الأربعاء، فبراير 28، 2024

عودة إسرائيل إلى الوصاية المكشوفة

  

بُعيد عملية طوفان الأقصى وبدء الحرب المفتوحة الدموية التي تأخذ طابع الإبادة الجماعية على قطاع غزة، شهدت المنطقة عموما، والكيان العبري خصوصا ظاهرة ما أطلق عليه بعض المراقبين(الحجيج الدبلوماسي) تزامنا مع حشود عسكرية أمريكية تمثلت باستدعاء حاملتي الطائرات(فورد و أيزنهاور) إضافة إلى قطع وسفن حربية أخرى، واستدعاء قوات الدلتا ووضعها بحالة جاهزية في شرق البحر المتوسط، وتزويد إسرائيل بآلاف الأطنان من الذخائر والعتاد، وكأن الترسانة الإسرائيلية فارغة وتعاني الشح،  إضافة إلى الحديث عن طيران أمريكي استطلاعي للكشف عن مكان (الرهائن) في قطاع غزة.

التصريحات والزيارات غير المسبوقة  

وزار الرئيس الأمريكي(جو بايدن) إسرائيل في 18-10-2023 لأول مرة منذ توليه منصب الرئاسة والتقى بقيادتها السياسية والعسكرية، وسبقته وتلته زيارات متعددة قام ويقوم بها وزير الخارجية (أنتوني بلينكين) ووزير الدفاع (لويد أوستن)، ولا ننسى زيارة رئيس وزراء بريطانيا (سوناك) والرئيس الفرنسي(ماكرون).

وبلينكين الذي يفترض أنه يمثل الدبلوماسية الأمريكية، ووجهها الرسمي، يتحدث وكأنه وزير خارجية إسرائيل، وأكد على أنه يتحدث بصفته يهوديا لا وزير خارجية الولايات المتحدة.

كل هؤلاء الذين يقودون الدول العظمى التي لها مقاعد دائمة في مجلس الأمن، جاءوا إلى الكيان فاتحين خزائن المال والسلاح في بلادهم(كرمال عيون إسرائيل) بحجة كرروها(حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها)، في مشهد سوريالي تماما؛ فإسرائيل دولة لطالما تفاخرت وصورها الغرب بأنها الدولة القوية عسكريا المتقدمة تقنيا...المتفوقة في كل المجالات في المنطقة، وهي الآن تواجه قطاعا ساحليا محاصرا مساحته 365 كيلومتر مربع مكتظ بالسكان وأهله فقراء عموما، والحركة أو المنظمة المستهدفة(حماس) ليست دولة ولا تمتلك طائرات ولا دبابات ولا صواريخ بعيدة المدى، كي يتم تشكيل هذا التحالف الضخم ضدها.

دعكم من حديث المسؤولين الأمريكيين عن تبرير وجودهم بردع أو منع (بعض الأطراف) من توسيع رقعة الصراع وفتح جبهات أخرى للحرب، أو أن السبب هو وجود من يحمل الجنسية الأمريكية بين المحتجزين.

لأنه بعيدا عن اللغة الناعمة والدبلوماسية وتلطيف الألفاظ والتعبيرات لإيصال الفكرة؛ فإن الغرب وعلى رأسه الولايات المتحدة، جاء بساسته وجيوشه للتأكيد على أن إسرائيل بمثابة المحمية الغربية، غير المسموح بالمساس بها، والحفاظ عليها مقدم على كل ما سواه، بمشهد يطفح بالعنجهية والتحدي والصلافة ليس للفلسطينيين في غزة فقط، بل لجميع العرب والمسلمين، والذين-للأسف- قابلوا هذا التوحش والتهديد بلوم خجول أو صمت أو تعاون وتواطؤ.

عود على بدء

هذه التحركات الغربية العسكرية والسياسية، أكدت ما كان معروفا ومفهوما وبدهيا، وهو أن إسرائيل قاعدة عسكرية غربية في المنطقة العربية، ورأس حربة الرأسمالية هنا، وقد توارت هذه الحقيقة، أو غفل عنها بعضهم، بعد أن حرصت إسرائيل على أن تظهر نفسها ندّا للغرب، خاصة بعلاقاتها وتحالفاتها، والاتفاقيات التي تعقدها، وبعض التصريحات التي تنفلت من ألسنة بعض مسؤوليها، عن علاقتهم بالولايات المتحدة.

إضافة إلى نفوذ اللوبيات(مجموعات الضغط) التي ساعدت إسرائيل على اختراقات لا مثيل لها داخل الغرب عموما، والولايات المتحدة خصوصا، بحيث انقلبت الصورة بمرور الزمن وتزايد النفوذ الإسرائيلي وداعميه هناك، بحيث صار التابع متبوعا، والمتبوع تابعا..إلى أن جاءت هذه الحرب!

ذلك أن إسرائيل تعيش مجموعة من العُقد في تركيبتها، ومنها عقدة (الاستقلال) فهي تطلق اسم(حرب الاستقلال) على نكبة 1948 وإعلان قيامها منتصف أيار/مايو، مع أن القاصي والداني يعلم أن سلطات الانتداب البريطاني هي من سهل للعصابات الصهيونية التحول إلى جيش نظامي وسلمت لهم معسكراتها ومؤسساتها وهياكل دولة لا تحتاج إلا إلى تغييرات شكلية، ناهيك طبعا عما سبق ذلك من تسهيل هجرة اليهود إلى فلسطين وتعمّد تجريد العرب الفلسطينيين من السلاح، فيما تتزود به العصابات الصهيونية، وصك الانتداب القائم على تنفيذ وعد بلفور.

ومع ذلك حرصت إسرائيل دوما على أن تظهر كدولة حليفة للغرب وضمن منظومة الدول العظمى الراعية لها والحامية لوجودها، لا تابعا ومنفذا للسياسات الغربية وممثلا فيزيائيا لمصالحها في المنطقة.

 

انكشف المكشوف!

جاءت هذه الحرب كاشفة بأن إسرائيل هي الوكيل والغرب-خاصة واشنطن- هو الأصيل؛ فلا يكاد يمر يوم دون إطلالة إعلامية لمسؤول أمريكي ابتداء من الرئيس بايدن وليس انتهاء بمنسق الأمن القومي كيربي، ومرورا بوزير الخارجية بلينكين يتحدثون فيها عن الحرب وعن رفضهم لوقف إطلاق النار، وغير ذلك من التصريحات غير المسبوقة منذ قيام إسرائيل، بالتزامن مع النشاط الذي له طابع سرّي، ومنه مباحثات وجولات مدير وكالة الاستخبارات المركزيةCIA في المنطقة(ويليام بيرنز).

وإذا كان هذا يؤكد ما يردده مراقبون منذ بداية الحرب عن عجز إسرائيل عن حماية وجودها من الأساس، فإنه يؤكد أكثر عودتها إلى وصاية القوى والدول العظمى، وهو ثالث أركان مرحلة بدايتها وما قبل تأسيسها، وقد تحدثت في المقال السابق عن ركنين (التهجير والمجازر) والركن الثالث هو التدثر بالعباءة الغربية العسكرية والسياسية والإعلامية والاقتصادية الغربية وقبول ظهور الكيان بأنه (محمية) غربية بلا أقنعة.

