والرأسمالية الغربية، فطالت إقامة الملايين في المنافي، وتناقصت الأرض تحت أقدام من ظلوا يقبضون على الجمر في الوطن السليب ففي نهاية المطاف نحن الذين خسرنا من كل ما دار ويدور في المنطقة ونحن الذين نجد أنفسنا كالأيتام على مائدة اللئام بعد
كل مواجهة أو صفقة وتبين بالوجه القاطع أن التركيز الكلي على قضيتنا دون الانشغال بما سواها يوفر علينا كثيرا من الوقت والجهد ويحمينا من فتن تدور حولنا، وعليه كان من الخطأ التصور أن الطريق إلى القدس يجب أن يمر عبر هذه العاصمة العربية أو تلك، ومثله الخطأ باعتقاد أن تحرير القدس يبدأ من جبال بلاد الأفغان...فلسطين هي لب الصراع في عصرنا والصراعات الأخرى والمشكلات التي نراها ستحل بنسبة95%  حينما يتفكك المشروع الصهيوني ولا يتعارض هذا مع الانتماء العقائدي والقومي فالمجاهدون الجزائريون ومنهم العلماء المخلصون قالوا يوما: الإسلام  ديني وعقيدتي، والعربية ثقافتي ولغتي، والجزائر أرضي ووطني؛ والآن أقول: أنا مسلم عربي فلسطيني وهذا الترتيب في الانتماءات يجب ألا يعني أن يؤجل الصراع أو أن نجعل قضية فلسطين في الدرجة الثانية وعلى كل تم تجربة ذلك وكانت النتيجة هي الفشل الذريع...ومن يجرب المجرَّب عقله مخرب !  
   

،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،
الجمعة  24 رجب 1435هـ ،23/2/2014م

من قلم:سري عبد الفتاح سمّور(أبو نصر الدين)-جنين-أم الشوف/حيفا-فلسطين

الاثنين، مايو 12، 2014

ترميم الثقافة الوطنية(3-3)




