الثلاثاء، أكتوبر 29، 2019

"الاجتهاد الانتقائي".. متناقض ويُنذر بنقض عروة الفقه

"الاجتهاد الانتقائي".. متناقض ويُنذر بنقض عروة الفقه




(الاجتهاد الانتقائي) متناقض ويُنذر بنقض عروة الفقه


بقلم:سري سمّور

بعيدا عن  السياسية

قلت في المقال السابق أنه ينبغي الفصل التام بين من يكرهون القرضاوي لمواقفه السياسية وبين من لهم ملاحظات وجيهة على منهجه الفقهي، وفق أصول علمية رصينة؛ ولكن مجتمعاتنا لم تتوصل بعد إلى صيغة تفصل بين نشاط عالم الشريعة السياسي وبين بضاعته من العلم، وتراهما في حالة تداخل وتمازج تام.
وحاليا يتم عقاب القرضاوي على مواقفه بالانتقام من ابنته (علا) المعتقلة في سجن القناطر في مصر منذ سنتين، وقد كشف المحامي الحقوقي المصري خالد علي عن وضعها الصحي والنفسي جرّاء الحبس الانفرداي وتعمد إذلالها بتهم ملفقة وهزلية وفق وصفه...ويبدو أن الانتقام من القرضاوي بسبب موقفه من ثورة 25 يناير وخطبته الشهيرة في ميدان التحرير بعد تنحي مبارك، ورغبة الثورة المضادة بمعاقبة كل من لهم علاقة بتلك الثورة، حتى من أيدوا حركة 30 يونيو فكيف بالقرضاوي الرافض لها ولما تلاها؟!
وهذا أسلوب ذميم ومخالف لكل الشرائع السماوية ومدونات حقوق الإنسان، بحيث ينكل بأفراد من عائلة أي إنسان له موقف مناهض لأي نظام سياسي.
ولكن بعيدا عن السياسة وضرائبها الباهظة في هذا الزمن، وكي لا تختلط الأمور فإن هذه المقالة مخصصة لمناقشة منهج القرضاوي الفقهي في الاستدلال والفتوى وغير ذلك.

 

شيء من أوجه تناقض منهج القرضاوي   

 منهج القرضاوي غير منضبط ومتناقض وهو (منهج اللامنهج) ويسميه (الاجتهاد الانتقائي) ويصفه مريدوه بأنه رائد الوسطية، وتم الحكم منه ومن هؤلاء المريدين على أن ما يفتي به هو منهج التيسير واجب الاتباع، ولكي لا يكون الكلام أشبه بالنسخ واللصق ولأن كثيرا من الناس لا وقت لديهم لمراجعة الكتب والمراجع، ولأن أغلب الناس ليسوا من المتعمقين ولا المتبحرين في هذه الأمور، فإننا يمكن أن نلخص ملاحظات مصطفى الطرابلسي على منهج القرضاوي الفقهي في نقاط ونختار أبرزها بشيء من التصرف الذي يقتضيه الحال والمقال:-
أولا: تناقض المنهج عند القرضاوي في أكثر من موضع بحيث يضع ويقرر قاعدة ثم تراه ينقضها في موضع آخر، فلا تستطيع الإمساك بمنهجه، مما يدل على عدم انضباطه؛ فمثلا قرر القرضاوي جواز الفتوى بأقوال الصحابة والتابعين، وقرر أننا ملزمون باتباع سنة الخلفاء الراشدين –رضوان الله عليهم-  ثم ناقض ما قرره بقوله بأن(كلامهم ليس بحجة في دين الله؛ لأنه يتوارد عليه الخطأ والصواب) فهو مثلا يراه حجة عند مناقشته  أخذ عمر الجزية من التغلبيين وهم كانوا من نصارى العرب..ولكنه في مسألة دية المرأة يقول(الراجح أن قول الصحابي ليس بحجة في دين الله)!
ثانيا:تناقض القرضاوي في مسألة دليل التحريم القطعي والظني؛ فقد قرر في كتابين له(الحلال والحرام في الإسلام) و(فتاوى معاصرة) حرمة أشياء لم تثبت حرمتها إلا بدليل ظني وفي خبر آحاد؛ كالوشم والنمص ووصل الشعر، والتدخين وغيرها؛ فهو أفتى بحرمتها مع أن الدليل بنصوص ظنية لا قطعية، وهو الذي قرر أن التحريم فقط بدليل قطعي!
ثالثا:تناقضه في تقرير القاعدة الفقهية المشهورة(العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب) فمثلا هو يرى أن الآية الكريمة في سورة التوبة(خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ ۖ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) تخص المتخلفين عن غزوة تبوك ثم يتراجع عن هذا في فتاوى معاصرة فيقول:ولا يؤخذ عموم اللفظ قاعدة مسلمة وأن هذا (غير مجمع عليه) وذلك في معرض كلامه عن الحديث الذي رواه البخاري(لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة) .
رابعا:تناقضه الكبير في مسألة الإجماع فهو يرى أن الإجماع حجة شرعية حتى ولو في أمور ليست معروفة من الدين بالضرورة مثل نبش القبور للمصلحة، كما حدث زمن معاوية في المدينة، وقد سكت الصحابة عن الأمر(الإجماع السكوتي) وكذلك في حديثه عن مسألة سفر المرأة بلا محرم إذا تحقق الأمن ووجد الثقات، ويقرر القرضاوي أن الإجماع إذا انعقد فلا ينقضه خلاف لاحق ولا ينقض الإجماع شذوذ من شذ قبله أو بعده، وأنه لا عبرة بشذوذ اثنين أو ثلاثة في أعصر مختلفة مثل من قال بنسخ زكاة الفطر بزكاة المال؛ ولا ينسخ الإجماع إلا إجماع مثله لأن الأضعف لا يلغي الأقوى.
ولكنه خرق كل هذه القواعد التي قررها وحددها في فتاويه؛ فهو يستدل بكلام الشوكاني الناسف للإجماع، وهو الذي قرر قبلها حجية الإجماع...تناقض واضح.
وظهر ذلك في مسائل منها؛ دية المرأة فقد أخذ برأي ابن عُلية والأصم بالتساوي مع أنه هو من قرر أن الإجماع لا يخرق من اثنين أو ثلاثة ولا تلغى حجيته، ناهيك عن كونهما من المعتزلة، بل هو رد على الإثنين المذكورين في مسألة نسخ زكاة الفطر، والآن يأخذ بقولهما!
وكذلك في مسألة حكم المرتد التي رأى القرضاوي أنها مسألة من شئون السياسة الشرعية، وأن الإجماع على عقوبة المرتد لا نوع العقوبة...وفي مسألة التفريق بين الزوجين إذا أسلمت الزوجة ورفض زوجها الدخول في الإسلام فقد رأى القرضاوي أن تظل مع زوجها مع كامل حقوق الزوجية إذا شاءت؛ وهو بهذا يخرق الإجماع الذي قرر سابقا حجيته...وفي موضوع قتال الطلب يسخر فيما بين السطور من سيد قطب-رحمه الله– في هذا المسألة ويرى أن قطبا أخذ بالتشدد، علما بأن قطب نقل الرأي ولم ينشئ شيئا من الأحكام، وكأنه من خلال انتقاد قطب ينتقد كل العلماء الذين أجمعوا على هذه المسألة.
 وفي مسألة فناء النار فإن القرضاوي خالف الإجماع القطعي المنعقد؛ فتارة يتوقف عند هذه المسألة وتارة يرى بفنائها، ولا يجزم بالبقاء.
ويرى الطرابلسي أن القرضاوي يجعل كل مسألة اختلف فيها العلماء محل اجتهاد وليست من القطعيات؛ ووفق هذا المنهج يمكن لأي (مجتهد مستقبلي) أن يأتي لأي مسألة قال فيها عالم ما قولا شاذا بأنها مسألة خلافية فيفتي بعكس الإجماع؛ والقرضاوي نفسه يرى حرمة ربا البنوك، بينما سيد طنطاوي شيخ الأزهر السابق أفتى بأنها حلال ولم يتراجع رغم ردود العلماء عليه، والسبب هو قول فلان من العلماء مما ينقل المسألة من القطعي إلى الظني محل الاجتهاد!
والقرضاوي يستشهد بما قاله ابن القيم بحجية أقوال الصحابة وآثارهم للاستئناس في مكان، ثم يأتيك بأقوال الشوكاني بعدم حجية هذه الآثار للاستئناس في مكان آخر...فما هو منهج القرضاوي المتبع المعتمد؟!
من الواضح أن القرضاوي يعتمد في اجتهاده الانتقائي على ما يراه ملائما للعصر وأرفق بالناس، وليس وفق أدلة الترجيح بين الأقوال التي بينها العلماء.
فهو يرى أن ما هو (أليق) هو قاعدة الترجيح الأهم وأداته المثلى، فهو قد عزم على ما يسميه بالتيسير ثم يطرح الآراء والاستدلالات ويأخذ ما يوافق مبدأ التيسير.
وإن هذه من الطامات التي أصابت الأمة في عصور الاستعمار وما تلاه من الاستبداد وتغول الدولة الحديثة، بحيث تدور معها أصول الفقه حيث دارت، وهذا أمر لا يستقيم، لأنه يفتح بابا للشرور، ومنها ما صرنا نسمعه من بعض المحسوبين على مؤسسات أو رجال العلوم الشرعية ممن تجاوزوا الحد ودخلوا في لجة الشطط فيطرحون بلا ورع فتاوى شاذة لعامة الناس؛ صحيح بأن القرضاوي لم يقل بالمحرمات الثابتة؛ فلا هو أفتى بجواز شرب الخمر، ولا أحل الزنا، ولا قال بعدم إفطار المدخن في نهار رمضان...ولكن فتح باب الاجتهاد لما لا يصح فيه اجتهاد، بدعوى الانتقائية والتيسير، وعدم انضباط المنهج وفق قواعد صارمة متماسكة، هو ما شجع ضعاف النفوس ممن رقّ الدين في قلوبهم على التجرؤ العلني على ذلك، وكأنه لا يكفينا فساد الدنيا، فيأتينا من يفسد الدين باسم الاجتهاد في أمور الدين...ولا شك بأن نية القرضاوي كانت حسنة ورغبة منه في رفع الحرج عن المسلمين في زمن التغريب الشامل، ولكنه تناقض في منهجه، وخرق الإجماع وكافة القواعد التي قررها هو بنفسه للاستدلال...ولي وقفات أخرى في المقال القادم بمشيئة الله تعالى.