سوابق تاريخية  

لعل هناك حوادث مشابهة في التاريخ البعيد والقريب؛ منها ثورة البراق في صيف 1929 التي كاد العرب إبانها ينجحون بتصفية الوجود الصهيوني في فلسطين لولا تدخل سلطة الانتداب البريطانية بجيوشها في فلسطين وأخرى استدعتها من مصر، ولعل الصهاينة اليهود تلقوا وقتها درسا إنجليزيا  ألا قِبل لكم بالعرب كي تغيروا(الآن) وضع المسجد الأقصى دون التنسيق الكامل معنا والضوء الأخضر منا.

والحدث الثاني عندما شكلت أمريكا تحالفا من أكثر من ثلاثين دولة لضرب العراق وإخراجه من الكويت 1990-1991 وضم التحالف دولا عربية، وقد هدد صدام حسين بأنه سيقصف إسرائيل في حال هوجمت بلاده دون سابق إنذار ونفذ تهديده.

ومع أن إسرائيل هددت بأنها ستضرب منصات الصواريخ غرب العراق، بل ذهبت بعيدا بأنها ستستهدف الأردن في حال اعترض طريقها، إلا أن جورج بوش الأب فرض عليهم السكوت وعدم الرد حتى لو استخدم صدام السلاح الكيماوي.

للحدثين سياقات مختلفة؛ فالأول قبل حوالي عقدين من قيام إسرائيل رسميا، والثاني لظروف معروفة.

ولكن حاليا الظرف مختلف بعد بضع وسبعين سنة من قيام إسرائيل؛ فإسرائيل هرولت مذعورة إلى عباءة الحماية الغربية، وعودة الوصاية-على فرض رحيلها شكليا- الأمريكية، وهي في أوج قوتها وعربدتها وهرولة أطراف من النظام العربي الرسمي لتطبيع العلاقات معها، بسبب منظمة فلسطينية محاصرة، مما يجعل (عقدة الوجود) ذات محل عميق داخل أي منطق أو استنتاج.

والأيام حبلى بالمزيد.

،،،،،

من قلم:سري عبد الفتاح سمّور(أبو نصر الدين)-جنين-أم الشوف/حيفا-فلسطين

تم النشر ،الخميس  2 جمادى الأولى   1445هـــ، 16-11-2023م

https://www.aljazeera.net/blogs/2023/11/16/%D8%B9%D9%88%D8%AF%D8%A9-%D8%A5%D8%B3%D8%B1%D8%A7%D8%A6%D9%8A%D9%84-%D8%A5%D9%84%D9%89-%D8%A7%D9%84%D9%88%D8%B5%D8%A7%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%83%D8%B4%D9%88%D9%81%D8%A9

 

 

بعد 75 عاما...إسرائيل عادت إلى مرحلة ما قبل الدولة

  

أخط هذا النص بعد غياب طويل نسبيا لسببين: الأول صحي منعني من الكتابة والحمد لله على نعمة العافية، والثاني هو أن المشاهد التي تبث عبر الشاشات ونشرات الأخبار والتغطية المستمرة، من ناحية تغني عن كثير مما يخطه اليراع، ومن ناحية أخرى يزهد الناس تلقائيا في صرف جزء من وقتهم في قراءة نص يتجاوز ما ألفوه من تغريدات قصيرة عبر مواقع التواصل، وأعني بالمشاهد والأخبار الحرب على غزة بالتأكيد.

والآن بعد مرور أسابيع على الحرب لا بد من إضاءة على جوانب مهمة في هذا الوقت باستخدام المرقوم، حتى لو انشغلنا عن القراءة لكنها تظل وسيلة العلم والمعرفة الأساسية مهما تطورت الوسائل الأخرى.

الحاج فضل الجزماوي

رحم الله الحاج فضل، فهو شخص معروف في مدينة جنين، كسب قوته من كده، وعلّم أولاده وبناته وأخرجهم أفراد صالحين في المجتمع، قبل أن يأتيه أجله؛ والحاج فضل لجأ إلى جنين من بلدة معروفة وكبيرة قرب مدينة حيفا وهي(اجزم) مع كثير من اللاجئين الذين توزعوا ما بين الضفة الغربية والأردن وسورية ولبنان والعراق في خضم نكبة 1948 وإعلان قيام دولة إسرائيل.

ومثل كثير من اللاجئين الفلسطينيين وقتها عانى ألم التشريد والتهجير، وحكايات المجازر المروعة التي رافقت إخراج الناس من مدنهم وقراهم ومضارب البدو على يد العصابات الصهيونية المدعومة من بريطانيا.

وعندما حان وقت النكبة الثانية في حزيران 1967 تذكر هو وغيره ما كان قبل 19 سنة وجاءت ذكريات الطرد والقتل والجرائم، فحزم ما استطاع من أمتعته ورحل الحاج فضل فارّا من تكرار المشهد إلى شرق النهر(الأردن).

يحدثنا كبار السن عن احتلال الضفة الغربية في 1967 بأن قوات الجيش الإسرائيلي حرصت على التقليل من عدد القتلى بين المدنيين، وركزت جهدها على جمع السلاح، وألقى قادتهم كلاما فيه نوع من الطمأنة للناس على أرواحهم وأعراضهم وممتلكاتهم، واللاجئون الذين شهدوا أحداث نكبة 1948 لاحظوا فرق التعامل من القوم بعد 19 سنة.

وبخصوص الحاج فضل وغيره ممن نزحوا إلى شرق النهر(الأردن) فقد منحت السلطات الإسرائيلية مدة زمنية لمن يرغب بالعودة عن طريق التنسيق مع الصليب الأحمر، وقرر الحاج فضل أن يعود وعلى الحدود بين الضفتين وهو عائد إلى جنين، أجرت الإذاعة الإسرائيلية معه مقابلة حول سبب نزوحه وقراره بالعودة وغير ذلك، وكان مما قاله (أنتم مجرمون تقتلون المدنيين) وكان رد المذيع:هذا في الماضي نحن الآن دولة منظمة.

 

عودة إلى التهجير والمجازر المتواصلة

 

حكاية الحاج فضل أعلاه تعطينا فكرة ومفتاحا لتحولات الكيان العبري، وانتقاله من الجرائم الواسعة العشوائية إلى (الجريمة المنظمة) القائمة على مؤسسة عسكرية وأمنية وقوانين متدرجة لتثبيت المشروع تدريجيا دون استخدام واسع متكرر إلى ما كان عليه الحال في مرحلة ما قبل تأسيس الدولة وبداية قيامها؛ حيث التفجيرات والاعتداءات الدموية وصولا إلى مجازر مروعة بعضها مشهور وبعضها قلة سمعوا به وبعضها لم يكشف عنه ومن أشهرها مجازر دير ياسين والطنطورة والدوايمة.