ترميم الثقافة الوطنية(3-3)
-الجزء الثالث-
بقلم:سري سمّور

(8)كيف نرمم ثقافتنا الوطنية

علينا ألا نكابر ونعمد إلى إنكار التشوّه الذي أصاب ثقافتنا الوطنية في الصميم وأصبح حالنا لا يغيظ عدوا ولا يسر صديقا، ومهما حاولنا الإنكار، وادّعاء  إنجازات وتضخيمها، فنحن أمام حقيقة بطعم العلقم؛ وهي أننا فقدنا الجغرافيا أو معظمها، ولو بقينا على حالنا هذه سنصبح خارج التاريخ، وليس بخداع النفس بأن مجرد بقاءنا فوق أرض تتناقص من تحت أقدامنا وتتسرب من بين أيدينا، هو أكبر نصر، وأعظم جهاد، و هو غاية المنى، وهو كل ما يمكننا فعله...ومع أن ثـقافتنا الوطنية اعتراها التشوّه وأصابها كثير من الخراب، إلا أنها قابلة للإصلاح، ولهذا اخترت كلمة «ترميم» عنوانا للمقال، فالخير موجود، والطاقات هائلة، لو أحسن استغلالها، وهنا لن أوجه الكلام لمؤسسات أو لجهات عامة فقط،بل سأكون فرديا في معظم النقاط، لأن التزام كل فرد وعمله يصب في خانة المجموع، وعليه فإن ترميم الثقافة الوطنية خاصتنا يتحقق بما يلي:-
1) إزالة فكرة كون إسرائيل قدر أبدي، وأن الصراع معها إلى يوم القيامة؛ فإسرائيل كيان استعماري قابل للتفكيك مثله مثل غيره؛ وفي ذات الوقت عدم النظر باستهتار إلى إسرائيل والتواكل بأنها كيان طارئ وجسم غريب وستنتهي بسبب ما في داخلها من مشكلات أو تناقضات، وبسبب إنجابنا للأطفال، فهذا هراء ووهم، ولنكن على قناعة أن هذا الكيان يعيش مرحلة حرجة، وهو ليس بذات الجبروت والقدرة قبل عشرات السنين.
2) هنا فلسطين مركز الصراع الكوني، وكل ما في الأرض من صراعات تنسى وتصبح ثانوية إذا اشتعل الوضع في فلسطين؛ فأنت أيها الفلسطيني، مع ضعفك وقلة حيلتك وهوانك على القريب والبعيد، يمكنك أن تجعل العالم كله يقف على رؤوس أصابع قدميه، وأن يتوسل لك القاصي والداني  كي تهدأ إذا ثرت...لا تستهن بنفسك، وإياك أن تقلل من شأنك، وفي ذات السياق فإن لغة الاستعطاف والاسترحام لا تجدي، فأنت تواجه عالما متوحشا فقد كل ضمير وتواطأ أقوياؤه على سلبك أرضك وتشريدك فلا تستجدي.
3) كل منا يجب أن يكون مقتنعا حتى النخاع ألا حياة طبيعية وإسرائيل موجودة، والركون إلى الخلاص الفردي، والاعتقاد أو الظن بأن السلامة الشخصية دائمة وأكيدة ما لم يكن ثمة صدام بين الإنسان الفلسطيني مع الاحتلال، محض وهم وخدعة، وعلى كل فرد أن يدرك ذلك ويقنع أسرته ومحيطه بهذه الحقيقة، وأقول وأصر على أنها حقيقة لا يجب النظر إليها كوجهة نظر قابلة للنقاش.
4)  بناء عليه على كل فلسطيني أن يدرك أن المس بأي فلسطيني، حتى لو اختلفت معه سياسيا أو شخصيا هو مس بك جسديا ونفسيا، والوصول لهذه الحالة من الإدراك سيزيل كل العقبات والشروخ التي أصابت الجسد الفلسطيني.
5)  للأسف هناك من وصل به الحال إلى قناعة بأنه حتى لو عادت فلسطين من النهر إلى البحر فإن وضعه لن يتغير، بل هو الآن ربما ما كان ليحوز على ما حاز من مال أو متاع لو كانت فلسطين غير مغتصبة...هذه القناعة يجب أن تزال بيقين تام أن المعركة ليست معركة أمة وهوية فقط، بل معركة شخصية أيضا وأنك أيها الفلسطيني مهدد بوجودك الشخصي الذي يتناقض مع وجود إسرائيل.
6) الأرض هي لب الصراع، وعليه فإن كل من يقف معنا حقيقة لاسترداد أرضنا له كل الاحترام والتقدير، والوقوف لا يكون بكلمات وخطب رنانة أو مواقف باهتة، بل بإجراءات فعلية حقيقية يحسها الفرد، ولا يعني هذا أن أتبنى فكر وآراء من يقف معي في كل شأن، وأن أصبح مجرد تابع، أو بالتعبير الصريح ذنبا له، فالعلاقة مصلحية وندية، ومن يقف مع فلسطين هو الرابح ولو بعد حين.
7) إن العرب لن يحركوا جيوشهم كي ينقذوا المسجد الأقصى، فهم لم يفعلوا ذلك عندما كانوا لا يعترفون بإسرائيل رسميا، فكيف وهم يلهثون وراءها كي تمنّ عليهم بسلام معها، فالأمر منوط بنا، وعلينا الاعتماد على ذاتنا وألا نكرر الخطيئة المكررة بالاعتماد عليهم أو تعليق الأمل بهم، وهنا قد يطرح سؤال نفسه:هل نحن قادرون وحدنا على تحرير فلسطين؟والرد على السؤال بسؤال آخر:وهل انتظار جيوش العرب والمسلمين الجرارة يفيدنا أو يوقف تمدد المشروع الصهيوني؟إن العرب لهم دور لا شك في عملية التحرير ولكن هذا الدور لم تتهيأ ظروفه بعد، ومن الحمق انتظار هذه الظروف، وعليه على الفلسطيني أن يعمل وليس في قلبه أي ذرة من أمل بأن العرب رسميا وشعبيا سيقدمون له أكثر مما يقدمون، بل قد يطعنونه من الخلف كما فعلوا سابقا.
8) حياتنا صارت استهلاكية إلى حد كبيرة، ومن الصعب الملامس للمحال أن نتغلب على نمط حياتنا المناقض لما يفترض أن يحياه شعب تحت الاحتلال، وعليه يجب العمل على وقف زيادة وتيرة النمط الاستهلاكي ، وليس العودة إلى الوراء حاليا فهذا كلام في الهواء، لنبرمج أنفسنا على أنه يكفي ما نحن فيه من حياة قائمة على الاستهلاك، ولا نريد المزيد، وهذه معركة صعبة لأن ثمة اقتصاد استهلاكي، ولكن بالتدريج فإن الإرادة تنتصر.
9) ومرض الوجاهة وحب الزعامة قاتل لكل الأمم وهو بلا ريب أشد فتكا بشعب مثل شعبنا مهدد بوجوده وكيانه، ولمحاربة هذا المرض بل الوباء يجب أن نزرع في أنفسنا وفي أولادنا احترام الإنسان العادي البسيط من غير ذوي المال والجاه، وبهذا يفتر توجه المرء نحو الوجاهة لأن كثيرا يسعى إليها، لأن الناس –للأسف-لا يحترمون إلا من كان ذا منصب أو مال أو عائلة مرموقة.
10)      زيادة التوعية السياسية، لا سيما في المناطق الريفية المهددة بسرطان الاستيطان- باتجاه جعل الانتماء العشائري أو العائلي هامشي، مقابل الانتماء السياسي والوطني والفكري، وتعزيز مبدأ الثأر في التعامل مع المحتل، فكثير من العائلات تتقاتل بسبب أمتار أو قلع شجرة، ولكنها تصمت حينما يقتلع المحتل آلاف الأشجار ويصادر مساحات شاسعة.
11)      منبر الجمعة سلاح فعال لو أحسن استخدامه، ولهذا فإن المطلوب أن يركز خطيب الجمعة في خطبته دوما على مسألتين، وأن يتجنب ما استطاع الحديث عن مشكلات الدول الأخرى؛ الأولى هي السلبيات المحيطة بمنطقته ومكان إلقاء الخطبة؛ وطريقة علاجها، فالحديث عن حفرة في شارع أو تسرب التلاميذ من الدراسة في خطبة الجمعة أهم من الحديث عن سورية ومصر وإيران وتركيا وليبيا؛ والثانية هي عن الشأن الوطني العام والقضايا التي لا خلاف حولها أو عليها، مثل القدس وتهويدها، والأسرى، والتذكير الدائم أن الأرض هي لب الصراع.