السبت، أكتوبر 26، 2019

الشهيد الشقاقي من صفوف الإخوان إلى نموذج إيران



الشهيد الشقاقي من صفوف الإخوان إلى نموذج إيران    

بقلم:سري سمّور

(6)

مثل كثير من أبناء ذلك الجيل فقد تأثر (فتحي إبراهيم عبد العزيز الشقاقي) المولود في مخيم رفح للاجئين الفلسطينيين سنة 1951 لأسرة شردتها العصابات الصهيونية من بلدة (زرنوقة) قرب يافا، بالتجربة الناصرية، وتعلقت آماله بالزعيم جمال عبد الناصر وأنه قمين بتحقيق النصر والتحرير، ولكن صدمة الشاب كانت قوية بعيد هزيمة حزيران/يونيو 1967 وجسدت نقطة تحوّل في فكره وحياته السياسية؛ فقد تولدت عنده أسئلة مصيرية بل وجودية تتعلق بماهية الهوية والنصر والهزيمة والأسباب المؤدية لهما في الماضي والحاضر والمستقبل، فبدأ-وهو ابن عائلة متدينة- ينتقل إلى الفكر الإسلامي تدريجيا، خارجا من إطار الأفكار الأخرى بعد سلسلة حوارات ودراسات لكتب وجلسات مع زملاء وأصدقاء، حيث أنه وجد في الإسلام أجوبة واضحة لأسئلته وشفاء من أثر الهزيمة النفسي.
وكأي إسلامي أو كغالبية الإسلاميين ، تأثر الشقاقي الشاب بحركة الإخوان المسلمين، وانتظم في أسرهم، وربطته علاقات صداقة وطيدة مع قادتهم وعناصرهم في قطاع غزة ومصر، والتقى بالشيخ الشهيد أحمد ياسين-رحمه الله- وكان ياسين للتو قد أعاد إحياء تنظيم الإخوان المسلمين، ويؤكد الكاتب والقيادي في حركة حماس د.أحمد يوسف أن الشقاقي  تسلّم موقعا مهما وأوكلت إليه قيادة فرع الضفة الغربية، والتي انتقلا –يوسف والشقاقي-  إليها للعمل والدراسة وتحديدا إلى جامعة بيرزيت...ويؤكد د.موسى أبو مرزوق وهو قيادي بارز في حركة حماس وكان رئيسها، أن الشقاقي كان رفيقه في تنظيم الإخوان المسلمين في غزة ومصر، بل إن الشقاقي هو من عرّفه على الشيخ أحمد ياسين في قطاع غزة، وأن الشقاقي كان مفتونا بشخصية الشيخ حسن البنا(مؤسس الإخوان المسلمين) وقطبي-نسبة إلى سيد قطب- الفكر والثقافة.
ولكن الكاتب المصري د.رفعت سيد أحمد الذي دوّن سيرة الشقاقي الذاتية وجمع ما أمكن من كتاباته ومحاضراته وندواته ومقابلاته في مجلدين أن الشقاقي لم يندمج مع الإخوان بشكل كلي مع تأثره بهم، ولست هنا في معرض نفي أو إثبات انتماء أو لنقل اندماج الشقاقي –رحمه الله- مع الإخوان فعليا؛ فهذا ربما محل خلاف نسبي بين المؤرخين والباحثين وغيرهم ممن عايشوا تلك المرحلة أو درسوها، ولن أنحاز هنا إلى من يثبت أو إلى من ينفي ذلك الاندماج، ولكن يكفيني أن أقطف من شجرة الموضوع ثمرتين اثنتين:الأولى أن الشقاقي قد تأثر كثيرا بالإخوان المسلمين ومدرستهم الفكرية ومرقوماتهم وظل هذا التأثر واضحا حتى استشهاده وخاصة تأثره بسيد قطب-رحمه الله- وكتابه (معالم في الطريق) الذي احتفى به الشقاقي حفاوة بالغة، والثانية أن الشقاقي قائد بالفطرة، لا يقيده قرار تنظيمي، ولا تحول دون ممارسته ما يؤمن به مؤسسة حزبية أو كيان سياسي ولو كان منتسبا له أو قياديا فيه...ولد فتحي الشقاقي كي يكون قائدا لا جنديا، ومتبوعا لا تابعا، وتلك هي طبيعة الأشياء التي فطر الله الناس عليها.

(7)