حرص الاحتلال الإسرائيلي بعد هزيمة 1967 على أن تكون المجازر متباعدة نسبيا، وبعد كل مجزرة يحاول امتصاص ردّات الفعل عبر لجان تحقيق وأحيانا محاكمة أفراد متورطين في جرائم ضد الفلسطينيين، صحيح كان يتم تخفيف الأحكام عنهم على مراحل ليفرج عنهم، ولكن بعد انتهاء الغضب الشعبي.

بل إن لجنة كاهان التي شكلت للتحقيق في مجزرة صبرا وشاتيلا في 1982 تسببت في اعتزال بيغن السياسة حتى موته وحيدا، وفي غياب شارون عن الحياة السياسية سنوات.

لقد تعاملت إسرائيل مع الفلسطينيين كدولة حديثة ماكرة، تصادر أرضهم بالتدريج عبر مراحل زمنية دون قتل أو تشريد وتهجير يلفت النظر.

وحين تمارس هوايتها المفضلة التي تأسست عليها، أي القتل الجماعي والمجازر يكون هذا في ظروف معينة وفترات زمنية متباعدة نسبيا وبأعداد قتلى مدروسة.

والآن في الحرب على غزة انقلب كل شيء وعادت إسرائيل إلى بداياتها؛ فهي على مدار الساعة تقصف غزة مستهدفة الأطفال والنساء والمدنيين الفقراء وتوقع أعدادا كبيرة منهم بين شهيد وجريح جراحا تسبب إعاقة، وكثير من عائلات غزة مسحت من السجل المدني، ولا يسلم من استهدافها بالقنابل التي يلقيها طيرانها الحربي مشفى أو مدرسة أو مسجد أو كنيسة أو شارعا أو مربعا سكنيا، على مرأى ومسمع العالم!

وتطالب علنا بترحيل الغزيين إلى سيناء، وتلقي على المواطنين منشورات بأن يغادروا شمال غزة نحو جنوبها فتلحقهم طائراتها هناك لتقتلهم بلا رحمة...عادت إلى ممارسة التهجير بوحشية غير مسبوقة.

والعودة إلى البدايات بعد 75 سنة على تأسيس الدولة مؤشر على شعور بالخطر الوجودي، وانكشاف غريزة حاولت التعمية عليها، وفقدان ما تفاخرت به عبر سنوات بأنها دولة قانون، ولا تستهدف المدنيين عمدا، بل إنها لطالما قارنت نفسها بأنظمة عربية في التعامل مع المدنيين.

وعادت سجونها التي كانت تفتخر بأنها فنادق مقارنة مع سجون أنظمة عربية إلى المرحلة الأولى بعيد الاحتلال، من حيث التضييق على الأسرى وضربهم وسحب كل شيء من غرف احتجازهم المكتظة وتقديم طعام رديء لهم، ومنع المحامين من زيارتهم، وإهمال طبي، وتفنن في التنكيل والإذلال.

بالنسبة لي أعرف أن هذه هي إسرائيل الحقيقية، وكل ما كان هو مساحيق تجميل وتغيير في الأساليب لا الأهداف المعلنة وغير المعلنة، ولكن هناك من هو متفاجئ.

 وأحرجت بتصرفاتها من روّجوا لفكرة نسيان الماضي الذي تأسست عليه(القتل والتهجير) والتعامل مع حاضرها كدولة متطورة فيها قوانين وتحترم حقوق الإنسان وتسعى للسلام مع محيطها العربي....إلخ هذا الهراء.

مع بشاعة المجازر المتواصلة، والألم والحزن على الأطفال الذي تحوّلهم القذائف الإسرائيلية أمريكية الصنع إلى أشلاء، فإن للأمر حسنة إظهار وجه إسرائيل الحقيقي الذي حاولنا عبر سنوات توضيح حقيقته، بلا جدوى.

وهذا يجعل الصراع يعود إلى منبعه وأصله(احتلال أرض وتشريد شعبها) بعيدا عن أية أمور أخرى.

عاد الكيان العبري إلى ثلاثية بداياته:القتل والتهجير والوصاية؛ وقد أتيت على القتل والمجازر والتهجير، أما الوصاية والتبعية فلها حديث منفصل بإذن الله تعالى.

،،،،،

من قلم:سري عبد الفتاح سمّور(أبو نصر الدين)-جنين-أم الشوف/حيفا-فلسطين

تم النشر ،الإثنين  22 ربيع الآخر  1445هـــ، 6-11-2023م

https://www.aljazeera.net/blogs/2023/11/6/%D8%A8%D8%B9%D8%AF-75-%D8%B9%D8%A7%D9%85%D8%A7-%D8%A5%D8%B3%D8%B1%D8%A7%D8%A6%D9%8A%D9%84-%D8%B9%D8%A7%D8%AF%D8%AA-%D8%A5%D9%84%D9%89-%D9%85%D8%B1%D8%AD%D9%84%D8%A9-%D9%85%D8%A7-%D9%82%D8%A8%D9%84

 

مخيم صاغ هوية المدينة الصغيرة

 

هذا المقال هو الثالث والأخير في الحديث عن الأسباب الحقيقية التي جعلت مخيم جنين بؤرة للمقاومة، وحالة خاصة لا مثيل لها، وقد تحدثت في المقالين السابقين عن تجذر المقاومة في جنين سواء المقاومة النظامية، أو المقاومة التي يخوضها رجال يتبعون أسلوب حرب العصابات، وفي هذا المقال سأتحدث عن مزايا أخرى لمخيم جنين.

"جنيني يا بطيخ"

إذا كان لكل مدينة تقريبًا شيء يميزها؛ مثل وجود شخصية بارزة في مجال ما، أو حدث تاريخي، أو معلم ديني أو سياحي، أو واقع اقتصادي، أو منتج خاص؛ فإن جنين ليست بعيدة عن ذلك، ليس بكونها أيقونة مقاومة للغزاة فقط، بل بمنتوجاتها الزراعية المميزة، وكيف لا وهي في حضن مرج ابن عامر، أحد أكبر سلال غذاء بلاد الشام عمومًا، وفلسطين على وجه الخصوص.

ومن أكثر ما تميزت به جنين هو البطيخ الذي ينضج ويقطف صيفًا ويباع في الأسواق، ويصدّر منه خارج فلسطين، ويروي كبار السن أن أسواق دمشق وبيروت لطالما صدح فيها البائعون، "جنيني يا بطيخ"، مثلما اشتهرت الخليل -ولا تزال- بالعنب، وأريحا بالموز وغير ذلك.