12)      أما الفرد فعليه واجب العودة إلى الروحانيات ما استطاع إلى ذلك سبيلا، فهناك جدب روحي ربما ساهم في زيادة الانهماك في الحياة الاستهلاكية، وهذا الجدب لا يقتصر على غير المصلين، بل طال المصلي والصائم والحاج والمعتمر، ومتى سمت روح الإنسان يستطيع السير إلى الأمام والدفاع بإخلاص عن أرضه.
13)      اللغة العربية في خطر، وصراعنا جزء مهم منه على الهوية، وبات بعضنا يخجل من تحدث العربية، ويفخر بغيرها، ويتحدث المتحدث، وعادة يكون خطيب منبر إعلامي أو سياسي أو حتى منبر جمعة فينصب الفاعل، ويجزم المفعول به، فوجب تعزيز الانتماء بتقوية اللغة العربية، بتنظيم المسابقات، والدورات الخاصة بالأئمة، وحتى الناطقين والمتحدثين، فمن لا يتقن الحديث بلغته، وهي لغة القرآن الكريم، لن يستطيع الدفاع عن وطنه بطريقة مجدية، حتى لو امتلك الإخلاص والحماسة...وفي ذات السياق يجب وقف تدريس اللغة الإنجليزية في الصف الأول الأساسي، وعودة تدريسها في الصف الخامس أو حتى السابع.
14)      لا ضير من الانتماء لأي حزب أو تنظيم، والدعوة إلى إلغاء الأحزاب والتنظيمات والحركات، بدعوى الانتماء الوطني دعوة بلهاء وغير واقعية، وهي أيضا تناقض سنة الله في خلقه، ولكن المهم أن تجمع كل الأحزاب على أهداف جامعة، فعند العدو إجماع على أن «أورشليم» عاصمة أبدية لا تقبل القسمة، ويمكن محاكاة تجربتهم.
15)      على الفصائل جميعا أن تغير من أساليب الحشد والتنظير والتعبئة والتجنيد السابقة؛ وأن تعي جيدا أنها أمام أجيال جديدة وعقليات ترى كل ثقافات وأفكار العالم، وألا جدوى من أساليب الحجب أو التحذير من الاطلاع، وأن الفكر القوي لا يخاف الأفكار الأخرى.
16)      الدعوة إلى حل السلطة غير واقعية، لأن الناس بحاجة إلى إدارة شؤون حياتهم، ولأن البدائل سيئة جدا، ولكن المطلوب هو فصل الخدماتي عن السياسي تماما، ولا أقصد بذلك أن يشترط في مدير المدرسة مثلا أن يكون بلا انتماء سياسي؛ ولكن ألا يكون مؤهله الأهم هو نشاطه أو انتماؤه السياسي، فيما هناك من هو أكفأ منه من تنظيم آخر أو من المستقلين، وعليه على التنظيمات أن تتجه إلى قضية التحرير وان تزهد ولو تدريجيا بالسلطة، وأن تبحث عن مصادر تمويل جديدة، وهذا ليس صعبا.
17)      يجب التحلي بالشجاعة ونقد الذات، ولكن ألا يستخدم النقد الذاتي مادة للمناكفة، ولعل أجواء المصالحة تسهم في ذلك، ويبدأ نقد الذات بالمصارحة داخل الأسرة الواحدة، بين الزوجين، وبينهما وبين الأولاد، وبين المعلم وتلامذته...شخصيا أنا سررت حينما قالت لي ابنتي (صف خامس) أنها لا تحب المدرسة لأنني  حينما كنت صغيرا ويسألني سائل أكبر مني:تحب المدرسة أم البيت؟ كنت أجيب نفاقا:المدرسة...ولننظر إلى العدو وسياسة استخلاص العبر بعد كل عملية، وللعلم استخلاص العبر عندهم ليس فقط في الحروب والعمليات العسكرية الكبيرة، بل بعد عملية اعتقال روتينية، فكيف يمكننا استخلاص العبر ونحن غارقون في تضخيم الإنجازات، والتهرب من الأخطاء والخطايا؟وكيف سنتعلم النقد ونحن نشرب النفاق والرياء والكذب أطفالا؟
18)         وهي نـقطة حساسة أجلتها وجعلتها الأخيرة وربما هي الأهم؛ وهي أن فلسطين منذ أواخر القرن التاسع عشر تقريبا محكومة بمنظومة اجتماعية-اقتصادية شبه ثابتة، قد تتغير الوجوه، لكن المنظومة لا تتغير، والمعادلة التي بات كثير من أبناء شعبنا يدركونها، أن ثمة طبقة تدفع  من دمها ومن القليل الذي تمتلكه من متاع الدنيا، ولكنها تبقى خارج دائرة التأثير الفعلي متوسط أو بعيد المدى، ولكن هناك طبقة صغيرة تتكيف مع كل عصر ومع أي سلطة قائمة، وقد تنتكس برهة، ثم لا تلبث أن تعود لتمسك بناصية الأمور، وهي طبقة لا يستعصي عليها وضع أو معادلة، بما في ذلك التراكيب الاجتماعية والسياسية التي تطورت عبر أكثر من قرن...فهذه الطبقة استفادت من السلطنة العثمانية أواخر عهدها، ثم سارعت إلى التحالف مع الإنجليز، وتعاملت مع الحكم المصري والأردني بذات العقلية، وتعلم أبناؤها تعليما جامعيا بحكم الثراء، في وقت كان حظ الناس من العلم شحيحا، وبالتالي هيمنت على حقول التعليم والصحة وغيرها ووضعت بصماتها فيها، ولم يختلف الحال كثيرا عند احتلال ما تبقى من فلسطين، فتعاطت مع الاحتلال، من منطلق نفعي مصلحي بحت، فهي تكره الاحتلال لو مسّ مصالحها الذاتية فقط، واستطاعت النجاة بمصالحها ونفوذها من كل عواصف السياسة المتقلبة...هي طبقة يهمها مصالحها الاقتصادية الضخمة، والتي من خلالها بمكنتها اختراق كل التنظيمات، والتأثير في كل الشرائح الاجتماعية والمهنية،وتجنيد الأتباع، وتزييف الوعي مهما تطور الإعلام وتبدل...ولكي نكون واقعيين فإن الصدام معها غير مجد، ويشتت الجهد، وهو معركة جانبية قد تطول دون أن يتأثر الاحتلال، وكثير ممن رفعوا شعار الوقوف في وجه أنانية هذه الطبقة وطالبوا بالتصدي لها قد فشلوا، بل بات بعضهم تحت جناحها، مدافعا عن مصالحها أكثر منها، وأيضا تركها تفعل ما تشاء أمر مضر  كما ثبت بالتجربة العملية التاريخية؛ والحل الواقعي هو محاولة تحييد الجزء الأكبر منها، ومحاولة إقناعها أن نفوذها ومصالحها مهددة من الاحتلال على المدى المنظور، ولو بدا لها غير ذلك، وهذا ليس صعبا، لأن الخير لا ينقطع من أي شريحة اجتماعية، ولأن ثمة جيل لا يتعاطى بذات عقلية وتفكير الأب والجد، ولو تم تحييد جزء من هذه الطبقة، وإقناع جزء آخر بالمشاركة الفعلية في عملية التحرير، فهذا مكسب كبير، يغني عن معركة جانبية تتفوق فيها هذه الطبقة بحكم الدربة والممارسة الطويلة، والحرص الذي بات متأصلا فيها على المصلحة والنفوذ.
هذه رؤيتي لترميم الثقافة الوطنية بعد تمحيص وتعمق في الواقع، بعيدا عن الانجرار وراء العاطفة، أو إماتة العاطفة استسلاما للواقع، ورحلة الألف ميل تبدأ بخطوة، وإذا بدا أنني أطرح أمورا غير قابلة للتطبيق، فلنجرب ولن نخسر شيئا، لا سيما أننا جربنا ما هو أصعب وأكثر ضررا!
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،
الإثنين  13 رجب 1435هـ ،12/5/2014م
من قلم:سري عبد الفتاح سمّور(أبو نصر الدين)-جنين-أم الشوف/حيفا-فلسطين