أثناء دراسته للطب في مصر كما ذكرت في المقال السابق وقعت أحداث كبيرة في المنطقة، أثرت على فكر الشقاقي وكان من أبرزها اندلاع الثورة الإيرانية، وصعود الخميني إلى قيادة إيران وفق صيغة الجمهورية الإسلامية المدعمة بفكرة مرجعية (الولي الفقيه) وقد وجد الشقاقي ضالته في تلك الثورة وفي شخص الخميني الذي استقبله (1988) وجلس معه جلسة أطول من جلساته مع رؤساء الدول، وأصدر الشقاقي كتابه(الخميني:الحل الإسلامي والبديل) وطيّر إهداءه لحسن البنا والخميني معا، وحاول تنظيم الإخوان المسلمين منع طباعة الكتاب لحسابات محلية مصرية في ذلك الوقت، حيث أن السادات استقبل شاه إيران المخلوع، وكانت الأجواء مكهربة، ولكن الشقاقي أصر وقام بطباعة كتابه المذكور، وسجن في مصر بسببه مرتين بضعة شهور.
لقد رأى الشقاقي في الخميني وإيران الجديدة أنموذجا يحتذى ومثالا وقدوة؛ فيما كان الإخوان ينظرون إلى الأمر كتجربة، وتوجسوا خيفة من مسألة التشيع، وما ميز الشقاقي أنه ظل سنيّا تماما ولم يتشيع، مثلما أشاع مغرضون، ولكنه هوّن وقلل من شأن الفرق الواضح في الأصول بين السنة والشيعة متكئا على فتوى للشيخ الأزهري محمود شلتوت، ونتف وعبارات جمعها من كتب الشيعة، تتجاوز عن الفروقات الواضحة بين الفرقتين، بحيث يبدو-وفق هذه التخريجة- وكأن الفرق بين الشيعة الجعفرية الاثني عشرية والسنة شبيه بل مطابق للفرق بين الشافعية والحنفية وهذه والمالكية والحنابلة، وهو تشخيص وتصوّر سيسبب مشكلة كبيرة للشقاقي وحركته الوليدة ستستمر سنوات طويلة، وهو-كما سأبين لاحقا- من أسباب حالة القطبية الثنائية(فتح-حماس)!
وقد تسبب موقف الشقاقي المتحمس والمندفع تجاه التبني الكامل للنموذج الإيراني واعتباره المثل الأعلى الذي يراه متصلا بمدرسة البنا وقطب بالانفصال التنظيمي النهائي بينه وبين الإخوان المسلمين، وكان هو وعبد العزيز عودة ورمضان شلح وغيرهم قد قرروا بناء تنظيم جديد وفق هذه الفكرة والروح والمحتوى، وابتعدوا عن زملائهم الآخرين الذين ظلوا في التنظيم الأم أمثال الشهيدين إبراهيم المقادمة وإسماعيل أبو شنب-رحمهما الله- و موسى أبو مرزوق، وهم قادة حركة ستتأسس بعد بضع سنين، أي حركة حماس.

(8)

وأيضا في المرحلة الأخيرة من دراسته وعمله طبيب امتياز في مصر فقد وقع حدث آخر كان له وقع كبير على نفسه، وعلى المنطقة عموما ومصر خصوصا؛ فقد اغتالت مجموعة من تنظيم الجماعة الإسلامية الرئيس المصري أنور السادات أثناء عرض عسكري ظهيرة 6/10/1981م وبغض النظر عن ملابسات وكواليس متعلقة بهذا الحدث(المنصة)، والتي تشير صراحة أو ضمنا أنه مدبر ومرسوم بطريقة أو بأخرى من جهات أكبر بكثير من المنفذين وتنظيمهم؛ فإنه في وقته وحينه شكل منعطفا حادا في أوزان القوى؛ فقد أثبت التيار الإسلامي أنه لا يكتفي بالقصائد والأشعار الشاتمة للسادات ونهجه مثلما دأب عليه اليساريون والقوميون والناصريون ومن لف لفيفهم في مصر وخارجها، بل هو صاحب الفعل الصاخب والقادر على توجيه ضربة هزت العالم بأسره بلا مبالغة وقتها، وهو ما غيّر نظرة الناس-ومنهم الفلسطينيون طبعا- إلى هذا التيار الذي كان محل سخرية بكونه لا يهتم إلا ببعض المظاهر الخارجية المتعلقة بلباس المرأة ولحية الرجل، وأن أفراده مجموعة من الدراويش الذين لا تهمهم سوى بطونهم والزواج بأكثر من واحدة، وغير ذلك من التنميطات والانطباعات والتصورات الخاطئة وقتها!
وقد كان تأثر الشقاقي بالحدث كبيرا، ويمكن وصف وقعه عليه بحالة صوفية سطّرها فيما كتبه عن أبرز المنفذين(خالد الإسلامبولي) الذي رثاه الشقاقي بمقالة في 1983 في ذكرى الحدث نشرتها مجلة (الطليعة الإسلامية) التي ستكون عنوان قضية يسجن بسببها الشقاقي ويعذب في سجون الاحتلال الإسرائيلي، وأنقل منها بعض الاقتباسات لأهمية هذه المسألة في فكر الشقاقي ومسار حركته مدة طويلة:-
((...عبثا يستريح المحارب يا خالد، أيها الولد الطيب والأمير الجميل، أيها القادم مع النيل من أعلى الصعيد، من ساحات الأزهر، من جوع الصبية حول القصور، من أنين الثواني...من زمان النفط والفقر ومن بلاد ضيعها الأمراء...أين كنت قبل السادس من تشرين(أكتوبر) وهل أنت كنت الذي يقاسمني غرفتي ولا أراه؟!...أأنت الواجب الذي تحرر من أسر الإمكان؟...فأت وخذني إلى راحتيك، أنا القدس فامتشق دمي يا محارب كل العصور...وأخيرا صمت العالم ودوى الصدى في طهران...انتشر الجياع يهتفون باسمك الممنوع في كل الأرض إلا في طهران يصرخون:خالد الإسلامبولي لك المجد...))
هذه العبارات، تحمل قيمة أدبية، كيف لا والشقاقي أديب وشاعر، مع كونه مفكرا وسياسيا، وفيها حالة عشق بادية؛ ومن ناحية أخرى تعطي ملامح ومعالم فكر الشقاقي بربطه بين الإسلامبولي والقدس وطهران...وسأناقش هذه المسألة وغيرها في المقالات القادمة بعون الله ومشيئته.
،،،،،،،،،،،،،
السبت  27 صفر 1441هـ ، 26/10/2019م
من قلم:سري عبد الفتاح سمّور(أبو نصر الدين الحنفي)-جنين-أم الشوف/حيفا-فلسطين

تويتر: https://twitter.com/SariSammour     @SariSammour  
مدونات:-



السبت، أكتوبر 19، 2019

لماذا أسس الشهيد الشقاقي حركة الجهاد الإسلامي؟



تعهدت وإن شاء الله  سأظل ملتزما بما تعهدت به، مذ بدأت كتابة هذه السلسلة قبل حوالي سنة، أن ألتزم بالموضوعية، وبقاعدة الاحترام للجميع وألا أبخس الناس أشياءهم، وفق الأمر القرآني...والحديث-للتذكير- يتمحور حول الثنائية القطبية فتح-حماس وعجز وفشل أي قوة أو فصيل آخر على كسرها، ومناقشة الأسباب ومجمل الحيثيات المتعلقة بهذه المسألة.
وقد يُفهم من الموضوعية جفاف العاطفة وجمود الطرح، وهذا محله دراسات وأبحاث وليس في كلام إنسان مثلي في هذا الموضع، فلقد تناهى إلى مسمعي أن رسالة ماجستير لا يقبل أن تحوي عبارات تتجاوز ما يوصف بالحيادية والموضوعية ومنهج البحث العلمي،وغير ذلك، ومن هذه العبارات مثلا (العدو الصهيوني) أما أنا فأترك هذا الحياد لأهله، مسلّما نفسي لوحي القلم دون خروج عن جوهر الفكرة وصلب الموضوع بطبيعة الحال.

(1)

حين أمسكت بالقلم لأخط مسودة هذه الكلمات قبل صف سطورها في برنامج محرر النصوص، ارتجفت يدي، وخفق قلبي؛ ذلك أن الكتابة عن هذا الموضوع سبقها شعور طاغ بالرهبة، واختلطت فيها ذكريات طفولة وفتوة شباب متدفق العاطفة، بريء المشاعر، حادٌّ في التصنيف، غير موارب في الإعلان عن اعتناق ما يراه عين الحق.
وألتمس المعذرة لأنه في حضرة الشهيد والشهادة لا مكان للحياد، ولا قدرة على البقاء في أسر طرح البيانات والمعلومات، والانحشار في(الرقمية) الموحشة للقلوب، بل المحاصِرة للعقول المتحررة، وركنها لنفس المرء  في ضيق الدنيا وحصار الواقع.