لكن الحال تغير قبل أكثر من أربعين عامًا حين عمد الاحتلال إلى محاربة المزارعين الفلسطينيين في جنين في أرزاقهم، خاصة حربه على (البطيخ الجنيني) فعمد إلى عرقلة التصدير؛ فالمعابر تحت سيطرته التامة، وأغرق الأسواق المحلية ببطيخ سعره رخيص لضرب المنتج الفلسطيني (الجنيني)، ومع الأسف كان له ما أراد، وزحف العمران على أراضي جنين الزراعية، بتشجيع ومخطط صهيوني محكم، وظهور مرض يصيب ثمرة البطيخ، مما عطل زراعتها في جنين سنوات طويلة.

 

ومع أن زراعة البطيخ استؤنفت في جنين منذ سنوات، ولكن (أمجاد) البطيخ الجنيني لم تعُد، والكميات محدودة، وحتى الطعم اللذيذ الذي نتذكره ما عدنا نتذوقه في البطيخ، مع بقاء منتج جنين من البطيخ هو الألذ طبعًا.

أسوق هذا الشرح عن بطيخ جنين لتبيان، أن قدرها فقط –حتى زوال الاحتلال- أن تظل عاصمة المقاومة وقبلة المقتدين بنهج الشهادة والتضحية، خاصة أن جيلًا اكتهل الآن لم يعش مرحلة (التميز البطيخي).

 

هوية جنين صاغها المخيم

لا توجد أي مدينة في الضفة الغربية إلا وعلى مقربة من مخيم من مخيمات اللاجئين، الذين بدأ تاريخهم من لحظة تشريد العصابات الصهيونية للتجمعات السكانية الفلسطينية في 1948، طبعا هناك من اللاجئين من قطن بعض المدن بعد فترة إقامة في المخيمات، (هذا مستمر ولا يتوقف)، أو أقاموا في المدن منذ بداية النكبة استملاكًا لبيوت أو استئجارًا بسبب ظروف معينة، ولكنهم حملوا بطاقات وصفة لاجيء المقدمة للاجئين من الأونروا.

ميزة لاجئي جنين -سواء في المخيم أو المدنية ومحيطها- أنهم صاغوا وشكّلوا هُوية المدينة الصغيرة (جنين)، وصبغوها بصبغة خاصة، وأثروا فيها أكثر بكثير مما أثرت فيهم.

وجنين مدينة كنعانية قديمة، وظلت على مر عمرها قليلة السكان، ذات طابع زراعي عمومًا، وتحمل من صفات القرية والمدينة.

 

مع نابلس

وعلى العكس من هوية جنين ترتسم شخصية نابلس؛ فهي جغرافيا مدينة تقع غربها مخيم (عين بيت الماء أو العين)، ويحدها من شرقها مخيمان هما: بلاطة وعسكر، وبلاطة أكبر مخيمات الضفة الغربية، إضافة إلى لاجئين سكنوا داخل أحياء البلدة القديمة، التي هي عصب نابلس وجذرها وأساسها الاجتماعي والتجاري؛ بل إن نابلس كانت ولا تزال مقر إدارة مركزية للأونروا في شمال الضفة الغربية.

ولكن نابلس مدينة عريقة هُويتها متبلورة وعاداتها وأعرافها وقدم العائلات التي تقيم فيها منذ قرون، وعمل أهلها في التجارة منذ زمن بعيد وليس في الزراعة، وعُرفت أحيانًا بدمشق الصغرى لتشابه كبير بينها وبين دمشق عاصمة سوريا، فكان من الطبيعي أن يكون تأثر اللاجئين في مخيماتها وداخلها بهذه الهُوية الضاربة جذورها في التاريخ أكثر مما تأثرت المدينة، فصار اللاجئون فيها جزءًا من نسيجها الاجتماعي والاقتصادي والثقافي المتبلور الموروث، وليس العكس.

ومثلها مدينة الخليل العريقة -أيضًا- التي يقع قربها مخيم الفوار، ونابلس والخليل مدن كبيرة وتقطنها عوائل وعشائر منذ قرون، وانتظم فيها نظام مجتمعي وعادات وتقاليد ترسخت وتراكمت معالمها عبر الزمن، بعكس مدينة جنين التي تُعَدُّ عائلاتها الأصلية (الجنينية) على أصابع اليد، وعددهم قليل، وسكنها فلاحون من محيطها لسبب أو آخر، أو سكان قدِموا من خارجها، من مدن أو قرى بعيدة نسبيًا عنها، إضافة إلى اللاجئين الذين هُجّروا قسرًا من أراضيهم في قرى مرج بني عامر وسهل زرعين، ومناطق الروحة والكرمل.

فكانت مدينة لينة سهلة التشكيل وفق من قدِموا إليها، لا بما ترسخ فيها من عادات وتقاليد وأعراف.

ومما يحمله اللاجئون كما ذكرنا في قلوبهم، جرح النكبة الغائر والرغبة في الثأر من الغزاة، والعودة إلى الديار.

،،،،،

من قلم:سري عبد الفتاح سمّور(أبو نصر الدين)-جنين-أم الشوف/حيفا-فلسطين

تم النشر ،الثلاثاء 13 صفر 1445هـــ، 29-8-2023م

https://www.aljazeera.net/blogs/2023/8/29/%D9%85%D8%AE%D9%8A%D9%85-%D8%B5%D8%A7%D8%BA-%D9%87%D9%8F%D9%88%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AF%D9%8A%D9%86%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B5%D8%BA%D9%8A%D8%B1%D8%A9

 

جغرافية المقاومة.. جنين دائما مستعدة

 

 تحدثت في المقال السابق عن خصوصية جنين ودورها في مقاومة حملة نابليون والاحتلال الإنجليزي، وهناك أمر آخر أرى ألا أمر عليه مرور الكرام، لأنه ساهم كثيرا في تعزيز خصوصية جنين ودورها المقاوم.

انتصار عربي نادر على أرض جنين

دخلت الجيوش العربية السبعة فلسطين في 1948، وهي أقل عددا وعدة وتدريبا وجهوزية من العصابات الصهيونية التي تتمتع أيضا بكم معلومات استخباراتية لا يقارن بحجمه المهول بما لدى الجيوش العربية، يضاف إلى ذلك ضعف الإرادة السياسية لدى الأنظمة العربية الرسمية للتصدي الفعلي لتلك العصابات المدربة المدعومة من قوى الغرب والشرق، أو ثقتها وأحيانا ارتهانها للسياسات المرسومة من القوى الاستعمارية، فكان من الطبيعي أن تتغلب العصابات المنظمة على جيوش هذا حالها، ويضاف إلى ذلك أن الشعب الفلسطيني كان محروما وفق خطة بريطانية محكمة، من اقتناء الأسلحة إلا بشق الأنفس وبأسعار كان ثمنها غالبا ذهب(مصاغ) الزوجات، وكان أي فلسطيني يضبط ومعه سلاح بل أحيانا رصاصة واحدة، يشنق بعد محكمة عسكرية سريعة!

ولكن في خضم تلك النكبة والظلام برز شعاع نور ما زال حاضرا في نفوس الأجيال المتعاقبة، خاصة أن له شيئا ماديا يذكّر به.