الأربعاء، مايو 07، 2014

ترميم الثقافة الوطنية(2-3)


ترميم الثقافة الوطنية(2-3)
-الجزء الثاني-
بقلم:سري سمّور

(3)تراجع أو انعدام الثقة

من مساوئ ثقافتنا الوطنية التعويل على حكومات أو جيوش العرب «المظفرة»  لنجدتنا أو نصرتنا أو الوقوف معنا، وهي نابعة من قصور في فهم واستيعاب دروس التاريخ منذ ثورة 1936ودور العرب المركزي في إجهاضها، وما حصل في حرب 1948، وصولا إلى انتظار جمال عبد الناصر وبقية العرب لتحرير فلسطين، ورمي اليهود في البحر(تجوّع يا سمك)...فلما وقعت هزيمة حزيران/يونيو 1967م النكراء وكشفت سوءة النظم العربية؛ وأنها لا تتقن سوى الكلام الكبير الفارغ من المضمون، بل هي تساوم من تحت الطاولة ومن وراء الكواليس كي تبقى في الحكم مقابل تثبيت إسرائيل، وصحا الناس على حقيقة أن ما بقي من فلسطين قد احتلته إسرائيل المزعومة(الضفة والقطاع)، أصاب كثيرا من الناس في الداخل حالة من الهزيمة النفسية؛ ومردها الاعتماد على غيرهم لا على ذاتهم لتحرير الأرض...على كل أنا أكتب كتابا صغيرا  يتناول هذه المسألة وآمل أن يرى النور قريبا سواء ورقيا أو إلكترونيا.
انتظرنا عشرين سنة حتى قامت  انتفاضة  الحجارة، وذلك حتى خرج جيل جديد، يختلف عن جيل النكبتين، وقد غيّرت الانتفاضة الأولى تلك كثيرا في وعي وثقافة الجمهور وبسرعة كبيرة إيجابيا، وأربكت الاحتلال ومن خلفه ومن يؤازره، وصارت قيمة الفرد بحجم نضاله وجهاده وتضحياته، وليس بما في جيبه من مال، أو بحجم وعدد عائلته أو عشيرته، ولا حتى بما يحمله من شهادات دراسية، وأصبح ينظر لمظاهر الانحلال الأخلاقي بازدراء يلامس النظرة للعمالة مع الاحتلال...وكانت الانتفاضة تتطور حتى جاءت كارثة دخول القوات العراقية إلى الكويت، وما تبع ذلك من إحباط بسبب تدمير القوة العسكرية العراقية...مرة أخرى نرتكب خطأ جسيما، فقد كان من الأوجب والأحوط والأصوب الاستمرار في الانتفاضة وتطويرها، وعدم الانتظار إلى ما