(2)

لم أخطط أن يكون حديثي عن حركة الجهاد الإسلامي متزامنا مع احتفالات الحركة بانطلاقتها ومع اقتراب ذكرى استشهاد مؤسسها، ولكن هذا تقدير ساقه الله لي، دون  جهد مني.
وتستوقفني وأنا أحاول كتابة مادة مجردة من الانفعالات والعواطف كلمات د.فتحي الشقاقي، وأستمع إلى تلك العبارات الصادقة منه، وأتخيل نصوصه المرقومة كيف ستكون بصوته المشبع بآلام الحنين واللجوء والإبعاد، وآمال العودة والحرية...مع التنويه أنني لست عضوا ولا حتى نصيرا لحركة الجهاد الإسلامي، ولكن لشهيدها المؤسس خاصة ولعديد من شهدائها عامة مكانة مميزة في قلبي.

(3)

حاليا، ربما حركة الجهاد الإسلامي،عموما، (قد) لا ترغب في الحديث عن بعض الأمور الماضية، وترى أنه من الأفضل تجاوزها، لاعتبارات مقدرة ومقبولة ومفهومة، ولكن هذا لا يناسب موضوع سلسلة المقالات هذه، ولا يستقيم مع كون أجيال من الحركة ومناصريها وخصومها ومراقبيها، عرفوا الحركة من خلال تلك الأمور، التي تشكل لبنة أساسية في تاريخ الحركة وتراثها الفكري والسياسي...وأيضا هذا لا يتلاءم مع ما ذكرته عن هجوم الذكريات على قلبي وعقلي، وخفقان قلبي.
وإذا قلت بأن حركة الجهاد الإسلامي هي حركة تشرينية/أكتوبرية فأنا لا أجافي الحقيقة، فحركة الجهاد الإسلامي ليس ثمة موعد محدد لانطلاقتها التأسيسية كبيان أو إعلان إشهاري مثل فتح وحماس والجبهات، ولكنها اختارت ذكرى معركة الشجاعية في 6/10/1987م تاريخا للاحتفال بانطلاق عملها الجهادي داخل فلسطين، مع أن التأسيس سبق الموعد ببضع سنين، كما هو معروف، وكما سأوضح لاحقا.
وظلت الحركة تعتبر السادس من تشرين الأول تاريخ اندلاع شرارة انتفاضة الحجارة(الأولى) في 1987، وكانت تدعو للإضراب الشهري في اليوم السادس من كل شهر ميلادي حتى أواخر تلك الانتفاضة، بخلاف حماس و(ق.و.م) حيث كان الموعد والإضراب هو التاسع من كل شهر، باعتباره الموعد المحدد لاندلاع الانتفاضة(8+9/12/1987م).
وتشرين الأول/أكتوبر هو الشهر الذي اغتال فيه الموساد مؤسس الحركة الدكتور فتحي إبراهيم الشقاقي في مالطا في السادس والعشرين منه سنة 1995م...وقبل ذلك وأيضا تلك من عجائب الصدف بل التقديرات الربانية، وفي السادس من هذا الشهر؛ كانت ذكرى حرب رمضان وذكرى اغتيال أنور السادات(1981) في حادثة/واقعة المنصة المشهورة، وهو الحدث الذي للشقاقي معه وقفات حميمة، توحي بتأثر بالغ، وقد سطر بيراعه، ما سآتي عليه لاحقا بعون الله، وأنا شخصيا ربما عشرات المرات أراجع ما سطّره يراع الشهيد الشقاقي عن تلك الحادثة، والتي كانت مفصلية في حياته السياسية والشخصية أيضا.


(4)

من أين أبدأ حديثي عن الجهاد الإسلامي وبواعث تأسيس الحركة، والظروف المحيطة؟
الأفضل هو استعراض الفترة من نهاية السبعينيات حتى بواكير انتفاضة الحجارة، حيث أن تلك المرحلة شهدت بداية الصحوة الإسلامية ونهوض التيارات الإسلامية بتلاوين وأنماط متعددة، ورافقتها أحداث سياسية وميدانية مختلفة، وقد تأثرت فلسطين بتلك الأحداث أيما تأثر:-
-        طار السادات إلى القدس وخطب في الكنيست، واتجه إلى نهج التسوية وطريق(السلام) مع الكيان العبري الذي تمخض عن اتفاقيات كامب ديفيد، وترك نهج المواجهة والحرب، التي كان هو من أعمدتها في 1973 وبهذا فإن النظام الرسمي العربي قد خرج عمليا وفعليا من حالة المواجهة العسكرية مع إسرائيل حتى الآن؛ مع أن ذلك النظام بأغلبيته قد جمّد عضوية مصر في الجامعة العربية، وانتقل مقر تلك الجامعة من القاهرة إلى تونس، وقطعت الدول العربية علاقاتها الرسمية مع مصر لسنوات، ولكن الحقيقة كانت ما قاله الشاعر العراقي أحمد مطر في قصيدة في بعض لافتاته الصاخبة:-
كلهم سوف يقولون له بُعدا...
ولكن بعد أن يبرد فينا الانفعال، سيقولون:تعال، وكفى الله السلاطين القتال!
 إنني لا أعلم الغيب ولكن صدقوني ذلك الطربوش من ذاك العقال!
-        وفي أواخر سبعينيات القرن الماضي أيضا اجتاح الجيش العرمرم الأحمر السوفياتي أفغانستان لدعم الحكم الشيوعي هناك، أو للوصول إلى المياه الدافئة لاحقا، وتمت مواجهة هذا الغزو بمقاومة من فصائل إسلامية عدة...هذا بغض النظر عن رغبة الأمريكان بتحويل أفغانستان إلى (فيتنام السوفييت) واستغلالها العمل الجهادي هناك لهذا الغرض، ولكن أثر الغزو ومقاومته وجدت أصداء وتفاعلات واسعة في عموم العالم الإسلامي.
-        وبالتزامن اندلعت ثورة شعبية عارمة في إيران، أطاحت بالشاه محمد رضا بهلوي، واحتجز طلبة ثوريون طاقم السفارة الأمريكية في طهران، وانتقلت البلاد إلى نظام الجمهورية الإسلامية بقيادة الخميني الذي عاد من منفاه، ولاحقا اندلعت حرب بين النظام الجديد مع نظام صدام حسين في العراق استمرت بضع سنين...و أيضا كان للثورة الإيرانية بالغ(ولربما أبلغ) الأثر في فكر ونفس الشقاقي.
-        مظاهر الالتزام بالدين والاهتمام بالشعائر تتزايد في المجتمع، فلم يعد المسجد مكانا لكبار السن، بل صار أغلب روّاده من الشباب، والذين نظموا أنشطة مختلفة كالإفطارات الجماعية والأعمال التطوعية، وأفرزوا نوادي رياضية وفرق نشيد، ولبست أعداد متضاعفة من النساء المناديل والجلابيب، وأفرز التيار الإسلامي كتلا طلابية تنافس نظيرتها التابعة لـ(م.ت.ف) في الجامعات الفلسطينية وتفوز عليها أحيانا(كما حصل في جامعة النجاح أوائل الثمانينيات) وشملت تلك المظاهر الضفة الغربية وقطاع غزة وأيضا مناطق فلسطين المحتلة في الداخل كأم الفحم وكفر قاسم...كان واضحا أن هناك شيء جديد يكبر وينمو اجتماعيا ولكنه لم يتبلور في صيغة سياسية واضحة المعالم حتى حين.