ففي الرابع من حزيران-يونيو 1948 وقعت معركة حامية الوطيس بين قوات من الجيش العراقي برفقة متطوعين فلسطينيين وبتعاون من أهل جنين ومحيطها، أدت إلى فك حصار فرضته العصابات الصهيونية على المدينة ومحيطها منذ نهاية أيار-مايو، وأوقع العراقيون والفلسطينيون خسائر فادحة في صفوف تلك القوات، مما أدى إلى تقهقرها، وتخليص المدينة وقراها من الالتحاق بأخواتها من القرى والبلدات التي أحكم الصهاينة قبضتهم عليها(ثلثي مساحة فلسطين الانتدابية).

وعلى بعد بضعة كيلومترات من مدينة جنين وعلى مقربة من بلدة قباطية في منطقة (جنزور) تم دفن جثامين 44 شهيدا عراقيا، حيث سيصبح اسم المنطقة (مثلث الشهداء) بسبب وجود هذه القبور.

وممن شارك في تلك المعركة الضابط العراقي(محمود شيت خطاب) وهو عسكري وشاعر ومؤرخ فذّ لا يشق له غبار في مجال(العسكرية والحروب الإسلامية) وقد نظم قصيدة جاء فيها:-

1)   أجنينُ إنك قد شهدتِ جهادنا**وعلمتِ كيفَ تساقطتْ قتلانا

2)   ورأيتِ معركةً يفوزُ بنصرها**جيشُ العراقِ وتُهزمُ الهاجانا

3)   أجنينُ يا بلدَ الكرامِ تجلدي**ما ماتَ ثأرٌ ضرّجتْهُ دمانا

4)   أجنينُ لا ننسى البطولةَ حيةً**لبنيكِ حتى نرتدي الأكفانا

5)   إني لأشهدُ أن أهلك كافحوا**غزوَ اليهودِ وصارعوا العُدوانا

هذا تأكيد من الضابط العراقي المميز على دور أهل جنين في المعركة، ومساندتهم لإخوانهم العراقيين، في التصدي للعدوان الصهيوني، وهذه المعركة خلقت ارتباطا عاطفيا خاصا مميزا بين جنين والعراق، مع كل التغيرات السياسية التي عصفت ببلاد الرافدين (المعركة وقعت في العهد الملكي في بغداد).

ومن جهة أخرى موقع المقبرة، الذي يخلق حالة بصرية خاصة للداخلين إلى جنين والخارجين منها على طريق نابلس، جعلها مميزة بقصص وشخصيات البطولة والشهادة التي تصبغ جنين وتاريخها القريب؛ فكما قلنا استشهد الشيخ عز الدين القسام أواخر 1935 في أحراش بلدة يعبد قضاء جنين.

القبور التي ضمت جثامين الشهداء العراقيين ظلت كأنها رواية وتاريخ ناطق، تحدث عن تفصيلاته كثير ممن عاشوا تلك المرحلة ثم البنين والحفدة، غير ما سطرته الكتب والتقارير والقصص الصحفية والمرئيات، وما تزال عن تلك المعركة.

دبابة أردنية

وزيادة في شحن معاني الفداء والبطولة وترسخ الشهادة كقيمة ومنزلة مهمة وكبيرة في المنطقة، دارت معركة عند احتلال جنين في نكبة حزيران-يونيو 1967 بين الضابط الأردني(محمد الحميدان) الذي كان قائدا لدبابة قاومت حتى قصفها جيش الاحتلال بالنابالم فاستشهد، رافضا التراجع أو الاستسلام، وقد وضعت الدبابة أمام مقبرة شهداء الجيش العراقي آنفة الذكر.

وتخيل نفسك تدخل جنين ولا تعرف شيئا عن كل ما ذكر، وقبل وصولها تجد دبابة مدفعها ظاهر أمام مقبرة، سيأخذك فضولك للتأمل والسؤال، وعند معرفة الإجابة، ستعلم أنك في مجال جغرافي مشبع ومفعم بكل ما له علاقة بالتضحية والشجاعة والشهادة!

وكان جيش الاحتلال كل فترة يقوم بدهن هذه الدبابة، لأنه يعتبرها علامة انتصار له، وقد حملتها قوات الاحتلال إلى مكان ما في الداخل الفلسطيني في 1995، بعيد تسليم المنطقة للسلطة الفلسطينية في 1948 ولكن بقيت مقبرة الشهداء العراقيين، التي شهدت حتى مؤخرا ترميما، ويتوسطها نصب تذكاري، معلما من أهم معالم جنين.

اللاجئون ومخيم جنين في هذه البقعة

اللاجئون في مخيم جنين قدموا من 57 تجمعا في فلسطين المحتلة سنة 1948 أيضا ليسوا مجردين من قصص بطولات تضاف إلى الرغبة الكامنة في النفوس في التخلص من النكبة وتبعاتها.

فمن قرية المزار القريبة من جنين جاء لاجئون من عائلة السعدي، والتي قبل النكبة بعقد برز منها الشيخ (فرحان السعدي) رفيق درب الشيخ عز الدين القسام، والذي كان له مع الإنجليز صولات وجولات، ليقبض عليه ويشنق وهو الثمانيني الصائم في شهر رمضان.

وهناك من مناطق قريبة في سهل بيسان جاء لاجئون أيضا من زرعين التي شهدت معارك طاحنة ودمرت معظم منازلها، وقرى أخرى مثل قومية ونورس.

والقرى المذكورة لم تكن بعيدة عن أواصر العلاقات المختلفة مع جنين المدينة قبل النكبة.

الجزء الثاني من اللاجئين في مخيم ومدينة جنين كانوا أقل احتكاكا ورابطة بجنين قبل النكبة، لأن مركزهم مدينة حيفا الساحلية، وهم أهالي منطقة الروحة(والدي وجدي منها) التي تضم عشرات القرى والتجمعات الفلسطينية(أم الشوف وخبيزة وصبارين والسنديانة وقنير والكفرين وغيرها وغيرها) ومنطقة الكرمل (حيفا) وقد اشتهر (مثلث الرعب الفلسطيني) بمقارعة العصابات الصهيونية قبل احتلاله والذي ضم قرى وبلدات (جبع واجزم وعين غزال) وكثير من أهالي اجزم وعين غزال من لاجئي جنين ومخيمها وبعضهم حطت رحال اللجوء بهم في سورية والعراق!

وعشائر التركمان القادمين من منطقة(عرب التركمان) والتي تضم بلدات وتجمعات مثل المنسي والغبيات ولد العوادين، أيضا لجأ  كثير منهم إلى جنين والمخيم ومناطق أخرى قريبة.

أي أن اللاجئين في جنين ومخيمها يحملون إرثا خصبا مصبوغا برغبة في التحرر والثأر لاقتلاعهم من بيوتهم وأراضيهم، وتشريدهم وتشتت عوائلهم، وقتل العديد منهم، مع قصص بطولات وتصدي للعصابات الصهيونية وقبلها الاحتلال الإنجليزي.

البذرة في تربة جاهزة!