ستؤول إليه أزمة الخليج، وتاليا لهزيمة العراق، كان مؤتمر مدريد، والمفاوضات في واشنطن وصولا إلى أوسلو...وفي تلك الفترة حينما كانت الانتفاضة الشعبية تلفظ أنفاسها، ويزداد الجدل والخلاف السياسي الداخلي، طفت على السطح ظاهرة الاستهلاك وباتت ثقافة الخلاص الفردي هي السائدة وطبعا تغير معيار النظرة إلى الأمور وإلى الشخوص؛ وقد تنبه كثير ممن دفعوا من أعمارهم سنين وراء القضبان أو فقدوا ابنا أو أخا بأن هناك من كانوا «صاحيين على حالهم» و لم ينخرطوا  في انتفاضة أو سياسة أصبحوا  الآن  أصحاب أموال ومصالح تجارية.. وأيضا هناك بعض ممن كانوا يشاركون في النضال ظهرت عليهم نَعمة ربما لا تتناسب مع وضع عائلاتهم ولا جهدهم؛ فألقي في وعي الناس إن قيمة المرء بما يملك من مال، وليس بما قدم من دماء أو سنوات في الأسر، وأنهم وقعوا ضحية خدعة ، ولا يوجد شرفاء، وأن الخير مقطوع؛ وبعد أن كان المرء يفخر بأن الشهيد قريبه من الدرجة الثالثة، أو أن هذا الشهيد شرب معه يوما فنجانا من القهوة أو بادله المزاح، صار الفخر يتعلق بمساحة البيت أو نوع السيارة والرصيد في البنك ففقد الناس الثقة بالنضال أو المقاومة لاسيما أن حصادها المرئي لم يكن يتناسب مع زرعها.

(4)أوسلو ومفاهيم جديدة

تزامنا مع أوسلو وتأسيس السلطة، طرأت تغيرات كثيرة على نمط وطريقة  حياة الناس فقد تقلص عدد العمال في الداخل وأصبح الفلسطيني لأول مرة يدير شؤونه الداخلية بنفسه وكثير من المناضلين حصلوا على وظائف مدنية أو عسكرية وفرص تعليم عالي بعد تأسيس السلطة ومن الطبيعي أن عددا منهم سينظر إلى ما حصل عليه أنه أقل مما يستحقه  فعلا، والمعنى أن المناضل أو القائد انشغل بشأنه الوظيفي الذاتي عن  مسيرة التحرير، وما يترتب على ذلك من منافسات واصطفافات؛ وقد يقال بأن هذا خاص بحركة فتح تحديدا...حسنا، ففتح وقتها كانت التنظيم الأوسع انتشارا، وبعد أن قامت السلطة صار من ليس له علاقة بفتح يزعم أنه من مناضليها...وعلى كل حال فإن العلاقة بين فتح وحماس قد توترت، وصار هناك خلاف حقيقي وجوهري حول قضايا عدة وكل رأي له أنصاره؛ فهل الأولوية للمقاومة أم بناء المؤسسات، وهل علينا تجريب التفاوض أم لا...إلخ وكل هذا الجدل والخلاف انعكس على الجمهور الذي تشتت، وقرر بكتلته الحرجة الانهماك في معيشته والتكاثر بالأموال والأولاد...وازدادت لدينا ظاهرة حب



الوجاهة، وصار من لزوم حفلات الأعراس المديح الكاذب لشخص بالتعبير البلدي«بسواش كريك لاصة» وصار الانتماء للتنظيم(أي تنظيم) ضعيفا ومحكوما غالبا بالمصلحة الشخصية!
أما طبقة رجال الأعمال والقطاع الخاص الاحتكاري  فقد تملكها الجشع والطمع والاستغلال وقد توسع وازداد عدد من باتوا في دائرتها؛ وإجمالا هم لم يقدموا شيئا يذكر لدعم القضية الوطنية ومع ذلك مطلوب أن يمتدحهم الجميع لدورهم المهم في دعم الاقتصاد الوطني، وقد ساهمت العديد من وسائل الإعلام وما تزال في هذا النفاق لهذا القطاع، وإن كنت لست ضد إبداء المحاسن، ولكن لا يجوز التغاضي عن المساوئ!
 وفي ظل هذا  المشهد من الطبيعي أن ملاحظة مظاهر الحسد والتنافس  بين الناس بعد أن سادت مظاهر مثالية من الإيثار والإخلاص  إبان انتفاضة الحجارة...والمحصلة  تراجع الاهتمام بموضوع الاحتلال والاستيطان والأسرى.