(5)

درس فتحي الشقاقي في كلية الطب في جامعة الزقازيق المصرية (1974-1981م) وتأثر بكل تلك الأجواء في الإقليم التي كان لها دور في بلورته لأفكاره وصياغتها كي تتحول لاحقا إلى تنظيم سياسي-عسكري مكتمل الأركان، وقد كان الشقاقي، يكتب بأسماء مستعارة أشهرها(عز الدين الفارس) في مجلة (المختار الإسلامي) والتي وجدت أعدادها طريقها إلى فلسطين، كل فلسطين، وتلقفتها أيدي الشباب المتعطش لطرح ثوري جديد، في المساجد والجامعات وسائر المحافل.
وكان الشقاقي يؤثر ويتأثر بزملائه وأصدقائه سواء مصريين أو فلسطينيين، وخاض معهم حوارات فكرية وسياسية مطولة كان لها الأثر في إثراء فكره وتوسعة مداركه، حتى وصل إلى نتيجة ملخصها ثلاث كلمات:الإسلام-الجهاد-فلسطين، وعن فلسطين التي عاد إليها هاربا من أمر باعتقاله بعيد اغتيال السادات، رأى أنها تعيش حالة (إسلاميون بلا فلسطين..وفلسطينيون بلا إسلام)...من هنا جاءت فكرة تأسيس الحركة الجديدة في فلسطين:الجهاد الإسلامي
وعن الشقاقي والجهاد الإسلامي سأتحدث بتوسع أكثر في المقال القادم بمشيئة الله تعالى.
،،،،،،،،،،،،،
السبت  20 صفر 1441هـ ، 19/10/2018م
من قلم:سري عبد الفتاح سمّور(أبو نصر الدين)-جنين-أم الشوف/حيفا-فلسطين

تويتر: https://twitter.com/SariSammour     @SariSammour  
مدونات:-




الثلاثاء، أكتوبر 15، 2019

القرضاوي بين الإعلام وضغط الواقع وخرق الإجماع

القرضاوي بين الإعلام وضغط الواقع وخرق الإجماع


القرضاوي بين الإعلام وضغط الواقع وخرق الإجماع


بقلم:سري سمّور

دور الإعلام والتيسير

في لقاء متلفز قال د.يوسف القرضاوي حينما سئل عن العلماء ودورهم بأن العصر هو عصر الإعلام لا العلماء؛ والكلام صحيح خاصة في وقته، فمن خلال شاشات الفضائيات خاصة برنامج الشريعة والحياة آنف الذكر تعرّف ملايين المسلمين على القرضاوي، والماكنة الدعائية والإعلامية ساهمت إلى حد كبير في إظهار القرضاوي كعلاّمة لا نظير له في أصقاع العالم، وأغلب الناس عرفوا القرضاوي من خلال الشاشة وليس من خلال كتبه التي قلت بأنها حوالي العشرين ومئة كتاب.
وغاب عن الناس ما ذكرته في المقال السابق أن ثمة فرق بين المنتج المعرفي في إطار الدعوة والحركة والفكر الإسلامي وبين الفقه الذي هو مدرسة/مؤسسة متكاملة الأدوات والبنيان تم تشييدها من رجال قيّضهم الله لهذه الأمة، عبر مراحل زمنية نضج فيها الفقه الإسلامي الذي لا يجاريه أي شيء في تاريخ الإنسانية، في انضباط القواعد والدقة، وعدم إغفاله  شاردة ولا واردة.
وقد كان الإعلام أداة مركزية في تقديم القرضاوي للناس، وارتاح الناس الذين بطبيعة الحال هم ليسوا من المطلعين على أصول الفقه وطريقة استنباط الأحكام لفتاوى الرجل وآرائه التي غلب عليها التيسير وفق ما يقدم نفسه، وصار الترويج له وترميزه والدفاع عنه أمام معارضيه، يرفع شعار أن القرضاوي هو أيقونة (الأصالة والمعاصرة) وأن ما يفتي به يجسّد ويرسم الحد الفاصل بين الإفراط والتفريط...إلخ.
وكما قلت فإن نمط الحياة الغربي الذي نعيشه، ووجود مستجدات ومشكلات أمام الملتزمين دينيا في خضم هذه الحياة وتفصيلاتها، جعلت عددا منهم يأنس ويرتاح لما يفتي به القرضاوي، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن طبع أغلب الناس يميل إلى ما يرونه يسرا أو سهولة في التعاطي مع الأحكام الشرعية، خاصة أن من تصدروا للرد على القرضاوي كان أعلاهم صوتا هم من المدرسة السلفية التي اختارت الأخذ بالتشدد المطلق عموما، والنيل من شخص القرضاوي، ببذاءة أشرت إليها سابقا.

هل أنا متشدد؟

قبل كل شيء أنا أستخدم لفظ التشدد من منطلق إسلامي، وليس من منطلق آخر، لأن آخرين من مجتمعاتنا ربما ينظرون إلى من لا يشرب الخمر بكونها محرمة، ولا يصلي ولا ترتدي امرأته الحجاب على أنه (متشدد) والأمثلة حول هذه المسألة كثيرة ومتنوعة يعرفها أي إنسان يخالط الناس، ويعرف طريقة فرزهم للناس وفق نمط حياتهم ومعيشتهم.
وهذا ليس فهمي للتشدد هنا، بل المقصود هو الأخذ بالعزيمة عوضا عن الرخصة في كل شيء ولو من باب زيادة الحيطة من آراء الفقهاء المعتبرين وقبلهم الصحابة والتابعين، وأكرر وفق المنطلق الإسلامي؛ فما يردده كثيرون(ومنهم القرضاوي) حول وجود أصل في الفقه الإسلامي يتمثل برخص ابن عباس وعزائم ابن عمر-رضي الله عنهما وعن أبويهما- هو محكوم ومضبوط بقواعد صارمة فلا يجوز ولا يعقل الانفلات من القواعد والأصول تحت هذه اليافطة؛ فلا ابن عمر يفتي (بالتشدد) دون هذه القواعد، ولا ابن عباس اختار الترخص دون الالتزام بها.
على كل ومع أن الأمر ليس شخصيا؛ ولكن هو ضروري حتى لا يقع لبس في فهم مناقشتي المتواصلة منذ أسابيع للموضوع؛ فالعبد الفقير ليس متشددا البتة، ولا يميل إلى الأخذ بالرأي الأحوط، أو بمفهوم الناس (الأصعب) بل أنا مقلّد واخترت الالتزام برأي السادة الحنفية، مع احترامي وتوقيري لأي ملتزم برأي السادة الشافعية أو المالكية أو الحنابلة، دون الفوضى الانتقائية، وابتعدت عما يرى القرضاوي أنه (اجتهاد انتقائي) لأننا في زمن عمت فيه فوضى الإفتاء وتجرأ الناس على أحكام الدين بل على قطعيات النصوص، واستخدموا هذه الحجة، ومنهم من بضاعته من العلم مزجاة.
والأسلم للمرء والأحفظ للدين التقيد بالمذهب ومدرسته ورأي علمائها، تجنبا لهذه الفوضى؛ هذه الفوضى التي كان للقرضاوي وخصومه من السلفيين دور-دون قصد طبعا- في انتشارها، حتى صار العلماني الذي لا يعرف أن يعد أركان الإيمان والإسلام بلا تلعثم، يتجرأ ويقول هذا حلال وهذا حرام، لأن القرآن موجود (وكذا السنة إذا اعترف بها أصلا) ولا يلزمني رأي فقيه ولا عالم فأنا أفسر وفق ما يراه عقلي...فصار العقل رديفا لاتباع الهوى!.
الخلاصة أنني لست متشددا، وفي ذات الوقت لا أرفض أو أقبل ما يفتي به القرضاوي وفق هذا المقياس، فإذا رضيت لنفسي شبهة زلت لها قدمي أو حتى قارفت حراما أو مكروها والعياذ بالله، أو امتنعت عن شيء ولو أفتى بجوازه، فأنا لا أجعل هذا مغلفا بكونه الدين الصحيح والمنهج القويم...وأيضا كوني لا أميل إلى التشدد يفترض ضمنا أن ألتجئ إلى مدرسة القرضاوي فهي تمنحني(الأمان) لأنها تميل إلى (التيسير) وغير ذلك من مصطلحات برّاقة، ولكن لست ممن يجعل أهواءه وشهواته حاكما على الدين، ومدرسة فقهية يجب تقليدها، وإلا فهو موسوم بالتشدد والغلو والإفراط!