هذه المدينة الصغيرة(جنين) يحل على أرضها ومحيطها هذا العدد من اللاجئين بكل ما ذكرنا عن تاريخها، وبكل ما لهؤلاء من خصائص ومزايا، تعزز شيئا مؤكدا:الجاهزية للمقاومة دوما، وهو ما كان وما يزال.

،،،،،

من قلم:سري عبد الفتاح سمّور(أبو نصر الدين)-جنين-أم الشوف/حيفا-فلسطين

تم النشر ،الثلاثاء 1-8-2023م

https://www.aljazeera.net/blogs/2023/8/1/%D8%AC%D8%BA%D8%B1%D8%A7%D9%81%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%82%D8%A7%D9%88%D9%85%D8%A9-%D8%AC%D9%86%D9%8A%D9%86-%D8%AF%D8%A7%D8%A6%D9%85%D8%A7-%D9%85%D8%B3%D8%AA%D8%B9%D8%AF%D8%A9

 

 

الخميس، فبراير 15، 2024

مخيم جنين...جغرافية خاصة في تاريخ ملتهب

 

بقلم:سري سمّور

مخيم جنين بعد معركة نيسان-أبريل 2002 كان مادة طغت على التغطيات الإعلامية، وألهم صناع الدراما (أفلام ومسلسلات) والباحثين والكتبة، وروائيين تفتحت قريحتهم فكتبوا عن المخيم كثيرا، بل إن معركة المخيم تلك كانت موضوعا ومحورا لأطروحات دراسات عليا في أكثر من جامعة فلسطينية، وغير فلسطينية.

ومع تقادم السنين طغت أحداث وأماكن أخرى على نشرات الأخبار، وانشغل أهل المخيم بحياتهم وحاولوا الحياة ما استطاعوا إليها سبيلا، يلملمون الجراح ويذهبون إلى أعمالهم ودراستهم، يتفقون ويختلفون، ويتشاجرون ويتصالحون، يتزوجون وينجبون، غير ناسين ما جرى؛ فقد دفعوا فاتورة دم كبيرة، فما بين سنة 2000-2006 استشهد 1% من سكان المخيم، وكل أسير خلف القضبان، وآخر يفرج عنه يذكرهم بتلك المرحلة التي عاشوها.

وبعد عقدين عاد مخيم جنين إلى الواجهة بعد تشكيل "كتيبة جنين" واغتيال شيرين أبو عاقلة مراسلة قناة الجزيرة التي زارت جنين والمخيم ضمن مهنتها مرات كثيرة، وغطت أحداثا في أماكن مختلفة سنوات طويلة، ليكون قدرها أن تقضي على أرض المخيم في مايو/أيار 2022.

وكأن المخيم بما يحمله من رمزيات يصر على الحضور دوما، وتوالت الأحداث حتى شهد المخيم اجتياحا ذكّر الفلسطينيين والعالم باجتياح 2002 وذلك يومي 3 و4 يوليو/تموز 2023 واستمر 40 ساعة وأسفر عن 12 شهيدا و100 جريح بعضهم حالته صعبة، مع تدمير كبير في البنى التحتية والمنازل، وتشريد ما يقارب 4 آلاف من سكان المخيم، كثير منهم نساء وأطفال وشيوخ ومرضى.

لماذا مخيم جنين؟

لن أوغل في تفصيلات ما جرى، فالشاشات التابعة للقنوات الفضائية والمواقع الإخبارية مليئة بهذا، والتحليلات السياسية والعسكرية من مختلف الأطراف دسمة بما يغنيني عن كثرة الحديث؟

ولكن، ظل هناك جانب قليلون من تناولوه بعيدا عن الطوباوية (المثالية) أو داروا حوله، وهو لماذا مخيم جنين يحظى بهذا الاهتمام؟ وتسارع دول لإعادة إعمار ما دمره الاحتلال فيه، وتتسابق قنوات فضائية مهمة لتغطية أحداثه، وقبل ذلك لماذا وللمرة الثانية يتبلور داخل المخيم وضع أو حالة خاصة من مقاومة الاحتلال تمتاز بالفرادة داخل الضفة الغربية؟

وهذا يقود إلى سؤال آخر: لماذا بقية المناطق بما في ذلك محيط مخيم جنين لم تتكون داخلها حالة شبيهة بحالة المخيم؟ بما في ذلك مخيمات لاجئين أخرى كان لها مع الاحتلال صولات وجولات في مراحل سابقة؟ لماذا مخيم جنين هو الأيقونة المتفردة المتواصلة حتى الآن؟

هذه الأسئلة تجعلنا ننظر من زاوية أخرى؛ نظرا لأهميتها وغوصها في جذور الحالة الصامدة المتحدية للاحتلال وجوهرها، بينما ركزت التغطيات غالبا على الظاهرة أو تجليات الحالة.

مخيم جنين في جغرافية خاصة

في عجالة، وللتذكير لا التعريف لأنه نشر عن هذا كثيرا؛ فإن مخيم جنين يقع غرب مدينة جنين المحاذية لمرج بني عامر أحد أخصب سهول الهلال الخصيب، والواقعة شمال الضفة الغربية التي احتلت بعد هزيمة 1967 وكانت تابعة للأردن مدنيا وعسكريا وسياسيا بالطبع.

أقامت الأونروا (وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين) المخيم على أراضي جنين سنة 1953 وتبلغ مساحته حاليا أقل من نصف كيلومتر مربع (أضيف للمخيم مساحة جديدة ملاصقة عبارة عن 14 دونما ضمن تبرع رئيس دولة الإمارات الراحل الشيخ زايد آل نهيان لإعمار ما دمره الاحتلال في اجتياح 2002) ويبلغ عدد سكانه حاليا حوالي 12 ألف نسمة، وللتنويه فإن هناك تقديرات أخرى لعدد السكان أعلى من هذا الرقم المأخوذ من الجهاز المركزي للإحصاء في فلسطين، وهي ليست بعيدة عن الواقع الاجتماعي، لأنها تأخذ في عين الاعتبار أن سكان الأحياء المحيطة بالمخيم من الشمال (الزهراء) والغرب (الهدف وواد برقين) والجنوب (الجابريات) أغلبيتهم الساحقة كانوا من سكان مخيم جنين ويرتبطون به كونهم يحملون صفة اللجوء الفلسطيني وفق التعريف الفلسطيني وقرارات الأمم المتحدة، إضافة بالطبع للأواصر الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وغيرها.

مخيم جنين ملاصق من الشرق للمشفى الحكومي (مستشفى الشهيد الدكتور خليل سليمان) الذي تأسس بعد بضع سنين من إقامة المخيم إبان الإدارة الأردنية، وحمل اسمه الحالي، لأن مدير مركز الهلال الأحمر الدكتور خليل محمود سليمان، استشهد في الأسبوع الأول من مارس/آذار 2002 وذلك أثناء عملية عسكرية إسرائيلية حملت اسم "رحلة بالألوان" استهدفت مجموعة مخيمات في الضفة والقطاع، وفشلت في مخيم جنين؛ وكان الدكتور خليل يركب سيارة إسعاف دخل بها إلى المخيم لإخلاء الجرحى، فأطلقت قوة من جيش الاحتلال قذيفة أدت إلى احتراق جسده تماما وهو في العقد السابع من عمره.