(5)انتفاضة الأقصى

 جاءت انتفاضة الأقصى في توقيت مناسب لجميع الفصائل التي كانت تعيش أزمة و انفلاش العناصر والأتباع، وللجمهور الذي انشغل أفراده بذاتهم عن الشأن الوطني العام، وجاء فشل كامب ديفيد2 ومحاولة شارون تدنيس المسجد الأقصى، أشبه بصعقة كهربائية نبهت الجميع إلى حقيقة الاحتلال الذي تناسوه مرارا، أو اختلفوا على طريقة مواجهته، وانحرفت البوصلة وتغيرت بل انقلبت  الأولويات سنينا عديدة...ولكن انتفاضة الأقصى ولو أظهرت نماذج مقاومة وتضحية رائعة إلا أن المشاركة فيها محدودة، وأيضا أظهرت عنصر المال عاملا مؤثرا وحاسما في مجريات الأحداث، وتمظهرت ثقافة الاستزلام في غير موقف، كما أن مظاهر الأنانية والفوضى قد طفت عند توزيع مساعدات عينية أو نـقدية، بل شهدت  أسرة الشهيد أو الأسير خلافات ونزاعات على توزيع المبلغ المالي، مثل منحة الشهيد أو الاستشهادي المقدمة من العراق قبل احتلاله، وذلك بين أرملة الشهيد وأبيه وأمه وإخوته...إلخ وهذا مثال من أمثلة عن تحوّل تفكير الناس عن تحرير الأرض والتخلص من الاحتلال، إلى توظيف التضحية لجني ربح مادي!


(6)الانقسام وثقافته

بعد ضعف وتراجع انتفاضة الأقصى كنا على موعد مع الانقسام، وبغض النظر عن أسباب الانقسام، إلا أن لهذا المصطلح ثـقافته الخاصة، فقد سادت أجواء من المناكفة والشيطنة داخل الساحة الفلسطينية، وتقريبا تحوّل الاحتلال الصهيوني إلى عدو ثانوي أو إلى العدو الثاني، في ظل أجواء عرفناها، وتراجع الاهتمام كثيرا بالهمّ الوطني العام، والتبرير الدائم كان الانقسام وآثاره، وقد ساد الإحباط شرائح كبيرة من مجتمعنا.
وفي سنيّ الانقسام انشغلنا بأمور لا تفيد مسيرة التحرر؛ مثل دخول موسوعة غينيس بأكبر سدر كنافة وأكبر رغيف مسخن، وصار دخول الموسوعة هدفا بحد ذاته، ونحن الذين أدخلنا كلمة انتفاضة إلى قواميس اللغات العالمية الحية دون أن نطلب ذلك أو نسعى إليه بل فرضه الواقع الموضوعي والميداني.
 وكذلك الانشغال بمباريات البارشا أو الكلاسيكو، والاهتمام المفرط حد الهوس ببرنامج عرب أيدول، وما يحمله الانشغال بهكذا أمور من إيحاء بالبحث عن انتصارات وهمية نحاول أن نلبسها أثواب الوطنية...طبعا هي طاقات ولا بد أن تفرغ، وللأسف أفرغناها في الاتجاه الخطأ، أو في اتجاه لا يسهم البتة في تحرير الأرض والإنسان!
ولا بد لي من التنويه أن الانشغال بسفاسف الأمور لم يقتصر على جمهور العامة، بل تعداه إلى بعض الخاصة؛ وأعني أسرى في سجون الاحتلال شاركوا في التصويت ضمن مسابقة برنامج سوبر ستار مثلا...ولم تعد السجون قلاعا للتثقيف والتوجيه مثلما كانت في الماضي...فإذا كان هذا حال من يقدم ضريبة من عمره فكيف بمن لا شأن له بالسياسة ولا النضال؟!

(7)توزيع المناصب..ونسيان الاحتلال!

حينما ينشغل الفصيلان الأكبر في العدد والعدة ببعضهما، وحينما تنشغل الفصائل الأخرى بمحاولة الاستفادة وتوظيف هذا الخلاف لصالحها، وحينما ترى قطاعا خاصا لا يدفع شيئا يذكر لحشد مسيرة سلمية دعما للأسرى، ولو بتوفير مواصلات، وبعض زجاجات مياه الشرب مثلا، وترى