مدرسة القرضاوي الفقهية في الميزان

قلت سابقا أن المتعصبين للقرضاوي يخرجون على من ينتقده بعبارات تطفح بالتبجيل والتقديس المبالغ فيه وتزعم أنه عالم لا نظير له وفقيه لا يشق له غبار، لأنهم يخلطون بين نشاطه السياسي والدعوي وتنظيراته المعتبرة في الأمور الحركية، وبين حظه من الفقه وأصوله، فقد سحرتهم الفتاوى التي حررها، وأبهرهم أسلوبه، دون أن يحيلوا الأمر إلى القواعد والأصول، بل سلموا له مجال الفتوى، وأعطوه قيادها، دون أن يسألوا أنفسهم:هل القرضاوي مؤهل فقهيا أم لا؟ولأن جوابهم بأعلى صوت:هو مؤهل بل هو أهل ليتسيّد الفتوى عند أهل السنة، لأنه أعلمهم وأفقههم –هكذا يرونه- فما الدليل على ذلك ، ودعكم من الانبهار والإعجاب بل الهوى؟
وقد يقال فورا:وما حظك أنت من العلم، وما حجم معرفتك بالفقه وأصوله، وبواطن استنباط الأحكام الشرعية كي تحكم على القرضاوي أو غيره؟سؤال منطقي؛ وأنا لست فقيها ولا عالما ولا درست العلوم الشرعية في مدارس شرعية قبل الثانوية العامة، ولا بعدها في جامعة أو معهد، أنا ناقل للعلم ولست بعالم.
ولهذا دعونا نضع فقه القرضاوي في الميزان ممن هم أهل لذلك؛ بعيدا عن أي تعصب حزبي، أو موقف مسبق، أو رغبة وهوى وجنوح نحو ما يعتبر تيسيرا أو وسطية.
فلو أخذنا كتاب (منهج البحث والفتوى في الفقه الإسلامي بين انضباط السابقين واضطراب المعاصرين، السيد سابق والأستاذ القرضاوي نموذجا) والمؤلف (مصطفى بشير الطرابلسي) ليس بعيدا ولا مناوئا ولا خصما للإخوان المسلمين كما يعلم الجميع، وقد صدر الكتاب عن دار الفتح للدراسات والنشر/الأردن في طبعته الأولى عام 2010 يقدم نقدا علميا رصينا لمدرسة القرضاوي ومنهجه في الفتوى بعيدا عن التجريح الذي انتهجه السلفيون، وبعيدا عن التدليس والتورية وأسلوب تقويل الرجل ما لم يقله، مثلما يفعل أغلب مبغضيه؛ وهذا الأسلوب بالمناسبة زاد من تعصب مريدي القرضاوي وتلامذته له، كنوع من ردة الفعل الطبيعية.
كتاب الطرابلسي يربو على ثلاثين وخمسمائة صفحة ولست هنا في معرض استعراض كامل للكتاب ولكن سأسلط الضوء على بعض ما جاء فيه من نقد على منهج القرضاوي في الفقه وتحريره للفتوى؛ فهو يرى أن القرضاوي سليل أو صاحب مذهب أتى به محمد عبده وأصله المراغي وترعرع على يد شلتوت ونضج على يد القرضاوي!
ويرى الطرابلسي أن القرضاوي(وقع تحت ضغط الواقع، ولم يستفرغ الوسع، واجتهد في القطعيات وما لا يجوز الاجتهاد فيه، وغفل عن واقع العصر، وترك ما اجتمع عليه المسلمون إلى آراء فردية شاذة غير صحيحة).
وهذه أمور تتطلب مزيدا من الإيضاح وشيئا من التفصيل وهو ما سأسعى إليه في المقال القادم بمشيئة الله تعالى.

الأربعاء، أكتوبر 09، 2019

خطورة وحرج حماس من حسابات القرضاوي

خطورة وحرج حماس من حسابات القرضاوي


خطورة وحرج حماس من حسابات القرضاوي


بقلم:سري سمّور

تبجيل وصل حد التقديس

قبل أكثر من عشرين عاما  سخر حمساوي مني واتهمني ضمنا بالتلفيق عندما عرضت عليه إجابة القرضاوي عن سؤال لي في زاوية الفتاوى في موقع (إسلام أونلاين) الذي كان جديدا قائلا لي:هل تريد أن تقنعني بأن الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي هو من أجابك؟أنت وضعت اسمك مع اسمه في الإنترنت!
وكانت شبكة الإنترنت جديدة ومستخدموها في بلادنا قلة، ولكن حمساويين آخرين نظروا إليّ بنوع من الإجلال والإعجاب لكون القرضاوي أجاب بنفسه عن سؤال للعبد الفقير، وبأن هذا شرف عظيم قد نلته، ولا أنكر أنني أنا ربما وقتئذ،  إلى حد ما أصبت بهذا الزهو والشعور بالظفر!
وكان سؤالي حول الضرورات لأخذ قرض بنكي(ولله الحمد حتى الآن لم أدخل في هذا الأمر) وكانت الإجابة باسم المفتي:يوسف عبد الله القرضاوي حول فهم الناس المختلف وأحيانا المغلوط لماهية الضرورة وطريقة تحديدها.
استمر هذا التبجيل وتعاظم مع ازدياد وتوسع رقعة استخدام الإنترنت في فلسطين، وكذلك الفضائيات وبرنامج (الشريعة والحياة) على قناة الجزيرة الفضائية بحيث عمدت حماس إلى ترميز ممنهج أو شبه ممنهج للرجل وجعل رأيه هو الفيصل في أي قضية فقهية أو حتى سياسية.

استفتاء فيما هو فلسطيني خالص

كان برنامج (الشريعة والحياة) المذكور يعطي مجالا لطرح أسئلة من متصلين؛ وإذ بنا في حلقة من حلقاته نستمع إلى اتصال من أسير فلسطيني، هو قادر على الإفتاء بما استفتى فيه ضيف البرنامج(القرضاوي) لأن الأسير متخصص ودارس للعلم الشرعي والأهم هو في السجن الإسرائيلي الذي له ظروفه الموضوعية التي لا يمكن لأي فقيه أو عالم أن يفتي فيها فتوى صائبة دون أن يعيش التجربة، وسبق أن قلت بأن عالما فلسطينيا كان يفتي للأسرى بفتاوى غيّرها لما دخل السجن وعاش تجربة الأسر وظروفها وحيثياتها.
المتصل برأيي كان يريد أن يقول لنفسه ولمن حوله ويظل يفتخر بأنه (نال شرف) الحديث مع القرضاوي، فهو قبل طرح سؤال الذي يستطيع أي دارس شريعة الإجابة عليه، بدأ بعبارات التبجيل والثناء المبالغ فيه على الشيخ.
وهذا ما حذرت وأحذر منه دوما؛ فالحالة الفلسطينية لها خصوصية تستوجب أن يكون من يفتي في شؤونها من أهل البلد ويعايش ظروف الناس، ويعرفها عن كثب.
وللأسف فإن حماس بترميزها وتبجيلها المبالغ فيه للقرضاوي جعلت منه ما يشبه حالة ابن تيمية عند السلفيين؛ أي رأيه هو الأساس وما يتعارض معه لا يؤخذ به، مع فارق جوهري هو أن ابن تيمية ميت ولا يمكنه التراجع عما أفتى به بعكس القرضاوي الذي غيّر وقد يغير آراءه.
إن أحكام الأسير الفلسطيني المسلم في سجون الصهاينة قد تختلف من سجن إلى سجن ومن مرحلة اعتقال إلى أخرى وهي بالتأكيد تختلف عن أحكام الأسير المسلم في أي سجون أخرى حول العالم...وهذا ينسحب على ظروف وآليات العمل المقاوم وحدود التعاطي مع الجانب الإسرائيلي اليومية وغير ذلك من تفصيلات يومية تحتاج فقيها عارفا بها، أكثر من الحاجة إلى عالم أو فقيه مشهور ومبرز.