والدكتور خليل ينحدر من بلدة عرابة جنوب غرب جنين، ويقيم في منزل في مدينة جنين ليس بعيدا عن المخيم جهة الشرق.

وأسرد هذا الحدث للإشارة إلى أن مخيم جنين يراق على أرضه دم من ليس من سكانه من شرائح مختلفة بنيران الاحتلال؛ إذ لا فرق عند الاحتلال بين مقاوم مثل يوسف قبها (أبو جندل) ابن بلدة يعبد، أو طبيب مثل خليل سليمان، أو صحفية مثل شيرين أبو عاقلة.

وفي حدود علمي ليس هناك منطقة مثل مخيم جنين فيها هذا التميز أو الخصوصية، حيث يختلط دم أناس من مناطق مختلفة ودخلوه لأسباب مختلفة، والجامع بينهم هو ظلم الاحتلال وعدوانه.

وفي الجهة الغربية من مخيم جنين مقبرة تدفن فيها جثامين الشهداء والموتى، وهذا دفع بعض الشبان إلى التندر الحامل لنبرة متحدية للأعداء: احذر المخيم فأوله مشفى وآخره مقبرة!

وليس هناك مساحات فاصلة واسعة بين بيوت المخيم التابعة لإدارة الأونروا وأعرافها وقوانينها، وبيوت مدينة جنين القريبة التابعة لبلدية جنين، فهناك تداخل واضح في المناطق المحاذية للمخيم.

 

جنين وتاريخ من الصراع مع الغزاة

جنين، مدينة على صغرها نسبيا ولكنها قديمة (كنعانية) وشهدت أحداثا كثيرة، وما يهمنا منها هو مقاومة الغزاة، وهم سبب عدم وجود فترات استقرار وهدوء طويلة في جنين؛ فقد قاوم أهل جنين وقراها حملة نابليون الفرنسية وألحقوا بجيشه -برفقة العثمانيين- خسائر فادحة فأمر بإحراق المدينة!

وفي فترة الانتداب البريطاني كان لجنين صولات وجولات، ولا تذكر جنين إلا مقرونة باسم الشيخ الشهيد عز الدين القسام الذي استشهد في أحراش بلدة يعبد القريبة منها عام 1935 وعندما اندلعت الثورة الكبرى عام 1936 كان لجنين وأهلها ومجاهديها بصمات مميزة في مقارعة الإنجليز ومهاجمة المستعمرات اليهودية.

وقد هدم الإنجليز أجزاء كبيرة من مبانيها انتقاما لمقتل ضابط إنجليزي كبير على يد مجاهد من بلدة قباطية (علي أبو عين) عام 1938.

،،،،،

من قلم:سري عبد الفتاح سمّور(أبو نصر الدين)-جنين-أم الشوف/حيفا-فلسطين

تم النشر ،الثلاثاء 18-7-2023م

https://www.aljazeera.net/blogs/2023/7/18/%D9%85%D8%AE%D9%8A%D9%85-%D8%AC%D9%86%D9%8A%D9%86-%D8%AC%D8%BA%D8%B1%D8%A7%D9%81%D9%8A%D8%A9-%D8%AE%D8%A7%D8%B5%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D8%AA%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D8%AE-%D9%85%D9%84%D8%AA%D9%87%D8%A8

 

 

 

الثلاثاء، فبراير 13، 2024

إسرائيل...تحليلات تتجاهل الدولة العميقة

 

بقلم:سري سمّور

مظاهرات واحتجاجات متواصلة منذ أسابيع طويلة تشهدها إسرائيل احتجاجا على قوانين جديدة أقرتها الحكومة الإسرائيلية مستندة إلى أغلبية برلمانية صاغت تلك القوانين التي من شأنها تغيير في منظومة القضاء، والحد من صلاحيات المحكمة العليا.

حراس البوابة    

كثير من العرب الذين يتابعون الأزمة، يرون في الأمر نوعا من ترسخ الإيمان بالحرية والليبرالية في المجتمع الإسرائيلي، وأنه (مجتمع واع) يرفض سيطرة الحاخامات المتشددين على حياة الأفراد ومؤسسات الدولة، حتى لو فازت أحزابهم بأغلبية مقاعد البرلمان(الكنيست).

وقلة لا تكاد تبين وضعوا يدهم على أصل الأزمة، وشخصوها ربما استنادا إلى مصادر إسرائيلية أقرت بأن إسرائيل محكومة بدولة عميقة، معروفة عند الإسرائيليين باسم(حراس البوابة) تمأسست وترسخت قبل وصول الليكود للحكم أول مرة في تاريخ الكيان قبل حوالي 46 وهذه الدولة العميقة تسيطر على الإعلام والقضاء والنقابات والمؤسسات، بغض النظر عمن يفوز في الانتخابات، ومعناه أن إدارة الدولة صاغها حزب العمل وحلفاؤه، وموظفون كبار في مختلف الوزارات يجعلون دور الوزير شرفيا أو مقيدا بمعايير إدارة مرسومة سلفا لا يمكن أن يحيد عنها.

في شأن الحروب والعمليات العسكرية

التحليل الجاهز الشائع لأية عملية عسكرية في ظل حكومة نتنياهو، ومنها مثلا العدوان الأخير على غزة في التاسع من أيار 2023 والذي أسمته إسرائيل (درع ورمح) هو رغبة نتنياهو في إرضاء الوزير (إيتمار بن غفير) كي يضمن بقاء ائتلافه الحكومي بعيد امتناع الأخير عن حضور جلسات الحكومة، وتلويحه بالانسحاب منها، وأيضا كي يخفف من غضب الشارع الإسرائيلي المحتقن بسبب التعديلات القضائية التي ذكرتها سابقا، إضافة إلى رغبته في التهرب من ملاحقات قضائية بسبب تهم الفساد الموجهة إليه.

هذا التحليل، ولو أيدته مقالات في صحف إسرائيلية(الإعلام الإسرائيلي يخضع لتوجيهات أمنية مدروسة وصارمة) يطغى على الفضاء العربي والفلسطيني، سواء على ألسنة قادة وناطقين باسم فصائل فلسطينية أو محللين سياسيين.

وهو تحليل يبدو لي بأنه يشبّه إسرائيل بكوريا الشمالية مثلا، بحيث تذهب إلى حرب أو عملية عسكرية من أجل بقاء (الزعيم نتنياهو) في منصبه، أو إرضاء لبن غفير الذي رفض الجيش الإسرائيلي أن يخدم فيه أيام شبابه.