هذا القطاع ينفق بسخاء دعما لبرامج غنائية بدعوى دعم المسيرة الفنية الوطنية، وعندما ترى طوابير الخريجين تلتحق تباعا بأرقام وبيانات البطالة، وإذا رأيت جيوش الموظفين أيديهم على قلوبهم دبر كل شهر مخافة ألا يتسلموا رواتبهم، وترى كثيرا من هؤلاء قد ارتبطوا بقروض من البنوك لسنين قادمة، إما لأمر مهم وإما لكماليات صارت ضروريات لدينا...وإذا رأيت ثم رأيت فعليك ألا تعوّل كثيرا على وجود تفاعل مع قضية القدس، التي تهوّد ويراد للمسجد الأقصى تقسيما زمانيا ومكانيا...وعليه لا تنتظر تفاعلا مع الأسرى المضربين عن الطعام، فجوعهم هم فقط من يشعرون بآلامه، إضافة إلى ذويهم، وقلة من أصدقائهم...بل الكارثة حينما تسمع عبارات من قبيل:«محداش قلهم صيرو مناضلين وأبطال، واللي بدو يناضل وينسجن بدو يتحمل!!»...أمي دائما تقول عمن لا يشعر ولا يحس ولا يكترث بأهله:«هذا مثل الجخدم،فخذو هذا مش من هذا!» والجخدم بالدارجة الفلسطينية هو حشرة الجندب...وعلى ذكر الأسرى فإن المصالحة وأجواءها النسبية لم تزد من حجم التفاعل معهم لأن كثيرا من الناس انشغلوا بمن سيتسلم الحقائب الوزارية في المرحلة القادمة، ومن سيترشح للانتخابات، وما موقع فلان، وأين سيذهب علان...صارت القضية الشاغلة للجمهور هي المناصب والمكاسب...وإذا سألتهم عن الأقصى قالوا لك:للبيت رب يحميه!
إن ثشوّها كبيرا ودمارا عميقا أصاب ثقافتنا الوطنية بمحتواها السياسي والاجتماعي وتفرعاتها القيمية والأخلاقية يتطلب عملا جادا دؤوبا لترميمها ...يتبع.


،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،
الأربعاء  8 رجب 1435هـ ،7/5/2014م
من قلم:سري عبد الفتاح سمّور(أبو نصر الدين)-جنين-أم الشوف/حيفا-فلسطين

الأحد، مايو 04، 2014

ترميم الثقافة الوطنية(1-3)




ترميم الثقافة الوطنية(1-3)
-الجزء الأول-
بقلم:سري سمّور

(1)إضراب الأسرى وأمنيتي

منذ يوم الخميس 24-4-2014م بدأ حوالي 200 معتقلا إداريا إضرابا مفتوحا عن الطعام في سجون الاحتلال؛ ومعظم الذين أضربوا جرى قمعهم ونقلهم إلى سجون ومعازل مختلفة، وكما توقعت لم يكن لخطوتهم أثر واسع على الشارع والجمهور، ودعك من بعض المسيرات المتفرقة...وبالتأكيد فإن التفاعل مع  مباريات الكلاسيكو، ومع برامج مواهب غنائية فنية مثل «عرب أيدول» يفوق بنسبة صادمة حجم التفاعل مع قضية الأسرى، بل وقضية المسرى!
ولأن أيمن اطبيش المضرب عن الطعام منذ 28-2-2014م لم ولن يحرك وجدان عدد يذكر من الناس؛ أغلبهم من أهله وخاصته، وكذلك زملاؤه في معركة الجوع من أجل الحرية والكرامة؛ فأنا وبكل صراحة صرت أتمنى أن تعتقل قوات الاحتلال محمد عساف فيخوض إضرابا عن الطعام فيحدث حراك شعبي لصالح الأسرى!
أنا لا أمزح ولا أهذي فلعل القطاع الخاص الذي تجنّد من أجل دعم الفنان محمد عساف-مع احترامي- يقدم شيئا ذا قيمة لنصرة الأسرى المضربين؛ علما أن بعضا من هذا القطاع الخاص نظم بعد بضعة أيام من إضراب الأسرى الإداريين مهرجانا للموضة والأزياء، لا تمت للفلكلور الفلسطيني بصلة، وحتى لو كان المهرجان فلكلوريا وتراثيا بامتياز، كان يفترض أن يتم تأجيل مثل هكذا نشاط، ورحم الله أياما كان الناس يستأذنون أهل الأسير أو الميت لحفل عرس على كتاب الله وسنة نبيه، وحتى حينما يأخذون الإذن فإنهم يقومون بالأمر على استحياء!
ولعل ثمة من يسألني:لماذا تركز على القطاع الخاص، وتترك المستوى الرسمي؟أجيب وليس في نيتي تملق أحد ولا المزايدة على أحد: المستوى الرسمي متقدم بآلاف السنين الضوئية على نظيره الخاص في موضوع الأسرى، بل إن تطبيق نظام العيش الكريم للأسرى المحررين-صدر به


مرسوم رئاسي- يكفي وزيادة، أقلّه حاليا...فيم القطاع الخاص لا بصمات تذكر له على قضايانا الوطنية الحساسة اللهم إلا بالتقاط الصور والتصريحات الإعلامية.
ما الذي دهانا، ولماذا تراجع إلى حد مخجل بل مخز حجم تفاعلنا مع قضيتنا الوطنية بفروعها وتوابعها وملحقاتها؟ أي تبلّد في الإحساس اجتاحنا؟إن ثقافتنا الوطنية قد تضررت وتحتاج إلى ترميم، ويجب قبل طرح اقتراحات لترميم هذه الثقافة أن نستعرض عدة عوامل من الماضي والحاضر أعتقد أنها أوصلتنا إلى هذه الحالة من اللاشعور!