مقاطعة البضائع الروسية

وعودة إلى ما أشرت إليه في المقال السابق حول دعوة القرضاوي  أمريكا إلى (وقفة لله) فقد دعا المسلمين إلى مقاطعة البضائع الروسية والصينية ردا على استخدام الدولتين الفيتو في مجلس الأمن لصالح نظام بشار سنة 2012 علما بأنه لا بضائع روسية في أي بيت أو متجر حتى ربما في روسيا نفسها، فروسيا تبيع السلاح لا السلع الاستهلاكية وغيرها.
 وكان يجب أن تكون الدعوة متزامنة بخصوص أمريكا داعم إسرائيل والأخيرة هي سبب كل مشكلات المنطقة وما يجري فيها، والتي لطالما استخدمت الفيتو لصالح إسرائيل، وسلاح أمريكا هو الذي قتل أطفال فلسطين...وروسيا تستقبل قادة حماس ولا تصنفهم كإرهابيين مثل أمريكا!
موقف أحرج حماس 

وهذا وضع حماس في موقف حرج، مع أنها خاضت بعدها حربين وقصفت تل أبيب وأسرت جنديا أو جنودا صهاينة؛ ولكن هذا الفعل المقاوم لم يمنع المزايدة عليها لأنها لم تقم بإدانة مواقف القرضاوي علنا، صحيح أن القرضاوي ليس ناطقا باسم حماس ولا عضوا في أي هيئة من هيئاتها، ولكنها بسعيها إلى ترميزه وتبجيله طوال الوقت صارت مطالبة ضمنا بموقف واضح من مواقفه تلك؛ ولكنها شرعت بحملة دفاعية شرسة عنه، تدل على حرجها من مواقفه.
ويبدو أن حماس (ربما) حاولت بعيدا عن الإعلام ثني القرضاوي عن هذه المواقف المتشنجة ولكن دون جدوى...فحسابات القرضاوي أخذت بالحسبان حسابات ومصالح دولة قطر، وهذه ليست بالضرورة تتطابق مع حسابات حركة حماس، مع أن علاقات حماس بقطر دافئة في الظاهر، ولكن بلا شك فإن حماس لا تضع كل بيضها في السلة القطرية، خاصة فيما يتعلق بالعمل المقاوم وآلياته وتكتيكاته، وهذا يعني أن حساباتها تختلف جذريا عن حسابات القرضاوي في واقع أولويات العمل السياسي والميداني، ولكن الورطة كانت في المكانة المميزة للقرضاوي عند حماس وكيف قدمته للناس عامة ولقواعدها وكوادرها خاصة...فمن سمع بموقف الشيخ (يوسف فرحات) مثلا الذي رفض فتوى القرضاوي الرافضة للعمليات الاستشهادية؟لا أحد سوى محيطه الجغرافي والتنظيمي...لقد ارتكبت حماس خطأ بتسليم عنق الفتوى للقرضاوي وجعله –ضمنيا-مفتيها ومرجعها الشرعي والديني بلا منازع.

ضرورة الفكاك واجبة حاليا 

وصار لزاما على حماس مثلما انفكت من السلفية أن تتحرر من القرضاوية-إذا جاز الوصف- التي ورطت نفسها فيها، وسببت لها مشكلة بين حسابات القادة المطلعين على أوضاع الإقليم والعالم وعواطف واندفاعات القواعد التي أُشبعت باعتبار كلام القرضاوي صواب لا يحتمل الخطأ بالمطلق؛ وأعلم أن هذا الكلام قد يجلب غضبا أو سخرية أو استهجانا ممهورا بديباجة مطولة حول علم القرضاوي وفضله ومكانته وأنه لا يجوز التشبيه...ولكن هذه حقيقة ستظهر ولو بعد حين، فالواجب إنشاء مؤسسة فقهية فلسطينية لا تأتمر بأمر أي عالم مهما كان خارج حدود فلسطين، وإلا فليكن فلسطينيا لاجئا أو مقيما...وهذا ليس من باب التعصب الوطني ولا غيره، بقدر ما هو وضع للأمور في سياقها الطبيعي...أقله في هذه المرحلة الحرجة.

الخلط بين أمرين 

حين أوجه أي نقد للقرضاوي في مواقع التواصل يخرج علي مناصرو أو محازبو حماس بوصلة ردح وذم وقدح تنال شخصي بسخرية موقعة بعبارة (مؤلفاته عددها ضعف سنوات عمرك، من أنت؟)
صحيح أن للقرضاوي مؤلفات هي أكبر من ضعف عمري، فله أكثر من 120 كتابا، ولكن القوم يختلط عليهم مفهوم العالم الشرعي والفقيه، مع مفهوم الدعوة والحركة والصحوة؛ فنتاج القرضاوي الفقهي مقارنة مع سنوات اشتغاله وتفرغه(حوالي 70 عاما) تعتبر متواضعة نسبيا؛ فكثير من كتبه ومؤلفاته تصنف في إطار (الحركيات) لا المسائل الفقهية، وهي بالمناسبة كتب جيدة ومفيدة ولا يفوتني أن أنصح بقراءتها والانتفاع بها، ولكن هذا شيء والنظر إلى القرضاوي كعلاّمة العصر وفقيه الزمان شيء آخر...وحين قارنت بين فقه القرضاوي وفقه العثيمين، وجدت كلاما مؤذيا منه (فقه الصحراء) ومع أنني لست من مقلدي مدرسة العثيمين فأنا مقلد لمدرسة السادة الحنفية، ولكن لا شك بأن العثيمين عالم جليل متمكن وفقيه متبحر تفرّغ للعلوم الشرعية والمسائل الفقهية وأنتج نتاجا ثريا لا يمكن مقارنته بما أنتجه القرضاوي...مع أن لا علاقة للعثيمين بالحركيات ولا الأمور السياسية عموما، كما أن منهج القرضاوي الفقهي عليه ملاحظات معتبرة.
على كل هذه مسألة تستوجب تسليط الضوء عليها نظرا للخلط القائم وهي وغيرها مدار حديثي في المقال القادم بمشيئة الله تعالى.

الأربعاء، أكتوبر 02، 2019

لماذا تراجع القرضاوي عن تأييد العمليات الاستشهادية؟!

لماذا تراجع القرضاوي عن تأييد العمليات الاستشهادية؟!


لماذا تراجع القرضاوي عن تأييد العمليات الاستشهادية؟!   


بقلم:سري سمّور

عدم الرد على الإساءات

من عوامل وأسباب زيادة التوقير والاحترام الذي حظي به د.يوسف القرضاوي تجنبه الرد على مخالفيه أو مبغضيه أو شاتميه؛ فقد حافظ على هدوء واتزان في ظل هجمات مركزة بعضها عشوائية وبعضها منظمة طالته، فقد تعرض حتى للتدخل السافر في حياته الزوجية، بعد انفصاله عن زوجته  الثانية الجزائرية (أسماء) والتي نالت ما نالته من شهرة وجلست على مقعد برلماني بسبب هذه الزيجة وليس لأنها أفضل من نساء أخريات ترشحن لهذا الموقع بالضرورة.
وحقيقة فإن نشر أسماء رسائله لها في الإعلام أمر لا يستسيغه العرف والذوق وطابع الحياء المميز للأمة وقد يكون فيه مخالفة شرعية(لا أريد أن أدخل نفسي في الفتوى) كما أن الرسائل شخصية حميمية بحتة بين رجل وامرأة بعيدا عن كل المناصب والمواقع وغيرها، أو هو ما يسمى بالأنسنة...على كل هناك من استغل تلك المراسلات واتخذ منها ذخيرة لمهاجمة الرجل وكأنه من غرائب وعجائب الزمان أن يحب الشيخ أو يعشق أو يتغزّل(وهو يقرض الشعر بالمناسبة) وكأنه مستهجن أن يكون في بيته غيرة نساء ومكائد وغيرها كأي بيت.
كما أن السلفيين هاجموه بطريقة خرجت عن أسلوب المناظرة ومقارعة الحجة بالحجة واستدعت كل قواميس الشتائم والبذاءة؛ وقد تجلى ذلك في محاضرة/ات فرغت كنص مطبوع وإلكتروني من (مقبل الوادعي) موسومة بـ(إسكات الكلب العاوي يوسف القرضاوي)!
وتعرض لهجوم لا يقلّ شراسة ممن يفترض أنهم خصوم السلفيين(أو هكذا يقدمون أنفسهم) من القوميين واليساريين ومن شايعهم خاصة أنصار نظام بشار الأسد...وكأن هناك وحدة موقف –بغض النظر عن اختلاف الدوافع- تجاه القرضاوي من طرفي نقيض.
كما  أصابه رذاذ تفاعلات الانقسام الفلسطيني، وقد آت لهذه المسألة لاحقا...ولكنه لم يدخل في جدل ولم يشن هجوما مضادا ضد هذا الكم متعدد الجبهات الذي مسّه شخصيا، وطالته منه أوصاف لا يتسع المقام لإحصائها من كثرتها(مفتي الناتو والدولار...إمام الفتنة والضلال...شيخ السلاطين...إلخ!).