ويتجاهل هؤلاء أو يرفضون - وأنا شخصيا حاورت بعضا ممن يتحدثون عبر فضائيات عربية وفلسطينية مختلفة، ولاحظت رفضهم- مركزية دور الدولة العميقة(حراس البوابة) من الجنرالات المتمرسين الذين حتى يظلل المصورون وجوههم في الاجتماعات، في قرارات أمنية وعسكرية كتنفيذ عمليات اغتيال أو قصف أو اجتياحات برية وغيرها.

مع أن هؤلاء يقرون بوجود الدولة العميقة، وإقرارهم لا يضيف شيئا فهناك حديث علني إسرائيلي عن هذه الدولة، وقد ظهر مثلا عند اغتيال رابين وسجن أولمرت، ولكنهم عندما يتعلق الأمر بحرب أو عدوان أو اغتيال يخرجون على الملأ بالتحليل السياسي، الذي يختزل الأمر بحسابات إسرائيلية سياسية داخلية ومصالح شخصية للساسة!

الجيش والمخابرات يقرران  

المؤسستان العسكرية والأمنية صاحبتا القرار الفصل فيما يخص الشأن الفلسطيني، ويتبعه ما يخص لبنان(حزب الله) وسورية وبالتأكيد إيران، فجميعنا يعلم حقيقة:كل دولة  له جيش، ولكن الجيش الإسرائيلي له دولة.

ذلك أن أفرع المخابرات(الموساد والشاباك وأمان) تقوم بجمع المعلومات وتحليلها، ولها مراكز دراسات وأبحاث مهمة ومؤثرة وتستقطب أمهر الباحثين عندهم، وبحوزتها موازنات ضخمة جدا، وتجند العملاء والجواسيس وتنفذ الاغتيالات، والجيش بقطاعاته المختلفة يقوم بشن العمليات العسكرية من قصف واجتياحات واعتقالات وحصار.

والساسة منشغلون بحياكة المؤامرات أو صناعة التحالفات والأعمال الروتينية من استقبالات وزيارات ومؤتمرات صحفية، فهم بحكم واقعهم مضطرون للخضوع إلى قرار الضباط ولا يمكنهم التمرد، فهم لا يملكون المعلومات، ولا شأن لهم بخطط العمليات، ويقتصر دورهم على توفير الغطاء السياسي والإعلامي للمهمات الحربية والأمنية.

وفي السنوات الأخيرة اصطبغت الحكومات الإسرائيلية برؤساء حكومات ووزراء لم يأتوا من قلب المؤسسة العسكرية والأمنية أو خرجوا منها منذ زمن طويل، ولا يمكنهم التحكم بتلك المؤسسات(الأجهزة) الفاعلة التي لا يعرف بالضبط حجم الأموال التي بحوزتها، مضافا لها تغلغلها في مفاصل المجتمع وقدرتها على استقطاب وتجنيد أشخاص من مختلف المستويات والطبقات الاجتماعية، وقدرتها على معرفة أدق التفصيلات، بما في ذلك فضائح وأسرار الساسة المالية والأخلاقية، مما يعطيها عوامل قوة فائضة تحول دون قدرة أي مسؤول سياسي على تحديها، على فرض رغب في التحدي أصلا، خاصة أن تلك المؤسسات هي الأكثر تأييدا وثقة في صفوف المجتمع الإسرائيلي.

الكابينيت وأفيغدور ليبرمان مثلا

هل يعني ذلك أن المجلس الوزاري المصغر للشؤون السياسية والأمنية(الكابينيت) في إسرائيل خاضع لرؤية وخطط ضباط الجيش والمخابرات والوزراء  مجرد واجهات للتصديق على ما يقرره الضباط فقط؟نعم، هذه حقيقة يفترض أنها بديهية، ولكن محللين وسياسيين، يحسبون وزيرا مثل بن غفير  مثلا صاحب قرار، وهو الذي يأخذ إذنا لاقتحام المسجد الأقصى من الشاباك وهذا ليس سرا.

ولو أردنا أن نضرب مثلا على طبيعة الدولة العميقة فيما يخص شؤون الحروب والعمليات العسكرية في إسرائيل، فلنتحدث عن (أفيغدور ليبرمان) الذي كان يهدد ويتوعد ويزعم أنه لو كان صاحب قرار لفعل وفعل خاصة ما يتعلق بقطاع غزة، وفعلا تولى المذكور وزارة الدفاع وهي وزارة غنية عن الإشارة بأهميتها في إسرائيل ما بين 2016-2018 فماذا فعل؟وماذا حدث للتهديدات التي كان يطلقها ويزاود بها على زملائه؟

نستطيع تفسير ابتلاعه لتلك التهديدات والعنتريات والمزايدات الإعلامية بأن الرجل جلس مع الضباط الكبار ومن دونهم وحصل منهم على معلومات بحقيقة الأوضاع الميدانية والحسابات العسكرية والأمنية التي لا يمكن نشرها عبر الإعلام إلا تسريبات مدروسة هنا وهناك، فاقتنع بوجهة نظرهم.

أو أنه أدرك أن هؤلاء يملكون من المعلومات( عنه شخصيا وعن ملفات فساده) والنفوذ وعوامل القوة ومفاعيلها المتراكمة عبر عقود ما يجعله غير ذي صلة في قرارات حساسة؛ خاصة أنه ليس ابن المؤسسة ولم يتدرج فيها(مثل رابين وباراك مثلا) أو للسببين معا، والنتيجة أن مجموعة ضباط محترفين هم من يمسك بمفاتيح قرار الذهاب إلى عملية عسكرية في غزة وغيرها وحجم وتوقيت ومدة تلك العملية، شاء الجالس في مكتب الوزير أم أبى!

المطلوب من المحللين

في كل الأحوال يجب أن يكف أصحاب التحليل السياسي المتمسك بنظرية الحروب الإسرائيلية وراءها تثبيت شخص في منصبه ورغبته في التهرب من مشكلات داخلية، عن تجاهلهم لحراس البوابة(الدولة العميقة) لأن معرفة الواقع تساعدنا كثيرا في تحديد خياراتنا ومساراتنا، وقد يحتاج الأمر إلى مزيد من الشرح والتبيين لاحقا بعون الله.

،،،،،

من قلم:سري عبد الفتاح سمّور(أبو نصر الدين)-جنين-أم الشوف/حيفا-فلسطين

تم النشر ،الأربعاء 4 ذي القعدة 1444هـ ،24-5-2023

https://www.aljazeera.net/blogs/2023/5/24/%D8%A5%D8%B3%D8%B1%D8%A7%D8%A6%D9%8A%D9%84-%D8%AA%D8%AD%D9%84%D9%8A%D9%84%D8%A7%D8%AA-%D8%AA%D8%AA%D8%AC%D8%A7%D9%87%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D8%A9

 

 

مع مذكرات أخطر سفير إسرائيلي في مصر (1)

لدي قناعة أن ذهاب أنور السادات إلى خيار التسوية مع إسرائيل؛ و زيارته المشؤومة إلى القدس في 1977 وصولا إلى توقيع اتفاقات كامب ديفيد في 1979 ه...