(2)الخلاص الفردي


قالت لي السيدة أمي-حفظها الله وكذلك قال كبار السن من الجيران والأقارب والعديد من المدرسين الأفاضل:«امسك راسك باديك الثنتين وإياك تدخل بشي لأنو اللي بصحلو هواي بتروح  براسو»... كم نسبة من سمعوا هذا الكلام من ذويهم في مجتمعنا؟هي  كبيرة بلا شك وعادة يتبعها «الكلاشيه» التبريري الجاهز:حينما يفتح باب الجهاد للجميع كن أول الصفوف، ويضاف إلى ذلك: وحينما يشترك أبناء العائلة سين و أبناء العائلة صاد في المقاومة شارك ولا يهمك...هذه الثقافة سبقت التغيرات الدولية والإقليمية وسبقت أوسلو، وسبقت مدريد وسبقت الانقسام، كي لا نجعل ما ذكر شماعات نعلق عليها بؤس ثقافتنا التحررية؛ وهي قائمة على ضرورة أن تحرص أيها الفلسطيني على ذاتك وشأنك الخاص بأنانية مطلقة وإن كنت مسئولا عن شيء فما عليك إلا مراعاة ظرف أمك الأرملة المسكينة التي كابدت كي تكبر وتصبح رجلا وألا تفجعها بفراقك قتيلا أو أسيرا أو جريحا ،و أن تراعي ظرف والدك الذي عمل وتعب وقصم ظهره كي يراك وقد كبرت لتعينه على نوائب الدهر وترعى شؤون أخواتك وإخوتك، ولا علاقة لك بفلسطين فليحررها زعماء العرب وأبناء الذوات!
 ويمتزج بهذا الشحن العاطفي الأناني ذلك التنافس الأخرق بين فروع العائلة الواحدة والعائلات الأخرى والجيران على وجاهة فارغة ومكانة وهمية، لأن من احتلت أرضه ويتحكم به اليهودي لا قيمة له إلا باسترجاع أرضه؛ فالفرد الفلسطيني يجب إن يسعى إلى المال  أو العلم لهدف رئيس:أن يقهر ويغيظ بيت فلان (بدنا نكيد فيك العدا)...فمع الأسف لم نتعلم ولم نرسخ في أنفسنا بأن

الهواء الذي نتنفسه ملوث مادام هناك احتلال صهيوني، وتصورنا، وما زال كثير يعتقد، بأنه يمكن لنا العيش تحت الاحتلال بحب وسلام ووئام، وكنا ولا زلنا نصرّ على ون من لا يواجه
الاحتلال سينجو...بل ذهبنا و عملنا  في منشآت الغزاة وبنينا لهم اقتصادهم وتهاونا مع كل حجر أو كرفان بني في المستوطنات التي انتشرت فوق الأرض التي هي لب وأساس الصراع كما ينتشر
السرطان الخبيث في الجسد...كل هذا ونحن كنا ولا نزال نفكر بالخلاص الفردي، والمرء  فينا شعاره المعلن أو المستتر: اللهم إني أسالك نفسي، مع مواساة للقلب بأن فلسطين والقدس ليست لنا وحدنا...وبأن رعاية الأم والأب والأشقاء هي جهاد وكفاح،  وأن العلم الذي لا يتعدى الحصول على شهادة دون إنتاج يذكر،  وإنجاب الأطفال هي أيضا مقاومة وصمود...مع تكرار المتلازمة لكل حديث:فلسطين لكل العرب والمسلمين وليس لنا وحدنا فليأتوا لتحريرها...ونربي كل مولود على أن عليه أن يتعلم ويحصل على شهادة، وإذا كان ضعيفا في الدراسة أن يتعلم مهنة، ويتزوج ويبني بيتا دون أن نلقنه أن لا حياة مع الاحتلال!
 ونسينا أو تناسينا بغباء متواطئ حقيقة كوننا  نحن المستهدفون في وجودنا وليس شعب أو بلد آخر نلتقي معه في اللغة أو الدين، وأن الأطفال الذين ننجبهم لا مستقبل لهم لأنه لا يوجد لهم أرض يعيشون فوقها مادام الاستيطان قائما،  بل لن نجد حتى ماء نشربه ولا خبزا نأكله بعد سنين إذا استمر هذا الحال.
 وزاد أو عزز ثقافة الخلاص الفردي أن الاحتلال تعامل مع كل منطقة فلسطينية بسياسة خاصة، فهمّ المقدسي ليس كهمّ النابلسي وهذا همه ليس كهم الغزيّ...وأصبح كل فلسطيني له همومه ومشكلاته واهتماماته الخاصة، التي لا يأتي الخلاص من الاحتلال في مقدمتها، بل قد لا يدخل ضمن الحسابات الخاصة لدى كثير منا، وباتت كل منطقة فلسطينية تواجه مصيرها وحدها؛ فهذه منطقة تواجه التهويد والاستيطان، وتلك تواجه الطرد والترحيل، وأخرى تواجه القتل والاغتيالات...يتبع.

،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،
الأحد  5 رجب 1435هـ ، 4/5/2014م
من قلم:سري عبد الفتاح سمّور(أبو نصر الدين)-جنين-أم الشوف/حيفا-فلسطين


مع مذكرات أخطر سفير إسرائيلي في مصر (1)

لدي قناعة أن ذهاب أنور السادات إلى خيار التسوية مع إسرائيل؛ و زيارته المشؤومة إلى القدس في 1977 وصولا إلى توقيع اتفاقات كامب ديفيد في 1979 ه...