وحقيقة هذا يعتبر ذكاء لأن الدخول في الجدل والنقاش والرد على إساءة هنا واتهام هناك في جو مشحون كهذا يقلل من الهيبة وينزع الوقار أو على الأقل يهزّ الصورة عند بعض الناس، ويستهلك الأعصاب والوقت والجهد.


موقف القرضاوي الجديد من العمليات الاستشهادية

قلت في أكثر من مقال سابق أن فتوى القرضاوي بجواز تنفيذ المقاومين الفلسطينيين عمليات استشهادية ضد الجنود والمستوطنين الإسرائيليين ساهم إلى حدّ كبير في ترميز الرجل وتقدمه ليتبوّأ موقع المرجعية(ليس بمفهومها الشيعي المعروف) الفقهية في صفوف حماس وسائر الإخوان المسلمين، وصار يعتبر وفق مصطلح الإعلام الغربي المستنسخ عند نظيره العربي، (الزعيم الروحي) للإخوان وحماس...طبعا أسجل تحفظي على المصطلح ودلالاته لاختلاف الشريعة والفقه الإسلامي عن نظيره في الديانات الأخرى.
ولكن حدث تطور يستحق التوقف عنده طويلا؛ حين أفتى القرضاوي في 2016 بعدم جواز تنفيذ هذا النوع من العمليات في فلسطين بدعوى انتفاء الضرورة التي جعلته يفتي سابقا بجوازها بل مباركتها، لأن الفلسطينيين كانوا لا يملكون الأسلحة، خاصة الصواريخ والآن تغير الموقف.
هذا الموقف أو الفتوى الجديدة للقرضاوي أخذت جدلا واسعا وتحليلات متباينة في أكثر من محفل؛ وقد قام الباحث والمؤرخ الفلسطيني الخبير بالشؤون الإسرائيلية د.عدنان أبو عامر بكتابة مقال صحفي في (المونيتور) في 20/12/2016م ألقى فيه الضوء على هذه الفتوى الجديدة، وعرض فيه آراء قادة وناطقين ووجوه دينية تتبع حركة حماس أو مقربين منها..وذلك تحت عنوان(حماس صامتة إزاء فتوى القرضاوي بحظر العمليات الانتحارية) وقد كان الرد الأقوى في المقال المذكور برأيي هو رد الشيخ (د.يوسف فرحات) أحد الوجوه الدينية البارزة لحركة حماس في قطاع غزة والذي أكد على نقطتين بارزتين هما في محور بحثي ضمن هذه السلسلة وهما:عدم اطلاع القرضاوي على الواقع الفلسطيني، واحتمال وجود ضغوط سياسية عليه دفعته لإصدار هذه الفتوى الجديدة.

وقد يقول قائل بأن حماس لم تنفذ عمليات استشهادية بعد فتوى القرضاوي، صحيح ولا قبلها بمدة، ولكن الأمر فني وميداني وأمني، وليس خاضعا لهذه الفتوى، ودوما يعلن الاحتلال الكشف عن خلايا في الضفة الغربية تحضر لعمليات استشهادية، ويتم محاكمة أفرادها...وضع قطاع غزة مختلف ميدانيا وجغرافيا وعسكريا وأمنيا، ولكن الضفة الغربية حالها مختلف.

ولنفرض أن خلية ينتمي أفرادها لحركة حماس نفذت عملية استشهادية، فهل ستتبرأ الحركة منها وإن عملت بقرار من ذاتها دون الرجوع إلى قيادتها؟ودأبت حماس على مباركة أي عملية تستهدف الجنود والمستوطنين الإسرائيليين سواء أكان منفذها لا ينتمي إلى أي فصيل أو من فصائل أخرى؛ فهل لو نفذ عنصر من الجهاد الإسلامي أو فتح أو الجبهة الشعبية عملية استشهادية ستمتنع حماس عن الترحيب بها وتتحفظ ولا تبدي رأيها المعروف؟كلا بالتأكيد.

وهذا يعني ضمنا أنه رغم هيمنة القرضاوي شبه المطلقة على مجال الفتوى فإن حماس لديها استعداد لعدم الأخذ بأي فتوى منه أو من غيره تتعارض مع سياساتها وواقعها الميداني وطريقة رؤيتها لأساليب المقاومة، حتى لو كان المفتي هو القرضاوي مع ما يحظى به من تبجيل وتمجيد من قادة وقواعد الحركة، وكأن لسان حال حماس أن لا سلطة لأحد عليها في موضوع آليات المقاومة.

ويرى إسرائيليون أن فتوى القرضاوي الأخيرة جاءت بضغط تركي، ولست أدري مدى تأثر القرضاوي برأي الأتراك، ومدى خوضهم في هذه المسألة، ولكن من المؤكد والواضح أن القرضاوي في السنوات الأخيرة، وخاصة بعد الربيع العربي خضعت آراؤه إلى سياسة دولة قطر وحساباتها ومواقفها في عدة مسائل، أو صار هو من ذاته يضعها في الحسبان.


الموقف المتغير من بشار

مدح القرضاوي بشار الأسد أثناء زيارته لدمشق في 2009 وتوقع التآمر عليه بسبب موقفه من غزو العراق والمقاومة في لبنان:-


ولكن موقف القرضاوي تغير مع اندلاع الثورة السورية إلى النقيض، وقد يكون تغير الموقف حسب مجريات الأحداث طبيعيا، فبشار الأسد لجأ إلى الحل الأمني والعسكري في التعامل وقام طيران جيشه بإلقاء البراميل المتفجرة على المدنيين، وجرت عمليات قتل وتعذيب، وبالتالي من واجب القرضاوي بصفته عالما مسلما تغيير موقفه السابق، ولكن هذا شيء ومطالبته أمريكا(بوقفة لله) ضد نظام بشار الأسد شيء مغاير ومختلف تماما:-
فأمريكا كما لا يخفى على القرضاوي ليست جمعية خيرية، وهي من زرع الاستبداد في بلاد المسلمين، وهي التي ترعى إسرائيل، كما أكد القرضاوي في ذات خطابه الراجي تدخل الأمريكان في سورية...وبالنسبة لحماس فإنها مصنفة بكافة أجنحتها السياسية والعسكرية والإعلامية والخيرية وغيرها على رأس لوائح ( الإرهاب) الأمريكية، ودأب الأمريكان على التحريض على حماس وشيطنتها ورفض وجودها إلا بشروط مجحفة ملخصها أن تتخلى عن المقاومة وتعترف بإسرائيل...فكيف تطلب منها (وقفة لله)؟!

طبعا يصعب فصل هذه الفتاوى والمواقف عن سياسة واعتبارات وحسابات  دولة قطر التي يحمل الشيخ جنسيتها ويقيم فيها منذ عقود، ولكن هذا لا يستقيم بالضرورة مع حسابات حركة حماس، التي وقعت في حرج كونها اعتبرت القرضاوي علاّمة العصر والزمان، وكلامه لا يناقش، بلسان الحال طبعا، وبين حساباتها وعلاقاتها ومواقفها، خاصة من إيران وحزب الله، فانتقل الجدل إلى داخل صفوفها، وإن كانت قيادتها قد حسمت الأمر مؤخرا...على كل سأتطرق لهذه المسألة وغيرها في المقال القادم بمشيئة الله تعالى. 

مع مذكرات أخطر سفير إسرائيلي في مصر (1)

لدي قناعة أن ذهاب أنور السادات إلى خيار التسوية مع إسرائيل؛ و زيارته المشؤومة إلى القدس في 1977 وصولا إلى توقيع اتفاقات كامب ديفيد في 1979 ه...